أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
7480 26821

العودة   {منتديات كل السلفيين} > المنابر العامة > المنبر الإسلامي العام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11-17-2020, 11:42 PM
ابو الحارث النواوي ابو الحارث النواوي غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 54
افتراضي تفريغ كلمة الشيخ الرمضاني في وفاة الشيخ المحدث الفاضل علي بن حسن الحلبي الأثري

قد مات الرجل (الشيخ علي حسن الحلبي رحمه الله) الذي قتلتموه وهو حيّ فما أنتم فاعلون؟


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ حياكم الله جميعا أيها الإخوة الكرام!

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

«يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون» «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا» « يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما»،

أمَّا بعد:

فما أثقل هذه السنة علينا! وما أشدّ آثارها على البشرية! قد أظلمت السماء، واختفى كثير من نجومها، بل طُمست أقمارها.
ذهب الرجال المقتدى بفـــــــعالهم :: والمنكــــــــــرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم :: بعضا ليدفع معور عن معور

إنني قائل بما وردت به السنة، معزيا نفسي وإياكم، بل العالم كله: "إن لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده إلى أجل مسمى".

ما أعظم هذه الكلمة! "إن لله ما أخذ"؛ لأنه هو الذي أعطى، فيأخذ متى شاء، أمانته ردت إليه، ما أصدقها من كلمة نبوية وما أدلها على قول الله تعالى: «الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون».

كلمة عظيمة هذه يا إخوان ترددها ألسنتنا ولا تفهم معناها: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، وحقيقة نحن لله وهل لنا مع الله شيء "وإنا اليه راجعون" لا مفر ولا مهرب كما قال تعالى: «فأين تذهبون».

من أحسن ما ورد في عهد الصحابة الكرام رضي الله عنهم تفسيرا لهذه الآية أن ولدا لأبي طلحة رضي الله عنه توفي وكان شديد الحب له، توفي وهو لا يدري؛ فسجته امرأته أم سليمٍ -رضي الله عنها- ووضعته في مكانه الذي كان ينام فيه في البيت، فلما جاء أبوه يسأل عن حاله -بعد أن غادر البيت وابنه مريض-؛ قالت: هو أسكن مما كان. ولقد صدقت ولكنه فهمها على غير مرادها.

قالت كلمة حكيمة ما أعظمها من امرأة: قالت: "يا أبا طلحة! أرأيت لو أنّ قوما أعاروا عاريتهم أهل بيتٍ فطلبوا عاريتهم" -أسلفوهم شيئا ثم قالوا: ردوا إلينا عاريتنا؛ أي: ذلك الشيء- "ألهم أن يمنعوهم؟!"، قال: "لا". قالت: "فاحتسب ابنك" الحديث في صحيح مسلم.

ما أعظمها من حكيمة بينت له أن هذا الابن لم يكن لك ملكا إلا بعد أن ملكك الله إياه ثم هو عارية عندك وأمانة رُدّت إلى صاحبها، إلى الله! بهذا تطيب النفوس، ولذلك الدنيا هذه متكدرة بما ينغص العيش فيها؛ حتى لا يركن الناس إليها، وحتى يعلموا أن الرجوع الى الله، إلى الدار الآخرة، التي هي الراحة الكبرى، لمن كان من أهل الإيمان والعمل الصالح في هذه الدنيا، وربنا -عز وجل- قد قال: «ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون»، ومن هذه أو من هذا البلاء بلاء الموت، وما أعظمه! قال تعالى: «كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور» وقال تعالى: «أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة» لا مهرب ولا مفرّ وقال: «قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين» وأشد الموت على البشرية الموت الذي يموت معه ألوف مؤلفة، ألا وهو موت العلماء، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا، إنما يقبض العلماء". الله عز وجل لا يرفع العلم من صدور أهله وهم أحياء، لكن يقبض أرواح أهلها -أهل العلم- حتى إذا لم يبق عالم؛ أخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا؛ فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلّوا. والحديث متفق عليه.

هذه هي المصيبة، وهذا الذي نخشى أن نكون في طرف منه؛ لما منيت هذه الأمة في هذه الأشهر المتقاربة من موت علماءها الأفذاذ الموحدين، أهل السنة والجماعة، الذين كان لهم قدم صدق في العلم، والدعوة الى الله، ولذلك قال كعب الاحبار: "موت العالم كسر لا يجبر وثلمة لا تسد"، كسر لا يجبر، كيف يجبر كسر الناس؛ إذا مات عالمهم؟! ذهب علمه مع صدره فقبر معه، ويبقى الناس في هرج ومرج، في جهل ذريع.

هذه الكلمة التي أتقدم بها إليكم معاشر الأكارم، هي كلمة وفاءٍ للشيخ علي بن حسن بن عبد الحميد الحلبي -رحمه الله تعالى- ووفاء لشيخه، شيخنا، الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى-؛ إذ صنع على عينه.

لقد عرفت الشيخ عليا رحمه الله مقابلة له منذ سنة 1404 من الهجرة، ومضطر لأنْ أقول- مع الأسف الناس اليوم قد تعارفوا على التاريخ النصراني- أقول: سنة 1983 ميلادي- بالأردن بلده، وقد أحببناه، كما يحب كل موحد سني أهل التوحيد والسنة؛ لأنا وجدناه على ذلك من أول يوم لقيناه فيه، ثم قوي حبه في قلوبنا لما رأيناه داعيا نشطا في ذلك، ثم كلما مرت الأيام ازدادت استفادة طلبة العلم منه -رحمه الله- وقد أوتي قبولا عجيبا في قلوب طلبة العلم، حتى كان عدد تلامذته في العالم لا يحصون؛ لأنه في الحقيقة هو رحالة، طواف في العالم، داعية الى الله -عز وجل- ومن ذلك اليوم الذي عرفناه فيه إلى يوم وفاته، لم يحل ولم يزل، نحسبه كذلك والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدا.

شهد له علماء كثيرون بالعلم، والدعوة الصحيحة، وهو من أبرز تلاميذ الشيخ الألباني -رحمه الله- بل هو أبرزهم؛ لأنه أقربهم منه منزلة، حتى كان الشيخ يوكل إليه المهام الصعبة؛ ليعطيه الشيخ عليّ خلاصتها؛ أي: خلاصة معطيات المسألة، وعليها يبني الشيخ الألباني حكمه؛ ليجيب أصحابها.

وقد فعل هذا الشيخ الألباني بأن وكل للشيخ عليٍّ بعض المهام، ما كان من فتنة في الجزائر ما يقال عنه: التسعينيات؛ فقد كثر اللغط والكلام عن شيخ تلك الفتنة؛ الشيخ علي بالحاج وقدموا للشيخ الألباني رحمه الله شكاوى كثيرة، منها العاذل العاتب، ومنها المادح، فأوكل الشيخ الألباني بالشيخ علي أن يستمع إلى أشرطة الشيخ علي بالحاج، ويعطيه خلاصتها؛ فأعطاه، وأخبره بأنّ الرجل فارغ من الناحية العلمية، الفتيل الأوحد الذي عنده هو العاطفة الجياشة، وأنّ خطابه خطاب عنيف؛ يا وزير! يا مسؤول! يا رئيس! يا كذا. هذه الخلاصة التي أعطاها الشيخ علي للشيخ الألباني -رحمه الله- وعلى غرارها قال قولته فيما كان في الجزائر، وكان لذلك أثرٌ عميقٌ، على ما سنرى بعد تفصيله في هذه الجلسة، بإذن الله تعالى.

بل لا أعلم أحدا خدم علم الشيخ الألباني مثل الشيخ علي الحلبي -رحمهما الله تعالى- وقد قيل لي أنه دفن بجنب شيخه، لا أعلم أحدا خدم الشيخ الألباني كخدمة الشيخ علي لكتب الشيخ الألباني، سواء كان في التحقيقات، أو غير ذلك، حتى في الردود؛ فقد ابتلي الشيخ الألباني بأعداء كثيرين ما أكثرهم جدا جدا! حتى من المقربين لهذه الدعوة، نصبوا له العداء، وكان بين الفينة والأخرى ينشغل بالرد عليهم مضطرا للبيان العلمي، لكن الله تعالى مما منَّ عليه بالشيخ عليٍّ، أراحه من ذلك، سبحان الله العظيم! كنت ردود الشيخ عليّ موفقة جدًّا، وقويةٌ.

ما يظهر أحد في السنوات الأخيرة وهي طويلة جدًّا يردّ على الشيخ الألباني؛ إلا ويتصدى له الشيخ عليّ، ووفق أيما توفيقٍ، فكان هذا سانحا للشيخ الألباني أن يستمر في تحقيقاته العلمية، ومشروعاته الدعوية، وبعض تلامذته جزاهم الله خيرا مشغولون بتنقية طريق الشيخ -جزاهم الله خيرا.

إن للشيخ الألباني طلابا، بل ملايين الطلاب، الذين تتلمذوا على كتبه؛ لأن الشيخ الألباني -رحمه الله- كان ممنوعا من التدريس والتعليم، ففرغه الله تعالى لخير عظيم، ألا وهو التأليف والتحقيق، الذي هو الآن ينهل منه كبير العلم وصغيرها، ما من أحد حتى المفتون الكبار- لا تخلوا مكتباتهم من كتب الشيخ الألباني -رحمه الله- حتى الحاقدون عليه، لكن الذين لازموا مجالس الشيخ هم قلة، والملاحظ أن كل من تخرج على كتب الشيخ، وعلى مجالسه، حقيقة برز من بين أقرانه، ولو طوفتم العالم في المراكز الإسلامية؛ لوجدتم أنَّ أكثر القائمين على هذه المراكز الإسلامية، بالدعوة إلى الله بالتوحيد والسنة، تخرجوا على كتب الشيخ، أو ممن حضر شيئا من مجالسه، وقد تشرف رجال كثير بذلك، لكن الله أظهر رجلين منهم، كانا آية في العلم والدعوة، ودقة البحث، هما: أولهما فقيدنا الشيخ علي الحلبي رحمه الله، وثانيهما صديقه وزميله وخدينه الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان -حفظه الله-

حقيقة هذان الرجلان مفخرة للشيخ الألباني، مفخرة للشيخ الألباني -رحمه الله- كانا على خير عظيم، جهودهما كبيرة جدا، وقد زكاه شيخنا الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر -حفظه الله- في كتابه رفقا أهل السنة بأهل السنة، وكان الشيخ -حفظه الله- كلما بلغته شكوى ضد الشيخ علي الحلبي؛ يطلب مني أن أقرأها عليه، وبعض المشايخ المنتقدين للشيخ علي يرسل إلى الشيخ العباد انتقاداتهم بالتفصيل؛ فكان يطلب مني أن أقرأها كلها، من أولها لآخرها، وهذا من دقة الشيخ العباد ، الشيخ العباد لا يكاد يتكلم في أحد؛ إلا وقد حاول أن يحيط علما بما له وما عليه، طبعا هو يعرف الشيخ علي الحلبي معرفة دقيقة جدا، كلما دخل الشيخ علي المدينة النبوية إلا وزار الشيخ العباد والشيخ يحتفي به دائما، إلى أن توفاه الله، فاطلع الشيخ العباد على كل ما كتب -تقريبا- من المشايخ الذين لهم منزلة، قرأ ذلك وما زاده إلا تمسكا بتزكيته للشيخ عليّ، وأن منتقديه جانبوا الصواب، وما أصابوا فيه من أخطاء للشيخ علي -وهو بشر- لا يعدوا كونها أخطاء بشرية، لا يسلم منها أحد، وكان يتعجب تعجبا شديدا ممن يرميه بالبدعة، كان يتعجب، بل كان يرد على بعض المشايخ، ويكتب لهم، وأحيانا كان يشد اللهجة الشيخ -حفظه الله- عليهم، من ذلك قضية تهمة الشيخ علي الحلبي بالقول بوحدة الأديان، كتب لمن أرسل إليه هذه التهمة، رد عليه الشيخُ، قال: "وأمَّا قولك بأنه يقول بوحدة الأديان؛ فليس بصحيح، فقد قرأت للشيخ علي كلمة يقول فيها هكذا تحت هذا العنوان: وحدة الأديان كفر وأي كفر". فقال له: "يكفيك هذا".

وأن لهذه القضية قصة، ذكرها لي الشيخ علي، قبل أن يتهم، وأنه كان داخلا من المطار فأتاه بعض المباحث في الأردن، قالوا: خلك معنا. فقال لي: ظننتهم سيأخذونني إلى السجن كما أخذوني قبل ذلك، قال: فضحكت وقلت لهم: الأنشودة محفوظة؛ أي: إلى السجن.
وبينما هم في الطريق، قالوا له: اليوم تخطب في مسجد الملك، فتعجب! قال: جئت من سفرٍ، وأنا متعبٌ، وما أدري عن شيء، والقضية كان هناك بعض التفجيرات بعمان، وقويت شوكة التكفيريين، والناس يعرفون من يقوى على الرد على التكفيريين، فانتخبوا الشيخ عليا لذلك. وحق له ذلك فخطب خطبة، وأشاد بعض الإشادة برسالة عمان، التي كتبها الملك نفسه، وهذه الرسالة صارت مقررة رسميا في البلاد كلها، بل حتى تكلموا عنها، بل نوهوا بها، بل وشددوا اللهجة في خمسة وعشرين مؤتمرا رسميا، وأشادوا بها، وقرروها؛ فذكر جملة سطرا واحدا، أو أقلّ من ذلك في خطبته هكذا، وكلها خطبة مرتجلة، ندد بالتكفير، وأفعالهم، وأراد أن يشجع الملك على هذا التوجه لردع التكفيريين، فذكر شيئا مدح فيه هذه الرسالة، أو مدح بعض الشيء فيها.

ومن العجب أن أحد الذين هم الآن انتقدوا الشيخ، وطعنوا فيه طعنا لاذعا؛ أي الشيخ عليا؛ بسبب هذه الرسالة، لما سمع الخطبة كان يسمي الخطبة العصماء، مادحا لها مدحا شديدا جدا حيثما جلس، وإذا به لما جاء انتقاد الشيخ علي في أمواج من الظلمات، ولما كان رائدها بعض من يهابون كلمته؛ صار هذا الرجل يطعن ويقول: كيف يقول بوحدة الأديان! مع أن الرسالة حمالة ومضمونها حمال! والمتكلم بها ملكٌ، ليس متخصصا في علوم الشريعة، فمظنة خطأ لسانه وقلمه واردة جدا، مع أنه ورد في الرسالة نفسها أنه لما دعى طوائف أهل الكتاب وغيره بأن يجتمعوا على كلمة سواء، قال: "فإن انحاز كل إلى دينه فالتمايز العقدي" أي: كل واحد يبقى على عقيدته. هذا في رسالة عمان.

فالعجب أن الانسان إذا كره خصمه؛ اخترع له كل شيء يدينه به، حتى ولو كان ليس ذا قيمة، وليس ذا أثر، ومشى الناس يلوكون هذا الكلام ويرددونه متناسين الخوف من الله، والوقوف بين يديه، والمحاسبة يوم القيامة، متناسين إفلاسهم؛ إذا صاروا يوم الدين يوزعون حسناتهم على الشيخ علي لمثل هذه التهم، التي يأخذونها كابرا عن كابر، تقليدا بحتا محضا.

كان يقول الشيخ العباد- يقول كثيرا: "من لأهل الشام إذا طعنا في تلاميذ الشيخ الألباني"، قال: "ما أعرف هناك من هو قائم بالتوحيد والسنة، ومن هو ظهر لنا ضد المتصوفة، والرافضة، والتكفيريين -وكذا وكذا- سوى تلاميذ الشيخ ناصر"، ولذلك ذكرهم في كتابه المنوه به آنفا، لكن الناس الذين على الجانب الآخر سكارى! ما يرجعون عن غيهم!

ويعلم الله أنني حججت في إحدى السنوات، ولما رمينا الجمرات، رجعنا مع الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- وكان معنا الشيخ علي -رحمه الله- فجاء سائل يسأل الشيخ ابن عثيمين؛ فأحاله على الشيخ علي، فقال: اسأل هذا، اسأل هذا.

وأنتم تعلمون أن الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- لما جاءت فتوى اللجنة الدائمة، لا أقول في تبديع الشيخ علي؛ لأن اللجنة الدائمة ما بدعت الشيخ عليا، ولكن كان هناك ردود كما يقول شيخي الشيخ عبد المحسن العباد، ردود علمية فقط، كل منهم له وجهة، فالذي صرح بشجاعة بعدم قبول ما قالته اللجنة الموقرة -وفقها الله لكل خير- هو الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- وكما بقي دفاع الشيخ الألباني، ودفاع الشيخ العباد -رحمهم الله تعالى جميعا الأحياء منهم والأموات- عن الشيخ علي، إلى يومكم هذا ممن بقي منهم على الحياة، وكثير من أهل العلم كثير جدا.

على كل حال أقول: أنا عرفت الشيخ عليا، وألقيت محاضرات معه، وندوات، وجالسته، ومجالسه يشهد لها القريب والبعيد، أنها من أحلى المجالس، سبحان الله! كشيخه، مجالسه علمية محضة، كان الرجل طيب النفس، جيد المذاكرة، حسن التأليف، كان خطيبا مفوها، أحلى المجالس معه عند ذكر المخطوطات وتحقيقاتها، يعني ما يملّ المجلس إذا بدأ يتكلم عن الكتب وتحقيقاتها، ما يمل مجلسه إطلاقا، ينقلك من عفن الدنيا إلى الآخرة رحمه الله تعالى.

وقد كان كثير التأليف؛ لأنه كان سريع الكتابة في إصابة، يكتب على طريقة أهل السنة؛ لأنه يبدو أنه كشيخه، قرَّاءٌ سريع الفهم، وهذا قليل في الناس، أكثر الناس إذا قرأوا؛ رددوا الكلام؛ حتى يفهموه لكن الذي لمسته منه -رحمه الله- كشيخه -رحمه الله- كانوا قرَّائين كثيرا، يقرأون كثيرا، ولذلك ما تفتح مسألة مع الشيخ علي إلا وتجد عنده -كما يقال اليوم بالتعبير العصري- خلفية قوية جدا، حتى النوازل المعاصرة، النوازل المعاصرة ما يكاد يفتح موضوع ويدرس، إلا وكان الشيخ قد استوعبه، وقرأه، ولذلك الرجل في حقيقة أمره موسوعيّ، بعض الناس يسمونه محدث فقط، وهو ليس كذلك، والله لقد وجدته حتى في الفقه قويا جدا، الرجل موسوعي؛ يتكلم في التاريخ، أما الأدب فهذا من الأمور المجمع عليها، الأدب العربي.

ومما ورثه شيخه أو ورثه منه: حسن المناظرة، مع سرعة البديهة؛ لأن الرجل أوتي ذكاء -رحمه الله- ومن عجيب الموافقات أن الله جمع له بين خلق الرفق، والشجاعة، وهما اثنتان قد لا تجتمعان إلا نادرا في الشخص؛ أما رفقه: فما إخاله إلا محل اتفاق عند الناس، رفيق جدا، ورفقه هذا هو الذي ورطه مع جلافة بعض البدو ممن سموا أنفسهم بأهل الجرح والتعديل، هو الذي دفع ثمنه وسموه مميعا، أن الرجل رفيق والرفق عند أهل الشام لا ينكر أصالة، الناس معادن كما تعلمون.

وأما شجاعته فقد بانت أقول إن شجاعته قد بانت -الله المستعان الظلم ظلمات يوم القيامة الله المستعان! الناس يدعون إلى السنة ما يدعون إلا وقد رموهم بالبدعة- بانت شجاعته رحمه الله في صدعه بالحق ضد طوائف كثيرة من المنحرفين عن الكتاب والسنة، وقد يكاد لا يظهر أحد من أهل البدع، بل من أهل النفاق من العلمانيين، بل من الشتامين للدين وللرسول ﷺ إلا ورد عليه -رحمه الله- ردوده كثيرة جدا، كتاباته في الصحف كثيرة جدا، كما قلت لكم: كان سريع الكتابة -رحمه الله- وقد رد على مشايخ عدة من المخالفين للسلف الصالح من هؤلاء المشايخ: سعيد حوى المعروف من كبار رموز الإخوان المسلمين في سوريا، وزاهد الكوثري الماتوريدي الحنفي المتعصب، وسيد قطب، وسفر الحوالي، والحبشي الهرري، الذي له أتباع يسمون بالأحباش، وحبيب الرحمن الأعظمي، وعلي الصابوني، والغماري المغربي الخرافي القبوري.

ورد على كثير من الانحرافات الفكرية والعقدية رد على مسألة فقه الواقع لما ظهرت بقوة برزت وفتنت جبلا كثيرا من الناس، الشباب انساقوا وراء مسألة فقه الواقع، وطعنوا في العلماء، وحسبوا أنفسهم على شيء، خرج رسالة جميلة جدا رد فيها عليهم، ورد على العقلانيين أفراخ المعتزلة -كما سماهم رحمه الله - وله كتاب تحذير العلماء الثقات من المظاهرات واليوم بعض الناس يقولون حزبي أو ثوري أو تكفيري.

وكان من أوائل ما ردّ على داعش في كتاب مطبوع متداول وله كتاب جميل أيضا سماه "الدعوة إلى الله بين التجمع الحزبي والتعاون الشرعي" وله رسالة أيضا "البيعة بين السنة والبدعة عند الجماعات الإسلامية"، ولقد حضرت قديما بالأردن ولا أذكر هذه أول زيارة أو ثانيها؛ لأن الله منَّ علي -بحمد الله- بالرحلة إلى الشيخ الألباني -رحمه الله- في سنوات متعاقبات، واستفدت منه استفادة عظيمة، أسأل الله تعالى أن يعظم أجوره بذلك، ولكل من استفاد من الشيخ وتلاميذه.

أذكر أنه كان لنا موعد معه في أحد المساجد، وإذا بالشيخ ينصب له كمين من الإخوان المسلمين، جاءوا ليضربوه، ورموه بالحجارة، لكن الله سلمه بأعجوبة، واليوم هؤلاء الأفراخ الجدد يتهمونه بالحركية والحزبية!

بانت شجاعته أكثر وأكثر لما كثرت ردوده على طائفتين يهابهما الناس جدا هما:
طوائف التكفير من الدمويين حتى كاد يقال متخصص فيهم رحمه الله. والثانية طائفة الحدادية المتسترة بالسنة النبوية والدفاع عنها، زعموا! ويحمل كل منهما نفسا مشتركا، هو النفس الخارجي في معاملة المخالف، الذين شغلهم الشاغل السعي لتدمير أهل السنة، وإجهاد النفس لتفريقهم باسم احقاق الحق، واتباع السلف في الشدة على أهل البدع، ونسوا أنهم شديدون على أهل السنة، لا على أهل البدع؛ لأنهم يطبقون آثار السلف في الشدَّة على المبتدعة الحقيقيين، يطبقونها على السلفيين في بعض أخطائهم، أما الأولى فيكفيه شرفا أنه تسبب في عملين عظيمين: العمل الأول: غزوه لأوكار الحزبيين سواء كان في بلده أو البلاد المسلمة العربية، أو في آسيا وأوروبا وأمريكا وأستراليا، وهلم جرا؛ لأنه كما قلت لكم الرجل طواف رحالة، كما يقال، فقد نفع الله به، هل تعلمون أن المراكز الإسلامية التي كانت في العالم قبل عشرين سنة، أو أكثر كان من المستحيل أن يدخلها داعية سلفي، ولو قيل لك أن تسعة وتسعين في المائة من المراكز التي كانت في أمريكا وأوروبا وغيرها كان يديرها الحزبييون؛ فصدق، ولا تخف، ولكن الله منَّ على الشيخ برفقه أن يدخلها، وأن يحولها إلى مراكز سنية والحمد لله، كثير من هذه المراكز، حتى التي جاءت في نهايتها الآن تطعن عليه وتجرحه، وتقول فيه ما تقول، هؤلاء في حقيقة أمرهم تربو على يديه، وكما قيل فلما اشتد ساعده رماني..
أعلمه الرماية كل يوم :: ولما اشتد ساعده رماني

وهذه في حقيقة أمرها وحدها كافية؛ أن تفتح تلك المراكز المغلقة بالحزبيين، وأصولهم وركائزهم، ليس بالأمر الهين.

والثانية أو العمل الثاني إطفاء نار فتنة الخوارج في الجزائر، كان السبب في ذلك؛ لأنه كان واسطة بين الشيخ الألباني والدولة الجزائرية، تعب الناس في الجزائر سنوات طويلة، أكثر من عشر سنوات إلى خمس عشرة سنة، أو أكثر ما استطاعوا أن يقضوا على فتنة الخوارج، وتضجر الناس وضاقت بهم الأرض بما رحبت حتى سخر الله الشيخ عليا الحلبي -رحمه الله- وكان صلة ربط بين الدولة الجزائرية والشيخ الألباني، وقال الشيخ لألباني كلمته المطولة القوية، بها كانت نهاية الدمويين، الحمد لله.
فيا أهل الجزائر! الوفاء الوفاء! وأنا واحد منكم، الوفاء الوفاء! نكران الجميل خلق غير جميل! من عاش منكم اليوم فبفضل الله، ثم بتسخير هذا الرجل لكم، وإلا لكنا حقيقين بأن نموت جميعا في الجبال.
اتصل في يوم أو سمعت الاتصال من كتيبة -وأظنها تسمى كتيبة الموت- بالشيخ علي وغيره من المشايخ؛ فوفق في الجواب سبحان الله العظيم! رجعت الكتيبة كلها، تراجعت، وسلمت نفسها، واليوم هؤلاء ما يعرفون الجميل لأهله.

وقد ابتلي الشيخ علي -رحمه الله- ابتلاءين شديدين مرين؛ أما التكفيريون فقد وشوا به إلى العلماء؛ لأنهم شعروا بأنه أخطر عنصر على دعوتهم، فلذلك رموه بالإرجاء، بل التجهم، وكتبوا كتابات أرسلوها إلى أهل العلم، وزوروا في بعضها- أقول هذا ولا أريد أن أُفصّل؛ حتى نأتي على هذه الكلمة، إن شاء الله تعالى.

ولو لم يدركوا أن الرجل في تخصصه في هذا الباب خطير عليهم؛ ما فعلوا ذلك، ولقد أصيب الشيخ في ذلك، والله كان ابتلاء عظيما جدا؛ لأن الذين انتقدوا الشيخ انتقادا لاذعا هم ممن يحمل عقيدة الشيخ ودعوته، ولكن هكذا دائما تحصل ويحصل سوء تفاهم، ويحصل أشياء، وصارت هناك ردود كنا نسأل الله أن يغنينا عنها ولكن الله يفعل ما يريد.

لكن للتاريخ أقول ما جرى بينهم أبي بين هؤلاء التكفيريين الدمويين وبين الشيخ علي هو دليل قوي على نزاهته عن أموال الناس، فإن قلت: لماذا؟ سأقول لك: لأن أموال الناس في البلاد التي كان يحارب فيها خصوصا التكفيريين؛ كدول الخليج العربي، هؤلاء التكفيريون من أغنى الناس، استولوا على عقول رجال الأعمال، بل وعلى أرباب الأموال أصحاب البنوك، وكانوا يحلبون منهم في كل وقت أموالا طائلة، وأرباب الأموال ورجال الأعمال كثير منهم عوام، لا يفهمون، فيأتيهم هذا التكفيري ويبكيهم الإسلام، ونحن من أجل الإسلام، ونحن مع فلسطين، ونحن كذا؛ فيعطونه، لو استطاعوا أن يعطونه أفلاذ أكبادهم؛ لأعطوهم. فأقول هذا تذكيرا بمن يتهم الشيخ في ذلك، كل بل أقول كثير، أعرف كثيرا من الدعاة الذين إذا خاطبتهم بلسان الشرع؛ وافقوك في هذه المسائل الدموية التكفيرية، المسائل التي تسمى بالمسائل الجهادية، لكنهم يضعفون أمام المال؛ لأن هؤلاء كانوا يرتبون لهم رواتب شهرية، يصطادونهم بها، فهو كان قادرا على أن يستدر أموالهم ويطأطئ لهم الرأس، ويخبرهم بأنه موافق لكل شيء، لكن سبحان الله الحق أحق أن يتبع.

وأما الطائفة الأخرى فقد ترصدوا له يتصيدون كل شيء للشيخ علي، الخطأ، وشبه الخطأ، بل ويجعلون من الصواب خطأ؛ لأنه لم يمش معهم في إسقاط بعض المشايخ الذين يعتبرهم هو من أهل السنة، وهم يريدون إسقاطهم، ويعتبر هو أن أخطاء هؤلاء المطعون عليهم لا تخرجهم من أهل السنة والجماعة، مسائل هي محل اجتهاد؛ لكنهم لا يقبلون ذلك، وربوا في أنفسهم الحقد، واليوم كما ترون قام سفهاء قومي مع الأسف بالطعن عليه، وهو حتى في قبره الآن، هو دفين مقبل على ربه -عز وجل- قد دخل تحت سؤال ملائكة القبر -رحمه الله تعالى- ووجدنا من الأجلاف الذين قل خوفهم من الآخرة وأخشى أن يدخلوا تحت قوله تعالى: «كلا بل لا يخافون الآخرة» يطعنون عليه، ويأتون ببعض الآثار السلفية الواردة في أمثال ابن أبي دواد وأمثال بشر المريسي يطبقوها في أهل السنة كالشيخ، عجبا عجبا!! الرجل دخل قبره، ولا يزالون يتابعونه، وها هو قد مات وبموته قرت عيون هذه الفرقة الغريبة عن الدعوة السلفية مع الأسف؛ فجعلوا ينهشون عرضه وهو في قبره، فتذكرت لما قيل لعائشة -رضي الله عنها- إن ناسا يتناولون أصحاب رسول الله ﷺحتى أبا بكر وعمر؛ فقالت: "وما تعجبون من هذا، انقطع عنهم العمل؛ فأحب الله ألا يقطع عنهم الأجر!".

يا عقلاء اعقلوا اعقلوا! توزعون حسناتكم للرجل،.... وهو حتى في قبره! اربعوا على أنفسكم، ارجعوا إلى الله، اتقوا الله ربكم، قد مات يا مغتابوه، ويحكم! كيف السبيل إلى التحلل منه ذهب، من منكم يستطيع أن يتحلل منه.

دخل طاوس اليماني رحمه الله على هشام بن عبد الملك الخليفة فقال له يا أمير المؤمنين اتق الله واتق يوم الأذان قال وما يوم الأذان قال قول الله تعالى: «فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين» قال فغشي على الخليفة قال طاوس: "هذا ذل الوصف فقط، فكيف بذل المعاينة إذا عاين الناس ذلك اليوم".
هذه الطائفة الغريبة يا إخوان هي التي أفسدت في الأرض أيما إفساد، ما قولها في اختلاف ابن تيمية -رحمه الله- مع بعض المنسوبين للعلم؛ كابن مخلوف في مصر، الذي كان أشعريا جلدا، صوفيا، وقد وشى بابن تيمية -رحمه الله- إلى السلطان؛ ليستحل دمه، وكان من المفتين آن ذاك. ابن مخلوف هذا لابن تيمية رحمه الله في الفتنة تلك كلمة عظيمة يقول: "وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها، وفي غيرها، وإقامة كل خير، وابن مخلوف لو عمل مهما عمل، والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه، ولا أعين عليه عدوه قط" تأملوا هذه الصدور من يقدر عليها، قال: "ولا حول ولا قوة إلا بالله! هذه نيتي وعزمي، مع علمي بجميع الأمور، فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين، ولن أكون عونا للشيطان على إخواني المسلمين، ولو كنت خارجا لكنت أعلم بماذا أعاونه"؛ لأنه كان في السجن ابن تيمية رحمه الله "لو كنت خارجا لكنت أعلم بماذا أعاونه" هو السبب في إدخاله السجن "لكن هذه مسألة قد فعلوها زورا والله يختار للمسلمين جميعا ما فيه الخيرة في دينهم ودنياهم" هذا في مجموع الفتاوى.

جاء في ذيل طبقات الحنابلة: لما عاد الملك الناصر إلى السلطنة وتمكن وأهلك المظفر -الذي كان ممن سجن ابن تيمية رحمه الله- قال: "واشتدت موجدة السلطان على القضاء، ودخلة المظفر" بمعنى أن السلطان هذا كان ضد المظفر اشتد غضبه على القضاة الذين كانوا يداخلون المظفر وطبعا هم الذين حكموا على ابن تيمية بما حكموا به قال: "وعزل بعضهم"، بادر هذا السلطان بإحضار الشيخ إلى القاهرة مكرما، في شوال، سنة تسع وسبعمائة، وأكرمه السلطان إكراما زائدا، وقام إليه، وتلقاه في مجلس حفل، فيه قضاة المصريين، والشاميين، والفقهاء، وأعيان الدولة، وزاد في إكرامه عليهم، وبقي يساره، ويستشيره سويعة، وأثنا عليه بحضورهم ثناء كثيرا، وأصلح بينه وبينهم، ويقال: أنه شاوره في أمرهم به في حق القضاة؛ فصرفه عن ذلك" السلطان شاور ابن تيمية في عقوبة هؤلاء القضاة الذين بقوا والذين تسلطوا عليه بسجنه، وما إلى ذلك؛ فصرف ابن تيمية السلطان عنهم، حتى لا يعاقبهم، وأثنى عليهم، قال: "وأن ابن مخلوف كان يقول ما رأينا أفتى من ابن تيمية" تعرف ايش معنى أفتى؟ من الفتوة؛ أي ما رأينا أكثر رجولة من ابن تيمية.. "سعينا في دمه، فلما قدر علينا؛ عفا عنا"، قال: "واجتمع بالسلطان مرة ثانية بعد أشهر، وسكن الشيخ بالقاهرة، والناس يترددون إليه، والأمراء، والجند، وطائفة من الفقهاء، ومنهم من يعتذر إليه، ويتنصل مما وقع".

وقد تكلم ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه مدارج السالكين، عن العفو ومراتبه، ثم قال: "ما رأيت أحدا قط أجمع لهذه الخصال من ابن تيمية -قدس الله روحه- وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه" تأملوا! "وددت أني لأصحابي" أعامل أصحابي كما كان يعامل ابن تيمية خصومه، قال: "وما رأيته يدعو على أحد منهم قطّ، وكان يدعو لهم، وجئت يوما مبشرا له بموت أكبر أعداءه، وأشدهم عداوة له، وأذى له؛ فنهرني، وتنكر لي واسترجع"؛ يعني: نهر تلميذه ابن القيم، وقال إنا لله وإنا إليه راجعون، "ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم وقال: إني لكم مكانه" مات أبوكم أنا لكم، "قال إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة؛ إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا من الكلام؛ فسروا به، ودعوا له، فعظموا هذه الحال منه، رحمه الله ورضي عنه" هذا كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.

وهذا ذكرني بدعاء الشيخ علي الحلبي لما أُخبر بأنّ الشيخ محمد بن هادي أجرى عملية، وتعلمون ما كان بينهما، مع ذلك دعا له، وحمد الله أنه خرج معافا من عمليته، مع أنهم والله ما قصروا في خذلانه، ورميه بكل صغيرة وكبيرة، رأينا كثيرا من الشباب يرددون هذا، والشيخ يعفو عنهم، ويسامحهم، ولكن الله كما قلت لكم يفعل ما يريد.

هذه حقيقة الأمر وخلاصة ما أذكره عن الشيخ، أنا ما أردت أن يكون العنوان: "الشيخ علي الحلبي كما عرفته"؛ لأن هذا سيأخذ منا وقتا طويلا جدا، أتكلم عن كتبه وتحقيقاته الفذة القوية جدا، وعن محاضراته، وعن المراكز التي حضرها، وعن الكتب التي شرحها، وما أكثرها! كتب التوحيد، كتب السنة ... كتب السنة تكفيه تحقيقاته لها، ونشره لها، مضى زمن كاد لا يعرف من المحققين سواه، ونزر قليل من أهل العلم، تفرغوا لذلك.

فالشأن شأن عظيم يا إخوان، والرجل أفضى إلى ما قدم، ونحن شهود الله في أرضه، نتكلم بما شهدناه، والقلوب لا يعلمها إلا الله، ولكن نحب التوحيد، ونحب أهله، ونحب السنة، ونحب دعاتها، ولو ظهر لنا شيء مما ينقض التوحيد والسنة؛ لكنا أول من يدفع في نحر أصحابها، ونفرق بين التبديع والتخطئة؛ أما التخطئة فلا أحد منا يسلم من الخطأ، وكل منا يقوم مع أخيه ناصحا له، رادًّا عليه، حتى ولو تعالت الأصوات، لكن يبقى ما بيننا، الولاء الذي بيننا على العقيدة، وهذه أمور الآن يراد تحريفها مع الأسف، والخروج عن أصولها، فرحمة الله عليه، لقد قدم ما قدم، وترك شيئا كثيرا، وكثير من شباب الدعوة اليوم هم في حقيقة الأمر يرجعون إلى ما تفضل به عليهم وما تكرم من تعليمهم.

فالشأن شأن عظيم نسأل الله تعالى أن يجزل له المثوبة ونقول كما قيل: كان رحمه الله يحسن وفادة طلبة العلم؛ فاللهم استقبله بأحسن وفادة، وارزقه الحسنى وزيادة، اللهم اغفر لأبي الحارث، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه. رحمه الله تعالى ورحم جميع علماء المسلمين أسأل الله تعالى أن يربط على قلوب أهله ومحبيه بالصبر والإيمان، ويعظم لهم الأجور، وأن يجعل ذلك كله في ميزان حسناته وحسناتهم.

والنصيحة لطلبة العلم: أن يستمروا في الطلب، فانظروا إلى هذا الشيخ منذ أن عرفناه وهو شاب يافع، وهو مع الدعوة ومع السنة، انظروا كيف توفاه الله، ما عرفناه مات على بدعة، أو غير ذلك، نسأل الله تعالى أن يربط على قلوبنا، وأن يخلف لنا خيرا، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11-20-2020, 06:54 PM
أبوجابر الأثري أبوجابر الأثري غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
الدولة: طرابلس- ليبيا
المشاركات: 2,034
افتراضي



بارك الله في الشيخ عبدالمالك و بارك الله وحفظ بقية المشايخ اهل السنة
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:31 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.