أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
6398 24084

العودة   {منتديات كل السلفيين} > المنابر العامة > المنبر الإسلامي العام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12-28-2021, 10:25 PM
ابوعبد المليك ابوعبد المليك غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 4,425
افتراضي موقف السلفيين من العلماء المخالفين


موقف السلفيين من العلماء المخالفين
https://salafcenter.org/7024/


المقدمة:

معلوم أن الصفات السلوكية الإنسانية العامة من الاتزان والعدل والحكمة هي أهم ما يميز فضلاء بني البشر، بل لعلها من المشتركات الأخلاقية لدى جميع الأمم، وأولى الناس بهذه الصفات السويَّة هم أهل السنة، فهم نقاوة أهل الإسلام، كما أن أهل الإسلام هم نقاوة أهل الأمم.

ومن تلك الصفات السلوكية المهمة لأهل السنة أنهم يعلمون الحق ويرحمون الخلق، فإنهم أصحاب هدي واتّباع، وأرباب عمل واقتداء، فإنهم يرحمون الخلق، ويريدون لهم الخير والهدى، ولذا كانوا أوسع الناس رحمةً، وأعظمهم شفقة، وأصدقهم نصحا.

يقول ابن تيمية في هذا المقام: “أئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم كما قال تعالى: {كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8]. ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر لهم ابتداء، بل إذا عاقبوهم وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق”([1]).

ومنذ ظهور الدعوة السلفية الإصلاحية كانت خيرا للمسلمين ومستلهمًا لزعماء الإصلاح في شتى بقاع الأرض من علماء الشريعة والمفكرين والأدباء والشعراء وعلماء الاجتماع وغيرهم.

ومن المعلوم أن أفهام الناس متفاوتة، فكما انتسب إليها أهل الفضل والعلم انتسب إليها أيضا البليد والجاهل وأهل الخسّة، فلم يفهموا كلام العلماء على وجهه، وشغلوا أنفسهم بالحكم على الناس بغير حقّ وبغير علم؛ بالتبديع تارة، وبالتكفير تارة أخرى، حتى تعدى الأمر إلى أئمة المسلمين وعلمائهم وصفوتهم وخيرتهم، فظهرت طوائف حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يبدِّعون علماء الإسلام المتّفق على جلالتهم؛ كالنووي وابن دقيق العيد والذهبي وابن حجر وغيرهم، فشانوا أهل السنة وكانوا وبالا على أهل الحقّ.

قال العلامة بكر أبو زيد رحمه الله: “وبهذا تعلم أن تلك البادرة الملعونة من تكفير الأئمة -النووي، وابن دقيق العيد، وابن حجر العسقلاني- أو الحط من أقدارهم، أو أنهم مبتدعة ضلال، كل هذا من عمل الشيطان، وباب ضلالةٍ وإضلال، وفسادٌ وإفساد، وإذا جرح شهود الشرع جرح المشهود به، ولكن الأغرار لا يفقهون ولا يتثبتون”([2]).

وقد يستشكل الشاب سبب عدم تبديع بعض المخطئين كالنووي وابن حجر، ويجد الشيخ الراسخ ينكر عليه، وقد يجيبه جوابا مجملا وليس مُفصّلا؛ لأن الشيخ يعرف جواب ذلك بالدربة والسليقة وإن لم يعبِّر عنه باللسان والبيان في نظام جوابٍ كامل، فيظلّ السائل في حيرة لم يجد جوابا شافيا، ويظن أن الشيوخ يداهنون على حساب الدين.

لذلك قد اجتهدتُ أن أجمع شتات هذا الفهم في تأصيلات وتقسيمات مختصرة، لعموم البلوى بذاك الخلط الذي ضلّت فيه أفهام وزلّت فيه أقدام وطغت فيه أقلام، وكان نواةً خرج منها أشباه الخوارج.

مقامات الحكم:

بداية يجب تقرير أن الحكم يكون على مقامين: ١- مقام الإطلاق، ٢- مقام التعيين.

فإذا قلنا: إن هذا القول بدعة، لا يلزم أن يكون القائل مبتدِعا، وهذا الأمر يعلمه الجميع، لكن قد يُشكل على البعض: لماذا كان المعين لا يأخذ نفس الحكم بالضرورة؟

ومنشأ ذلك هو ظنُّ الظانّ أن مسائل العقيدة لا يشملها التأويل والاجتهاد، فالمخطئ فيها إما أن يكون كافرا أو مبتدعا، وعلى أقلّ تقدير فهو رجل منحرف فاسد العقيدة حتى وإن عذرناه.

ويعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا القول مأخوذ من مذهب الخوارج والمعتزلة الذين يقررون أقوالا معينة ثم يكفرون من خالفهم، والصواب أنه لا فرق عند أهل السنة بين المجتهد في مسائل الأصول ومسائل الفروع إذا استفرغ الإنسان وسعه في معرفة الحق ولم يتّبع الهوى.

يقول شيخ الإسلام: “إن المتأول الذي قصده متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكفَّر ولا يفسَّق إذا اجتهد فأخطأ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية، وأما مسائل العقائد فكثيـر من النـاس كفـروا المخطئين فيهـا، وهـذا القـول لا يُعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هـو في الأصل من أقوال أهل البدع الذين يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم، كالخوارج والمعتزلة والجهمية”([3]).

فالمخطئ في العقيدة -إذا لم يكن متعمّدا متّبعا لهواه- قد يكون مجتهدا يدور ما بين الأجر والأجرين. ودونكم مجموعة من الضوابط والاعتباريات تضبط المسألة:

أولًا: مراعاة الجهل:

قد ذَكَرَ بعض العلماء من أدلَّة هذا المانع -مانع الجهل- قصَّة الرجل الذي لم يعملْ خيرًا قطّ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال رجل لم يعمل خيرا قط: فإذا مات فحرقوه واذروا نصفه فى البر ونصفه فى البحر، فوالله، لئن قدر الله عليه ليعذبنّه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال: لِم فعلت؟ قال: من خشيتك وأنت أعلم، فغفر له»([4]).

قال شيخ الإسلام: “فهذا اعتقَد أنه إذا فعل ذلك لا يَقدر الله على إعادته، وأنه لا يعيده، أو جوَّز ذلك، وكلاهما كفر، لكن كان جاهلًا لم يتبيّن له الحق، فغفر له”([5]).

ولن نستفيض في مانع الجهل في المسائل الخبرية؛ فإنه معلوم لا ينكره إلا غلاة التكفير؛ ولذلك سوف نستفيض في الاعتبارات الأخرى.

ثانيا: مراعاة اختلاف الزمان:

من أهمّ الاعتبارات التي تؤثر في الحكم على المعيّن: اعتبارية طبيعة الزمان الذي يعيش فيه ذلك العالم وملابساته، فدراسة أحوال زمان القائل من حيث ظهور المسألة وخفاؤها من الأمور المهمة.

قال شيخ الإسلام: “إنَّ الأمكِنةَ والأزمِنةَ التي تَفتُرُ فيها النُّبوَّةُ لا يكونُ حُكمُ مَن خَفِيَت عليه آثارُ النبُوَّةِ حتى أنكر ما جاءت به خطأً كما يكونُ حُكمُه في الأمكِنةِ والأزمِنةِ التي ظهَرَت فيها آثارُ النبوَّةِ”([6]).

ونذكر مثالًا عن الصحابة لجلالتهم في النفوس:

من المعلوم أن عبد الله بن مسعود حك المعوذتين من المصحف وكان يقول: (إنهما ليستا من كتاب الله)، مع أن إنكار شيء من القرآن كفر، لكن لما كان زمانه لم يستقر فيه أمر القرآن بعد لم يكن ما فعله كفرا في حقِّه، وهذا هو العامل الزمني، وهو عامل يخفى على كثير ممن يستشكل هذه المسائل.

والبخاري عندما روى هذا الحديث أبهم قول ابن مسعود ولم يصرح به لعلمه ببطلانه ومخالفته إجماع الأمة، ولفظ الحديث في صحيح البخاري بإسناده إلى زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ أُبَيٌّ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِي: «قِيلَ لِي فَقُلْتُ»، قَالَ: فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم([7]).

قال الحافظ ابن حجر: “هَكَذَا وَقَعَ هَذَا اللَّفْظ مُبْهَمًا، وَكَأَنَّ بَعْض الرُّوَاة أَبْهَمَهُ اِسْتِعْظَامًا لَهُ.. -إلى أن قال:- وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَد أَيْضًا وَابْن حِبَّان مِنْ رِوَايَة حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَاصِم بِلَفْظِ: إِنَّ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود كَانَ لَا يَكْتُب الْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي مُصْحَفه، وَأَخْرَجَ أَحْمَد عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ عَاصِم بِلَفْظِ: إِنَّ عَبْد اللَّه يَقُول فِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ إِبْهَام، وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي زِيَادَات الْمُسْنَد وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَحُكّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفه، وَيَقُول: إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَاب اللَّه، قَالَ الْأَعْمَش: وَقَدْ حَدَّثَنَا عَاصِم عَنْ زِرّ عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث قُتَيْبَة الَّذِي فِي الْبَاب الْمَاضِي، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَزَّار، وَفِي آخِره يَقُول: إِنَّمَا أُمِرَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَتَعَوَّذ بِهِمَا”([8]).

ومما يُلاحظ ههنا أن حكم التكفير ارتفع، بل وارتفع حكم التبديع أيضا؛ وذلك لأن الأمر لم يكن مستقرا في بعض آيات القرآن عند أهل هذه الطبقة.

ويقرر شيخ الإسلام أن مسألة الأسماء والصفات كانت من الأمور الظاهرة عند السلف، ولكن لما طال الزمان، وعظُمت الشبهة، وصُنّفت فيها مجلدات، وقال بها علماء كبار لم يكن المخالف فيها معاندا، وهذا بخلاف زمن السلف حيث كان الجهمية أفرادا قلائل وسطَ فحول أئمة المسلمين أمثال مالك وسفيان والشافعي وغيرهم، فكان المخالف يعلم أنه يخالف أئمة المسلمين، فكان كالجاحد المعاند.

إذن، فمن جملة العامل الزمني: تباعد الزمان عن نور النبوة والرسالة، فيوضح ابن تيمية أن كثيرًا من المسائل كانت ظاهرة معروفة عند السلف ولم تكن كذلك عند الخلف.

قال شيخ الإسلام: “فلما طال الزمان خفيَ على كثيرٍ من الناس ما كان ظاهرا لهم، ودقَّ على كثيرٍ من الناس ما كان جليًّا لهم، فكثر في المتأخرين مخالفة الكتاب والسنة ما لم يكن كذلك في السلف، وإن كانوا مع ذلك مجتهدين معذورين يغفر الله لهم ويُثيبهم على اجتهادهم… لأن السلف كانوا يجدون من يعينهم على ذلك، وهؤلاء المتأخرون لم يجدوا من يعينهم على ذلك”([9]).

ثالثا: اعتبارية التأويل:

اعتبار التأويل أمرّ مهم، لا يعذر به المتأول فقط -كما يظن البعض- بل لا يخرج المتأوّل من أهل السنة إذا كان منتسبا إليهم في الأصل .

يقول شيخ الإسلام: “إن المتأول الذي قصده متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكفر ولا يفسق إذا اجتهد فأخطأ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية، وأما مسائل العقائد فكثيـر من النـاس كفـروا المخطئين فيهـا، وهـذا القـول لا يُعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هـو في الأصل من أقوال أهل البدع الذين يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم، كالخوارج والمعتزلة والجهمية”([10]).

ويُبيّن أيضا شيخ الإسلام أن الاجتهاد يشمل الأصول والفروع، ويؤجر الرجل على الإصابة والخطأ فيهما، وأن أهل العلم لم يفهموا كلام العنبري لما قال: “كل مجتهد مصيب”، ووضح أنه يقصد: مصيب باعتبار كونه ممن يتحرون الصواب، وليس بصاحب هوى.

يقول شيخ الإسلام: “وهذه حال أهل الاجتهاد والنظر والاستدلال في الأصول والفروع، ولم يفرق أحد من السلف والأئمة بين أصول وفروع، بل جَعلُ الدين قسمين: أصولا وفروعًا لم يكن معروفًا في الصحابة والتابعين، ولم يقل أحد من السلف والصحابة والتابعين: إن المجتهد الذي استفرغ وسعه في طلب الحق يأثم لا في الأصول ولا في الفروع، ولكن هذا التفريق ظهر من جهة المعتزلة، وأدخله في أصول الفقه من نقل ذلك عنهم، وحكوا عن عبيد اللّه بن الحسن العنبري أنه قال:كل مجتهد مصيب، ومراده أنه لا يأثم، وهذا قول عامة الأئمة كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما”([11]).

ويقرر أن الصحابة اختلفوا في بعض أمور العقائد ولم يكفر بعضهم بعضا، فقال رحمه الله: “فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل، واتفقوا على عدم التكفير بذلك، مثلما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي، وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة، وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه، ولبعضهم في الخلافة والتفضيل كلام معروف، وكذلك لبعضهم في قتال بعض ولعن بعض وإطلاق تكفير بعض أقوال معروفة، وكان القاضي شُرَيْح ينكر قراءة من قرأ: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾، ويقول: إن الله لا يعجب”([12]).

أمثلة على هؤلاء المتأولين:

1- القاضي شريح:

أنكر أن الله يعجب؛ لأن العجب في اللغة لا يكون إلا عن جهل بالأمر، فاستشكل الصفة، مما أداه إلى إنكار هذه القراءة المتواترة.

فاجتمع فيه أمران:

– إنكار صفة لله ثابتة: وهو كفر؛ لأنه أنكرها ولم يتأولها.

– إنكار قراءة متواترة: وهو كفر؛ لأنه إنكار لحروف القرآن.

وكلا الأمرين كفر مستقل، فكيف بهما معًا؟! ومع هذا كله هذا فإن السلف اتفقوا على إمامته وأنه من أجلة أهل السنة؛ يقول شيخ الإسلام: “وكان القاضي شُرَيْح ينكر قراءة من قرأ: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ ويقول: إن الله لا يعجب، فبلغ ذلك إبراهيم النَّخَعِي فقال: إنما شريح شاعر يعجبه علمه، كان عبد الله أفقه منه فكان يقول: ﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾. فهذا قد أنكر قراءة ثابتة، وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة”([13]).

لذلك يوضح شيخ الإسلام أن الجهمية الأوائل كانت منطلقاتهم جحود القرآن واستخدام عقولهم، ولذلك كفّرهم السلف، وليس كلّ من تأول بعض الصفات لسبب عنده كان مثلهم بالضرورة.

2- أبو إسماعيل الهروي شيخ الإسلام:

يقول ابن تيمية: “ويبالغ -أي: الهروي- في ذم الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة والحديث، ومع هذا فهو في مسألة إرادة الكائنات وخلق الأفعال أبلغُ من الأشعرية، لا يُثبت سببا ولا حكمة، بل يقول: إن مشاهدة العارف الحكم لا تبقى له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة. والحكم عنده هي المشيئة؛ لأن العارف المحقق عنده هو من يصل إلى مقام الفناء… ومن لم يسلك في القدر مسلكه لزمه أن لا يفرق بين الحسنات والسيئات، والأشعري لما أثبت الفرق بين هذا وذاك كان أعقل منهم”([14]).

وقال: “فإنه في باب إثبات الصفات في غاية المقابلة للجهمية والنفاة، وفي باب الأفعال والقدر قوله يوافق الجهم ومن اتبعه من غلاة الجبرية”([15]).

فكما ترى، شيخ الإسلام ابن تيمية فضَّل الأشاعرة على أبي إسماعيل الهروي في بعض المباحث، وبيَّن أن أبا إسماعيل أخطأ خطأ عظيما، ولم ينف ذلك أنه إمام في العقيدة.

3- إنكار بعض الحنابلة للأفعال الاختيارية:

بعض الحنابلة وأهل الأثر نفوا الأفعال الاختيارية، مثل القاضي وابن الزاغوني، بل ونقل ذلك ابن تيمية عن آبائه، قال ابن تيمية: “وَلَكِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ -الأفعال الاختيارية – ومَسْأَلَةُ الزِّيَارَةِ وَغَيْرُهُمَا حَدَثَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيهَا شُبَهٌ، وَأَنَا وَغَيْرِي كُنَّا عَلَى مَذْهَبِ الْآبَاءِ فِي ذَلِكَ نَقُولُ فِي الْأَصْلَيْنِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْبِدَعِ؛ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَنَا مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ أَنْ نَتَّبِعَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ أَوْ نَتَّبِعَ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، فَكَانَ الْوَاجِبُ هُوَ اتِّبَاعُ الرَّسُول”([16]).

ونفي الأفعال كفر؛ لقوله تعالى: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [البروج: 16]، وقد كفّرهم نعيم بن حماد، ونقله البخاري مقرّا له في (خلق أفعال العباد)، لكن لما عنَّت للمتأخرين شبهة كلامية، ولم يقصدوا إنكار آيات القرآن لم يكفروا بذلك، بل لم يخرجوا أساسا من أهل السُنة ولو في الجملة.

والقصد مما سبق: أن هذه أمثلة لمن أخطأ في العقيدة ولم يخرج عن مُسمى أهل السنة، ولم يُبدَّع، وإن كان قوله باطلًا مردودًا عليه.

وبعض الشباب ممن ينتهج النهج التبديعيّ لم يطرد قاعدته الفاسدة في التبديع، وذلك لعدم علمه بهذه الأمثلة، لكن بعض التكفيريين اطَّرد مع القاعدة واتسق مع نفسه، وبدّع الهروي والأصبهاني وابن خزيمة والقاضي شريحًا وغيرهم من الأئمة الأعلام، وَكل هذا بسبب الخلل في المنهجية ذاتها التي دللنا عليها.

رابعا: صحة مصدرية التلقي:

صحة الأصول ومصدر التلقي من أهم المعايير التي ينسب من خلالها العالم؛ فمن كانت أصوله ومنطلقاته صحيحة يختلف عمن كانت أصوله ومنطلقاته غير صحيحة، ومن كان من المتكلمين يختلف عمن كان من غيرهم. وبعض الباحثين يضع الأشاعرة في سلة واحدة، لا يفرق بين المتكلمين وغيرهم.

فبعض الأشاعرة مصدر تلقّيه صحيح، وهو على التوحيد والسنة، بل وينكر على من خاض في علم الكلام. ومثال ذلك ما قاله شيخ الإسلام عن ابن الصلاح: “وقد أمر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي وقال: أخذها منه أفضل من فتح عكا”([17]).

وكانت عكا تحت الصليبيين وقتئذ، فجعل ابن الصلاح أخذ مدرسة السيف الآمدي أولى من فتح عكا؛ وذلك لأن الآمدي كان رأسا في علم الكلام.

وهي وإن كانت مبالغة من ابن الصلاح إلا أنها دليل على أن الأشاعرة ليسوا على درجة واحدة، فمن الظلم البيِّن جعل ابن الصلاح والنووي في سلة واحدة مع الآمدي والرازي!

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يتأول لبعض من ينفي الجهة: “وأكثرهم لا يفهمون ما النفي الذي يقولونه بألسنتهم، بل يجعلونه تنزيهًا مطلقًا مجملًا‏،‏ ومنهم من لا يفهم قول الجهمية‏.، بل يفهم من النفي معنى صحيحًا، ويعتقد أن المُثبت يثبت نقيض ذلك، ويسمع من بعض الناس ذكر ذلك‏، مثل أن يفهم من قولهم‏:‏ ليس في جهة، ولا له مكان، ولا هو في السماء أنه ليس في جوف السموات، وهذا معنى صحيح، وإيمانه بذلك حق، ولكن يظن أن الذين قالوا هذا النفي اقتصروا على ذلك، وليس كذلك، بل مرادهم‏‏ أنه ما فوق العرش شيء أصلًا”([18]).

ففي النقل السابق يُفرق ابن تيمية بين المتكلمين وبين غير المتكلمين ممن تأثروا بهم، وبيَّن أن إيمانهم حق، وأن النفي الذي ينفونه لا يقصدون به التعطيل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيمن وقع في بدعة من البدع: “ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولا يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه ويعادون، كان من نوع الخطأ، والله سبحانه وتعالى يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك، ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمّة وأئمّتها، لهم مقالات قالوها باجتهاد، وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنّة. بخلاف من والى موافقه، وعادى مخالفه، وفرّق بين جماعة المسلمين، وكفّر وفسّق مخالِفَه دون موافقِه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحلّ قتال مخالفه دون موافقه، فهؤلاء من أهل التفرّق والاختلافات”([19]).

لذلك ينبغي التنبيه إلى مسألة جليلة، وهي أن أهل الأهواء إنما سُموا بهذا الاسم لكونهم اتبعوا أهواءهم بعدما تبين لهم الحق؛ لذلك فإن من كانت أصوله صحيحة -كالنووي وابن الصلاح وابن العطار مثلا- ستجد لهم كلاما في الإنكار على المتكلمين، فقد حرم النووي علم المنطق وانتقد المتكلمين، وشنع عليهم في مسألة أول واجب على المكلف النظر في دليل الحدوث، وغير ذلك من المسائل.

والإنصاف واجب مع المتكلمين وغير المتكلمين، وإنما المراد التفرقة بين الأقرب موردًا من الكتاب والسنة، وبين الأبعد منه عن ذلك.

وإن الرجل صحيح الإيمان قد تؤثر عليه أحيانا البيئة في بعض المسائل دون بعض، فيكون رأيه فيها تابعا للسائد؛ لعدم بيان المسألة بجلاء في تلك الأزمنة، وهذا لا يؤثر على عقيدته (بالمعنى الأشمل للعقيدة) لأنه ليس متبعا لهواه.

والمجتهد من هؤلاء هو من أهل السنة إجمالا؛ لأنه عمِل بما عَلم، وفعل ما أمره الله به، وضابط البدعة: اتباع الهوى، وهو لم يتبع هواه بل اتبع ما وصله من علم.



خامسا: اعتبارية النشأة:

من جملة الاعتباريات المهمة في الحكم على الأشخاص: “اعتبارية النشأة”، يقول علماء الاجتماع: “الإنسان هو ابن بيئته”، وهذا أمر معروف في الواقع والحسّ، وقد كان الإمام أحمد وغيره يعذرون أهل البصرة على قولهم بالقدر؛ لأن بعض علمائهم البصريين قالوا بتلك البدعة، فعذرهم أن هذا ما نشؤوا عليه، ورفض أهل الحديث تبديعهم، بل كان الإمام أحمد يعظمهم ولا يخرجهم من أهل السنة في الجملة على الرغم أن إنكار القدر ليس بالأمر الهيِّن.

ولما سمع الامام أحمد أن أحد الأمراء أراد أن يُضيّق على القدرية في البصرة تدخّل بنفسه هو وأصحابه، وأفهموه أن المكان الذي نشؤوا فيه أثر عليهم، قال عبد الله بن أحمد: سمعت محمد بن يحيى بن سعيد القطان قال: لما ولي معاذ بن معاذ قضاء البصرة أبى أن يُجيز شهادة القدرية، قال: فكلمه أبي وخالد بن الحارث، وقالا له: قد عرفت أهل هذا المصر، قال: فكأنه تساهل بعد([20]).

مع اعتبار أن بيئة الإمام أحمد كان ينتشر فيها السنة، وكانوا هم الأغلب في الأمة الإسلامية، ولم تكن انتشرت مقالة تأويل الصفات بعد، فلما انتشرت الشبهة في المتأخرين وقال بها علماء وصنفت فيها مجلدات كانت من جنس إنكار القدر ونحوه في زمن أحمد.

والملاحظ أن شيخ الإسلام كان يمتدح عقيدة بعض الأشاعرة -في الجملة- كابن الصلاح وغيره، ولا يذكره إلا في موضع احتجاج بكلامه، فيما أننا نجد ابن تيمية ينتقد بعض الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني، بل وجعل كلام ابن الزاغوني أسوأ من كلام الأشاعرة في قوله: إن صوت القارئ هو صوت الله.

ويجعل قول القاضي أول واجب على المكلف النظر، وأن الله لم يخلق الخلق لحكمة، وأن الله لا يحِب ولا يُحَب لذاته، جعله أسوأ من طريقة الأشاعرة المعتدلين ممن اكتفوا بالنصوص.

وأخيرا نقول: إن المعايير التي يتفاضل بها المؤمنون ليست مقتصرة على مسألة أو مسألتين في الصفات الخبرية، فهذه الأمور الخبرية لا تدرك بالفكر ولا بالروية -كما قال الطبري- إنما تدرك ببلوغ الحجة، وأن الاجتهاد في المتأخرين يشمل المسائل الخبرية والعلمية -كما هو مذهب السلف- وقد يقع العالم في أنواع من البدع متأولا فيُرد قوله، ولا تهدر كرامته.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: “من له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان قد يكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته ومنزلته في قلوب المسلمين”([21]).

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) الرد على البكري (ص: 256).
([2]) تصنيف الناس بين الظن واليقين (ص: 94).
([3]) منهاج السنة (٣/ ٩٣).
([4]) رواه البخاري (7506).
([5]) الاستغاثة في الرد على البكري (1/ 383).
([6]) الفتاوى الكبرى (1/ 299).
([7]) صحيح البخاري (4977).
([8]) فتح الباري (8/ 742).
([9]) مجموع الفتاوى (13/ 65).
([10]) منهاج السنة (٣/ ٩٣).
([11]) مجموع الفتاوى (8/ 58).
([12]) مجموع الفتاوى (٧/ ٢١٧).
([13]) مجموع الفتاوى (٧/ ٢١٧).
([14]) مجموع الفتاوى (٥/ ١١٩).
([15]) مجموع الفتاوى (٥/ ١٦٩).
([16]) مجموع الفتاوى (6/ 258).
([17]) مجموع الفتاوى (18/ 52).
([18]) مجموع الفتاوى (4/ 39).
([19]) مجموع الفتاوى (3/ 349).
([20]) الجامع في العلل ومعرفة الرجال، أحمد بن حنبل (ص: ٣٠٠).
([21]) أعلام الموقعين، ابن القيم (3/ 283).
__________________
أموت ويبقى ما كتبته ** فيا ليت من قرا دعاليا
عسى الإله أن يعفو عني ** ويغفر لي سوء فعاليا

قال ابن عون:
"ذكر الناس داء،وذكر الله دواء"

قال الإمام الذهبي:"إي والله،فالعجب منَّا ومن جهلنا كيف ندع الدواء ونقتحم الداءقال تعالى :
(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)
ولكن لا يتهيأ ذلك إلا بتوفيق الله ومن أدمن الدعاءولازم قَرْع الباب فتح له"

السير6 /369

قال العلامة السعدي:"وليحذرمن الاشتغال بالناس والتفتيش عن أحوالهم والعيب لهم
فإن ذلك إثم حاضر والمعصية من أهل العلم أعظم منها من غيرهم
ولأن غيرهم يقتدي بهم. ولأن الاشتغال بالناس يضيع المصالح النافعة
والوقت النفيس ويذهب بهجة العلم ونوره"

الفتاوى السعدية 461

https://twitter.com/mourad_22_
قناتي على اليوتيوب
https://www.youtube.com/channel/UCoNyEnUkCvtnk10j1ElI4Lg
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:58 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.