أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
3254 16943

العودة   {منتديات كل السلفيين} > منابر الأخوات - للنساء فقط > منبر الصوتيات والمرئيات والكتب و التفريغات - للنساء فقط

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 09-16-2011, 12:42 AM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي [ تفريغ ] حكم ما يسمى بالأناشيد الإسلامية - عبد المالك رمضاني

بسم الله الرحمن الرحيم

حُكمُ ما يُسمَّى بالأناشيدِ الإسلاميَّة (!!)

[الشَّريط العاشر ضِمن سلسلةِ أشرطةٍ في (حُكم الغِناء)*]

لفَضيلةِ الشَّيخِ عبدِ المالِك رَمضاني
-حَفظهُ اللهُ-

موضوعنا العاشِر: هو موضوع (الأناشيد) التي تُسمَّى بـ(الإسلامية!!).
يعني: هذه القصائد التي يُمدح اللهُ ورسولُه -صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم-؛ هل هي جائزةٌ أم لا؟
أولًا: ينبغي تقسيمُ هذا الموضوعِ إلى قسمَين:
* إما أن تكونَ هذه الأناشيدُ عادةً.
* وإمَّا أن تكونَ عبادة.
فإذا كانت الأناشيدُ عادةً مِن العاداتِ؛ فالأصلُ في العاداتِ الإباحةُ إلا لنصٍّ؛ لقولِ الله -عزَّ وجلَّ-: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ}؛ يعني: كلُّ ما يقومُ به الإنسانُ مِن عاداتٍ؛ فهو جائز، فالعاداتُ -شرعًا- جائزة؛ إلا إذا كان لدينا نصٌّ -مِن آيةٍ قرآنية، أو حديثٍ نبويٍّ صحيح يحرِّم هذه العادة-؛ فهي جائزةٌ حينذاك.
إذًا: فالشيءُ الذي لا يُتقرَّب به الإنسانُ إلى ربِّه؛ يُسمَّى (عادةً)، والشَّيءُ الذي يُتقرَّب به الإنسانُ إلى ربِّه -عزَّ وجلَّ- يُسمَّى (عبادةً).
مِن هُنا: ينبغي أن نعرفَ -ها هُنا- أمرَين:
* الأوَّلُ: أنَّ النَّشيدَ غناء؛ لأنَّ الغناء: كل كلامٍ مُطرَّبٍ فيه، ولو لم تَصحبْه آلةٌ موسيقيَّة، كما أشار إليه الأصمعيُّ، وابنُ منظور، وابنُ الأثير، وإليهِ أشارَ القُرطبيُّ، ووافقه على ذلك ابنُ حجرٍ، وكذا ابنُ الجوزي، وأبو موسى ابنُ المديني -عليهم رحمةُ الله جميعًا-.
وذلك في حديث ورد: لقد سمعَ النَّبيُّ -صلَّى الله عليهِ وآلِه وسلَّم- أبا موسَى الأشعريَّ -رضيَ الله-تَعالَى-عنهُ- يقرأُ القرآنَ بصوتٍ رائعٍ مُؤثِّرٍ، فقال له: «لقد أوتيتَ مزمارًا مِن مزاميرِ آلِ داود»، فأبو موسى -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُ-لا شك أنَّه لم يستعمل مع القُرآن الكريمِ آلةً موسيقيَّة، مع ذلك: فقد سمَّى النبيُّ -صلَّى الله عليهِ وآلِه وسلَّم- تلاوتَه للقُرآنِ الكريمِ مزمارًا؛ فهذا يدلُّ -من جهةِ الشَّرع- أنَّ الغناءَ إذا كان خاليًا مِن آلةٍ موسيقيَّة يُسمَّى (مِزمارًا).
والآياتُ التي حَرَّمت الغناءَ، والأحاديثُ التي حرَّمتِ الغناء لم تُفصِّل بين غِناءٍ صِحِبتْه آلةٌ موسيقيَّة، وبين غناءٍ خلا مِن آلةٍ موسيقيَّة، و(تركُ الاستفصال في حِكايةِ الحال مع قيامِ الاحتِمال؛ ينزل منزلةَ العُمومِ في المقال)؛ أي أنَّ الغناء -بقسمَيه-سواء كان مصحوبًا بآلةٍ موسيقيَّة، أو بغيرِ آلة- يُعتبر ممنوعًا لوُرودِ الأدلَّة عامَّة، بل وَردت مُجملةً كما وردتْ مفصلة.
* الأمرُ الثَّاني: أنَّ الآياتِ والأحاديثَ التي منعتِ الغناء لم تُفرِّق بين غناءِ عادةٍ وغناءِ عبادةٍ؛ بل حرَّمتهُما جميعًا؛ كما في سورة لقمان؛ حيث جعل الله -عزَّ وجلَّ- مجرد التَّطريبِ بالكلامِ، وتلحين الغناءِ باللِّسان -فقط- غناءً ممنوعًا، وهذا هو السِّرُّ في قولِ الله -عزَّ وجلَّ-: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} فقال: {لَهْوَ الْحَدِيثِ} ولم يُسمِّه بغير هذه التَّسمية؛ إشارةً إلى أنَّ الحديثَ أو الكلامَ إذا كان يلهُو بهِ صاحبُه على طريقةِ أهلِ الغِناءِ والألحان؛ فإنَّما هو المحرَّم شَرعًا، وهذا مِن بلاغةِ القُرآن الكريم؛ حيث ترِدُ فيه لفظةٌ واحدة تحمل مَعنَيَين جميعًا، أو معانٍ كثيرة، كما في هذه الآية الكريمة.
إذًا من خلالِ هذا الكلام: يُستخلصُ أن الغناءَ -بقسمَيه- ممنوعٌ -أصلًا-؛ فالأصل في الغناء: المنع.
يعني: أن القاعدةَ التي تقولُ: (الأصلُ في العاداتِ الإباحة إلا لِنصٍّ)؛ هذه مَنقوضة بالنَّص؛ إذْ عندنا النُّصوص التي تحرِّم الغناء ولم تَنصَّ على عادةٍ أو عبادة؛ أي: لم تُفرِّق بين العادةِ والعبادة.
فنقول:
إذًا: الغِناء بِقسمَيه ممنوع... ومَن قال: (إذا كان الغناءُ عادةً فهو جائز)؛ فعَلَيه بالدَّليل؛ إذ نحنُ باقون على الأصل، وهو خارجٌ عن الأصل، ومَن خرج عن الأصل؛ فعليه أن يأتيَ بالمرجِّحِ الذي جعله يَخرج عنه.
بل إنَّ لدينا أدلةً خاصَّة في الموضوع.
لَدينا أدلةٌ تمنعُ الغناءَ إذا كان عادةً كما تَمنعُه إذا كان عبادةً.



يتبع إن شاء الله


______________
* سلسلة طيِّبة مُباركة، عظيمة النفع، كنتُ قد أنزلتُها على الجهاز -قديمًا-؛ لتفريغِها -بناءً على طلب بعض المشرفين-، لكني استصعبتُ الأمر؛ بسبب اللهجة الجزائريَّة -في بعض الجُمل-! فتوقفتُ!
والآن بدأتُ في تفريغ آخِر حلقةٍ من هذه السِّلسلة النافعة؛ لأهميَّة مادتِها، وعِظم البلاءِ بِما يُسمَّى -زورًا- (أناشيد إسلاميَّة)! وأسأل الله التيسير وأن ينفعَ بها.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 09-16-2011, 11:34 AM
أم محمد السلفية أم محمد السلفية غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jul 2009
الدولة: فلـسـطـيـن/ رام الله
المشاركات: 672
افتراضي

بارك الله فيكِ وجعله في ميزان حسناتك
__________________
كتبتُ وقد أيقنتُ يوم كتابتى ****** بأن يدى تفنى ويبقى كتابها
فإن عملت خيراً ستجزى ***** وإن عملت شراً عليَ حسابها


***********
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 09-16-2011, 11:49 AM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم محمد السلفية مشاهدة المشاركة
بارك الله فيكِ وجعله في ميزان حسناتك
وإياك -أختي الفاضلة-، أسعدني مرورك!
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 09-17-2011, 10:48 AM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي

ونحن إذا قُلنا كلمة (الغِناء)؛ فإنَّما نُريدُ (الأناشيدَ).
فالأناشيدُ: غِناء -كما سبق أن فسرتُ لكم-لغةً، وشرعًا-.
فنقول: هُناك حديثُ النَّبي -صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم- الذي يقولُ فيه: «إنَّما نَهيتُ عن صَوتَين أحمقَين فاجِرَين: صوتٍ عند نغمةٍ؛ مِزمارُ شيطانٍ ولَعِب» إلى آخرِه، والحديث في التِّرمذي، وهو صحيح.
وقد قال ابنُ تيميَّة -رحمهُ اللهُ-: (هو أجودُ ما يُستدلُّ به على تحريمِ الغِناء).
هذا الحديثُ يحرِّم الغِناءَ إذا كان صاحبُه يَلعبُ به لا يتعبَّد اللهَ -تَعالى- به؛ أي: إذا كانت الأناشيدُ عادةً؛ إذ قال: «مِزمارُ شيطانٍ ولَعِب»، وإذا قال (مِزمار)؛ فليس ضَرورةً أن يكونَ هذا الغِناءُ مَصحوبًا بآلةٍ موسيقيَّة؛ فقد فسَّرتُ لكم -سابقًا- أنَّ كلمة (المزمارِ) قد تُطلق على الغِناء أو النَّشيد الذي له معه آلةٌ موسيقيَّة.
الدَّليلُ الثَّاني: حديثُ عائشةَ -رضيَ اللهُ عنها-؛ لمَّا دخلَ أبو بكرٍ -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُ- وعندها جاريتانِ تُغنِّيان..
سُبحان الله! أبو بكرٍ -رضيَ اللهُ-تَعالى-عنهُ- أنكر على الجاريتَين الغِناء! وماذا كان في الغِناء؟ لم يكنِ الغناءُ سِوى غِناءِ عادةٍ؛ يعني: اليوم يومُ عُرس، والمُغنِّيتان بِنتانِ صغيرتان تُغنِّيان غِناء حَرب -فقط-؛ تَمدحان الحربَ، تمدحانِ المقاتِلين، رغم ذلك فأبو بكرٍ -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُ- سمَّى هذا النَّشيدَ الذي ليس معهُ سِوى [...]-كما في رِواية مُسلم: «وعندي جاريتان تُدفِّفان» رغم ذلك -كلِّه-؛ فإنَّ أبا بكرٍ -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُ- سمَّاهُ (مِزمارَ الشَّيطان)!
لا يُسمِّي أبو بكرٍ -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُ- هذا الغِناءَ، أو هذا النَّشيد -كذلك-؛ إلا لأنَّه عَرفَ مِن خلالِ ممارستِه لصُحبةِ النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم- أنَّه مِزمارُ الشَّيطان، وقد سَبق أن ذكرنا لكم في أسماءِ الغِناء أنَّ النَّبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- سمَّى الغِناءَ -نفسَه- بـ(مِزمارِ الشَّيطان)-كما في الحديث السَّابق-.
إذًا: فأبو بكر -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُ- لم يكنْ لِيفتريَ على شرعِ الله -عزَّ وجلَّ- بأن يُسمِّيهُ تسميةً لم يَذكرْها اللهُ -تَباركَ وتَعالى-، ولم يتعلَّمها مِن فِي النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم-.
وقد رأينا النُّكتةَ البلاغيَّة في قولِ الله -عزَّ وجلَّ-: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ}، وسؤالَ عائشةَ -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنها- للنَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم- حينما أمرَها بأن تُرسلَ جاريةً تُغنِّي في عُرس، فقالت: وماذا تقولُ يا رسول الله! فهي جاريةٌ صغيرةٌ ولا تعرفُ عن الأناشيدِ شيئًا؛ لأنَّ البيت كان خاليًا من هذه الأناشيد.
هذا أوَّلًا.
وأمَّا ثانيًا: أن تكونَ هذه الأناشيدُ عبادة، أن يتَّخذَها النَّاسُ قربةً إلى اللهِ -عزَّ وجلَّ-.
والحقيقة؛ أنَّ هذه الثَّانية؛ هي واقعُنا الذي نعيشُه اليوم!
إذ أن هذه الأناشيدَ اتُّخذت -اليومَ- عبادةً، يَعبُد كثيرٌ من الشَّباب بها اللهَ -عزَّ وجلَّ-، ويتقرَّبون بها إلى اللهِ -عزَّ وجلَّ-، وكيف لا يكونُ الأمر كذلك؛ وإذا سألتَ أحدَهم: لماذا تُنشدُ؟ فيقول لك: (لأنَّني أدعو إلى الله -تَعالى- بها)! وكلمتُهم التي تعارفوا عليها أن يقولَ أحدُهم: (هذا هو بديلُ الغِناء)!! فكأنَّهم كُلِّفوا أن يأتوا بِالبديل مِن اختراع أنفسِهم.
كيف لا تكونُ عبادةً عند القومِ وهم الذين يَدعون إلى اللهِ -تَعالى- بِها، واللهُ -عزَّ وجلَّ- يقولُ: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَولًا مِمَّن دَعا إلى اللهِ وعَمِلَ صالحًا وقال إنَّني مِنَ المُسْلِمِين}.
فمِن ها هُنا نفهمُ أنَّكم تَدعون إلى اللهِ -تَعالى- بهذه الأناشيدِ؛ أي: تتقرَّبون إلى اللهِ -تَعالى- بهذه الأناشيد.
وكلُّكم يعلمُ أنَّ الأصلَ في العِباداتِ المنعُ إلا لِنصٍّ.
يعني: لا يجوزُ لأيِّ إنسانٍ أن يتقرَّب إلى اللهِ -تَعالى- بعملٍ ما؛ إلا إذا كان لديهِ الدَّليل، فإذا لم يكنْ لديه الدَّليلُ؛ فعبادتُه (بِدعة).
وهذا هو تعريفُ البدعةِ: أن نتقرَّب إلى الله -تَعالى- بعبادةٍ لم يتقرَّب بها إليهِ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم-.
ولا بُدَّ أن نعرفَ أنَّ هذه الأناشيدَ كانت معلومةً لدى القومِ من الجاهليَّة إلى الإسلام، فما دامتْ مَعلومةً لكنَّهم لم يَعبُدوا اللهَ -تَبارك وتعالى- بها، وما تقرَّبوا إليه بِها؛ دلَّ هذا -كلُّه- على أنَّها بدعةٌ عندهم.
يدلُّكم على هذه القاعدةِ قولُ اللهِ -عزَّ وجلَّ-: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ}.
فالإنسانُ الذي يَشرعُ في أمَّته شيئًا مِن الدِّين لم يأذنْ به اللهُ -يعني: لـم يأمرْ بهِ اللهُ-؛ نقول له: آاللهُ أذِنَ لكَ بهذه العبادةِ؟ أم على اللهِ تَفتري؟!
فلا يجوزُ لعبدٍ أن يخترعَ أيَّ عبادةٍ.
لِـمَ؟ لأنَّ الدِّينَ كامل؛ كما قال اللهُ -تَعالى-: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}
فالدِّينُ كاملٌ، وليس بحاجةٍ أن يُكمِّله أصحابُ الأناشيد.
وقال -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «مَن عَمِلَ عملًا ليسَ عليهِ أمرُنا؛ فهو رَدٌّ»-الحديثُ في «الصَّحيحَين»-.
فنقولُ لهؤلاء: أرسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم- أمركُم أن تُنشِدوا؟ كلُّ ذلك يُجابُ عنه بالنَّفي.



يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 09-18-2011, 07:53 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي

إذًا: فمِن خلال هذه القاعدةِ نعلمُ أن اتِّخاذَ الأناشيدِ دعوةً إلى الله، أو عِبادةً -بالتَّعبيرِ الأصحِّ- هي -في الحقيقةِ- بِدعةٌ في الدِّين ما أذِن اللهُ -تَباركَ وتَعالى- بِها.
ويَدلُّكم على صِحَّةِ هذا المَنحَى عَملُ سلفِنا الصَّالِح، وهذه هي القاعِدةُ الأُخرى العظيمةُ التي بِها نُدرِكُ صِحَّةَ مَقولاتِنا، أو بُطلانَها.
كيف ذلك؟
نحنُ لا يُمكنُنا أن نفهمَ القُرآنَ والسُّنَّةَ النَّبويَّة الصَّحيحةَ إلا كما فهِمَهُما
سلفُنا الصَّالحُ؛ فلم نَعرفْ -أبدًا- أنَّ سلفَنا الصَّالح كانُوا يتَّخذون هذه الأناشيدَ؛ بل عَرَفنا عنهُم العَكسَ؛ كما رَأينا في قصَّة أبي بكرٍ مع الجارِيتَين.
أنا لا أفرِّق بين غِناء تَينِك الجارِيَتَين، وإنكارِ أبي بكرٍ وإقرارِ النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم- لهذا الإنكارِ العامِّ -سِوى الإنكارِ في يومِ العِيد؛ لأنَّها تجوز في يومِ العيدِ، أو عرس-كما سبق بيانُ ذلك-، فلا أرى فرقًا بين هذه القصَّة -التي فيها أناشِيدُ تَينِك الفتاتَين- أو بين أناشيدِ القوم -اليومَ-.
إذًا: فما دامَ لم يُعهَد عند سلفِنا الصَّالح أن كوَّنوا فرقةً للأناشيد -كما كوَّنها بعضُ الدُّعاةِ اليوم!-؛ فهذا دليلٌ على أنَّ عملَهُم تفسيرٌ صحيحٌ لكلامِ الله، وكلام رسولِه -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم-، مع أنَّ الأناشيدَ لو كان مسموحًا بها في الدِّين؛ لبلَغَنا أنَّ الصَّحابةَ، أو أنَّ القُرون التي مِن بعدِهم كانُوا يتعامَلون بِها؛ لم؟ لعُموم وكثرةِ البَلوى بِها؛ إذ كانُوا يُعيِّدون في السَّنةِ مَرَّتَين، وكانوا يتزوَّجون في السَّنةِ كثيرًا؛ فكيف لم نسمعْ بأنَّ رجالًا غَنَّوا، أو أنَّ رجالًا أنشدوا في عُرسِ كذا، أو في عِيد كذا!
فهذه عِبرةٌ ينبغي أن نتوقَّف عند حدِّها.
ثم هنالك مسألةٌ أخرى يذكرُها ابنُ قدامةَ -عليهِ رحمةُ اللهِ-، وهو أنَّ اللهَ -تَبارك وتَعالى- لم يأذن بهذه الأناشيدِ؛ بل إنَّه -تَعالى- عابَ قومًا فَعلُوا ذلك على وجهِ التَّقرُّبِ إلى الله؛ فقال -عزَّ وجلَّ-: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً}؛ يعني: كانت أدعيتُهم، كانت صلواتُهم ممزوجةً بشيءٍ من التَّلحينِ، بشيءٍ من التَّصفير والتَّصفيق؛ فجعل اللهُ -تَبارك وتعالَى- هذا العملَ -أي: تلحِين كَلام الدِّين-؛ جعله مِن اللَّعب في الدِّين، وكذلك قال اللهُ -عزَّ وجلَّ-: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}.
لهذا قال ابنُ تيميَّةَ -عليهِ رحمةُ اللهِ-: «مَن فعلَ هذه الملاهي على وجهِ الدِّيانةِ والتَّقرُّب؛ فلا ريب في ضلالتِه وجَهالتِه».
وقال -أيضًا-: «النَّشيدُ إمَّا مجرَّد مِن آلة، وإمَّا بآلةٍ؛ فذاك النَّشيدُ المحدَث»؛ أي: المبتدَع.
فهذا كلُّه معروف.
ولهذا فسَّر ابنُ تيميَّة والشَّاطبيُّ -عليهِما رحمةُ اللهِ-، جوابَ الإمامِ مالك -عليهِ رحمةُ اللهِ- لما سُئل عن الغِناء فقال: «إنَّما يَفعَلُه عندنا الفُسَّاقُ»؛ قالا: هذا جوابٌ عمَّن سأل عن غناءٍ بلا آلةٍ موسيقيَّة، فمثلُه كمثلِ النَّشيد -بالضَّبط-.
فجماعةٌ تسأل: لم؟
بِقرينةِ الحال، وهو: أنَّه لم يكنْ في عصرِ الإمامِ مالكٍ -عليهِ رحمةُ اللهِ- مَن يُغنِّي جهرةً بآلةٍ -أبدًا-، بل كانوا يُنشِدون ويُطرِّبون بألسنَتِهم -فقط-، رغم ذلك سمَّى مَن يفعلُه بالفاسِق -والعياذ بالله-.
كذا توجيهُهُما -عليهِما رحمةُ اللهِ-.



يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 09-19-2011, 01:34 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي

بل: لقد كانت هذه الأناشيدُ المعهودةُ اليوم معهودةً في ذلك الزَّمان الغابر.
فلقد قال الشَّافعيُّ -عليهِ رحمةُ اللهِ-: «تركتُ بالعِراق شيئًا يُقال له (التَّغبير)، أحدثَتْه الزَّنادقةُ، يَصُدُّون النَّاسَ به عن القُرآن».
التَّغبِير -هذا-: هو عبارة عن أناشيدَ تُذكِّر بالله، وتُذكِّر الغابرَة -أي: الآخرة-، وتُزهِّد في الدُّنيا، تجعلُ الإنسانَ يَذكُر القيامةَ بهذه الأناشيد.
قال ابنُ قُدامة -عليهِ رحمةُ اللهِ-: «وقد كَرِهَهُ الأئمةُ -كما تَرى-، ولم ينضمَّ إليه هذه المكروهاتُ مِن الدُّفوفِ والشَّبَّابات، فكيف به إذا انضمَّت إليه واتَّخذوه دِينًا؟!».
سُبحان الله العظيم! هذه كلمةٌ ذهبيَّة!
يقول: هذا التَّغبيرُ كرههُ العلماءُ ومنعهُ العُلماء، رغم أنَّه لم يحتوِ على آلةٍ موسيقيَّة -لا دفٍّ ولا شبَّابةٍ-؛ فكيف لو كان مع هذهِ الأناشيدِ شيءٌ مِن هذه الآلات؟
وأناشيدُنا -اليومَ- لا تخلو أن تكونَ إحدى الصِّنفَين:
إمَّا نشيدٌ بآلةٍ -وهو الدُّف-البندير-، أو نشيد بلا بندير، وكلاهما ممنوعٌ -كما سمِعنا من كلامِ ابن قُدامة-إذ يعرِّف (التَّغبير)-.
فالتَّغبير هذا -نفسُه- الذي قال فيه أبو الحارث: «سألتُ أبا عبد الله -أي: أحمدَ بنَ حنبل- عن التَّغبير، وقلتُ: إنَّه ترِقُّ عليه القُلوب»، يعني: هذا التَّغبير يُخشِّع القُلوبَ؛ إذْ يُذكِّر الآخرةَ، قال الإمامُ أحمدُ -عليهِ رحمةُ اللهِ-: «هُو بدعة»، وقال -أيضًا-: فهل نحضرُه؟ قال: «لا؛ هو بِدعةٌ».
وقال يزيدُ بنُ هارون: «ما يُغبِّرُ إلا فاسِق، ومتى كان التَّغبير!؟».
وقال عبدُ الله بنُ داود: «أرَى أنْ يُضرَب صاحبُ التَّغبير».
والحقيقةُ أنَّه لا فرقَ بين هذهِ الأناشيدِ وبين أناشيدِ الصُّوفيَّةِ التي يُنكرُها القَومُ، أنَّ هذه حركيَّةٌ صُوفيَّة مَرجعُها إلى أهلِ التَّصوُّف والطُّرق، ما عَرَف هذا سَلفُنا الصَّالح، ورحمةُ الله على الشَّاعر القائِل:
أَلَا قُلْ لَهُمْ قَوْلَ عَبْدٍ نَصُوحِ
....................وَحَقُّ النَّصِيحَةِ أَنْ تُسْتَمَعْ
مَتَى عَلِمَ النَّاسُ في دِينِنَا
....................بِأَنَّ [الغِنَــا] سُنَّــةٌ تُتَّبَـعْ
وَأَنْ يَأْكُلَ المَرْءُ أَكْلَ الحِمَارِ
.................وَيَرْقُصَ فِي الجَمْعِ حَتَّى يَقَعْ
وَقَالُوا سَكِرْنَا بِحُبِّ الإِلَهِ
................وَمَــا أَسْكَرَ القَوْمَ إِلَّا القِصَعْ
[كَذَاكَ] البَهَائِمُ إِنْ أُشْبِعَتْ
....................يُرَقِّقُهـا رِيُّهَــا وَالشِّبَــعْ
وَيُسْكِرُهُ النَّايُ ثُمَّ الغِنَا
..............وَ(ياسِينُ) لَو تُلِيَتْ مَا انْصَدَعْ
فَيَا لِلعُقُولِ وَيَا لِلنُّهَى
....................أَلَا مُنْكِـرٌ مِنْكُمُ لِلْبِـدَعْ
تُهَانُ مَسَاجِدُنَا بِالسَّماعِ
.................وَتُكْرَمُ عَنْ مِثْلِ ذَاكَ البِيَـعْ
وهنالك مقولةٌ لابنِ القيِّم -عليهِ رحمةُ اللهِ-، هي مِن أهمِّ ما كُتب في هذا الموضوع؛ ألَا وهي قولُه -بعد أثرِ ابنِ عبَّاس-رضي الله عنهما-حولَ تسمية الغِناءِ بـ(الباطلِ)؛ لما سُئل ابنُ عبَّاسٍ عن الغِناء؛ فسأل السَّائلَ: أين يكونُ الغناءُ إذا جاء الحقُّ والباطلُ يومَ القِيامة؟ قال: يكونُ مع الباطلِ، قال: «اذهبْ؛ فقد أفتَيتَ نفسَكَ».
قال -عليهِ رحمةُ اللهِ-يُعلِّق على هذا الأثر-: «فهذا جوابُ ابنِ عبَّاس عن غناء الأعراب الذي ليس فيه مدحُ الخَمرِ والزِّنا واللِّواطِ والتَّشبيبِ بالأجنبيَّات وأصواتِ المعازف والآلات المُطرِباتِ؛ فإنَّ غناءَ القومِ لم يكنْ فيه شيءٌ مِن ذلك، ولو شاهدُوا هذا الغناءَ؛ لقالُوا فيه أعظمَ قَولٍ؛ فإنَّ مَضرَّتَه وفِتنتَهُ فوقَ مضرَّةِ شُرب الخمرِ وأعظمُ مِن فتنتِه.
فمِن أبطلِ الباطل أن تأتيَ شريعةٌ بإباحتِه، فمَن قاسَ هذا على غِناء القَوم؛ فقِياسُه مِن جِنسِ قِياسِ الرِّبا على البَيع، والميتةِ على المُذكَّاة، والتَّحليلِ الملعونِ فاعلُه على النِّكاحِ الذي سنَّه رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّم-».
فتلاحظونَ -إِخواني- كلمةَ ابن القيِّم -عليهِ رحمةُ اللهِ- كيف جعل جَوابَ ابنِ عبَّاس لا عن الغِناءِ الذي فيه الفُحشُ والخَنا، ولا عن الغِناءِ الذي تَصحبُه آلةُ غِناء؛ وإنَّما هو جَوابٌ عن هذهِ الأناشيدِ المعروفةِ -اليومَ-، ودليلُهُ في ذلك قَرينةٌ حاليَّةٌ، ألا وهي:
ما دام لم يكنْ في عهدِ ابنِ عبَّاس -رَضي اللهُ عنهُما- مَن يُغنِّي بفُحشٍ وبَذاءٍ في الكلام، ومَن يغنِّي بآلةٍ مُوسيقيَّة؛ فلا يُمكنُه أن يزيدَه عمَّا لم يكنْ، هذه واحدة.
ثم قرينةٌ ثانية: قرينةٌ وصفيَّة.
فابنُ عبَّاس -رضيَ اللهُ عنهُما- كان معروفًا بتحريمهِ للغِناء الذي يَرتكبُ فيه قائلُه الفُحشَ والبَذاء، وقال فيه أعظمَ قولٍ -كما ذكر ابنُ القيِّم-عليهِ رحمةُ اللهِ-؛ فكيف يَسكتُ عن هذا ويقولُ للسَّائل: لا أقولُ حرامًا إلا لما حرَّمهُ الله، ولا أقولُ حلالًا إلا لما أحلَّه الله؛ فكيف يقولُ هذا؛ وقد علِم أنَّ اللهَ -تَعالى- حرَّمهُ بِنصِّ الكتاب؛ فكأنَّه يقولُ: نَشيدُكم هذا لم يتحدَّثِ القُرآنُ عنه صراحةً؛ فلذا أنا لا أحرِّمه عنك صراحةً؛ إنَّما أقتبسُ منكَ الجواب.
لكنَّ الغناءَ الذي حرَّمه اللهُ -تَعالى-صراحةً- فقد تكلَّم فيه ابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ عنهُما- مِن قبلُ، وعلِمنا الجوابَ عنه في حلقاتٍ سابقةٍ.
إذًا: فهو -ها هُنا- يتكلَّم عن نوعٍ ثانٍ من الغِناء؛ وإلا لَعُدَّ كلامُه تَناقُضًا وتذبذُبًا وتردُّدًا.


يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 09-23-2011, 10:18 AM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي

قد يقولُ قائل: إن رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم- لما استقبَله أهلُ المدينةِ استقبلوهُ بنشيدِ (طلع البدرُ علينا)؟
والجوابُ عن هذا: أنَّ هذه القصَّةَ غيرُ صحيحةٍ؛ بل ضعَّفها -لإعضالِها- العراقيُّ -عليهِ رحمةُ اللهِ-.
وقد يقولُ آخرُ: لقد ثبتَ الحِداءُ؛ أنَّ بعضَ الصَّحابةِ كان يحدُو، والحِداءُ -هذا-: هو إنشادُ الشِّعرِ بألحانٍ على طريقةِ الأعراب.
فالجوابُ عن هؤلاء: أنَّ هذا الحداءَ كان لتنشيطِ سَيرِ الإبلِ، فأحدُهُم يَحدُو بهذِه الأبياتِ الشِّعريَّة -الملحَّنِ فيها-؛ لتنشيطِ الإبلِ والجِمال في سَيرِها.
فيا سُبحانَ الله! نشيدٌ يتَّخذُ للإبلِ والبَقرِ؛ ما دَخلُكُم فيه أنتُم -مَعشرَ البَشرِ!-!!
وقد يقولُ قائلٌ ثالثٌ: كان الصَّحابةُ -رضيَ اللهُ-تَعالى-عنهُم- يَرتَجِزون؛ فعن أنسٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- قالَ: جَعل المُهاجِرون والأنصارُ يَحفرون الخندقَ، ويَنقُلون التُّرابَ وهُم يقولُون:
نحن الَّذينَ بايَعُوا محمَّدَا .. على الجِهادِ ما بَقينا أبدَا
يقولُ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم-وهُو يُجيبُهم-: «اللَّهمَّ! لا عيشَ إلا عيشُ الآخرةِ؛ فاغفِرْ للأنصارِ والمُهاجِرةِ» -متَّفقٌ عليه-.
وعن البراءِ -رضيَ اللهُ عنهُ- قال: «كان النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم- ينقلُ التُّرابَ يومَ الخَندقِ حتَّى اغبرَّ بطنُه، يقولُ:
واللهِ لولا اللهُ ما اهتدَينا .. ولا تَصدَّقْنا ولا صَلَّينا
فأنزِلنْ سَكينـةً علينــا .. وثبِّتِ الأقدامَ إنْ لاقَينا
إنَّ الأُلى قد بَغَوا عَلَينـا .. إذا أرادُوا فِتنـةً أبَينــا
يرفع صوتَه: أبَيْنا أبَيْنا» -متَّفقٌ عليه-.
فهذه الوقائعُ -وغيرُها- لا تَذكُر أنَّ الصَّحابةَ -رضيَ اللهُ-تَعالى-عنهُم- كانُوا يُنشِدون، ولا رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم- كان يُنشدُ النَّشيدَ المطرَّبَ فيهِ؛ إنَّما كانُوا يُشعِرون هذه الأشعارَ، فهذه عبارةٌ عن شِعرٍ -فقط-، ليستْ بأناشيدَ، ومَن قال: هي أناشيد؛ فلْيأتِنا بالدَّليلِ، نحنُ ما رأيناهُم إلا يرتجِزون، والرَّجز: هو بيتٌ شِعريٌّ ينتهي صَدرُه كعَجُزِه.
وعلى كلِّ حالٍ: فإنَّ العُلماءَ الَّذين أجازُوا هذا النَّوعَ مِن الحداءِ للمؤمِنين، أو هذا النَّوعَ مِن الرَّجزِ -الذي يُطرَّبُ فيه قليلًا-؛ قالوا: يجوزُ إذا كان على طريقةِ الأعرابِ -إذْ لا يُهيِّج-، لا على طريقةِ بني زمانِنا -إذْ يُشعِرون أشعارًا يُطرِّبون فيها، يُحرِّكون الكامِنَ مِن النُّفوسِ في البشرِ-؛ فهذا لم يُجيزوهُ -عليهِم رَحمةُ اللهِ-.
ويكيفكُم روايةُ السَّائبِ بن يزيدٍ، قال: بينا نحن مع عبدِ الرَّحمن بنِ عوفٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- في طريقِ الحجِّ-ونحنُ نؤمُّ مكَّة-أي: نقصدُ مكَّة-، اجتنبَ عبدُ الرَّحمن بنُ عوفٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- الطَّريقَ، ثم قال لرباحِ بن المُغترِف: غنِّنا -يا أبا حسَّان-! وكان يحسنُ النَّصْبَ، قال البيهقيُّ: «والنَّصبُ: ضربٌ مِن أغاني العربِ، وهو يُشبهُ الحِداء» -كما سبقَ أن فسَّرنا-.
قال: «فبينا رباحٌ يُغنِّيهم، أدركهُم عمرُ بن الخطَّاب -رضيَ اللهُ عنهُ-في خلافتِه-، سمع عمرُ بنُ الخطَّاب هذا الرَّجلَ يُنشدُ هذه الأناشيد، فقال: ما هذا؟ قال عبدُ الرَّحمن: يا أميرَ المؤمنين! ما بأسٌ بهذا، نلهو ونُقصِر، فقال عُمر: فإن كنتَ آخذًا؛ فعليكَ بشِعر ضِرار بن الخطاب» أخرجه البيهقي.
فهذا يفسِّر لنا أنَّ مَن أجاز من العلماء بعضَ التَّطريبِ -في الكلامِ وفي الشِّعر-؛ إنَّما أجازهُ على طريقةِ الأعرابِ الخَشِنة التي لا تدعو النُّفوسَ إلى التَّكسُّر والتَّغنُّج.
وإلى هذا الحُكمِ -الذي ذكرتُه لكُم- ذهب ابنُ عبد البرِّ، وابنُ الجَوزي، وابنُ القَيِّم، والشَّاطبيُّ، وابنُ رجبٍ، وابنُ الحاجِّ، وغيرُهم مِن العلماء، قالوا: (هذه الأناشيدُ -التي عرفناها في أيَّامِنا- مِن تَكسُّر في اللِّسان، وتميُّعٍ في الكَلام -ولو كانت كلامًا صائبًا حَسَنًا-؛ فإنَّها لم تكن معروفةً عند القومِ الأوَّلين).
هذا ما أذكرُه في قضيَّة هذا الرَّد.
وقد يقول قائلٌ: إنَّ اللهَ -تبَارك وتَعالى- لمَّا نهَى عن كلِّ أنواعِ الغناء في قولِه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّشْتَرِي لَـهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ}؛ قالوا:لهوُ الحديثِ الذي منعه اللهُ -تَعالى- إنَّما هو الذي يُضلُّ النَّاسَ عن سبيلِ الله؛ فهذا الممنوع -بنصِّ الآية-.
الجواب عن هؤلاء: ما مِن نشيدٍ إلا وهو يُلهي النَّاسَ عن ذِكر الله، كما رأيتُم في كلمةِ الشَّافعي -عليهِ رحمةُ اللهِ- في أصحابِ التَّغبير كيف جعلهم يَصدُّون عن سبيلِ الله، أو يصدُّون عن القُرآنِ الكريم بالتَّغبير.
والحقيقةُ: أنَّ من جرَّب هذا؛ فقد أيقنَ أنَّه صحيح.
كم عرفتُ من الشَّباب مَن يحفظَ هذه الأناشيدَ، يحفظُها عن ظهرِ قلبٍ، يُنشدُها في مناسباتٍ شتَّى، فلقد رأيتُه -وربِّ الكعبةِ- يقومُ وهو يُنشدُ، يجلسُ وهو يُنشدُ، يتَّكئُ وهو يُنشدُ، في كلِّ حركاتِه وسَكَناتِه وهو يُنشدُ، وما يلتفتُ إلى القرآنِ الكريمِ إلا قليلًا!!
فهذه الأناشيدُ مَثَلُها كمَثَلِ الخمر؛ ولذلك عُدَّ الغناءُ كالخَمر؛ لأنَّها تجعل صاحبَها يطلبُها بكثرةٍ.
قال ابن تيميَّة -عليهِ رحمةُ اللهِ-: «ولهذا: تجدُ مَن أكثرَ مِن سَماعِ القصائدِ -لطلبِ صَلاحِ قلبِه-؛ تنقصُ رغبتُه في سماعِ القُرآن؛ حتى رُبَّما كرهَهُ!».
ومَن يُنكر هذا؟ مَن يُنكر أنَّ أصحابَ الأناشيدِ لا يَهتمُّون ولا يَكترِثون بالقُرآنِ الكريمِ كثيرًا؟!
وهذه هي الحكمةُ التي مِن أجلِها منعَ الشَّارعُ الحكيمُ هذه الأناشيدَ وقطعَ دابرَها.
ولهذا: ذُكر لبعضِ العُلماء أصحابُ القصائدِ؛ فقال: (هؤلاء الفرَّارونَ مِن اللهِ -عزَّ وجلَّ-).
وحقيقةً: إنهم يفرُّون مِن الله -عزَّ وجلَّ-!
وأكثر مِن ذلك: فقد ورد عن عبدِ الله بن عمرو -رضيَ اللهُ عنهُما-: أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم- قال: «إنَّ مِن أشراطِ السَّاعة: أن تُرفَعَ الأشرارُ، وأنْ تُوضَع الأخيارُ، وأن يُفتحَ القولُ، وأن يُخزَن العَمل».
هذه شُرورٌ تظهرُ قبل قِيام السَّاعة: الأشرارُ مَرفوعُون، والأخيارُ مَوضوعون -أي: أنَّهم ذوُو قِيمةٍ هابطةٍ عند القومِ-.
وقال: «وأن يُفتحَ القولُ، وأن يُخزنَ العَمل»: النَّاس يتكلَّمون أكثرَ مما يعملون.
«وأن يُقرأ في النَّاس بالمَثناة»، قالوا: وما المَثْناة؟ قال: «كتبٌ غيرُ كُتُبِ الله» -رواه الحاكمُ والطَّبرانيُّ-وهو صحيح-.
هذه مِن أشراطِ السَّاعة.
والشَّاهد في هذا الحديث: أنَّه سيُقرأ بالمَثناةِ في القَوم، سأل الصَّحابةُ: ما معنى المَثناة؟ فقال: «كتبٌ غير كتبِ الله»؛ أي: سيقرأُ الناسُ كُتبًا هي غيرُ كتب الله -عزَّ وجلَّ-، ويحفلون بها، ويَفرحون بها.
وما هذه الكُتب؟
قال الجوهريُّ -عليهِ رحمةُ اللهِ-: «المَثناةُ: الغِناء».
ولقد صدق -عليهِ رحمةُ اللهِ-؛ لقد أصبح لأربابِ الغِناءِ -اليومَ- كُتبٌ -بَلهَ وأساتذةٌ ومدارِس!-، لهم شهاداتٌ، ولهم دِراساتٌ، كلُّ ذلك لا يعدُو على أن يكونَ للغِناء المَقِيت، وهذا هو صِدقُ نُبوَّة النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم-.
بل بلغ تعلُّق أصحابِها بها: أنهم -وهُم في مَناسِك الحجِّ-حيثُ لا يجوزُ أن نَذكُرَ فيها إلا الله-كما قال-تَعالَى-: {فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}- لا يستطيعُ أصحابُ الأناشيدِ أن يَستغنُوا عن أناشيدِهم -في ذلك الحين-!!
ولهذا: قال ابنُ القيِّم -عليهِ رحمةُ اللهِ- رآهُم يَفعلون ذلك بِمِنًى! سبحان الله! بمنًى!!
وأخرجهم مِن مسجدِ الخِيف، وجدهم يُنشِدون ويُطرِّبون بألحانِهم، ثمَّ قال: «ووجدناهُم بالمسجدِ الحرام كذلك» قال: «فاستعنتُ عليهم بِحزبِ الله حتَّى فرَّقنا شملَهم»!
نعم؛ هذا هو حالُ الإنسانِ الذي لم يقنعْ بالقُرآنِ الكريم، وما رضيَ إلا أن يُدنِّس لسانَه بالنَّشيدِ اللَّئيم.
وقد ذكرتُ لكم قاعدةً قُرآنيَّةً سُنِّيَّة عَلِمنا -مِن خلالِها- التَّنافُرَ الموجودَ بين القُرآنِ الكريم والغِناء، وأن أحدَهما إذا حلَّ بِلسان المرءِ؛ فرَّ الثَّاني، وأن أحدَهما إذا حلَّ بقَلبِ المرءِ؛ فرَّ الثاني.
وأزيدُكم بيانًا على هذا: ما رواهُ أبو حُسين الدرَّاج(*)...
قال: «فبتُّ تلك الليلةَ في مسجدٍ، ثم قلتُ: أنا جئتُ إلى هذه البلدةِ، فأقلُّ ما أفعلَه أن أزُورَه»، قال: «فبحثتُ عنه حتَّى وجدتُه في مسجدِه، وهو قاعدٌ في المحرابِ بين يديهِ رجلٌ بينَ يديهِ مُصحفٌ، وهو يقرأُ»، قال: «فدنوتُ، فسلَّمتُ؛ فردَّ السَّلام، وقال: مِن أين؟ قلتُ: مِن بغداد، قصدتُ زيارة الشَّيخ» أي: قصدتُ أن أزورَكَ، «فقال: تُحسِن أن تقولَ شيئًا؟» يعني: هل تُحسنُ شيئًا مِن الشِّعر؟ قال: «فقلتُ: نعم، وقلتُ:
رأيتُك تَبنِي دائمًا في قَطيعَتِي .. ولَو كنتَ ذا حَزمٍ لهدَّمتَ ما تَبني».
ذكَّره بشِعرٍ مِن الزُّهديَّات؛ «فأطبقَ المصحفَ، ولم يزلْ يبكي حتَّى ابتلَّتْ لِحيتُه وثوبُه حتى رحمتُه! قال لي: يا بُنيَّ! لم تلومُ أهلَ الرَّيِّ إذا قالوا لك: يوسفُ بن الحُسين زنديق؟ هم وصفوني بالزَّندقة، لاحظ: مِن وقت الصَّلاة وهو ذا يقرأ عليَّ القُرآن، لم تقطُرْ عليَّ قطرةٌ، وقد قامت عليَّ القيامةُ مِن هذا البيت الشِّعري»!
يَذكر هذا ابنُ الجوزي -عليهِ رحمةُ اللهِ- في «تَلبيسِ إبليس».
وهكذا يُلبِّس إبليس على ذَوي الأناشيدِ.
لاحظُوا -يا مَن أنتم عاكِفون على هذه الأناشيد!- لاحظوا كيف تخشعُ قلوبُكم إذا سمِعتُموها؛ بل كيف تدمع أعينُكم لأوَّل وهلةٍ لأوَّل ما تَسمعون هذه الأناشِيدَ، وترتعدُ فَرائصُكم، وتقشعِرُّ جُلودُكم؛ فهلَّا كان هذا لقُرآن ربِّكم؟!

يتبع إن شاء الله

______________
(*) هنا انقطاع في الشَّريط! والقصَّة ذكرَها ابنُ الجَوزي -عليهِ رحمةُ اللهِ- في «تلبيسِ إبليس»، ومنه أكمل الجزء المفقود -هنا-: «عن أبي الحسين الدَّراج قال : قصدتُ يوسفَ بنَ الحسين الرَّازي مِن بغداد، فلما دخلتُ الرَّيَّ سألتُ عن منزِله، وكل مَن أسأله عنه يقول: إيش تفعل بذلك الزِّنديق؟! فضيَّقوا صدري حتى عزمتُ على الانصِراف. فبتُّ تلك اللَّيلة في مسجد...».
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 09-27-2011, 09:26 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي

المهم، دعونا من الفكر التحزُّبي، واتركوا الإيمان يجيبُ عن هذا السُّؤال.
هل تتصوَّرون رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم- يُنشدُ، أو يغنِّي؟
وإن كنتم -حقيقةً- تبحثون عن البديل؟ فهأنذا أقدِّم لكم البديل.
لقد ذكر ابنُ تيمية -عليهِ رحمةُ اللهِ- سماعَ الصحابة رَضيَ اللهُ-تعالَى-عنهُم-، وسماعَ الأنبياءِ -عليهم الصَّلاةُ والسَّلام-؛ فقرَّر أن هؤلاءِ الصالِحين ما كانُوا ليستمِعوا سِوى للقرآن الكريم، سِوى لآيات الله -عزَّ وجلَّ-، كما قال اللهُ -عزَّ وجلَّ-: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا }.
فمَن أراد أن يكونَ مِن أتباع الأنبياءِ؛ فما عليه إلا أن يكونَ سمعُه كما كان سمعُ الأنبياءِ -عليهم الصَّلاة والسَّلامُ-، وكذلكم الصَّحابةُ الكرامُ -رَضيَ اللهُ-تعالَى-عنهُم-، وقد قال الله -عزَّ وجلَّ-: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا}، وقال الله -عزَّ وجلَّ-: {فَبَشِّرْ عِبَادِ - الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}، وقال الله -عزَّ وجلَّ-: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ}، وقال الله -عزَّ وجلَّ-: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ - قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} الآيات الكريمة.
فهؤلاء -كلُّهم- لا يزيد اللهُ -تَعالى- على أن يذكرَ شيئًا مما يَسمعونَ إليه ويتسمَّعون إليه سِوى كلام الله -عزَّ وجلَّ-؛ فهلَّا اقتديتُم بهؤلاء؟!
ولذلك يقول محمَّد بن واسعٍ -عليهِ رحمةُ اللهِ-: «القرآنُ بُستانُ العارِفين، حيثُما حَلُّوا به حلُّوا في نُزهة».
وقال الحسنُ -عليهِ رحمةُ اللهِ-: «تفقَّدوا الحلاوةَ في الصَّلاةِ وفي القرآنِ وفي الذِّكر، فإن وجدتُموها؛ فامضُوا، وإن لم تجدوها؛ فاعلموا أن البابَ مُغلَق».
ألا فاتَّقوا الله -يا مَن ابتُليتُم بالأناشيد!-!
يُقرِّر -ههنا- الحسنُ -عليهِ رحمةُ اللهِ- أنَّ هذا القرآنَ الكريم، وهذا الذِّكرَ، وهذه الصَّلاة؛ هم حلاوةُ المؤمن، هم راحةُ المؤمن، فإن وجدتُم حلاوتَكم في هذه المذكوراتِ؛ فاعلموا أنَّكم في الطَّريقِ؛ فامضُوا إلى الله -عزَّ وجلَّ-، وإن لم تَجِدوا هذه الحلاوةَ؛ فاعلموا أن البابَ بينكم وبين الله -تَعالى- مُغلقٌ!
فما ندري ونحنُ اليومَ قد وجدنا حلاوةً عظيمةً في هذه الأناشيد، وما وجدناها في القرآنِ المجيد!
ألمرضٍ في قلوبِنا؟!
أم لِتعوُّدِنا على هذا الكلام؟!
نسأل الله -تَعالى- أن يشرحَ صُدورَنا لكتابِه الكريم.
إنه -واللهِ-تعالى- لو صدقنا مع ربِّنا؛ لكفانا كتابُه، ولحُزنا أعظمَ حيازةٍ بهذا الكتابِ الكريم.
لقد ذكر ابنُ القيِّم -عليهِ رحمةُ اللهِ- حديثًا قال فيه: «حديثٌ يُزيلُ الهمَّ والغمَّ»، ولقد صدق -رضي اللهُ -تَعالى-عنهُ-.
فعن عبد الله بنِ مسعودٍ -رَضيَ اللهُ عنهُ- قال: قال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم-: «ما أصابَ أحدًا قطُّ همٌّ ولا حزنٌ؛ فقال: اللهمَّ! إني عبدُك وابنُ عبدِك وابنُ أمتِك، ناصيتي بِيدِك، ماضٍ فيَّ حُكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤُك، أسألكَ بكلِّ اسمٍ هو لكَ، سمَّيتَ به نفسَك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِك، أن أنزلتَه في كتابِك، أو استأثرتَ به في عِلم الغيبِ عندك؛ أن تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجلاءَ حَزَني، وذهاب همِّي؛ إلا أذهب اللهُ همَّه وحَزَنه، وأبدله مكانَه فرجًا».
هذا دُعاءٌ صالِحٌ لكلِّ مَن أصيبَ بالهمِّ، لا يلجأ إلى أنشودةٍ ولا أغنيةٍ؛ بل يلجأ إلى ربِّ البريَّة، يدعو بهذا الدُّعاء، كلُّ هذه المقدِّمة العظيمةِ؛ إنَّما هي لأجل أن يقولَ: (يا ربِّ! اجعل القرآنَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وذهابَ همِّي، وجلاءَ حزني).
هذا الدُّعاءُ كلُّه؛ لأجل أن يحصل لنا من النَّفعِ بهذا القُرآنِ الكريم ما قد سمعتُم.
ولهذا: لما سمعَ الصَّحابةُ هذا الدعاء، قالوا: يا رسول الله! ألا نتعلَّمها؟ قال: «بلى؛ يَنبغي لمَن سمعها أن يتعلَّمها» رواهُ أحمد -وهو صحيح-.
ويعلم اللهُ -تَعالى- أنني ما جرَّبتُ هذا الدَّعاءَ في مناسبةٍ؛ إلا وقد أفاد ونجح، هذا على تقصيري، وقِلَّة زادي، وكثرة عصياني، فكيف لو جرَّب الصَّالِحون هذا الدُّعاء؟ بل لقد جرَّبوه، ورأوا منه العجائبَ؛ وإنَّما أقولُ هذا مِن باب: {وأمَّا بنعمةِ ربِّك فحَدِّثْ} -أوَّلًا-، ومن بابِ: {وحرِّضِ المُؤمِنينَ} -ثانيًا-.
واللهِ؛ إنَّ القرآنَ الكريمَ لبُستانُ العارِفين.
فقد ذكر محمَّد بن نصرٍ ترجمةً حافلةً لحفصةَ بنتِ سيرين -عليها رحمةُ اللهِ-، العابدةُ الزَّاهدةُ، التي كانت تقومُ من الليلِ ما يعجزُ عنه عشراتُ الرِّجال، كانت تقومُ الليلَ، وهي التي لم تَخرجْ مِن مُصلَّاها ثلاثينَ سَنةً، لا تخرجُ إلى غرفتِها إلا لحاجةٍ أو لقائلةٍ، فهي التي كانت تقول: «يا معشَرَ الشَّباب! خُذُوا من أنفسِكم وأنتم شَباب، فإنِّي -واللهِ- ما رأيتُ العملَ إلا في الشَّبابِ»، وقد قرأتِ القرآنَ وهي بنت ثِنتي عشرة سَنة، وماتت وهي بنتُ تِسعين.
وقد ذكر عن ابنِها الهُذَيل -عليهِ رحمةُ اللهِ-، أنه كان يجمعُ الحطبَ في الصَّيف، فيدَّخره لأمِّه لفصلِ الشِّتاء إذا برد، فيأتي بذلك القصبِ، وذلك الخشب، فيوقِده وهي تصلِّي، ويجيءُ بينها وبين دُخان النَّار حتى لا يُصيبَها، وكان يبقى كذلك حتى تُنهيَ صلاتَها، وهو يُدْفئُها في مكانِها، فكانت تقول -هي-: «فكَّرتُ يومًا أن أنصحَه بأن يرجعَ إلى بيتِه؛ لأنَّه يملكُ مَن يُغنيهِ عن هذا العمل»؛ لم؟ لأن ابنَها كان متزوِّجًا، وله من الأبناءِ مَن يمكنُه أن يعملَ هذا العمل، لكنها قالت: «فذكرتُ ما يُريد مِن الأجر؛ فتركتُه».
ففي يومٍ من الأيام تُوفِّي ابنُها، ورزقها الله -تباركَ وتعالى- مِن الصبرِ ما رزقها؛ إلا أنها قالتْ: «كنتُ أجدُ عضَّة لا تذهب»، أي: كانت صابرة، لكن: كلما ذكرتْه تجد حزنًا عظيمًا، قالت: «فبينا أنا ذات ليلةٍ أقرأ سورةَ النَّحل؛ إذ أتيتُ على هذه الآية: { وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، قالت: «فأخذتُ أكرِّر هاتَين الآيتين»، ذكرتْ أن ما عند الله -تباركَ وتعالى- خيرٌ لها، ذكرت أن الله -تباركَ وتعالَى- هو الباقي، وأن غيرَه نافدٌ، ميتٌ، راجعٌ إلى الله -عزَّ وجلَّ-؛ فتَذكُر أنَّها -واللهِ- ما نفح عن قلبِها، وأذهب حُزنَها إلا هاتان الآيتان.
لم ذلك؟ لأنَّها كانت تحفل بالقُرآن الكريم، كانت تفرحُ بالقرآنِ الكريم، وهذا هو الذي أيَّدها ربُّها -تَبارك وتَعالى- به.


يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 09-29-2011, 08:05 AM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي

لقد أجرَوا أربعَ تجارب في عيادةٍ أمريكيَّة تُدعى (أكبر) حول القُرآنِ الكريمِ وتأثيرِه في تخفيفِ اضطِراب النُّفوسِ وتوتُّرها، جاؤُوا بجماعاتٍ مِن المرضَى نفسِيًّا، مِن المُتوتِّرين والمضطربِين باطنيًّا، وجرَّبوا عليهم عِدَّةَ تجارب.
فالتَّجربةُ الأولى: جعلوهُم في صمتٍ تامٍّ، وهُدوءٍ كامل، ثم نظرُوا إلى المؤشِّر هل يشيرُ إلى تخفيفٍ عنهم؛ فما وجدوا نتيجة؛ بقوا مرضَى كما دخلوا!
ثم جرَّبوا تجربةً ثانية: فأسمعوهم كلامَ العربِ مُجوَّدًا، كلام العربِ مَتلُوًّا، ثم نظروا إلى المؤشِّر؛ فلم يسجِّل نتيجة!
ثم جرَّبوا تجربةً ثالثة: حيث أسمعوا المرضى القُرآنَ الكريم؛ فكان المؤشِّر يُسجل نجاحَ ستِّين بالمائة من التَّخفيف مِن توتُّرهم -رغم أنهم ما يفهمون عنه-!
ثم جربوا تجربةً رابعة: حيث أسمعوا المرضى القُرآنَ الكريم، بعدما شرحُوا لهم تلكَ الآياتِ شرحًا وافيًا، فأسمعوهم القُرآنَ الكريمَ؛ فإذا بالمؤشِّر يُسجِّل نجاحَ ثمانٍ وتسعينَ بالمائة؛ حيث لانت أنفسُهم واستراحتْ قُلوبهم، وأخذوا يشعُرون باطمئنانٍ تامٍّ، وتخفَّف عنهم التَّوتُّر بالنِّسبة المئوية التي ذُكرتْ!
فيا سُبحان الله! لا عجبَ من ذلك؛ فإن الله -تبارَكَ وتَعالى- هو الذي قال: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ}، وهو الذي قال: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا}.
قد يقولُ قائلُكم: كيف يشفيهم القُرآنُ الكريم، وقد ذكر اللهُ -تَعالَى- أنَّ هذا القُرآن شفاءٌ للمؤمنين لا للكافرين -وهم كافِرون-؟!
نقولُ لكم: هذا صحيح -انطلاقًا من الآيتين السَّابقتين-؛ لكن: ماذا تقولون في قولِ الله -عزَّ وجلَّ-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} -والخطاب لجميع النَّاس-لمؤمنِهم، وكافِرهم- {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ }؛ فهذه الآيةُ تقرِّر أن القُرآنَ الكريم شِفاء لصدور النَّاس؛ أي: أنَّ القُرآن الكريم يُمكن أن يستفيدَ منه جميعُ النَّاس -المؤمن، والكافر-؛ لكنَّه -في الحقيقةِ- هُدى ورحمةٌ للمؤمنين؛ لم؟ لأنهم شرحوا صدورَهم بعد أن سمِعوه.
وهكذا كلُّ كافرٍ يَشرح صدرَه لكلامِ الله -عزَّ وجلَّ-؛ يهديه اللهُ -تباركَ وتَعالَى- به، بل كم مِن كافرٍ ما أسلمَ إلا لما سمع القُرآنَ الكريم.
فالقُرآن الكريمُ هدايةٌ لجميع النَّاس، شفاءٌ لجميع النَّاس، كما قرَّرت هذه الآية الكريمة.
ولذلك قال الله -تَعالَى- بعدها-: {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.
قال ابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ عنهُما-: «{قُلْ بِفَضْلِ اللهِ} أي: بالإسلام، {وَبِرَحْمَتِهِ} أي: بالقُرآن»؛ يعني: افرحوا -يا عبادَ الله- أن جعلكم اللهُ -تَعالَى- مُسلمين، وهداكم في هذا الخبرِ العظيم، وفتح عَليكم أبصارَكم في هذه الظُّلمات المُدلهمَّة.. أي: بالإسلام، ثم افرحوا برحمةِ اللهِ التي هي القُرآن الكريم.
وهكذا يفرحُ كلُّ مؤمنٍ بالقُرآن الكريم؛ لأنه يجدُ فيه راحتَه، يجدُ فيه طُمأنينتَه، يجدُ فيه ما يُريد.
وهكذا نجحتْ هذه العمليَّات -جميعًا-.
وقد ذكر ابنُ كثيرٍ -عليهِ رحمةُ اللهِ-: أنَّ إبلًا مِن خَراج العراق، أتَوا بها لِعمرَ بنِ الخطاب -رضي اللهُ-تَعالَى-عنهُ-، فلما عدَّ الإبلَ وجد عددَهم أكثرَ من العددِ المسجَّل في الرِّسالة، فحمِدَ الله -عزَّ وجلَّ-، وكان معهُ أحدُ خدمِه فحمِد الله، وقال: هذا من فضلِ الله ورحمتِه، فقال له عمرُ: كذبتَ؛ ليس هذا! يعني: هذا العددُ الكثيرُ من الإبل ليس من فضلِ الله ورحمتهِ التي أراد الله -عزَّ وجلَّ- في قوله: {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا}؛ إنما هذا مِمَّا يجمعون؛ لأنَّ الله -تَعالَى- قال: {هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.
فلاحِظوا كيف خاف عمرُ -رَضِي اللهُ-تَعالَى-عنه- أن تكونَ هذه النِّعمة التي أنعم اللهُ -تَعالَى- بها عليهِ مِن كثرةِ عددِ الإبل في دولة الإسلامِ أن تكونَ نِقمةً عليه، فلا يستطيعُ شُكر الله -عزَّ وجلَّ-؛ فجعل فضلَ اللهِ ورحمتَه أعظمَ مِن هذه المادَّة التي يُعطاها الإنسان؛ فهكذا يفهم الراسِخون في العلمِ كلامَ الله -عزَّ وجلَّ-.
الخُلاصةُ: أن هذه الطَّريقةَ التي اتُّخذتْ للدَّعوةِ إلى الله -عزَّ وجلَّ- بالأناشيدِ؛ ليستْ من دِين الله في شيءٍ؛ وإنَّما هي (محدَثة)؛ بل إنَّها تقليدٌ للنَّصارى الذين عجزوا عن إقناعِ النَّاسِ بدِينهم الباطل، خاصَّة عند ظُهور الثَّورةِ الشيوعيَّة البلشفيَّة، حيث مسحت الإيمانَ مِن القُلوب، وخرج النَّاسُ من دِين النَّصارى أفواجًا، ليكبُّوا ديانتَهم في الإلحادِ والكُفر بالله -عزَّ وجلَّ-، فلجأ أهلُ الكنيسةِ -كما حدث في أمريكا لأوَّل مرَّة- أن أعلنوا صلاةَ يوم الأحدِ بالكنيسة مع حفلٍ راقص! وإنَّما لجؤُوا لهذه الطَّريقة؛ لاجتذابِ النَّاس الذين فرُّوا من العبادةِ والكنيسة؛ لأنهم لم يجدُوا جَدوى الطُّرق الشرعيَّة -التي يحسبونها شرعيَّة!-؛ فلجؤوا إلى ما لجأ إليه كثيرٌ مِن إخوانِنا اليوم مِن دعوة النَّاس عن طريق الأناشيد!!
وقد سُئل الإمامُ ابنُ تيميَّة -عليهِ رحمةُ اللهِ- عن شيخٍ دعا جماعةً من قُطَّاع الطَّرق والسُّرَّاق وشَرَبة الخمور عن طريق هذه الأناشيد والقصائدِ الرَّبَّانيَّة، وكان لا يستعملُ معها سِوى الدُّف، فقال السَّائل: لقد حَسُن حالُ هؤلاء الشَّباب، وأصبَحوا مِن أصلحِ النَّاس؛ بل لقد أصبحوا يتورَّعون من الشُّبُهات، ويُؤدُّون المفروضات، ويجتنبون المحرَّمات، فسأل: هل هذا السَّماع -الذي استعمله الشَّيخ- جائز أم لا؟
قال ابنُ تيميَّة -عليهِ رحمةُ الله-: «ما يراهُ الناسُ مِن الأعمال مُقرِّبًا إلى الله ولم يشرعهُ الله ورسولُه؛ فإنَّه لا بُدَّ أن يكونَ ضررُه أعظمَ مِن نفعِه؛ وإلا فلو كان نفعُه أعظمَ غالبًا على ضررِه؛ لم يُهمِله الشَّارع؛ فإنَّه -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم- حكيمٌ لا يُهمل مصالحَ الدِّين، ولا يُفوِّت المؤمنين ما يُقرِّبهم إلى ربِّ العالمين.
إذا تبيَّن هذا؛ فنقولُ للسَّائل: إن الشَّيخ المذكورَ قصدَ أن يُتوِّب المجتمِعين على الكبائرِ فلم يُمكنه ذلك إلا بِما ذَكره مِن الطَّريقِ البِدعي؛ يدل أن الشيخَ جاهِلٌ بالطُّرقِ الشَّرعيَّة التي بها يتوبُ العُصاة، أو عاجزٌ عنها؛ فإنَّ الرَّسول -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- والصَّحابةَ والتَّابعين كانُوا يَدْعون مَن هو شرٌّ مِن هؤلاء -مِن أهلِ الكُفر والفُسوق والعِصيان- بالطُّرقِ الشرعيَّة التي أغناهم اللهُ بها عن الطُّرقِ البِدعيَّة.
فلا يجوزُ أن يُقال إنَّه ليس في الطُّرق الشَّرعيَّة التي بعث اللهُ بها نبيَّه ما يتوبُ به العُصاة».
لذا أذكرُ مقولتَه -في موطنٍ آخر-عليهِ رحمةُ اللهِ-؛ فيقول: «وأما سماعُ المُكاءِ والتَّصدية -وهو الاجتماع للقصائد الرَّبانيَّة-سواء بكفٍّ، أو بقضيبٍ، أو بِدُفٍّ، أو كان مع ذلك شبَّابة-؛ فهذا لم يفعله أحدٌ من الصَّحابة -لا مِن أهل الصُّفَّة، ولا مِن غيرهم-؛ بل ولا مِن التَّابعين، بل القُرون المفضَّلة التي قال فيها النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم-: «خير القُرون الذين بُعثتُ فيهِم، ثمَّ الَّذين يَلونَهُم، ثمَّ الَّذين يَلونَهُم»، لم يكن فيهم أحدٌ يجتمع على هذا السَّماع -لا في الحجازِ، ولا في الشَّام، ولا في اليمن، ولا العِراق، ولا مِصرَ، ولا خُراسان، ولا المغرب-؛ وإنما كان السَّماعُ الذي يجتمعون عليه سماعَ القُرآن، وهو الذي كان الصَّحابة -مِن أهل الصُّفَّة وغيرِهم- يجتمعون عليه، فكان أصحابُ محمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم- إذا اجتمعوا أمَرُوا واحدًا منهم يقرأ، والباقي يستمعون».
وقال -أيضًا-: «وبهذا السَّماع هدَى اللهُ العبادَ، وأصبح لهم أمر المعاش والمعاد، وبه بُعث الرَّسول -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم-، وبه أَمَر المهاجِرين والأنصارَ والَّذين اتَّبعوهم بإحسان، وعليه كان يجتمع السَّلف».
وقال: «ولم يكن في السَّلف الأوَّل سَماعٌ يجتمع عليهِ أهلُ الخير؛ إلا هذا».
ولقد صدق -عليهِ رحمةُ اللهِ-؛ فإنَّ الصَّحابة -رضيَ اللهُ عنهُم- كانُوا إذا سافَروا لا يجتمعون إلا لهذا السَّماع؛ بل ويجتهدون فيه أيَّما اجتِهاد، فلقد قال النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم-: «إنِّي لَأعرفُ أَصواتَ رفقةِ الأشعَريِّينَ بِالقُرآن حين يَدخُلون اللَّيلَ، وأعرفُ مَنازِلَهم بأصواتِهم بالقُرآنِ باللَّيلِ، وإن كنتُ لم أرَ مَنازِلَهم حينَ نَزَلُوا بالنَّهار» -متَّفق عليه-.
فسُبحان الله! النَّبيُّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- يعرف منازلَ الأشعريِّين -رضيَ اللهُ عنهُم- بِرفعِهم لأصواتِهم عند تلاوةِ القُرآن -وهم في سفرٍ، وإذا نزلوا-أيضًا-من سفرٍ-؛ لا كما يفعلُ بَنُو زمانِنا ممَّن يزعمون الدَّعوة إلى اللهِ -عزَّ وجلَّ- اليوم، فقد عرفنا منازِلَهم في أسفارِهم، لا يرفعون أصواتَهم إلا بالنَّشيد، وإن رفعوا أصواتَهم بالقُرآنِ الكريم؛ ففي زمنٍ قليل!!
نسأل الله -تَعالَى- الهداية.....


تم التفريغ بحمدِ اللهِ -تَعالى-



رد مع اقتباس
  #10  
قديم 11-19-2011, 12:59 AM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي

وهذه فتوى -مفرَّغة- لشيخِنا علي الحلبي -حفظهُ الله ونفع به- بيَّن فيها شروط الاستماع للأناشيد:
السؤال: سائلة تقول: منذُ سنواتٍ قليلةٍ كنَّا -معشرَ السَّلفيِّين- لا نسمعُ للأناشيد -اتِّباعًا لفتاوى الشُّيوخ-، ولكن مع انتشارِ الفضائيَّاتِ -كقنوات [المجد]- واتِّساع الإنترنت؛ انتشرت الأناشيد -سواء الوعظيَّة أو الحماسيَّة-بالمؤثرات الصَّوتيَّة وبدونِها-، وصرنا نسمع أن الشُّيوخ -مثل ابن باز وابنِ عُثيمين-رحمهما الله- كانا يسمعانِ بعضَ المُنشِدين فلا يُنكرون، فما ضابط الجواز -لأنَّنا احترنا-والله المستعان-؟ وما حُكم الأناشيد للأطفال -بارك الله فيكم-؟
الجواب:
نحتاج -أوَّلًا- إلى تثبيتِ النَّقلِ عن الشَّيخَين الفاضِلَين -رحِمهُما الله-تعالَى-.
فأنا لا أعرفُ ذلك عنهُما، وإن ثبتَ هذا النَّقل؛ فلا شكَّ أن الأمرَ له وجاهتُه، وأنَّ قولَهما له مكانتُه عندنا -رحِمهما اللهُ-عزَّ وجلَّ-.
ولكنْ ينبغي إذا ثبَّتنا أنَّهما يُفتِيان بذلك؛ ينبغي أن توضعَ شُروطٌ لاستماع الأناشيد.
أوَّلُها: أن لا تكون مُصاحَبةً بالدُّفوف والطُّبول، فضلًا عن الموسِيقا، أو الدرامز، أو الأصوات الكمبيوتريَّة والإلكترونيَّة -التي لا يُفرِّق السَّامع بينها وبين الموسيقا الحقيقيَّة أو العادية-.
الأمرُ الثَّاني: أنَّه لا يجوزُ لأصحاب الأناشيد أن يُلحِّونَها بألحانٍ تُشبهُ ألحان الفُسوق؛ فهذا لا يجوزُ -أيضًا-.
والأمرُ الثَّالث: أنَّ السَّامعَ لهذه الأناشيد؛ ينبغي أن يكونَ سَماعُه لَها كالملحِ في الطَّعام -لا يأخذُ وقتَه، ولا يغلبُ على زمانِه-، فإن سَمعَ؛ فبِالحدِّ القليل.
أمَّا إغراقُ الوقتِ بسَماعِ هذه الأناشيدِ -بِحيثُ يَمتلئُ القلبُ بِها، ولا يكونُ للقُرآنِ والعلمِ فيه مكانٌ-؛ فهذا شرطٌ يَجعلُ الاستماعَ لِتلكمُ الأناشيد مُحرَّمًا، فضلًا عن الشَّرطَين السَّابقَين اللَّذين إذا وُجد أيُّ واحدٍ منهما -بالإضافة إلى هذا الثَّالث-؛ فيكون الحكمُ عدمَ الجواز.
أما إذا وُجدت الشُّروط -كلُّها-معًا-؛ فأرجو أن لا يكونَ بأسٌ بذلك -على التَّفصيلِ السَّابق-.
والله -تَعالَى- أعلمُ.
المصدر: لقاء البالتوك (23/5/2006) -من لقاءات البالتوك القديمة، وفي ظني أنها في غرفة مركز الإمام الألباني-، (42:38). من هنـا لسماع اللقاء كاملًا.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:19 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.