أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
15726 19571

العودة   {منتديات كل السلفيين} > المنابر العامة > منبر اللغة العربية والشعر والأدب

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #191  
قديم 01-11-2017, 08:29 PM
طارق ياسين طارق ياسين غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: الأردن
المشاركات: 980
افتراضي

.
· لا يَحْزُنْكَ دَمٌ أَراقَهُ أَهْلُه.

يُضربُ لمن يُوقعُ نفسَه في مَهْلكةٍ.
وقد قاله جَذِيمةُ بنُ الأَبرش، عندما قتلتُه الزَّبَّاءُ الملكةُ، في قِصّتِه المشهورةِ معها، معَ أَمثالٍ أُخَرَ فيها عبر.

جاء في "مجمع الأمثال" [بتصرف يسير]:

وكان جَذيمةُ مَلَكَ ما على شاطئِ الفراتِ، وكانت الزبَّاءُ مَلِكةَ الجزيرةِ، وكانت من أَهلِ باجَرْمَى(1) وتتكلم العربيةَ، وكان جَذِيمةُ قد وتَرَها(2) بقتلِ أَبيها.
فلما استجمعَ أَمرُها، وانتظمَ شملُ مُلكِها، أَحَبَّتْ أَنْ تَغزوَ جَذيمةَ، ثم رأَتْ أَنْ تكتبَ إِليه: أَنها لم تَجدْ مُلْكَ النساءِ إِلا قُبْحاً في السَّمَاعِ، وضَعْفاً في السلطان، وأَنها لم تجدْ لمُلكها موضعاً، ولا لنفسِها كُفؤاً غيرَك، فأَقْبِلْ إليَّ لأجْمَعَ مُلكي إِلى ملكِك، وأَصِلَ بلادي ببلادك، وتقلَّدْ أَمري معَ أَمرِك. تريد بذلك الغَدْرَ.
فلما أَتى كتابُها جَذيمةَ، وقدِم عليه رسُلُها، اسْتخَفَّه ما دَعَتْهُ إِليه، ورَغِبَ فيما أَطمعتُه فيه، فجمع أَهلَ الحِجا والرأي من ثِقاتِه، وهو يومئذ بِبَقَّةَ(3) من شاطئِ الفراتِ، فعرض عليهم ما دعتُه إِليه، فاجتمع رأْيُهم على أَنْ يَسيرَ إِليها فيَستولي على مُلكِها. وكان فيهم قَصيرٌ، وكان أَرِيباً حازماً أَثيراً عند جَذيمةَ، فخالفهم فيما أَشاروا به وقال: رأيٌ فاترٌ، وغَدْرٌ حاضرٌ. فذهبت كلمتُه مثلاً.
[يُضربُ في الرأيِ الفاسدِ]
ثم قال لجذيمةَ: الرأيُ أَنْ تكتبَ إِليها، فإِن كانت صادقةً في قولِها فَلْتُقْبِل إليك، وإِلا لم تُمَكِّنْها من نفسِك ولم تَقَعْ في حِبالَتِها، وقد وَتَرْتَها وقتلتَ أَباها.
فلم يوافق جَذِيمةُ ما أَشار به
ودعا جَذيمةُ عمرَو بنَ عَدِيٍّ ابنَ أُختِه، فاستشاره فشجَّعه على المسيرِ.
واستخلف جَذيمةُ عمرَو بن عديٍّ على مُلكه وسلطانِه، وسار جذيمةُ في وُجُوهِ أَصحابِه، فأَخذ على شاطئِ الفُرَاتِ مِن الجانب الغربيِّ، فلما نزل دعا قصيراً،
فقال: ما الرأيُ يا قصيرُ؟
فقال قصيرٌ: بِبَقَّةَ صُرِم الأَمْرُ. فذهبت مثلا..
[يُضرب لمن يَستشيرُ بعد فواتِ الأَمر. أَو للمكروه سبق به القضاءُ، وليس لدَفعِه حيلة]
واستقبله رسُلُ الزباء بالهَدَايا،
فقال: يا قصيرُ كيف ترى؟
قال: خَطْبٌ يَسيرٌ في خَطْبٍ كبيرٍ، فذهبت مثلا..
[يضربُ للأمر بدا منه ريبة، ووراءه ما هو أعظم منه]
وسَتَلْقَاكَ الجيوشُ؛ فإِن سارتْ أَمامَك فالمرأَةُ صادقةٌ، وإِنْ أخَذَتْ جَنْبَتَيْكَ وأَحاطتْ بك من خلفِك، فالقومُ غادرون بك، فارْكَبِ العَصا؛ فإِنَّه لا يُشَقُّ غُبارُه. فذهبت مثلا.
[أي: لاَ غُبارَ له فيُشَقُّ؛ وذلك لسرعةِ عَدْوِه وخِفَّةِ وَطْئه. يُضرب لمن لا يُجارى. وكانت العَصا فَرَساً لجذيمةَ لا تُجَارَى]
وإِني راكبُها ومُسَايرُك عليها.
فلَقِيته الخيولُ والكتائبُ، فحالتْ بينَهُ وبينَ العصا، فركبَها قصيرٌ، ونظر إِليه جذيمةُ على مَتْنِ العصا مُوَلِّيا.
وسار جَذيمةُ وقد أَحاطتْ به الخيلُ حتى دخل على الزبَّاء، ودعتْ بالسيفِ والنِّطْع،
ثم قالت: إِنَّ دماءَ الملوكِ شِفاءٌ من الكَلَب، فأمرت بطَسْتٍ من ذهبٍ قد أعَدَّته له فأَمرتْ بِرَاهِشَيْهَ(4) فقُطِعا، وقَدَّمت إليه الطَّستَ، وقد قيل لها: إنْ قَطَرَ من دمِه شيءٌ في غيرِ الطَّسْتِ طُلِب بدمِه، وكانت الملوكُ لا تُقْتَل بضربِ الأَعناقِ إِلا في القتالِ؛ تَكْرِمةً للملكِ. فلما ضَعُفتْ يَدَاه سقطَتَا فقَطَرَ من دَمِه في غيرِ الطَّستِ،
فقالت: لا تُضِيعوا دمَ الملكِ،
فقال جَذيمةُ: لا يَحْزُنْكَ دَمٌ أَراقَه أَهلُه، فذهبت مثلا. فهلَكَ جَذيمةُ. وخرج قصيرٌ حتى قدم على عمرِو بن عَدِيٍّ وهو بالحِيرَة،
فقال قصيرٌ لعمرِو بنِ عَدي: تَهَيَّأْ واستعدَّ ولا تُطِلَّنَّ دمَ خالِك.
قال: وكيف لي بها وهي أمْنَعُ من عُقَاب(5) الجو؟ فذهبت مثلا. [يُضربُ في المبالغة في العِزِّ والمَنَعة]

وكانت الزَّبَّاءُ قد حذِرَتْ عمراً؛ لقول بعض الكهان، واتَخذت لها نَفَقاً من مجلِسها الذي كانت تجلسُ فيه إِلى حِصنٍ لها في داخل مدينتِها، وقالت: إن فَجَأَني أَمرٌ دخلتُ النفقَ إِلى حِصني، ودَعَت رجلاً مُصَوِّرا من أَجودِ أَهلِ بلاده تصويراً، وقالت: سِرْ حتى تَقْدُم على عمرِو بنِ عَدي وأَثبِتْ لي عمرَو بن عديٍّ معرفةً فصَوِّرْهُ جالساً وقائما وراكبا ومتفضلاً ومتسلحاً بهيئتِه ولِبْسَتِه ولونه، فإذا أَحكمتَ ذلك فأقبِلْ إلي. فانطَلَقَ المصور حتى قدم على عمرو بن عدي وصنع الذي أمرته به الزباءُ، وبلغ من ذلك ما أوْصَتْه به ثم رجع إلى الزباء بِعلم ما وجَّهته له من الصورة على ما وصفت، فلا تراه على حالٍ إِلا عرفته وحذِرته.
وجَدَع قصيرٌ أَنفَهُ، فقالتِ العربُ: لِأَمرٍ ما جَدَع قصيرٌ أَنفَه. [يُضربُ للشيءِ يكون وسيلةً لأَمرٍ خَفِيٍّ، ويقال أيضا: لمكر ما ..]

ثم خرج قصيرٌ كأَنه هاربٌ وأَظهرَ أَنَّ عَمراً فعل ذلك به، وأَنه زعَم أَنه مَكَرَ بخالِه جَذيمةَ وغَرَّه من الزَّبَّاءِ. فسار قصيرٌ حتى قدِم على الزباءِ،
فقيل لها: إِنَّ قصيراً بالبابِ، فأَمرت به فأُدخلَ عليها، فإذا أنفُه قد جُدِع،
فقالت: ما الذي أَرى بك يا قصيرُ؟
[وقيل بأَنها قالت: لأَمْرٍ ما جُدِعَ قصيرٌ أَنْفُه]
قال: زعم عمرٌو أَني قد غرَّرْتُ خالَه وزَيَّنْتُ له المَصِيرَ إليك وغَشَشْتُه ومالأْتُكِ، ففعل بي ما تَرَيْن، فأَقبلتُ إليك. فأَكرمَتْه وأصابَتْ عندَه من الحزمِ والرأْيِ ما أَرادت.
فلما عرَفَ أنها وثِقْت به قال: إِن لي بالعراق أَموالا كثيرة، فابعثيني إلى العراق لأحملَ مالي وأحملَ إليك من بُزُوزها وطَرَائِفها وثيابِها وطِيبها وتُصِيبِينَ في ذلك أَرباحاً عِظاما، فلم يَزل يُزَيِّنُ ذلك حتى أَذِنت له، ودفعت إِليه أَموالا وجَهَّزتْ معه عَبيدا، فسار قصيرٌ بما دفعت إِليه حتى قَدِمَ العراقَ وأَتى الحِيرَة متنكراً، فدخل على عمرٍو فأَخبرَه الخبَرَ،
وقال: جَهِزْني بصنوف البَّزِّ والأَمتعةِ؛ لعل اللّهَ يُمكن من الزَّبَّاءِ فتُصيبَ ثأْرَك وتقتلَ عدوَّك.
فأعطاه حاجتَه فرجع بذلك إلى الزبّاءِ فأَعجبها ما رأَتْ، وسَرَّها، وازدادت به ثِقَةً وجَهّزته ثانيةً، فسار حتى قدم على عمرو، فجَهّزه وعاد إليها ثم عاد الثالثةَ..
وقال لِعَمْرٍو: اجْمَعْ لي ثِقاتَ أَصحابِك وهَيِّءِ الغَرَائرَ(6) والمُسُوحَ(7) واحْمِلْ كلَّ رجلين على بعير في غِرارَتَيْنِ، فإذا دخلوا مدينةَ الزباءِ أقَمْتُكَ على بابِ نَفَقِها، وخرجَتِ الرجالُ من الغرائرِ فصاحوا بأهلِ المدينةِ، فمَن قاتلهم قتلوه، وإن أَقبلتِ الزباءُ تُرِيدُ النفَقَ جَلَّلْتَها بالسيفِ.
ففعل عمرٌو ذلك، وحمل الرجالَ في الغرائر بالسلاح، وسار يَكْمُنُ النهارَ ويَسيرُ الليلَ، فلما صار قريباً من مدينتِها تقدَّمَ قصيرٌ فبشَّرَها وأَعلَمها بما جاءَ من المَتاعِ والطرائفِ،
وقال لها: آخِرُ البَزِّ على القَلُوص(8)، فأَرسلَها مثلا.
[يُقالُ ذلك عندَ آخرِ العهدِ بالشيءِ، وعند انقطاعِ أَثرِه وذَهابِ أَمرِه]
وسأَلَها أَنْ تخرجَ فتَنْظرَ إِلى ما جاء به،
ثم خرجتِ الزباءُ فأَبصرتْ الإِبلَ تكادُ قوائمُها تَسُوخُ في الأَرضِ مِن ثِقَلِ أَحمالِها،
فقالت: يا قصيرُ


ما لِلجِمالِ مَشْيُها وَئيدا ... أَجَنْدَلاً يَحْمِلْنَ أَمْ حَدِيدا


فدخلتِ الإبلُ المدينةَ، فلما توسَّطت المدينةَ أُنِيخَتْ، ودَلَّ قصيرٌ عَمراً على بابِ النفَقِ الذي كانت الزباءُ تدخله. وخرجت الرجالُ من الغَرائرِ فصاحوا بأَهلِ المدينةِ ووضعوا فيهم السلاحَ، وقام عمرٌو على بابِ النَفَقِ وأَقبلت الزباءُ تريد النفقَ، فأَبْصرتْ عَمراً فعرفته بالصورة التي صُوِّرتْ لها، فمصَّتْ خاتَمها، وكان فيه السُّمُّ،
وقالت: بِيَدِي لا بِيَدِ عَمْرٍو، فذهبت كلمتُها مثلا.
[يقولُه من يُوقِعُ في نفسِه المكروهَ قبل عَدُوِّه؛ دفعاً لشماتته به]
ويقال: تَلَّقاها عمرٌو فجلَّلها بالسيفِ وقتَلَها، وأَصابَ ما أَصابَ من المدينةِ وأَهلِها، وانكفأ راجعاً إلى العراق.
.
_________________
(1) (باجَرْمَى) بفتح الجيم والراء الساكنةِ والميم المفتوحة بعدها ياء، وهو موضع قِبَلَ (نَصِيبين) بفتح أَوَّلِه وكسرِ ثانِيه، كُورَةٌ من كُوَرِ دِيار ربيعةَ، وهي كلُّها بينَ الحِيرَةِ والشام.(معجم ما استعجم).
والحِيرة: مَحَلةٌ بنَيْسابورَ.
(2) وَتَرَهُ يَتِرُهُ وَتْراً وَتِرَةً، فهو موتور، والمَوْتورُ: الذي قُتل له قتيل فلم يُدرك بدمِهِ.
(3) بَقَّةُ: موضعٌ بالشام.
(4) الراهِشانِ: عِرقان في باطن الذراعَين.
(5) طائرٌ من كواسر الطير، قوي المخالب، له منقار قصيرٌ أَعقفُ، حادُّ البصر. يضرب به المثل في حدة البصر فيقال: أَبصرُ من عُقاب.
(6) الغِرَارة: وِعاءٌ من الخَيْشِ ونحوِه، يوضع فيه القمحُ ونحوُه.
(7) جمع مِسْح، وهو ما نسج من الشعر والوبر، ولباس الرهبان.
(8) البَزُّ من الثياب: أَمْتِعَةُ البَزّاز. وتطلق على الثياب عموما، والبَزُّ أيضاً: السلاحُ.
والقَلوصُ من الإِبلِ: الفَتِيَّةُ المُجتمعةُ الخَلْقِ؛ وذلك من حين تُركبُ إِلى التاسعةِ من عُمُرها، ثم هي ناقة.
__________________
.

قال ابن قدامة -رحمه الله-:

اعلمْ أَنَّ مَنْ هو في البحرِ على لوحٍ ليس بأَحوجَ إلى اللهِ وإلى لُطفِه مِمَّن هو في بيتِه بين أَهلِه ومالِه ..

فإذا حقّقتَ هذا في قلبِك فاعتمدْ على اللهِ اعتمادَ الغريقِ الذي لايَعلمُ له سببَ نجاةٍ غيرَ الله.

(الوصية المباركة).
.
رد مع اقتباس
  #192  
قديم 01-21-2017, 03:29 PM
طارق ياسين طارق ياسين غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: الأردن
المشاركات: 980
افتراضي

.
· أَفْتَكُ من عَمرِو بنِ كُلثُوم.

جاء في "لسان العرب":
فَتَك بالرجل فَتْكاً وفُتْكاً وفِتْكاً: انْتَهزَ منه غِرَّةً فقتله أَو جرحه. وقيل: هو القتلُ أَو الجرح مُجاهَرةً. وكلُّ مَن قتل رجلاً غارّاً فهو فاتِكٌ، ومنه الحديثُ: أَن رجلاً أَتى الزبيرَ فقال له: أَلا أَقتلُ لك عليّاً؟ قال: فكيف تقتُله؟ فقال: أَفْتِكُ به، فقال سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( الإيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ؛ لا يَفْتِكُ مؤمنٌ)(1)

قال الزَّوْزَنِيُّ في "شرحه على المعلقات":
يَروي ابنُ الأَنباري والخطيبُ التَبْريزي قصةَ إِنشادِ عمرِو بنِ كلثومٍ لمعلقتِه، فيقولان:
جاء ناسٌ من بَني تَغْلِبَ إِلى بَكرِ بنِ وائلٍ يَسْتَسقونَهم، فطردتهم بكرٌ؛ للحقدِ الذي كان بينهم(2)، فرجعوا، فمات منهم سبعون رجلًا عَطشًا، ثُمَّ إِنَّ بَني تَغلبَ اجتمعوا لحربِ بكرِ بنِ وائلٍ، واستعدت لهم بكرٌ، حتى إِذا التَقَوْا كرهوا القتالَ، وخافوا أَن تعودَ الحربُ بينهم كما كانت، فدعا بعضُهم بعضًا إلى الصلح، فتحاكموا في ذلك إلى عمرِو بنِ هند(3).
فقال عمرٌو: ما كنت لأَحكمَ بينكم، حتى تأْتوني بسبعينَ رجلًا من أَشرافِ بكرِ بنِ وائلٍ، فأَجعلَهم في وثائِقَ عندي، فإن كان الحقُّ لبني تَغلبَ دفعتُهم إِليهم، وإِن لم يكن لهم حقٌّ خَلَّيْتُ سبيلَهم، ففعلوا، وتواعدوا ليومٍ بِعَيْنِه يجتمعون فيه.
فقال الملكُ لجُلسائه: مَنْ تَرَوْنَ تأْتي به تغلبُ لِمقامِها هذا؟
فقالوا: شاعرُهم وسيِّدُهم عمرُو بن كلثوم.
قال: فبَكرُ بنُ وائلٍ؟
فاختلفوا عليه، وذكروا غيرَ واحدٍ من أَشرافِ بكرِ بنِ وائلٍ.
قال: كلا، والله لا تُفرج بكرُ بنُ وائلٍ إِلا على الشيخِ الأَصم، يعثرُ في رَيْطَتِه(4)، فيَمْنعُه الكرمُ من أَنْ يرفَعها قائدُه، فيضعَها على عاتقِه.
فلما أَصبحوا، جاءت تغلبُ يقودها عمرُو بنُ كلثوم، حتى جلس إِلى الملك.
وقال الحارثُ بن حِلِّزة لقومه: إني قد قلتُ خُطبةً، فمَنْ قام بها ظفرَ بحُجَّتِه، وفَلَج(5) على خصمِه.
فَرَوَّاها ناسًا منهم، فلما قاموا بين يديه لم يَرْضَهُم؛ فحين علم أَنه لا يقوم بها أَحدٌ مَقامَه قال لهم: والله إِني لَأَكرَه أَن آتيَ الملكَ، فيُكلِّمَني من وراءِ سبعةِ سُتورٍ، وينضَحَ أَثَري بالماءِ إذا انصرفتُ عنه -وذلك لِبَرَصٍ كان به- غيرَ أَني لا أَرى أحدًا يقومُ بها مَقامي، وأَنا مُحتملٌ ذلك لكم.
فانطلق حتى أَتى الملكَ. فلمَّا نظر إليه عمرُو بن كُلثومٍ قال للملك: أَهذا يُناطِقُني، وهو لا يُطيق صدرَ راحلتِه؟! فأَجابَه الملكُ حتى أَفحمَه.
وأَنشدَ الحارثُ قصيدَتَه:


آذَنْتَنا بِبَيْنِها أَسماءُ ... رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ


وهو من وراءِ سبعةِ سُتورٍ، وهندٌ تسمعُ، فلمّا سمعت قالت: تاللهِ ما رأَيتُ كاليومِ قَطُّ؛ رجلًا يقولُ مثلَ هذا القولِ يُكلَّمُ من وراءِ سبعةِ سُتورٍ!
فقال الملك: ارفعوا سِترًا..
ودنا،

فما زالت تقولُ، ويُرفع سِترٌ فَسِتْرٌ، حتى صار مع الملك على مجلسِه. ثم أَطعمه من جَفْنَتِه، وأَمر أَلا يُنضحَ أَثرُه بالماء، وجَزَّ نواصيَ السبعينَ الذين كانوا في يديه من بكر، ودفعها إلى الحارثِ، وأَمره ألا يُنشدَ قصيدتَه إلا متوضئًا، فلم تَزَل تلك النواصي في بَني يَشْكُرَ بعدَ الحارثِ.
وقام عمرُو بنُ كلثوم، فأَنشدَ جزءًا من معلقتِه مفتخرًا على خصومِه، غيرَ مُنْتَبهٍ لمركزِ الملك، وما يلزم لمُداراتِه واستمالتِه، فحكم عمرُو بنُ هند على التَّغلبيين، فانصرف عمرٌو ورهطُه غاضبين.
ولعله قال بعد هذه الحادثة ما ذُكر في ديوانِه من هجاءٍ له؛ ثم أَكمل معلقتَه بعد ذلك، وخاصةً بعد قتلِه للملكِ، كما سنفصل، ثم قام بها خطيبًا بسوقِ عكاظٍ وقام بها في موسم مكةَ.
ويظهرُ أَنَّ الملكَ عمرَو بنِ هندٍ أَضمرَ للشاعر عمرِو بنِ كلثومٍ الحقدَ؛ لِما رأى عنده من شدةِ فخرٍ وتَباهٍ ٍوتشامخٍ. ورُوي أَنه قال ذاتَ يوم لنُدمائه: هل تعلمون أحدًا من العربِ تأْنَفُ أُمُّه من خدمةِ أُمِّي؟
فقالوا: نعم! أُمُّ عمرِو بنِ كلثوم.
قال: ولِمَ؟
قالوا: لأَنَّ أَباها مُهَلْهِلُ بنُ ربيعةَ(6)، وعمَّها كُلَيْبُ وائلٍ أَعَزُّ العربِ، وبَعْلَها كلثومُ بنُ مالكٍ أَفْرَسُ العربِ، وابنَها عمرٌو، وهو سيِّدُ قومِه.
فأَرسلَ عمرُو بنُ هندٍ إِلى عمرِو بنِ كلثومٍ يَسْتَزِيرُه، ويسأَلُه أَن يُزيرَ أُمَّه أُمَّه، فأَقبل عمرٌو من الجزيرةِ إِلى الحِيرةِ في جماعةٍ من بني تغلبَ، وأَقبلت ليلى بنتُ مُهَلِهلٍ في ظُعْنٍ(7) من بني تَغلبَ.
وأَمر عمرُو بنُ هندٍ بِرِواقِه(8)، فضُرِبَ فيما بين الحِيرةِ والفُراتِ، وأَرسل إلى وجوهِ أَهلِ مملكتِه، فحضروا في وجوهِ بَني تغلبَ.
فدخل عمرُو بنُ كلثومٍ على عمرِو بن هندٍ في رِواقه، ودخلت ليلى وهندٌ في قُبَّةٍ من جانبِ الرِّواقِ، وكانت هندٌ عمةَ امرئِ القيسِ بنِ حُجْرٍ الشاعرِ، وكانت أُمُّ ليلى بنتُ مُهَلْهِلٍ بنتَ أَخي فاطمةَ بنتِ ربيعةَ التي هي أُمُّ امرئِ القيس، وبينهما هذا النسبُ.
وقد كان عمرُو بنُ هندٍ أَمرَ أُمَّه أَنْ تُنَحِّيَ الخدمَ إِذا دعا بالطُّرَف، وتَستخدمَ ليلى. فدعا عمرو بمائدةٍ، ثم دعا بالطُرَفِ،
فقالت هندٌ: ناوليني يا ليلى ذلك الطبقَ.
فقالت ليلى: لِتَقُمْ صاحبةُ الحاجةِ إِلى حاجتِها.
فأعادت عليها، وأَلَحَّتْ،
فصاحت ليلى: واذُلَّاهُ! يا لِتَغْلِبَ!
فسمعها عمرُو بنُ كُلثوم، فثارَ الدمُ في وجهِه، ونظر إِليه عمرُو بن هندٍ، فعرف الشرَّ في وجهِه، فوَثَبَ عمرُو بنُ كلثوم إِلى سيفٍ لِعمرِو بنِ هندٍ مُعلَّقٍ بالرواق، ليس هناك سيفٌ غيرُه، فضرب به رأْسَ عمرِو بنِ هندٍ، ونادى في بني تغلبَ، فانْتَهَبوا ما في الرِّواقِ، وساقوا نَجائبَه، وساروا نحوَ الجزيرة.
وقد افتخر شُعراءُ تغلبَ بقتلِ ابنِ كلثومٍ عمرَو بن هندٍ، فقال الفرزدق يَرُدُّ على جريرٍ في هجائه الأَخطلَ:


ما ضَـــرَّ تَغلبَ وائلٍ أَهَجَوْتَها... أَم بُلْـــتَ حيثُ تَناطـــــــحَ البَحْـــرانِ


قومٌ هم قتلوا ابنَ هندٍ عُنوةً... عَمْرًا وهم قَسَطوا(9) على النُّعمانِ


_____________
(1) رواه أبو داود، وقال الألباني: صحيح.
(2) وذلك لحرب البسوس التي وقعت بينهم.
(3) هو عمرُو بنُ المنذرِ، عُرفَ بِنِسبَتِه إِلى أُمِّه هندٍ عمَّةِ امْرئِ القيس الشاعرِ؛ تمييزاً له عن أَخيه عمرٍو الأَصغرِ ابنِ أُمامةَ. يُلقبُ بالمُحَرِّقِ الثاني؛ لإِحراقه بعض بني تمي في جنايةِ واحدٍ منهم اسمهُ سُويدُ الدارمي، قتل ابناً (أو أخاً) صغيراً لعمرو. مَلك بعدَ أَبيه. واشتهر في وقائعَ كثيرةٍ معَ الروم والغاسسنةِ وأَهل اليمامة، وهو صاحبُ صحيفة المتلمس، وقاتلُ طَرَفَةَ بنَ العبدِالشاعرَ. كان شديدَ البأْسِ، كثيرَ الفتكِ، هابته العربُ وأَطاعته القبائلُ.
(4) الرَّيْطَة: كلُّ مُلاءَةٍ غيرِ ذاتِ لِفْقَيْنِ، كُلُّها نَسْجٌ واحِدٌ وقِطْعَةٌ واحِدةٌ.
(5) الفَلْجُ: الظَفَرُ والفَوْزُ، وقد فَلَجَ الرجلُ على خَصْمِه يَفْلِجُ فلْجاً.
(6) هو عَديُّ بنُ ربيعةَ التَغلبيِّ، الملقبُ بالزيرِ أَبو ليلى المُهَلْهِلُ، أَحدُ فرسانِ قبيلة تغلب. كان شاعرا يُكنى بأَبي ليلى المهلهل، وأَحد أَبطال العرب في الجاهلية، وقد كان له ابنتان هما ليلى وعبيدة. سُميّ بالمهلهل لأَنه أَولُ من هَلْهَل الشعر؛ أي: رقَّقَه. (نقلا عن الموسوعة العالمية).
(7) ظُعُن وظُعْن وظعائن وأَظعان: جمع ظَعينة، ويُطلق على المرأةِ مادامت في الهودج، ويطلق أيضا على الهودجِ كانت فيه امرأة أو لم تكن.
(8) الرِّواق والرُّاق: بيتُ كالفُسطاطِ يُحملُ على عمودٍ واحدٍ طويلٍ. ورِواقُ البيت: مُقَدَّمَهُ.
(9) قَسَط: جار وظلم، من القُسوط، وأَقْسَط: عدل، من القِسْط.
__________________
.

قال ابن قدامة -رحمه الله-:

اعلمْ أَنَّ مَنْ هو في البحرِ على لوحٍ ليس بأَحوجَ إلى اللهِ وإلى لُطفِه مِمَّن هو في بيتِه بين أَهلِه ومالِه ..

فإذا حقّقتَ هذا في قلبِك فاعتمدْ على اللهِ اعتمادَ الغريقِ الذي لايَعلمُ له سببَ نجاةٍ غيرَ الله.

(الوصية المباركة).
.
رد مع اقتباس
  #193  
قديم 01-28-2017, 03:03 PM
طارق ياسين طارق ياسين غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: الأردن
المشاركات: 980
افتراضي

.

· مَنْ يَنْكَحِ الحَسناءَ يُعْطِ مَهْرَها.
يُضربُ في الوصولِ إِلى المُرادِ ببَذْلِ الرَّغائبِ.

* نَكَح تأتي على وزن ضرب ومنع؛ فيقال في المضارع: يَنْكِح ويَنْكَح.
__________________
.

قال ابن قدامة -رحمه الله-:

اعلمْ أَنَّ مَنْ هو في البحرِ على لوحٍ ليس بأَحوجَ إلى اللهِ وإلى لُطفِه مِمَّن هو في بيتِه بين أَهلِه ومالِه ..

فإذا حقّقتَ هذا في قلبِك فاعتمدْ على اللهِ اعتمادَ الغريقِ الذي لايَعلمُ له سببَ نجاةٍ غيرَ الله.

(الوصية المباركة).
.
رد مع اقتباس
  #194  
قديم 02-03-2017, 10:05 PM
طارق ياسين طارق ياسين غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: الأردن
المشاركات: 980
افتراضي

.
· إِنَّ غَداً لِناظرِهِ قَرِيبُ.

أَي لِمُنْتَظِرِه، يُقالُ: نَظَرْتُه، أَي: انتظرته.

قال المَيدانيُّ:

وأَوَّلُ مَن قال ذلك قُرادُ بنُ أجْدعَ؛ وذلك أَنَّ النُّعمانَ بنَ المنذرِ خرج يَتَصيَّدُ على فرسِه اليَحْمُوم، فأَجراه على أَثَرِ عَيْرٍ(1)، فذهب به الفرسُ في الأَرض ولم يقدرْ عليه، وانفرد عن أَصحابِه، وأَخَذتُه السماء، فطلب مَلْجأً يلجأُ إِليه، فدُفِعَ إلى بناءٍ، فإذا فيه رجلٌ من طَيِّءٍ يُقالُ له: حَنْظَلةُ، ومعه امرأةٌ له،
فقال لهما: هل مِن مَأوًى؟
فقال حنظلةُ: نعم..
فخرج إِليه فأَنزله، ولم يكن للطائِيِّ غيرُ شاةٍ، وهو لا يعرفُ النعمانَ،
فقال لامرأَتِه: أَرى رجلاً ذا هَيْئةٍ، وما أخْلَقَه أَنْ يكونَ شريفاً خطيراً! فما الحِيلةُ؟
قالت: عندي شيءٌ من طَحينٍ كُنتُ ادَّخَرْتُه، فاذبَحْ الشاةَ لِأَتخِذَّ من الطحينِ مَلَّةً(2)،
فأَخرجتِ المرأَةُ الدقيقَ فخبزت منه مَلَّةً، وقام الطائيُّ إِلى شاتِه فاحتلَبَها ثم ذبحها، فاتخذ من لحمِها مَرَقةً مَضِيرة(3)، وأَطعمَهُ من لحمها وسقاه من لبنِها، واحتال له شراباً فسقاه، وجعل يُحَدِّثُه بقيةَ ليلتِه.
فلما أَصبحَ النعمانُ لِبسَ ثيابَه وركب فرسَه،
ثم قال: يا أَخا طَيِّءٍ اطلبْ ثَوابَك، أَنا الملكُ النعمانُ، قال: أَفعلُ إِن شاء الله.
ثم لحقَ الخيلَ فمضى نحوَ الحِيرةِ.
ومكث الطائيُّ بعد ذلك زماناً حتى أَصابته نَكْبةٌ وجَهْدٌ، وساءت حالُه،
فقالت له امرأته: لو أَتَيْتَ الملكَ لَأَحسنَ إِليكَ،
فأقبلَ حتى انتهى إلى الحِيرَةِ، فوافق يومَ بُؤْسِ النُّعمانِ(4)، فإذا هو واقفٌ في خَيْلِه في السلاح فلما، نظر إِليه النعمانُ عرفَه وساءَه مكانَه، فوقف الطائيُّ المنزولُ به بين يَديِ النعمان،
فقال له: أَنتَ الطائيُّ المنزولُ به؟
قال: نعم،
قال: أَفلا جِئْتَ في غير هذا اليوم؟
قال: أَبَيْتَ اللعنَ(5)! وما كان علمي بهذا اليوم؟
قال: واللهِ لو سَنَحَ لي في هذا اليوم قابوسُ ابني لم أَجِدْ بُدّا من قتلِه، فاطلبْ حاجتَك من الدنيا وسَلْ ما بدا لك؛ فإنك مقتولٌ،
قال: أبَيْتَ اللعنَ، وما أَصنعُ بالدنيا بعد نفسي؟
قال النعمان: إِنه لا سبيلَ إِليها،
قال: فإِن كان لا بُدَّ فأَجِّلْني حتى أُلِمَّ بأَهلي، فأُوصيَ إِليهم وأُهيِّئَ حالَهم، ثم أَنْصرِفُ إِليك،
قال النعمان: فأَقِم لي كَفيلاً بموافاتِك،
فالتفتَ الطائِيُّ إِلى شَريكِ بنِ عمرِو بنِ قيسٍ من بني شَيْبانَ، وكان يُكْنى: أَبا الحَوْفَزَان، وكان صاحبَ الرِّدافَةِ(6)، وهو واقفٌ بجنبِ النعمان،

فقال له:



يا شريكاً يا ابنَ عمرٍو ... هل من الموت مَحَالة


يا أَخـــــا كلِّ مُضَــــافٍ ... يا أخـــــا مَنْ لا أَخــــــا له


يا أخـا النعمان فُكَّ اليوم.... ضَيْفـــــــــــاً قد أتى له



فأَبى شَريكٌ أَنْ يتكفلَ به، فوثبَ إِليه رجلٌ من كَلْبٍ يُقالُ له: قُرادُ بنُ أجْدَعَ،
فقال للنعمان: أَبَيْتَ اللَّعْنَ، هو عليَّ،
قال النعمان: أَفعلتَ؟
قال: نعم.
فضَمَّنَه إِياهُ، ثم أَمر للطائيِّ بخمسِمائةِ ناقةٍ، فمضى الطائيُّ إِلى أَهلِه، وجعل الأَجلَ حَوْلاً مِن يومِه ذلك إِلى مثلِ ذلك اليومِ من قابلٍ، فلما حال عليه الحولُ وبقي من الأَجلِ يومٌ،
قال النعمانُ لقُرَادٍ: ما أَراك إِلا هالكاً غَداً!
فقال قُرَادٌ:


فإِنْ يَكُ صَدْرُ هذا اليومِ وَلّى ... فإنَّ غَداً لِناظرهِ قَريبُ


فلما أَصبحَ النُّعمانُ ركبَ في خيله ورَجْلِه مُتسلحاً كما كان يفعلُ، حتى أتى الغَرِيَّيْنِ(7)، فوقف بينهما وأَخرجَ معه قُرَاداً وأَمرَ بقتلِه،
فقال له وزراؤُه: ليس لك أَنْ تقتُلَه حتى يستوفيَ يومَه. فتركه.
وكان النعمانُ يَشتهي أَنْ يُقتلَ قُرَاداً؛ ليُفْلَتَ الطائيُّ من القتلِ.
فلما كادت الشمسُ تَجِبُ، وقُرَادٌ قائمٌ مُجَرَّدٌ في إِزارٍ على النِّطعِ(8)، والسَّيافُ إلى جنبِه، أَقبلت امرأَتُه وهي تقول:


أَيا عَينُ ابْكِ لي قرادَ بنَ أَجْدَعَا ... رَهينا لقَتْلٍ لا رهينا مُوَدَّعا


أَتَتْهُ المنايا رَهيناً دون قومِه.... فأَمسى أَسيراً حاضرَ البَيْتِ أَضْرَعَا


فبينا هم كذلك إِذ رُفع لهم شخصٌ من بعيدٍ، وقد أَمرَ النعمان بقتلِ قرادٍ،
فقيل له: ليس لك أَنْ تقتلَه حتى يأْتيَك الشخصُ فتعلمَ مَن هو،
فكفَّ حتى انتهى إليهم الرجلُ، فإذا هو الطائيُّ، فلما نظر إليه النعمانُ شَقَّ عليه مَجيئُه،
فقال له: ما حملك على الرجوعِ بعدَ إِفلاتِك من القتل؟ قال: الوفاءُ..
قال: وما دَعَاك إِلى الوفاءِ؟(9)
قال: دِينِي،
قال النعمان: فاعْرِضْهَا عليَّ، فعرضَها عليه فتَنَصَّرَ النعمانُ وأهلُ الحِيرةِ أَجمعون. وكان قبلَ ذلك على دينِ العربِ، فترك القتلَ منذُ ذلك اليومِ، وأبطل تلك السُّنَّةَ، وأَمر بهدمِ الغَرِيَّيْنِ، وعفا عن قُرَادٍ والطائيِّ،
وقال: واللهِ ما أَدري أَيُّها أَوفى وأَكرمُ؛ أَهذا الذي نَجا من القتلِ فعادَ، أَم هذا الذي ضَمِنه؟! واللهِ لا أَكونُ أَلأَمَ الثلاثةِ.
_____________

(1) العَيْرُ: الحمار الوحشيّ والأهليُّ أيضاً، والأنثى عَيْرَةٌ.
(2) المَلَّةُ: الترابُ الحار والرماد أَو الجمر، يُخبَزُ أَو يُطبخُ عليه أَو فيه، وخُبزُ المَلَّةِ: ما يُخبزُ فيها.
(3) المَضيرة: هي أَن يُطبخَ اللحمُ باللبن البَحْتِ الصريح الذي قد حذى اللسانَ حتى ينضجَ اللحمُ وتَخْثُرَ المضيرةُ.
(4) كان للنعمانِ يومان في السنة: يومُ نعيمٍ، يُبالغُ فيه بإكرامِ أَول من يَقدُمُ عليه، ويومُ بُؤْسٍ، يأمرُ فيه بقتل أول قادمٍ عليه كائنا من كان.
(5) أَبَيْتَ اللعنَ: أَي: لا فعلتَ ما تَستوجبُ به اللعنَ. وهي تحيّةُ الملوكِ في الجاهليّةِ.
(6) جاء في تهذيب اللغة: أَردافُ الملوكُ في الجاهليةِ الذين يَخْلُفونهم في القيام بأَمرِ المملكةِ، بمنزلة الوزراءِ في الإسلام، وهي الرِّدافةُ.
(7) جاء في "تاج العروس":
وهُما بِناءان مَشْهورانِ بالكوفةِ، عنْدَ الثَّوِيَّةِ، حيثُ قَبْرُ أَمِيرِ المُؤْمِنِين عليّ -رضِيَ اللّهُ عنه- زَعَمُوا أنَّهما بَناهُما بعضُ مُلوكِ الحِيرَةِ. وقالَ الجَوْهرِي: هُما بِناءانِ طَوِيلانِ، يقالُ هُما قَبْرا مالِكٍ وعَقِيلٍ نَدِيمَي جَذيمَةَ الأبْرش، وسُمَّيا: غَرِيِّيْن لأنَّ النُّعْمانَ بن المنْذرِ كانَ يُغَرِّيهما بدَمِ مَنْ يَقْتُله إذا خَرَجَ في يَوْم بُؤْسِه؛ فسِياقُ الجَوْهرِي يَقْتَضِي أنَّهما سُمِّيا بالتّغْرِيَةِ وهو الإلْصاقُ.
(8) النطع: بساط من جلد يقتل فوقه المحكوم عليه بالقتل. قال الجوهري: وفيه أربع لغاتٍ: نَطْعٌ ونَطَعٌ ونِطْعٌ ونِطَعٌ. والجمع نُطوعٌ وأَنْطاعٌ.
(9) وذُكِر أنه قال: خَشِيتُ أَنْ يقالَ: ذهب الوفاء.
فقال النعمان لِقُرادٍ: وأَنت ما حملك على ضَمانه على أَن أقتُلَك عنه؟
قال: خشيتُ أَنْ يُقالَ: ذهب الكرمُ.
فقال النعمانُ: وأَنا قد عفوتُ عنه خَشْيةَ أَنْ يقال: ذهب العفوُ. وأَسقط يومَ البُؤسِ، فلم يكن له يومُ بُؤْسٍ بعدَها.
__________________
.

قال ابن قدامة -رحمه الله-:

اعلمْ أَنَّ مَنْ هو في البحرِ على لوحٍ ليس بأَحوجَ إلى اللهِ وإلى لُطفِه مِمَّن هو في بيتِه بين أَهلِه ومالِه ..

فإذا حقّقتَ هذا في قلبِك فاعتمدْ على اللهِ اعتمادَ الغريقِ الذي لايَعلمُ له سببَ نجاةٍ غيرَ الله.

(الوصية المباركة).
.
رد مع اقتباس
  #195  
قديم 02-08-2017, 09:28 PM
طارق ياسين طارق ياسين غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: الأردن
المشاركات: 980
افتراضي

.
· مُجاهرةً إِذا لم أَجدْ مَخْتِلاً.

قال الميداني:

المُجَاهرةُ بالعداوة: المُباداةُ بها.
والخَتْلُ: الخَتْرُ. [ الغدر].
يقول: آخذُ حقي مُجاهرةً -أَي: عَلانيةً- قهراً إِذا لم أَخْتِلْ إِليه في العافيةِ والسِّتر.
ونَصبَ "مُجاهرةً" على تقدير: أُجاهرُ مجاهرةً.
وقوله: "مَخْتِلاً" أَي: موضعَ خَتْلٍ. ويجوز "مَخْتَل" بفتح التاء؛ يجعله مصدراً، والتقدير: أُجاهر فيما أَطلبُ مُجاهرةً إذا لم أَجدْه خَتْلاً؛ أَي بالختل.

وقريبٌ منه قولُهم:
· حَلَبْتُها بالساعدِ الأَشَدِّ.

أَي: أَخذتُ حقي بالقوةِ إِذا لم يَتَأَتَّ بالرفق.
__________________
.

قال ابن قدامة -رحمه الله-:

اعلمْ أَنَّ مَنْ هو في البحرِ على لوحٍ ليس بأَحوجَ إلى اللهِ وإلى لُطفِه مِمَّن هو في بيتِه بين أَهلِه ومالِه ..

فإذا حقّقتَ هذا في قلبِك فاعتمدْ على اللهِ اعتمادَ الغريقِ الذي لايَعلمُ له سببَ نجاةٍ غيرَ الله.

(الوصية المباركة).
.
رد مع اقتباس
  #196  
قديم 02-13-2017, 09:14 PM
طارق ياسين طارق ياسين غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: الأردن
المشاركات: 980
افتراضي

.
· إِنَّ الهَوانَ لِلَّئيمِ مَرْأمَة.

يُضرب في الانتفاع باللئيم عندَ إِهانَتِه.

قال الميداني:

المَرْأَمة(1): الرِّئْمَانُ وهما الرأفة والعطف. يعني إِذا أَكرمْتَ اللئيمَ استخفَّ بكَ، وإِذا أَهَنْتَه فكأَنك أَكرمتَه، كما قال أَبو الطيب:


إذا أَنْتَ أكـــــرمْتَ الكــــــــــريمَ مَــــــلَـــــــــكـــــتَــــهُ ... وإنْ أَنْــــتَ أكــــــرمْـــــــــــتَ اللـــئــيــــمَ تــــمــــرَّدَا


وَوَضْعُ النَّدَى في مَوْضِع السيفِ بالعَلِيِّ ... مُضِرٌّ كَوضعِ السيفِ في موضعِ النَّدَى(2)



__________
(1) قال الجوهري: رَئِمَ الجُرْحُ رِئْماناً حسناً، إذا التأَمَ. وأَرْأَمْتُهُ أنا، إذا داويتُه حتى يبرأَ أَو يَلتَئِمَ.
(2) قال الواحدي شارح ديوان المتنبي: أَي كلٌّ يُجازى ويُعامل على ما يستحق؛ فمن استحقَّ العطاءَ لم يُستعملْ معه السيفُ، ومن استحق القتلَ لم يُكرم بالعطاء، ومن فعل ذلك أَضرَّ بعُلاه.
__________________
.

قال ابن قدامة -رحمه الله-:

اعلمْ أَنَّ مَنْ هو في البحرِ على لوحٍ ليس بأَحوجَ إلى اللهِ وإلى لُطفِه مِمَّن هو في بيتِه بين أَهلِه ومالِه ..

فإذا حقّقتَ هذا في قلبِك فاعتمدْ على اللهِ اعتمادَ الغريقِ الذي لايَعلمُ له سببَ نجاةٍ غيرَ الله.

(الوصية المباركة).
.
رد مع اقتباس
  #197  
قديم 02-16-2017, 08:19 PM
طارق ياسين طارق ياسين غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: الأردن
المشاركات: 980
افتراضي

.
· أَتْبِعِ الفرسَ لِجامَها.

يُضربُ مَثلاً لِمَن قضى الحاجةَ ولم يُتِمَّها.

قال أَبو عُبَيد:

أَرى معناهُ: أَنك قد جُدْتَ بالفرسِ، واللِّجامُ أَيسرُ خَطْباً، فأَتِمَّ الحاجةَ؛ لِما أَنَّ الفرسَ لا غِنَى به عن اللِّجام.
وكان المُفضَّلُ يذكر أَنَّ المثلَ لعمرِو بنِ ثعلبةَ الكَلبيِّ أَخي عَدِيِّ بنِ جَنابٍ الكلبي؛ وكان ضِرارُ بنُ عمرٍو الضَّبِّيُّ أَغار عليهم، فسَبَى يومئذٍ سلمى بنتَ وائلٍ الصائغِ، وكانت يومئذٍ أَمةً لِعمرِو بنِ ثعلبةَ، وهي أُمُّ النعمانِ بنِ المنذرِ، فمضى بها ضِرارٌ معَ ما غَنِم، فأَدركه عمرُو بنُ ثَعلبةَ، وكان له صديقاً،
فقال: أَنْشُدُك الإِخاءَ والمودةَ إِلا رَدَدْتَ عليَّ أَهلي،
فجعل يَرُدُّ شيئاً شيئاً، حتى بَقِيَتْ سلمى، وكانت قد أَعجبت ضراراً، فأَبى أَنْ يردَّها،
فقال عمرٌو: يا ضرارُ! أَتْبِعِ الفرسَ لِجامَها.. فأرسلها مثلا.
__________________
.

قال ابن قدامة -رحمه الله-:

اعلمْ أَنَّ مَنْ هو في البحرِ على لوحٍ ليس بأَحوجَ إلى اللهِ وإلى لُطفِه مِمَّن هو في بيتِه بين أَهلِه ومالِه ..

فإذا حقّقتَ هذا في قلبِك فاعتمدْ على اللهِ اعتمادَ الغريقِ الذي لايَعلمُ له سببَ نجاةٍ غيرَ الله.

(الوصية المباركة).
.
رد مع اقتباس
  #198  
قديم 02-16-2017, 08:58 PM
طارق ياسين طارق ياسين غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: الأردن
المشاركات: 980
افتراضي

.
· تَعدو الذئابُ على مَن لا كِلابَ له.


يُضربُ لمن لا يَذوذُ عن مَحارمِه ويَصونُها.

وهو شطرُ بيتٍ، وعجُزُه:

... وتَتَّقي مَرْبِضَ المُستأْسِدِ الضَّاري


نُسِبَ هذا البيتُ للزِّبِرْقانِ بنِ بدر، وقيل: هو للنابغة.


جاء في "زهر الأَكَم في الأَمثال والحِكم":

يُحكى أَنَّ عمرَ بنَ أَبي ربيعةَ بينما هو يطوفُ إِذ أَبصرَ امرأَةً في الطوافِ فأَعجبَتْهُ، فكلَّمها فنفرتْ وقالت: إِليك عني؛ فإِني في حَرمِ اللهِ، وفي موضعٍ عظيمُ الحرمةِ! فلما أَلَحَّ عليها وشغَلها عن الطواف ذهبت إِلى بعضِ مَحارمِها فقالت له: احضُرْ معي تُريني المناسكَ! فجاء معَها، فلما رآه عمرُ تَباعدَ عنها، فتَمثَّلَتْ حينئذٍ بهذا البيت. فبلغ المنصورَ خبرُها فقال: ودِدْتُ لو لم تَبْقَ بنتٌ في خِدرِها إِلا سمعَتهُ.
__________________
.

قال ابن قدامة -رحمه الله-:

اعلمْ أَنَّ مَنْ هو في البحرِ على لوحٍ ليس بأَحوجَ إلى اللهِ وإلى لُطفِه مِمَّن هو في بيتِه بين أَهلِه ومالِه ..

فإذا حقّقتَ هذا في قلبِك فاعتمدْ على اللهِ اعتمادَ الغريقِ الذي لايَعلمُ له سببَ نجاةٍ غيرَ الله.

(الوصية المباركة).
.
رد مع اقتباس
  #199  
قديم 02-20-2017, 02:10 PM
طارق ياسين طارق ياسين غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: الأردن
المشاركات: 980
افتراضي

.
· من دُونِ ذَا يَنْفَقُ الحمَارُ.

يُضربُ عندَ المبالغةِ في المدحِ إِذا كان بدونه اكتفاءٌ.

يُقال: نَفَقَت السلعةُ تَنْفَقُ نَفاقاً: إِذا راجتْ وكَثُر طُلابُّها.

قال صاحبُ "العِقْدِ الفريد":

أَخبرنا أَبو محمدٍ الأَعرابيُّ عن رجلٍ من بني عامرِ بنِ صَعْصعةَ قال: لقي أَبو يَسارٍ رجلاً بالمِرْبَد(1) يَبيعُ حِماراَ، ورجلاً يُساومُه، فجعل أَبو يَسارٍ يُطري الحمارَ،
فقال المُشتري: أَعرفْتَ الحمارَ؟!
قال: نعم،
قال؛ كيف سَيْرُه؟
قال: يُصْطاد به النَّعامُ مَعقولاً،
قال له البائع: شاكِهْ(2) أَبا يسار! مِن دُون ذا يَنْفَقُ الحمارُ.

قال المُحِبيُّ في "نَفحةِ الريحانة":


قـــل للــذي هَمُّهُ الفَــخَـارُ . . . من دون ذا ينْفَقُ الحمارُ


___________
(1) هو موقف الإبل. ومِرْبَدُ النَّعَم: موضعٌ بالمدينةِ، يقال على نحوٍ من ميلٍ. والمِربد –أَيضا-: موضع التمر، ويُقالُ له –أَيضا-: مِسْطَح. (المصباح المنير)
(2) شاكَهَهُ مُشاكَهَة وشِكاهاً: شابَهَهُ وقارَبَهُ. وفي المثل: شاكِهْ أَبا فلان، أي قارِبْ في المدح. (الصحاح).
والمقصود: لا تبالغ في المدح والإِطراءِ.
__________________
.

قال ابن قدامة -رحمه الله-:

اعلمْ أَنَّ مَنْ هو في البحرِ على لوحٍ ليس بأَحوجَ إلى اللهِ وإلى لُطفِه مِمَّن هو في بيتِه بين أَهلِه ومالِه ..

فإذا حقّقتَ هذا في قلبِك فاعتمدْ على اللهِ اعتمادَ الغريقِ الذي لايَعلمُ له سببَ نجاةٍ غيرَ الله.

(الوصية المباركة).
.
رد مع اقتباس
  #200  
قديم 02-24-2017, 03:12 PM
طارق ياسين طارق ياسين غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: الأردن
المشاركات: 980
افتراضي

.

· ظِئْرٌ رَؤُوم خيرٌ مِن أُمٍّ سَؤُوم.

يُضربُ في عدمِ الشفقة وقلة الاهتمام.

الظئر: المرضع.
الروؤم: العطوف.
السؤوم: كثيرة الملل.
__________________
.

قال ابن قدامة -رحمه الله-:

اعلمْ أَنَّ مَنْ هو في البحرِ على لوحٍ ليس بأَحوجَ إلى اللهِ وإلى لُطفِه مِمَّن هو في بيتِه بين أَهلِه ومالِه ..

فإذا حقّقتَ هذا في قلبِك فاعتمدْ على اللهِ اعتمادَ الغريقِ الذي لايَعلمُ له سببَ نجاةٍ غيرَ الله.

(الوصية المباركة).
.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:21 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.