أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
3184 13543

العودة   {منتديات كل السلفيين} > منابر الأخوات - للنساء فقط > منبر الصوتيات والمرئيات والكتب و التفريغات - للنساء فقط

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12-29-2015, 09:45 PM
سلاف الخير سلاف الخير غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: المملكة الأردنيّة الهاشميّة
المشاركات: 249
Post [تفريغ] مذهب أهل الحديث الفقهي مشهور حسن

بسم الله الرحمن الرحيم

مذهب أهل الحديث الفقهي
لــِ : فضيلة شيخنا
مشهور بن حسن آل سلمان
-سلَّمه الله-

إنَّ الحمد لله، نحمدُه ونستغفره ونستعينه ونستهديه ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهْدِ اللهُ فلا مضِلَّ له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه،.
أما بعد،،،


فإنّ لأَهلِ الحَديثِ مَذْهَبَاً مَذْكُوْرَاً فِيْ بُطُوْنِ المدَوَنَاتِ؛ ولَهُ ميزاتٌ وخصائصٌ، وبينَهُ وبينَ مذهبَ الفقهاءِ ومذهبِ أهلِ الظاهرِ علامات تخفى على بعضِ الطلبة؛ وهنالكَ إشارات بل نصوص واضحات في الأحاديث والآثار فيها ذكر صريح لمذهب أهل الحديث، ومذهب أهل الحديث ومذهب أهل السنَّة ومذهب أهل الأثر هو المذهب السلفي، فالسلفيّة وأهل الحديث اصطلاحان مترادفان، ولكن اصطلاح أهل الحديث وأهل السنن واردٌ في بعض النصوص النبويّة وفي بعض الآثار الصحابيّة والتابعيّة .

الخيرُ يبدأ مجتمعاً ثمَّ تتفرق أجزاؤه؛ كالأمور المادية المحسوسة في الزمن الأول الأنّور، فكان النَّاس كلهم رجالُ شُرَطة ورجالُ أمن؛ وكان العلماء كلهم هم الخطباء وهم القضاة وهم أئمة المساجد، وكان العلم والعمل والحكّام والناس مجتمعَين لا مفترقين، ثمَّ تبعثرت وتفرقت أسباب القوة في الأمة، وكما يقال هذا في الأمور الملموسة المعاشة الحياتية، يُقال أيضاً في الأمور الفقهيّة.

فالصحابةُ --رضي الله تعالى عنه- هم أفقه الناس؛ وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون الأربعة؛ ولا سيما أبا بكر وعمر -رضي الله تعالى عن الجميع-.

وليس الفقه بشقشقة الأقوال وتفريعاتها وتخريجاتها، وإنّما الفقه أن تصيب الحق الذي يحبّه الحق سبحانه، فلو نظرنا في بطون دواوين الكتب الفقهيّة المطولة؛ ورحنا نبحث بالمنقاش على فقه أبا بكر وعمر لما وجدناه إلا قليلاً بخلاف الفقه الذي نجده مثلاً عن صغار الصحابة كابن عباس وابن عمر وجابر وغيرهم .

ذلك أن النوازل استجدَّت وحدثت أمور لم تكن عند السابقين؛ فاحتاج الصحابة أن يقولوا قولتهم وأن يبينوا الواجب عليهم .

أبو بكر وعمر كانت نمط الحياة في عصرهم كنمط الحياة في عصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ،وكان شعار أبي بكر على الرغم من حدوث الردة في عصره إنفاذ بعث أسامة، وهذا فيه رفع لشعار الاتباع وعدم تقدير المصالح والمفاسد التي تخالف الأمر الموصى به أو المنصوص عليه، فرفع منذ البداية شعار الاتباع لأنّه في أول اتباعه للنبي -صلى الله عليه وسلم- اتسع قلبه وعقله لبركة الوحي، فصدق بالإسراء والمعراج وضاقت عقول الكافرين عنه؛ حتى أنّ أبا جهل قال له بعد أن أخبره عن خبر المعراج:" لو جمعت لك كفار قريش أتخبرهم كما تخبرني؟!"، كان يستغرب من تصديق أبي بكر -رضي الله تعالى عنه-، وهذا شأن سائر الصحابة؛ والصحابة افترقوا في البلدان؛ وافترقت السنَّة التي في صدورهم باختلاف بلدانهم وامتازت بعضُ البلدان ببعض السنَّن؛ حتى ألّفَ محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك "الأقطار التي امتازت بسنن نبي الله -صلى الله عليه وسلم-" .

ولمّا تفرّق الصحابة في البلدان تفرقت السنَّة بتفرّقهم؛ وقرّر الإمام الشافعي في كتابه "جُمّاع العلم" أنَّه يعسر على رجل واحد أنْ يلمّ بجميع أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لتفرّق السنَّة آنذاك .

وكان الحديث هو الفقه والفقه هو الحديث، وهنالك عشرات الحوادث سُئل فيها الصحابة والتابعون عن مسائل فلم يتكلموا بكلمة إلا أنّهم أسندوا حديثاً للنَّبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا الباب جدير بالجمع.
الفقه مرّ بمراحل كثيرة ومن دوّن في تأريخ التشريع وتأريخ الفقه ذكر سبعة مراحل، فذكر :

المرحلة الأولى:-
الفقه في عهد النَّبي -صلى الله عليه وسلم- وكان التشريع والإفتاء والقضاء ببركة الوحي؛ وكان هنالك صلة دائمة بين السماء والأرض؛ ثمَّ بعد عهد النَّبي -صلى الله عليه وسلم-
المرحلة الثانية:-
الفقه في عصر الخلفاء الراشدين إلى آخر القرن الأول؛ وهذه المرحلة يسمّيها العلماء بالنّسبة إلى ما اجتمع من تراث في أوقات متأخرة هي المرحلة التمهيديَّة .

ومن بدايات عقود القرن الثاني إلى آواخر القرن الثالث كانت مرحلةً مهمة جداً، وأصبح الفقه عَلَماً على نوع من أنواع العلوم، وتكوَّنت فيه المدارس الفقهيّة والاجتهادات التي سمّيت فيما بعد بالمذاهب الفقهيّة، ولا سيما المذاهب الفقهيّة الأربعة، وهي على الترتيب الزمني مذهب الحنفية ثمَّ المالكية ثمَّ الشافعية ثمَّ الحنابلة وهذه تسمّى بالمرحلة التأسيسيَّة.

ومن آواخر الثالث إلى منتصف القرن الرابع الهجري بلغ الفقه أوجه؛ وانتشرت المذاهب، ووقع التدوين والتصنيف في مسائل الفقه، وبدأ التفريع والتخريج على أقوال الأئمة، وهذه المرحلة سمّهاها من دوّن في تاريخ التشريع: مرحلة الكمال في الفقه.

ثمَّ من منتصف القرن الرابع إلى منتصف القرن السابع بعد غزو التتار بغداد، نشطت حركةُ التحرير والتخريج والترجيح؛ وجعل هنالك مذاهب قواعد لكل مذهب من المذاهب وغلب على هذه المرحلة التعصب والتقليد.

ثمَّ المرحلة السادسة:-
قبل الأخيرة من بعد منتصف القرن السابع إلى تدوين ما يسمَّى بمجلة "الأحكام العدليّة" وقد دوّنت سنة 1286هـ القرن الثالث عشر هجري، وبدأ العمل بمجلة" الأحكام العدليّة" من قِبَلِ الدولة العثمَّانيّة سنة 1292 هـ إلى هذا الوقت، بدأ الفقه بالانحطاط وبدأ الجمود على أقوال الفقهاء؛ حتى أنَّ مفتي بخارى لما قامت الثورة البلشفية الشيوعية أفتاهم بمنع استخدام البارود، ووجوب الاقتصار على السيف والسنان، فضاعت البلاد بسبب غباء بعض المفتين .

ومن بعد تلك المرحلة ،مرحلة مجلة "الأحكام العدليّة" التي قُنن فيها الفقه الحنفي على شكل مواد قانونيّة ووضع لها شروحات، وأصبحت المحاكم القضائية المحاكم الشرعية تحكم بما في هذه المجلة، ولا يمكن لقرائح العلماء أنْ تكون فيها إحاطة وشمول وبركة وخير ما في نصوص الوحي ،فتدَّرج البُعدُ عن الوحي شيئا ً فشيئاً ولكنْ مع هذا بقيت مدرسةُ أهلِ الحديثِ تتمثلُ بينِ الحينِ والحين بأشخاص كان لهم دور في التجديد.

وأما المرحلة الأخيرة من مراحل الفقه ما بعد المجلة العثمَّانية إلى هذا الوقت، وهذا وقتٌ تحتار أن تُصنفَ فيه المنشغلين فيه بالعلم؛ فهم على درجات وتختلف بواعثهم؛ ولكنْ امتاز هذا العصر بما يسمى بالفقه المقارن وأصبح المفتي والباحث يذكر المذاهب وغالباً لا يذكر الدليل ولا الراجح .
وقد سمعت شيخنا -رحمه الله- الإمام الألباني يقول:" الذي يذكر الفقه المقارن ويذكر أقوال الفقهاء ولا يذكر الراجح منها؛ حاله كحال من يجمع طرق الحديث ولا يُظهرُ درجته"- والطرق لا تجمّع حتى تظهر درجة الحديث- .

امتاز هذا العصر بالدراسات المتخصصة الشديدة، ولا سيما في المراحل الأكاديميَّة المراحل العليَّا ،وامتاز أيضاً بوجود المجامع الفقهيّة، التي جمعت بين شرح النوازل من قبل المتخصصين سواء في الاقتصاد او في الطب أو في العلوم الإنسانيّة مع الفقهاء والقول الجماعي -أي الاجتهاد الجماعي- .
الذي يهمنا من هذه الأدوار بالدراسة والبحث والإشارات التأريخيَّة المهمة المرحلة الثانية والثالثة -أي مرحلة الفقه في عهد الخلفاء الراشدين ومرحل الفقه من بدايات القرن الثاني إلى نهايات القرن الثالث-، التي امتازت بوجود المذاهب الفقهية الأربعة؛ والذي يجمع هاتّين أنَّ المسائل كان تصدر منهم في هاتين المرحلتيّن على الحديث وكانوا يسمَّون بأهل الحديث.

فقد ثبت عن عمر بطرق كثيرة أنه قال :[إِنَّهُ سَيَأْتِي نَاسٌ يُجَادِلُونَكُمْ بِشُبُهَاتِ الْقُرْآنِ فَخُذُوهُمْ بِالسُّنَنِ فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ ]،أصحاب السنَّن اصطلاح موجود على لسان عمر؛والمراد بأصحاب السنَّن الذين علموا السنَّة والقرآن، فما كان القرآن ينفك عن السنَّة ولا السنَّة تنفك عن القرآن .
الله يقول: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} فذكر الله في الآية تنزيلين:
ذكر تنزيلاً على قلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وذكر تنزيلا للنَّاس.
والتنزيل الأول: هو القرآن، والتنزيل الثاني: هو السنَّة.
وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار -رضي الله تعالى عنه- قال نْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ )) وكان هشام بن حسان يقول كما عند ابن عساكر في تاريخ دمشق :[أن جبريل ينزل بالسنَّة كما ينزل بالقرآن] والنَّبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في الحديث المعروف: ((لا ألفينّ أحدكم متكئاً على أريكة، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: بيننا وبينكم هذا القرآن، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرَّمناه، ألا وإني أُوتيتُ الكتاب ومثله معه، ألا وإنه مثل القرآن أو أعظم)).

وثبت عند الخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" بسنده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، والحديث صحيح وله طرق كثيرة، وهو موجود في السلسلة الصحيحة برقم مئتين وثمَّانين يقول أبو سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- حين كان يرى الشباب مقبلين على طلب العلم كان يقول عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى الشَّبَابَ ، قَالَ : مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْصَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُوَسَّعَ لَكُمْ فِي الْمَجَالِسِ ، وَأَنْ يُفَهَّمَكُمُ الْحَدِيثُ فَإِنَّكُمْ خَلَوْفُنَا وَأَهْلُ الْحَدِيثِ بَعْدَنَا " فإذاً أهل الحديث اصطلاح كان معروفاً في عهد الصحابة، وكذلك كان معروفاً في عهد التابعين، وكان لهم مذهب يسمّى بمذهب أهل الحديث وهو الأصل.

فكما أنَّ الحديث شجرة بذرتها في المدينة، ونمت وترعرعت في البصرة والكوفة، وأينعت وأتت بثمَّارها فيما وراء النهر؛ فإنَّ الفقه كذلك؛ بدأ في المدينة بالوحي؛ والوحي كافٍ وشافٍ ولكن لا غنية لنا عن فهم من تنزّل عليه الوحي؛ فهم الأصحاب والتابعين؛ ولذا زكاهم رسول الله رب العالمين؛ زكاهم لكون أقوالهم معتبرة عندنا، فبدأ الفقه في المدينة ثمَّ لما حوَّل عليُّ الخلافة إلى الكوفة نبتت مدرسة أهل
الكوفة.

والفقه في الجملة مدرستان:
مدرسة أهل الحجاز وهي التي يغلب عليها الأثر والدليل والنقل.
ومدرسة أهل الرأي؛ ومنهم من يقول ومدرسة أهل العراق وأن أردت ان تسبر وأن تفحص وأن تدقق تقول مدرسة المدينة ومدرسة الكوفة؛يعني المراد بأهل الحجاز المدينة والمراد بأهل العراق الكوفة؛ لأن علياً نزلها ومكث في آخر حياته في آخر خمس سنوات؛ وظهر منها فقه غزير .

وشاع وذاع عند كثير من الطلبة أنَّ أهل الكوفة يعملون بالرأي ولا يأخذون بالحديث وهذا ليس بدقيق! فسمة المدرستين في العصر الأول الأنوّر في عصر الصحابة والتابعين أنهم ما كانوا يتركوا الدليل بقول أحد أو لرأي أو لقياس، عُرف عن أهل الكوفة أنهم يشققون الأقوال؛ ويتكلمون في المسائل التي لم تقع بعد في المسائل الافتراضية؛ وإنما وقع هذا فيما بعد؛ فكان الفقه والحديث توأمين وكانا بمثابة الوجهين للعملة، فالعملة لا تروج بوجه دون الآخر، والذي ينظر في فقه المدينة وعلى رأسهم الإمام مالك يحتار كيف يصنفه! حتى أن بعض المعاصرين أمين الخولي له كتاب "الإمام مالك" يقول :"تستطيع أن تقول أنّ مالكاً لم يكن إلا مقلداً، لأنّه ما قال قولاً في كتابه الموطأ إلا ويقول ولقد أدركت على هذا أهل المدينة أو أدركت شيخنا على هذا"، ومالك وأحمد يلتقيان في مدرسة واحدة؛ حتى أنّ بعض من اعتنى بتشقيق الأقوال ما حسب خلاف أحمد في المذاهب؛ لأن أحمد لا يُفتي بقول إلا وقد سُبق بقول صحابي أو تابعي أو تابع تابعي أو من هو في طبقة شيوخه؛ حتى لو أنه رآهم اختلفوا على أربعة أقوال قال في المسألة أربعة أقوال؛ وإن رآهم اختلفوا على ستة أقوال قال في المسألة ستة أقوال؛ لذا قالوا عن أحمد تابعي جليل تأخر به الزمن وهكذا مالك .

والعجيب لابن قتيبة فقد ذكر في كتابه "المعارف" أهل الفقه أهل الرأي وأهل الحديث من الفقهاء وجعل مالكاً من أهل الرأي؛ فمالك من أهل الرأي نعم، ومن أهل الحديث نعم، أحمد من أهل الرأي نعم، ومن أهل الحديث نعم ،لكن على الرأي بمفهوم السلف وليس على الرأي المتأخر .

والذي يقرأ بدايات "إعلام الموقعين" فقد أفرد ابن القيم فصلاً عن السلف في ذم الرأي ،ثمَّ أردفه بفصل آخر في عمل السلف في الرأي ويظهر من الفصلين أنهما متعارضان ومتناقضان،ثمَّ وفقّ بين ذلك فقال :"كان السلف في عصر الصحابة والتابعين إن سُئلوا عن مسألة لم يجدوا فيها نصاً اجتهدوا وقالوا: هذا رأينا ولم يلزموا أحداً"؛ يُبدي الرأي ولا يلزم، فالتعصب والتمذهب ساقط من العصور الأولى، لأنّ الإلزام لم يكن معروفاً عندهم إلا بنصوص الوحيّ.

وهكذا كان الائمة الأربعة ما ألزموا أحداً بأنْ يأخذ قولاً افترعوه واجتهدوا فيه من غير نص من الوحي كتاباً وسنّة.

ولكن في العصور المتأخرة وبحكم ما استجدَّ من أشياء وبحكم البيئة ؛ امتازت مدرسة الحجاز عن مدرسة الكوفة -مدرسة العراق-الحجاز عاصمة الإسلام الأولى؛ مهبط الوحي؛ العادات والتقاليد وعمل أهل المدينة بالجملة متماسك؛ المخالفات غير ظاهرة، العمل في العصور الأولى كان موروثاً والعمل الموروث لأهل المدينة حجة .

العراق والحجاز ولا سيما لما اتسعت رقعة الإسلام في عهد عمر فرمى بالإسلام -رضي الله تعالى عنه- رمية واسعة، فكانت عندهم عادات وتقاليد ومسائل تَفرُق كثيراً عن أهل المدينة فاضطَّر الفقهاء للإجابة على هؤلاء أن يتكلموا بآرائهم، وخالط الحنفيَّة بعض المعتزلة، فكان جلُّ المعتزلة حنفية، وأصول المعتزلة تقديم العقل على النقل؛ فضعف الاستدلال بالنقل في هذه المدرسة، ولما أمر عمر بن عبدالعزيز أبا بكر بن حزم بأن يجمع أحاديث النَّبي -صلى الله عليه وسلم- ،وأمر بتدوين السنَّة بدأت خصيصة لأهل الحديث، وبدأوا يمتازون بحضور وتصانيف ووجود، ومن ههنا بدأ الافتراق بين أهل الحديث وأهل الفقه؛ مع القول أنَّ أهل الفقه وعلى رأسهم أصحاب المذاهب هم أهل حديث.

ولذا في عصور التابعين وتابعي التابعين وتابعيهم كان ذكر شهير لأهل الحديث ،يقول الإمام الشَعبي:" لو استقبلت من أمري ما استدبرت ؛ما رويت إلا ما أجمع عليه أهل الحديث" أهل الحديث موجودين زمن الشعبي؛ والشعبي أدرك خمسمئة من الصحابة وسمع من ست وثمَّانين منهم، ففي زمن الصحابة ايش يقول؟ يقول :"لو استقبلت من أمري ما استدبرت ؛ما رويت إلا ما أجمع عليه أهل الحديث أهل الحديث" وكان أبو بكر بن عياش وهو تابعيٌ كان يقول:" أهل الحديث في الإسلام كأهل الإسلام في سائر الملل"، أبو بكر بن عياش تابعي يقول:" أهل الحديث" إذاً لهم حضور؛ لهم وجود فأنتم أهل حديث، فلما يقال أهل الحديث يعني السلفيون الذين يتبعون السلف ،فعجبي ممن ينكر أن يكون هنالك وجود لأهل الحديث!!.

وهذا معروف أيضا في عصر تابعي التابعين فأخرج الخطيب في "شرف أصحاب الحديث" عن سفيان الثوري كان يقول:" لو أنَّ أهل الحديث لا يأتوني لأتيتهم إلى بيوتهم"،سفيان تابع تابعي ايش يقول؟ لو أنَّ أهل الحديث لا يأتوني لأتيتهم إلى بيوتهم "،وهذا أمر أيضاً معروف، فالزهري مثلاً وهو من التابعين ممن لهم رواية عن أنس ،ممن لهم سماع من أنس الإمام محمد بن شهاب الزهري،وفَد في حدود سنة ثمَّانين من الهجرة على الخليفة عبد الملك بن مروان فأملى عبدالملك بن مروان أربعمئة حديث؛ فاستغرب الزهري وذهب إلى طلبته، وقال لهم:" أين أنتم يا اصحاب الحديث؟!".

فكان أصحاب الحديث؛هذا التعبير كان معروفاً عندهم؛ ولذا يقول محمد بن الحسن الشيباني في "الموطأ" له يقول:" كان ابن شهاب أعلم عند أهل الحديث بالمدينة من غيرهم"، فلأهل الحديث مذهب خاص بهم،ولهذا المذهب سمات؛ ويميزهم عن أهل الظاهر؛ فكثير من المتمذهبين لا يميزون بين أهل الحديث وأهل الظاهر؛ وهذاما سنبيَّنه -إن شاء الله تعالى- في دروسنا القادمة .

أهل الحديث همهم أنْ تكون السنَّة منشورة؛ وأنْ تكون أعلامها ظاهرة؛ وأنْ تكون حكما على أقوال الخلق وأنْ تكون حاكمة لا محكومة؛ وأنْ يُحاكم بها ويُحكم بها؛ وأنْ يُحاكم إليها ويُحكم بها .
وحتى يبينوا المراد من السنَّة بدأ التصنيف بذكر الأحاديث المرفوعة مع الآثار الصحابية والتابعية كما حصل مع ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في المصنفين، وكما فعل مالك في "الموطأ"، وكما ذكر الشاطبي في "الموافقات" صنيع مالك في "الموطأ" ينبئ عن حجية أقوال الصحابة بلا بدّ؛ وعلى حجية الشيء الذي كان معمولاً به في زمن السلف؛ وتحكيم فهم السلف بلا بد، هذا صنيع الإمام مالك؛ هكذا صنيعه في "الموطأ" .

ثمَّ أمتنّ الله –عزَّ وجل-- على هذه الأمة بالإمامين الكبيرين الجليلين أميري المؤمنين في الحديث الإمام أبو عبدالله محمد بن عبدالله جعلي البخاري والأمام الحسين مسلم بن حجاج النيسابوري، فألفا صحيحيهما واشغلا الدنيا واشغلا أهل الحديث بالصحيحين.

أهل الحديث مدرسة كانت معروفة ظاهرة بارزة بل كان الأمراء والحكام والملوك يغبطون أصحابها ويرون أنَّ المحدثين في نعمة يتمنَّون لو أنَّهم نالوا شيئاً منها، وستأتينا بعض القصص أو بعض الكلمات في هذا الباب؛ لكن الذي أريد أنْ أؤكد عليه أنَّ الأئمة المعروفين وبعض المنسوبين لمذهب أبي حنيفة أصحاب مذهب الإمام أبي حنيفة، وخصوصاً الإمام أبو يوسف يعقوب بن ابراهيم القاضي هم من أهل الحديث فذكر الخطيب البغدادي في ترجمة أبو يوسف القاضي يعقوب بن ابراهيم،قال:"وكان يحب أهل الحديث ويميل إليهم"، وذكر الذهبي في" تذكرة الحفاظ "عن ابن معين أنه سُئل عن أبي يوسف فقال عنه:" كان من أهل الحديث وأهل السنَّة"كيف لا؟!وقد أخرج الخطيب في "شرف أصحاب الحديث" بسنده إلى ابراهيم الخنفي قال:"خرج أبو يوسف من بيته فوجد على باب بيته طلبه علم الحديث ، فقال:" يا مرحبا؛ والله إنكم خير الناس على وجه الأرض اليوم"- أنتم يا طلبة علم الحديث خير الناس على وجه الأرض اليوم- فهو من أهل الحديث هل وأما إن أردنا أن نقول عن مالك أو الشافعي أو أحمد من أهل الحديث! فنصبح أضحوكة، الأمر لا يحتاج إلى تدليل، فالإمام مسلم في مقدمة صحيحه لما ذكر أئمة الحديث الذي عابوا على الرواة وزيفوا الكذب والوهم الذي وقع في رواياتهم فلما ذكر أهل الحديث فمثل عليهم فقال:" كمالك ابن انس وشعبة بن حجاج وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وعبدالرحمن بن مهدي وغيرهم"، فلما مثَّل على أهل الحديث بدأ بمالك -رحمه الله تعالى- مالك كان يقول:" وددت لو أني جلدت على كل فتوى افتيتها من غير دليل -يعني من كتاب أو قول صحابي- أفتيتها برأيي أن أجلد جلدة وأن أخرج كفافاً لا لي ولا عليّ" ولذا لا تكاد تجد له إلا أقوال يسيرة جداً وهو كأحمد، عنده من سعة الرواية ومعرفة الأقوال الصحابيّة والتابعيّة بعد الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة ما يكفي ويغني.

فالرأي عند الضرورة عند القياس وإن قال به صاحبه، فليست قوة الرأي كقوة النص، فإن أفتيتك برأيي فلا تُلزَم به، ما كان صاحب حديث إن أفتى برأي أن يلزم المُفتى له بفتواه، هذه ميزة مهمة لأهل الحديث .
سمى الشهرستاني من السلف في "الملل والنحل" أئمة أهل الحديث فقال:" هم أهل الحجاز وهم مالك بن أنس ومحمد بن ادريس الشافعي وسفيان الثوري وأصحابه والإمام أحمد بن حنبل وأصحابه"، لذا قال الإمام الذهبي في "تذكرة الحفاظ" عن الإمام مالك": كان إمام أهل الحديث في زمانه".

الشافعي بلا شك من أهل الحديث ومن أئمة أهل الحديث؛ خرج الشافعي من مكة طالباً بعد أن تَلّمذ على مفتيها ومحدثها فأخذ الحديث عن محدثها أبي محمد سفيان بن عيينة الهلالي وعلى مفتيها مسلم بن خالد الزنجي ،وبعد غياب رجع إليها حاجاً ؛فجلس في بيت الله الحرام وقال للناس:"سلوني ولا يسألني أحد عن شيء إلا أجبته بكتاب الله؛ فقام له رجل من عوام الناس فقال يا إمام يا أبا عبد الله: لقد دست زنبوراً أي حشرة وأنا محرم؛ فما هو جوابك من كتاب الله؟

فحمد الشافعي الله تعالى وأثنى عليه وصلى على نبيه -صلى الله عليه وسلم- وتلا قول الله-عزَّ وجل- في سورة الحشر :"وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" ثمَّ أسند حديث العرباض بن سارية وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-:((وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)) ثمَّ أسند إلى عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أن محرماً سأله أنه قتل زنبوراً وهو محرم فقال:" ماذا عليّ؟ فقال له عمر ليس عليك شيء ،فقال الشافعي:" هذا جوابي من كتاب الله"،- وهو من أئمة أهل الحديث- ولذا قال الإمام النووي في ترجمته في "تهذيب الأسماء" قال عن الشافعي:" ثمَّ رحل إلى العراق؛ ونشر علم الحديث؛ وأقام مذهب أهله هناك"-أقام الشافعي مذهب أهل الحديث لأنه لما ذهب وجد الناس فرقتين؛ فرقة تقول بالرأي الخالص،وفرقة تسند اسناداً خالصاً،فجلس هنا وههنا وقال:" والله لا يجتمع عليّ في حلقة واحدة" فجلس وحدث وجمعهم –رحمه الله تعالى -.

وكان المزني يقول في مختصره :"لو جاز لأحد أن يقلد أحداً ما قلدت إلا الشافعي"، وهو من أخص خواص الشافعي فكان الشافعي يلقنه بأن التقليد ليس من دين الله --عزَّ وجل-- ومن قرأ "إيقاظ الهمم"لصالح الفلاّني يعلم الكلمات السمان والمهمات في نهي الأئمة الأربعة وتلاميذهم الكبار من التقليد.

أما الإمام أحمد يقول شيخ الإسلام في "منهاج السنَّة النبوية" :"وأما الإمام أحمد -رحمه الله- فكان على مذهب أهل الحديث" يقول ابن عبد البر في كتاب "الانتقاء" وذكر فيه فضائل الخلفاء الثلاثة على أحمد ،ولما يجعلوه فقيها قال كلمة أغنتنا عن ذكر مذهبه؛ قال كلمة جميلة في كتابه "الانتقاء" صفحة مئة وسبعة قال عن الإمام أحمد:"وله اختيار في الفقه على مذهب أهل الحديث وهو إمامهم "-أمام أهل الحديث الإمام أحمد- فالقول بأنَّ الأئمة الثلاثة -أعني مالك والشافعي وأحمد وبعض أصحاب الإمام أبي حنيفة- من أهل الحديث هذا أمر بديهي، ولكن ظهرت التفريعات والتخريجات وفي العصور المتأخرة ظهرت قواعد المذاهب، وأصبح قول المذهب غير قول أحمد؛ والمذهب المعتمد عند الشافعية غير قول الإمام محمد بن ادريس الشافعي،مع أنَّ الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- أخذ عنه كثير من أئمة الحديث، أخذ عنه البخاري ومسلم وأبو داوود، ولهم كتب في مسائل أحمد ومسائل أحمد لأبي داوود مطبوعة، فهم أخلص أصحاب أحمد؛ وهم أقرب إلى حقيقة مذهب الإمام أحمد من متأخري الحنابلة،واتِباع الإمام له مفهوم شرعي ؛كيف كان التلاميذ يتبعون ائمتهم؟!

كانوا يتبعون حجتهم وكان شعارهم العبرة بالدلائل لا بالقائل ،أقوال الإمام يُحتج لها ولا يُحتج بها، فهي تحتاج للدليل وليست هي بدليل مستقل، ولذا للإمام ابن القيّم كلمة مهمة ينبغي أن نقف عندها طويلاً لنميّز بين أصحاب الحديث من أتباع هؤلاء الأئمة ممن لازموهم ورأوهم، لنميز بينهم وبين المتأخرين المنسوبين إليهم ،يقول:" لو كان أتباعهم المقلدين الذين هم مقرون على أنفسهم ويقر عليهم جميع أهل العلم أنّهم ليسوا من أولي العلم؛ لكان سادات العلماء دائرين مع الحجة ليسوا من أتباعهم، والجهال أسعد باتباعهم منهم، يقول:وهذا علم حال بل من خالف واحدا منهم للحجة فهو المتبع له" من خالف الشافعي بحجة هو المتبع للشافعي، دون من أخذ بقوله دون حجة، من أخذ بقول الشافعي دون حجة ليس بمتبع للشافعي، وهذا هدم للمذهبية أصلا؛ يقول:"وهكذا القول في اتباع الأئمة معاذ الله أن يكونوا هم المقلدون لهم الذين ينزلّون آرائهم منزلة النصوص بل يتركون لها النصوص، فهؤلاء ليسوا من اتباعهم.

ثمَّ ذكر كلاماً جميلاً جداً قال فيه:" فاتبع الناس لمالك ابن وهب وطبقته ممن يحكِّم الحجة وينقاد للدليل أين كان، وكذلك أبو يوسف محمد اتبع لأبي حنيفة من المقلدين له مع كثرة مخالفته ما له،قالوا المسائل التي اتفق عليهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن حسن الشيباني سبعة عشرة مسألة؛ وغالباً أبو حنيفة أصحابه أبو يوسف ومحمد يخالفوه يقول الإمام ابن القيم :"وكذلك البخاري ومسلم وأبو داوود والأثرم، وهذه الطبقة من أصحاب الإمام أحمد أتبع له من المقلدين المحض المنتسبين إليه؛وعلى هذا فالوقف على اتباع الأئمة أهل الحجة والعلم أحقّ به من المقلّدين في نفس الأمر .

فإذاً الأئمة الأربعة أهل حديث؛ وأهل الحديث هم أهل القرآن والسنَّة؛ وأهل الحديث لقبٌ شريفٌ عُرف من زمن الصحابة وبقي مستمراً في عصور الخير كلها إلى هذا الزمان حتى ظهر التعصب المقيت، وأصبح الأتباع هم المقلدون الذين لا يقفون على الأدلة، فبقي أهل الحديث يمتازون بالأصالة مثل هذه الورقة البيضاء، إذ جاء قوم فدبغوها بلون وجاء آخرون فدبغوها بلون آخر وفرقة أخرى دبغتها بلون ثالث ورابع وخامس وبقيت بقية من البياض، فالمتعصب يظنّ أنّ البقية الباقية من البياض يظنها مذهباً كسائر المذاهب!.

ومن كشف الله عن بصيرته ووقف على حقيقة الأمر علم أنّ هذه البقية هي الأصل والفطرة ،فالخير موصول وسيظهر ذلك جليّاً وأنَّ هذا الخير ينبع على مدى الأزمان واختلاف العصور وتعدد الأمصار ينبع من إقدام أناس يمنّ الله --عزَّ وجل-- عليهم بإحياء السنَّة، فتأتينا نقولات من بطون كتب التراجم والتاريخ هو هو، وسنة الله --عزَّ وجل-- فيه باقية ثابتة .

هذا الأمر يعني لو قيل مثلاً من أبرز علماء الحديث تكلم عن مذهب أهل الحديث، من أبرز أهل الحديث؟ سمّينا جماعة ونزيد إليهم ابن أبي شيبة وكيع بن جراح، عبدالرحمن بن مهدي ،علي بن المديني،ابن جرير الطبري،ابن خزيمة، ابن ماجه، الترمذي، النسائي، ابن السكب،بقي بن مخلد، محمد بن وضاح القرطبي، هؤلاء أعلام أهل الحديث ولهم فقه بلا شك؛ ولهذا الفقه ميزة.

وأختم كلمتي ببعض القَصص أو بعض الأخبار التي فيها تعظيم أو تمنّي الحكّام أن يكونوا من أهل الحديث ،أخرج الخطيب في "شرف أصحاب الحديث" بسنده إلى محمد بن عباس المصري قال:" سمعت هارون الرشيد يقول: طلبت أربعاً فوجدتها في أربع :طلبت الكفر فوجدته في الجهمية ،وطلبت الكلام والشغب فوجدته في المعتزلة ،وطلبت الكذب فوجدته في الرافضة، وطلبت الحق فوجدته في أهل الحديث" .

ويُذكر أيضاً عن المنصور الملك العباسي كما في "تاريخ الخلفاء" للسيوطي، أنّه سئل :"هل بقيت لك شهوة من الدنيا؟ فقال المنصور: نعم بقي في نفسي حاجة واحدة أني أتمنى أن أجلس على موضع مرتفع، ويكون أهل الحديث جالسين حولي، ويقول الواحد منهم: حدثنا رحمك الله".

كانوا يعرفون أنَّ أهل الحديث هم أهل الحق؛ أهل الحديث أهل النَّبي -صلى الله عليه وسلم-؛ صحبوا أنفاسه -صلى الله عليه وسلم- ،ودخل محمد بن سليمان في المسجد الحرام فرأى أصحاب الحديث خلف رجل من المحدثين ملازمين له فالتفت إلى من معه وقال:" لأَنْ يَطَأَ هَؤُلاءِ عَقِبِي كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الْخِلافَةِ ".

فكان المحدثون لهم كلمة؛ لهم صولة؛ وكانوا معروفين بالديانة وكانوا معروفين بالوقوف على الآية والحديث، يعيشون ببركة السماء ببركة الوحي؛ على يقين من أمرهم؛ صدروهم منشرحة ببركة الوحي،
فعجبي لا ينتهي ممن أنكر أنْ يكون لأهل الحديث مذهباً !.

ذكر ابن قتيبة في المعارف في صفحة خمسمئة و واحد إلى صفحة خمسمائة وسبعة وعشرين مئة عالم من فقهاء الحديث، مذهب أهل الحديث هكذا بهذا الاسم "مذهب أهل الحديث" مذكور في كتاب[...] بعنوان "مذهب اهل الحديث" في سبعة وسبعين موطن وبعنوان أصحاب الحديث" في ثلاثة عشر موضوع وفي "المغني" مذكور مذهب أهل الحديث اثنا عشر مرة وفي "مذهب اهل السنن" مذكور إحدى عشر مرة ،وهذا من باب عطف العام على الخاص .وسيأتينا تفصيل ذلك في المحاضرة القادمة؛ وما المراد بأهل الحديث على وجه التخصيص ؟ويذكر بعض أعلامه وسآتي بنماذج على مسائل من بطون الكتب الفروعيّة الفقهية ويذكر فيها أهل الحديث حتى نتبين في درسنا القادم من هم أهل الحديث -إن شاء الله-.


وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


يتبع -إن شاء الله-
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 12-30-2015, 10:04 PM
أم عبد الرحمن أم عبد الرحمن غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 73
افتراضي

جزاك الله خيرا
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 01-20-2016, 08:17 PM
سلاف الخير سلاف الخير غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: المملكة الأردنيّة الهاشميّة
المشاركات: 249
Post

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم عبد الرحمن مشاهدة المشاركة
جزاك الله خيرا


وإياكِ أختي أم عبدالرحمن
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01-20-2016, 08:38 PM
سلاف الخير سلاف الخير غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: المملكة الأردنيّة الهاشميّة
المشاركات: 249
Post

مذهب أهل الحديث الفقهي
لــِ : فضيلة شيخنا
مشهور بن حسن آل سلمان
-سلَّمه الله-


إنَّ الحمد لله، نحمدُه ونستغفره ونستعينه ونستهديه ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهْدِ اللهُ فلا مضِلَّ له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه.

أما بعد،،،

فقد تبيّن معنا بجلاءٍ ووضوحٍ أنَّ مذهباً لأهلِ الحديثِ كان مختصّاً بهم؛ ولكنْ نحتاجُ أنْ نعلمَ منْ همْ أهل الحديث؟ ونذكرُ بعض أعيان الفقهاء ممنْ هم على مذهبِ أهلِ الحديثِ؛ وذلك من خلال أخذ بعض النماذج المذكورة في دواوين كتب الفقه، التي اعتنت بمذاهب العلماء على اختلاف مشاربهم وامصارهم واعصارهم.

لا تفوتني بعض الكلمات المهمات للعلماء في تعريف أهل الحديث، فالشهرستاني مثلاً في كتابه "الملل والنحل" يقول:" وإنّما سموا بأصحاب الحديث لأنّ عنايتهم بتحصيل الأحاديث ونقل الأخبار وبناء الأحكام على النصوص، ولا يرجعون إلى القياس الجلي ولا إلى القياس الخفيّ ما وجدوا خبراً أو أثراً" ،وهذه ميزة مهمة ستأتي خلال الكلام عن الفَرْق بين مذهب أهل الحديث من جهة ومذهب أهل الظاهر من جهة، قال:" ولا يأخذون بالقياس الجلي ولا الخفي ما وجدوا خبراً أو أثراً "ووجدت بعض متأخري الحنفية كالطحطاوي في حاشيته على "الدر المختار" يقول:" علماء الحديث هم الذين جمعوا صحاح قول النَّبي -صلى الله عليه وسلم- وفعله وتقريره وسكناته وحركاتهِ وأخذوا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم بإحسان".

هذه ملامح عامة وتأتينا سمات خاصة تميز أهل الحديث عن الفقهاء من جهة، وعن أهل الظاهر من جهة، مع العلم أنني قررت في المحاضرة السابقة أنَّ أصل نشأة الفقه والحديث كانتا مؤتلفتين غير مختلفتين، وأنَّ لحُمة قوية كانت بينهم، وطرأت حوادث واستجدَّت نوازل جعلت أهل الحديث يمتازون عن أهل الفقه .

آخذ بعض النماذج من بعض الكتب الفقهية التي اعتنت بذكر مذهب أهل الحديث،ذكرت لكم أن في "المجموع" للإمام النووي ذكر أهل الحديث وأهل السنَّة في معرض الخلاف قرابة تسعين مرة وهنالك في "المغني" و"المحلى" كذلك ذكر لمذهب أهل الحديث؛ نأخذ مثلاً من "المغني" الجزء الثالث صفحة مئة وثلاثة وسبعين نأخذ مسألة، ونحن لا ندرس مسائل ولكننا نركز على وجود مذهب لأهل الحديث وميزات هذا المذهب، وكيف ينبغي أن نفهم لما تذكر هذه المعلمات والدواوين وأيضا فيها تعميق لوجود مذهب لأهل الحديث فهذه النقولات تخدم الفكرة التي أردتها في المحاضرة السابقة، يقول الإمام ابن قدامة في "المغني" الجزء الثالث صفحة مئة وثلاث وسبعين عند مسألة [ترك الاغتسال من الجنابة في رمضان إلى طلوع الفجر] يقول الآتي؛ يقول ما نصه بحرفه:"وبه قال مالك والشافعي من أهل الحجاز، وأبو حنيفة والثوري من أهل العراق، والأوزاعي من أهل الحديث، وداوود في أهل الظاهر" ،إذاً ابن قدامة ينقل أن داوود من أهل الظاهر غير الأزواعي من أهل الحديث، ولا يخفى على أحد أنّ مذهب أهل الحجاز وقلنا عُمِمّت العبارة ويراد بها أهل المدينة بخاصة إنما هم أهل الحديث، وبرهنا على أنَّ مالكاً والشافعي وأحمد من أهل الحديث، هنا يقول:" وبه قال مالك والشافعي من أهل الحجاز؛ ثمَّ ذكر أبا حنيفة والثوري قال: من أهل العراق؛ ثمَّ قال: وداوود والأوزاعي من أهل الحديث ؛وداوود من أهل الظاهر"؛ فبلا شك أن المالكية والشافعية والحنابلة أصبحوا أصحاب مذهب مستقل، فأصبحت المسائل تنسب إليهم ولا يُراد لمّا يذكر في مثل هذا السياق إخراج المالكية والشافعية من أهل الحديث، لكن أصبحوا مع مضي الزمن يتلقون كلام أئمتهم وأعيان فقهائهم ومتقدميهم بقواعد ،وأصبحت الغفلة تأتي على المتمذهبين وأصبحت تحيط بهم بين الفينة والفينة؛ وأصبحوا ولا سيما مع ابتعاد هؤلاء المنشغلين بالفقه عن الحديث والأثر أصبحوا مأسورين لقواعدهم قائلين بالتقليد لمذاهب أئمتهم.

نأخذ مثلاً "المحلى" في [مدة المسح على الخفين]وقرر في الجزء الثاني صفحة تسعة وثمَّانين لما ذكر أن مدة المسح على الخفين يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر قال:" وهذا قول سفيان الثوري والأوزاعي" انتبهوا يقول والأوزاعي ؛الأوزاعي في القول السابق كان من أهل الحديث هنا يقول:" وهو قول سفيان الثوري والأوزاعي والحسن بن حي وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وداوود بن علي وجميع أصحابهم" ثمَّ عقِب ذلك مباشرة قال:" وهو قول اسحق بن راهويه في جملة من أصحاب الحديث"،النقل السابق أفادنا أنَّ الأوزاعي من أهل الحديث؛ هذا النقل أفادنا أن اسحق بن راهويه من أصحاب الحديث، وكان الأوزاعي له مذهب وله تلاميذ، وكذلك كما ذكر الأوزاعي ههنا وهو من أهل الحديث، فهو ههنا يساوي ذكر مالك والشافعي في النقل السابق لما خصوا بمذهب بهم دون ادراجهم تحت أهل الحديث .

نأخذ مثلاً في "المحلى" الجزء الثاني صفحة مئة واثنين وأربعين في [إمامة المرأة للنساء] ذكر مذاهب وقال:" هذا مذهب جمهور أهل الحديث،في الخامس صفحة مئة واحدى عشر لما ذكر السجود في المفصل وقد سمى جماعة من العلماء وذكر من بينهم الأوزاعي وقال بعد ذلك:وهو مذهب أصحاب الحديث .

لا يشك باحث أن هذه النقول وغيرها كثير لما يُذكر أصحاب الحديث بالإجمال ويسبق هذا الذكر بالإفراد مذاهب أناس معينين أنَّ هذا من باب عطف العام على الخاص؛ فلما يقال ومذهب أصحاب الحديث ويذكر قبلهم جماعة من أعيان الفقهاء والعلماء فهؤلاء يكونوا قد دخلوا في أصحاب الحديث والقول وهو مذهب أهل الحديث ؛هذا من باب عطف العام على الخاص وهذا أمر ما ينبغي أبداً أن يُشك فيه .

هنالك نقل في "الإحكام" لابن حزم مهم؛ وينبغي أن نقف عنده قليلاً لنستفيد منه فوائد، وأعيد وأقول أنا لست في مقام تحرير المسائل التي ينقلها ابن حزم أنا في معرض التركيز على مذهب أهل الحديث يقول ابن حزم في الجزء الرابع صفحة مئة وثلاثة وثمَّانين بصدد ذكره الإجماع ومفهوم الإجماع والمراد به يقول ما هو بالحرف يقول الآتي :" فإن قالوا إنما ارادوا أهل السنَّة قلنا أهل السنَّة فرق فالحنفية جماعة والمالكية جماعة والشافعية جماعة والحنبلية جماعة واصحاب الحديث الذين لا يتعدونه جماعة، ففي زمنه وقد شاع التقليد وظهر التعصب، جعل أهل الحديث مقابل المذاهب الأربعة؛ قال فالحنفية جماعة.... والمالكية جماعة والشافعية جماعة والحنبلية جماعة واصحاب الحديث الذين لا يتعدونه جماعة،وبلا شك أن ابن حزم يريد أن يخص أهل الحديث عن غيرهم والذي يتتبع الحركة العلميّة في الأندلس خاصة يجد أن علمين من كبار علماء الأمة علماء الحديث ممن جمعوا الأحاديث النبوية والآثار الصحابية والتابعية؛أحيوا السنَّة في الديار الأندلسية، وجعلوا الأندلس دار حديث بعد أن كان الغالب عليها الإنشغال بالفروع الفقهية .

ويلاحظ أيضاً من تقسيم ابن حزم أن الحنبليّةَ والشافعيّةَ والمالكيّةَ غير أهل الحديث فجعلهم جماعة مقابل جماعة أهل الحديث، ولا يملك المنصف إلا أن يؤيد ابن حزم فيما ذهب إليه؛ وهذا لا يعني ولا بأي حال من الأحوال أن أصحاب هذه المذاهب مالكاً والشافعية وأحمد لا يمكن أن يُقال أن هؤلاء ليسوا من أهل الحديث ولكن يعني أن الذين تعصبوا لهم ؛واختصوا بقواعد لمذاهبهم؛ هم في واد وأصحاب المذهب في واد؛ وقد صر ح الإمام ابن القيم في الإعلام بذلك فقال:" أصحاب أحمد كالبخاري ومسلم وأبي داوود والأثرم هم أقرب إلى مذهب أحمد من متأخري الحنابلة على كثرة خلافهم مع أحمد في المسائل؛ ولكن جمعهم الأصل، أصل النهل والأخذ وطريقة التلقي وقواعد الترجيح وتقديم النقل على الموروث، لأنه جدّت أشياء وظروف ساعدت على فرز مذهب أهل الحديث عن مذهب أهل الفقه ،قلنا المدينة مثلاً بقي العمل موروثاً على ما وجد في زمن الوحي، بخلاف العراق فلا يوجد عمل موروث والعراق فتحت في عصر عمر إذ رمى بالإسلام رمية واسعة للأمام ،ووجد الناس أشياء بعيدة عن الوحي ويعسر ويصعب أن نجد نصاً توافق معاملاتهم وعاداتهم ومستجداتهم فأخذوا فصبغوا تلك الديار بالرأي، وأما في زمن الصحابة والتابعين، وقد سكن الكوفة ألف وخمسمئة صحابي كما ذكر العجلي في "تاريخ الثقات".

وأوسع طبقة في كتاب الطبقات للإمام مسلم طبقة التابعين تابعي أهل الكوفة وتابعي أهل البصرة والذي يفحص أحاديث الصحيحين يجد أن القليل من أحاديث الصحيحين لا يكون التابعي أو تابع التابعي بصرياً أو كوفياً وإن كان شامياً أو مصرياً في الغالب البخاري ومسلم يؤخرون هذه الأحاديث ويجعلونها في آخر الباب، وهذا منهج مضطرب ولا سيما لمسلم وبرز هذا معنا شديداً لما درسنا قرابة تسعمئة حديث من شرحنا -ولله الحمد والمنة- المقام منذ أكثر من خمسة عشر سنة .

فالمطلع على كتب المذاهب يجد فيها كثيراً من التفريعات والافتراضات والمسائل التي لا يشملها نص حديثي مرفوع أو موقوف بل ما خاض بها الأئمة أحمد إن تكلّم تكلم بالدليل إن سئل يجيب بالآثار وإن أجاب بغير الأثر قال أرجو، إن شاء الله، ولم يجزم وكان ذلك للضرورة.

، بعض تلاميذ الأئمة في الطبقة المتقدمة كمالك مثلاً ذكرنا سحنون واسد بن الفرات نجد أن لهم ولعاً شديداً بالتفريع وولعاً شديدا في بناء الأحكام على الأقوال لا على الأدلة النقلية فكانوا بالتفريعات
لعل السبب يعود في ذلك إلى وجود النوازل وكذلك الفقهاء يتابع بعضهم بعضاً وكما قال شيخ الإسلام الناس كأسراب القطا كأسراب الطير يتبع بعضها بعضاً .

نعم وجد في الطبقات الأولى من أصحاب المذاهب ممن ليس لهم كبير انشغال بالآثار والأحاديث والصنعة الحديثية وإنما انصبت عنايتهم بما ورثوه عن أئمتهم ،وقال في مثل هؤلاء ابن خير الاشبيلي في فهرسته صفحة مئة وسبعة قال عن أهل قرطبة قال :"وهؤلاء القرطبيون الذين جاء إليهم بقي بن مخلد وبقي ومحمد بن وضاح كما في تاريخ ابن الفرضي يقول: جعل بقي بن مخلد وابن وضاح القرطبي جعلوا الأندلس ديار سنّة ،بعد أن كانت ديار مذهب" ؛يقول ابن خير: "وهؤلاء القرطبيون كانوا بمعزل عن معرفة الصحيح -أي الحديث الصحيح-أي حديث يوافق المذهب نؤيد المذهب به تقرأ في كتب الفروعية ولا سيما في فقه الحنفية والمالكية فتجد بعض النقولات ليس عليها نور النبوة كأنها مفصلة للمذهب مفصلة تفصيل للمذهب كما يفعل احمد بن عبدالله الجويباري الكذاب وكان يتنقّل بين المحدثين في حلقاتهم فوجد المحدثين مشغولين هل الحسن البصري سمع من أبي هريرة أم لا؟ والجويباري أردني كذاب من أكبر الكذابين وألف في كذبه الإمام البيهقي جزءاً يسر الله لي أن نشرته فلما وجدهم قد اختلفوا هل سمع الحسن من أبي هريرة فقال حدثني فلان عن فلان عن فلان عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال:" لقد سمع الحسن من أبي هريرة"،على مثل هذا الوزان توجد بعض النقولات درسنا أستاذتنا في الفقه الحنفي فقرأنا الاختيار تقرأ الاختيار تجد أحاديث مصنوعة للمذهب ،فيقول وهؤلاء القرطبيون كانوا بمعزلة عن معرفة الصحيح؛أي الحديث الصحيح لأنهم قد ضرب بينهم وبين الصناعة أي بينهم وبين الصناعة الحديثية بأفذاذ فهم على بعد شديد من السداد .

ومن ههنا بدأ التميّز وأخذ الحديث-أعني أهل الحديث- يتجهون اتجاهاً مستقلاً يكشف عن ذاته ويعلن عن نفسه وبرز للعيان في كثير من البلدان على يد بعض الفرسان في كثير من الأزمان على وجه صبغوا الديار بمذهب الانتصار للكتاب والسنَّة زاحموا فيه المذاهب المتبوعة ولعل بعض الأفراد من العلماء أحيا السنَّة وتعظيمها لا أقول في القلوب فحسب بل عظمّها بإبرازها في واقع الناس، ولذا العالم الذي يجمع بين الفقه والحديث يبقى له ذكر وخلود ولا ينسى؛ والذين انشغلوا بتراث الناس وأقوالهم نساهم الناس ،وهذا على مصداق من قال من السلف:" كل سنّي له نصيب من قول الله --عزَّ وجل-- ورفعنا لك ذكرك وكل بدعي له نصيب من قول الله --عزَّ وجل-- إن شانئك هو الأبتر فكل بدعي له نصيب من إن شانئك هو الأبتر ".

أهل الحديث هم الذين نصروا الإسلام ونصروا السنَّة وهم غرس الله فقد أخرج وابن ماجه في التاريخ الكبير بإسناد صحيح من حديث أبي عنبة الخولاني -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستخدمهم في طاعته إلى أن تقوم الساعة "،فأهل الحديث هم غرس الله خلقهم الله تعالى طوالاً عظاماً أصحاب هيبة كما قال الذهبي في ترجمة مالك قال كانت عليه هيبة وتعدت هيبته من شخصه إلى كتابه الموطأ، فالموطأ عليه هيبة؛ وأصحاب الحديث اصحاب هيبة هم غرس الله --عزَّ وجل-- ولذا ابن المبارك كان يفهم هذا لو بيّت كذاب نية الكذب على رسول الله بالليل لقيض بالنهار من فرسان علماء الحديث ليفضحه هم صنع الله هم غرس الله وهم غرس الله بقضائه القدري الكوني وبقضائه الشرعي ولذا في جامع الترمذي برقم ألفين ومئتين وتسعة وعشرين بسنده الصحيح إلى ثوبان -رضي الله تعالى عنه- قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين انتبهوا قال ظاهرين-ظاهرين بحججهم ؛ظاهرين بقوة استدلالهم ما قال ظالمين؛قال ظاهرين لا يزال طائفة من أمتي -وهذه الطائفة لا تنقطع تبقى إلى يوم الدين- لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى تقوم الساعة " يقول محمد بن عيسى الترمذي على إثر هذا الحديث برقم ألفين ومئتين وتسعة وعشرين يقول سمعت محمد بن اسماعيل يعني البخاري يقول سمعت علي بن المديني يقول هم أهل الحديث "الإسناد كالشمس ترمذي عن بخاري عن علي المديني الترمذي يقول سمعت محمد بن اسماعيل البخاري يقول سمعت عن علي بن المديني يقول :"هم أهل الحديث ".

وهذا مقولة عدد كبير من علماء الحديث منهم يزيد بن هارون وأحمد بن حنبل والإمام البخاري في جمع كبير بل وجدت في الحلية الجزء التاسع صفحة مئتين وثمَّانية وثلاثين بسنده إلى إلى اسحق بن راهويه لما ذكر عليكم بالجماعة قال اسحق الجماعة هم محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه ومن تبعهم؛ فجعل الجماعة شخصاً ولكنه من أهل الحديث؛ وعلي إثر هذا الخبر أسند أبو نُعيم إلى ابن المبارك قال الجماعة هم أبو حمزة السكري وكان محدثاً ثمَّ نقل عن اسحق الجماعة هم محمد بن أسلم الطوسي قال لو سألت الجهال من هم لقالوا جماعة الناس وسوادهم قال:" ولا يعلمون أن الجماعة عالم بأثر النَّبي -صلى الله عليه وسلم- وطريقه فمن كان معه واتبعه فهو الجماعة؛ ومن خالفه ترك الجماعة"؛ فإذا أردت أن تكون مع جماعة المسلمين فكن من أهل الحديث فهم الطائفة المنصورة وهم الجماعة الذين أمر النَّبي -صلى الله عليه وسلم- بلزومهم ذكرت لكم أن في تاريخ ابن الفرضي الجزء الثاني صفحة ستمئة واثنين وخمسين في ترجمة رقم ألف وأربعة وثلاثين يقول ابن الفرضي وبمحمد بن وضاح وبقي بن مخلد صارت الأندلس دار حديث نعم يمكن لشخص أو لعدد قليل من أهل العلم الربانيين يغيروا صبغة الدار وينقلوها من صبغة مذهبية إلى صبغة حديثية أو من صبغة بدعية إلى صبغة سنيّة يمكن أن يقال ولا سيما مع النظر إلى انتشار الوسائل الحديثة أنّ هذا العصر الذي نعيش -ولله الحمد والمنة- عصر بدأت تبرز فيه السنن وكان لأشياخ هذا الزمان دور عظيم في ذلك وإن أسند ابن الأعرابي في معجمه عن قتيبة بن سعيد قال مات الشافعي فماتت السنن ومات سفيان فمات الورع ومات أحمد فظهرت البدع، فإن جاز له أن يقول هذا فنحن نقول -ولله الحمد والمنة- في هذا الزمان ابتعد الناس عن المذهبية وأئمة هذا الزمان من أهل الحديث والفقه الشيخ الألباني والشيخ ابن باز والشيخ العثيمين -رحمهم الله تعالى- كان لهم دور كبير في انتصاب سوق السنَّة وانتثار أهل البدع وكسادها وظهور الخير وانحسار الشر .

نقف وقفة يسيرة مع مقولة ابن الفرضي لما قال بمحمد بن وضاح وبقي بن مخلد قال جعلوا الأندلس دار سنّة نقف قليلاً على مذهب بقي نوسع قليلاً مذهب بقي؛ وبقي ولد سنة مئتين وواحد ومات سنة مئتين وستة وسبعين يعني بعد أصحاب المذاهب ، وقد لقي أحمد في قصة جميلة للغاية ذكرها الذهبي في السير وذكرها العليمي في "المذهب الأحمد في ذكر اصحاب احمد" يقول وقد سار على قدمية وعمره عشرون سنة ومكث في الرحلة عشرين سنة فغادر بغداد بعد أن ذهب إلى مصر وكان عمره أربعين سنة،وبدأت الرحلة وعمره عشرين،يقول جئت إلى بغداد فلمّا وصلت إلى أطرافها طرق سمعي خبر فتنة أحمد --فتنة خلق القرآن وأنّه محجور عليه لا يخرج للمسجد ولا للجمعة ولا يدّرس قال فاغتممت بذلك غماً شديداً قال فلما دخلت المسجد الكبير وجدت حلقة علمٍ عالمٌ يُسأل عن الرواة يجرح بعضهم ويزكي بعضهم فنظرت فوجدت فرجة فجلست فيها فقلت لمن بجانبي من الشيخ ؟قالوا أبو زكريا يحيى بن معين قلت يحيى بن معين إمام فسألته عن هشام بن عمار وكنت قد زرته وأكثرت من الأخذ عنه؛ مر بالشام قبل بغداد فقال أبو الوليد صاحب صلاة ثقة،قال ثمَّ قمت وتقهقرت وقلت بقي سؤال فقال لي من في المجلس يا أيها الغريب لا تأخذ شيخنا عنّا، قلت بقي سؤال فقال أسأل فقلت أحمد بن حنبل قال لعله يطعن فيه فأعزي نفسي بطعنه فيه، قال سبحان الله مثلي يسأل عن أحمد؛ أحمد يسأل عني هو إمام المسلمين وخيرهم وأفضلهم فوالله لو أنّه حمل الكبر تحت رداءه ما ضره في دينه شيء قال فزادني غماً قال فسألت عن بيت أحمد فدللت عليه قال فتزييت بزي الشحاد وحملت العصا وأخذت أطرق البيوت وأقول المسألة رحمكم الله حتى طرقت باب أحمد فقال من بالباب قلت طالب علم غريب نأئي الديار قال من أين من افريقيا قلت بل أبعد من الأندلس قال أدخل الدهليز حتى لا يراك الجلاوزة -أي الشرطة- قال فدخلت فكان يملي علي كل يوم بضع أحاديث حتى اجتمع عندي ثلاثمَّئة حديث أملاها علي أحمد في الدهليز، قال فلما مات من امتحنه وعافى الله أحمد ورجع إلى درسه كان الإمام أحمد يقول في أول درس أين بقي فأقول ها أنا قال فيقيمني ويجلسني بجانبه ويشير إلي ويقول هذا طالب علم ،الذي يذل نفسه ليتحصّل على الحق ويتحصّل على ميراث النبوة بقي بن مخلد يقول كما في ترتيب المدارك للقاضي عياض الجزء الرابع صفحة مئتين وتسعة وثلاثين يقول ابن لبابة عنه وأما بقي فكان بحراً يُحسنُ تأدية ما روى ولم يكن يتقلّد مذهباً ينتقل مع الأخبار حيث انتقلت، أين في خبر ينتقل معه ما يقلد أحداً لأنّ العلم لا يقبل الجمود ولا الهمود والعلم بحث، ويقول ابن حزم في رسالة لطيفة له سماها فضل الأندلس وذِكر رجالها يقول فيها في صفحة مئة وتسعة وسبعين عن بقي فصارت تآليف هذا الإمام الفاضل قواعد للإسلام لا نظير له،وكان متخيِّراً لا يقلد أحداً وكان ذا خاصة في الإمام أحمد بن حنبل وجارياً في مضمار أبي عبدالله البخاري وبالحسين مسلم بن الحجاج وبعبدالرحمن النسائي -رحمة الله عليهم- إذاً جعل مذهب بقي كمذهب البخاري ومسلم والنسائي لا يقلد أحداً وإنما يتخيّر من أقوال العلماء على وفق الدليل.

لو قيل لك يا عبدالله أيش مذهب البخاري أيش تقول مجتهد، فقهه في تراجمه لكن كما يقول ابن حجر وهو من أعلم الناس في البخاري :"وجل فقه الإمام البخاري مأخوذ بالبحث والاستدلال لا بالتقليد، إما من الشافعي وإما من أبي عبيد قاسم بن سلام"، مذهبه وافق مذهب هؤلاء بالجملة؛ لكنه لم يقلدهم؛ وهذا مذهب مسلم الحديث والأثر ومذهب اصحاب السنن وابن حبان وابن خزيمة وابن جرير والدارقطني في جماعة آخرين.

يقول ابن العربي في العواصم الطبعة الكاملة منه والتي انتشرت بين الطلبة هي الطبعة الناقصة التي نشرها محب الدين الخطيب هي فصلة في الخلاف بين الصحابة فقط؛ وأما الكتاب مطبوع في الجزائر في مجلدين كتاب العواصم والقواصم لابن عربي المالكي يقول عن بقي:" جاء بعلم عظيم واستأثر بمذهب بإمامته ولم يرَ أن يقلد أحداً فرمته القرطبية عن قوس واحدة ".

المتمذهبون رموا عالماً يدعو إلى الحديث قوس واحدة، إن جلس معهم يناقشهم لا يوجد عندهم شيء إلا قال فلان وقال فلان وهو مليء بالأحاديث والآثار، ولذا لم يعرف أنه قد أُلِّف في الإسناد كمسند بقي ومسند بقي مسند خدم الفقه نعم مسند بقي رتبه على مسانيد الصحابة كسائر المسانيد إلا أنه جعل في كل مسند صحابي جعل الأحاديث على الأبواب الفقهية يعني مسند أبي هريرة ثمَّ في داخل مسند أبي هريرة أحاديث الطهارة أحاديث الصوم وهكذا..ومسنده من أعظم الكتب ،وقد ذكر المباركفوري في مقدمات "تحفة الأحوذي" أن منه نسخة في ألمانيا ،وقد أرسل بعض المطلعين وبعض الباحثين وبعض العلماء بعض العارفين بالمخطوطات إلى ألمانيا ولم يظفروا بشيء لغاية هذه الساعة .

الخلاصة أننا وجدنا في المتأخرين وهذا أمر حقيقة جدير بأن يجمع في كتب الفقهاء؛ في كتب طبقات الفقهاء؛ أنتم تعلمون أن علماء الحنفية لهم مصنفات علماء المالكية لهم مصنفات علماء الشافعية لهم مصنفات في تراجمهم، وجدنا اختيارات توافق أهل الحديث في مذاهب مثلاً بعض المحدثين من الشافعية كان يقول ابن السبكي في طبقات الشافعية كان يقول ولا يرى مذهب الشافعية في القنوت في الفجر لضعف الحديث الوارد في ذلك .

فالمحدث يخالف الإمام ويقول أنا معذور بتركي لقول الإمام والإمام معذور بقوله هذا؛ مخالفة مع أدب العلم ويدّعي عبارات كثيرة في حق جماعات من انصار وأقطار مختلفة في أوقات وأعصار متباعدة وجدنا عبارات كثيرة، أسرد على مسامعكم بعض العبارات التي تشير إلى وجود مذهب لأهل الحديث ممن انتسبوا إلى مذهب الفقهاء ولا يجمد على قول الإمام ولا يجمد على قول المذهب ولكن كان له اختيار فمثلا نجد في حق هؤلاء وكان يذهب إلى الحديث وكان مذهبه النظر في الحديث والتفقه فيه وأنا أنقل بالحرف من بطون كتب تراجم يقول في حق آخر يقول كانت فتيا بما ظهر له من الحديث في حق آخر كان الغالب عليه قراءة الآثار وإليها كان يذهب في حق آخر كان يذهب إلى النظر والآثار، فهذا كله واقع من غير دافع مع عدم الانقطاع وحصول التتابع بين السالف والتابع،ومن ينكر هذا فكأنما ينكر المشاهد المحسوس الملموس، فيوجد مذهب لأهل الحديث بلا شك وليس المنتسبين للشافعية على مدى طبقاتهم واختلاف اعصارهم وأوقاتهم ليسوا سواء؛ وكذلك الحنابلة لكن أصبح الحنبلية كمذهب والشافعية كمذهب، الشافعية المذهب عندهم ما اتفق عليه النووي والرافعي ولو خالف كلام محمد بن ادريس الشافعي المذهب عن الشافعية،المذهب عند المالكية ما اتفق عليه ابن القصار والقاضي عبدالوهاب بن نصر البغدادي وإن خالف مذهب الإمام مالك بن أنس فأصبحت مع تقدم الزمان أصبحت اصطلاحات وأزمة المصطلح قضت على حقائق كثيرة من العلم وهي مازالت بكراً تحتاج إلى معالجة هادفة جادة شاملة، قضت على حقائق في العقيدة؛ أصبح نص المتقدم مأسوراً في اصطلاح متأخر اصطلح أهله عليه بخلاف ما ورد في النص؛ كالتأويل مثلاً؛ في مسلم كان النَّبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في ركوعه وسجوده عن عائشة سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن؛ هذا التأويل قطعاً غير التأويل الوارد في كتب التوحيد عند أهل الكلام عند الأشاعرة وهكذا.

فإذاً المحدثون نضر الله وجوههم وحياهم ربي وبياهم وكثّرهم ونصرهم وهو ناصرهم لا محال بأن يجعلهم ظاهرين؛ وسنة الله في كونه تقضي بذلك فما يظهر أحد من بين الفقهاء والعلماء إلاّ ويكون من أهل الحديث فينصر الحديث ويقول بالدليل، تسمع وترى حفظاً وقراءة وتتبعاً واقتناء كتب من أعلام هنا وهناك ما يضرب به المثل ولكن لم يجلعهم الله --عزَّ وجل-- ظاهرين لأسباب حالت ومنعت عن ذلك اقتضتها سنّة الله في كونه وشرعه .

فلله سنة لا يزال هذا الغرس فالله -عزَّ وجل-سبحانه وتعالى خلق أناساً لخدمة علم الحديث ويجمع هؤلاء أن همهم الهميم إحياء علوم السنَّة والحديث والانكباب على كتبها فهم أهل همّة وحرص.

الذي يهمني ألآن أننا ترسمنا مذهب أهل الحديث ولم نرد أهل الحديث فقط أهل أخبرنا وحدثنا وإن كانوا هؤلاء على رؤوسهم ولكن من كان يلزم مذهب الصحابة والتابعين في المعتقد وستأتينا بعض الكلمات المهمات لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لما نتكلم عن سمات أهل الحديث التي اختصوا بها بين الفقهاء وأهل الظاهر وأنا أريد الاصطلاح المتأخر لما نقول أهل الفقه هم أهل الحديث قطعاً عند العصور الأولى.

بعد هذه النقولات والتعليقات والشذرات والومضات التي فيها شيء من الإفاضات وتحتاج إلى كثير من الإضافات ولكن جمعت ما علق في ذهني خلال بحثي وآثرت أن أتكلم في هذه المادة أقول جمعت ما علق في ذهني على استعجال من غير إمهال وأخشى من الإهمال لضيق الوقت ولقلة الوقت المتاح لمعالجة هذا الموضوع ولا بد لمعالجته على أكثر من محور بقي أن أتكلم في هذه المحاضرة عن أهم سمات أهل الحديث بالنسبة للفقهاء وأهل الظاهر :

أهم سمة تميّز أهل الحديث وقد يتفقون تارة مع أهل الظاهر وقد يتفقون تارة مع أهل الحديث ،هذه السمات الكاشفة المميزة لأهل الحديث عن أهل الفقه وأهل الظاهر أهم السمات أولاً :

رفض التقليد؛ فأهل الحديث لا يقلدون أحداً بعينه بخلاف الفقها يتفقون مع أهل الظاهر في هذا لا يقلدون أحداً بعينه مع الحب والاحترام والتقدير والإجلال لجميع العلماء ومع التبرؤ ممن ينتقص العلماء أو يحوم للحط من قدرهم؛ فأهل الحديث يتبعون الحجة والآثار ويدورون معها حيث دار، فهم لا يخرجون بقول جديد وإنما يتخيّرون إذ لا نعلم حديثاً ثبت عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- إلا وقال به أحد من العلماء؛ والحجة في الحديث وليست الحجة بمن عمل به؛ فالحديث إن لم يُعمَل به لا تُسلَب حجيته؛ ولكن لا نعلم مسألة أو حديثاً للنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقل به أحد من الفقهاء ،وهنا مسألة مهمة لا بد من الإشارة إليها طالب العلم غير الإمام ،الإمام إن بلغ القلتين فزاد لا يحمل الخبث ويتحمل التفرد وطالب العلم في البدايات إن انقدح في نفسه وسمح في خياله حكماً لمسألة على وفق قواعد أهل العلم في الاستدلال أو الاستنباط في إثبات النص أو الاستنباط ولم يجد أحداً سبقه في هذه المسألة ماذا يفعل ؟طالب علم عنده من علم الحديث نصيب من الأصول يُحسن قواعد الاثبات قواعد الاستنباط وهو يبحث وجد أحاديث وجد آثار ثبتت عنده وفققواعد أهل الصنعة استطاع أن يستنبط منها حكماً هذا الحكم لما فتش لم يجد أحد سبقه به ماذا يفعل؟ وهو بعد في بدايات المشاركة في الطلب ،يطوي قلبه عليه ؛ولا يبح به،ويكثر المسائلة عنه،ويسأل ربه بأن يعلمه وأن يسددّه ويصوبّه فإنْ فعل فلا بدَّ أن ينجليَ له الحقّ؛ فمتى انجلى الحق صدع به ودافع عنه؛ ولكن لا يتعجّل، فالحديث حجةٌ بنفسه، ولذا جميع الأئمة كانوا يعرفون هذا وكانوا يقولون بهذا؛ الإمام أبو حنيفة له مقولة عجيبة يقول: "يحرم على مسلم أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين أخذناه" يجب على من يفتي بقولنا أن يرجع إلى أصولنا حتى تبقى أصل النبع يبقى صافياً؛ ولا يصيب الكدر النبع؛ وإن أصاب يصيب التلاميذ والاتباع، وكان مالك يقول كما تعلمون:" كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر" وكان الشافعي يقول إذا صح الحديث فهو مذهبي" وقال جاءه سائل فقال له يا إمام يا أبا عبدالله: النَّبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في كذا كذا وكذا ما قولك أنت؟ فغضب الشافعي رحمه الله وقال يا هذا: أتراني خارجاً من كنيسة ؛أترى على وسطي زنارا؛ تقول لي قال النَّبي-صلى الله عليه وسلم- وما قولك أنت؟ ما قولي إلا قول النَّبي -صلى الله عليه وسلم-" ولست بصدد الإسهاب في مثل هذه الأقوال وقد أسهب وحرر وأبدع في عرض هدم التقليد وضرورة الاتباع صالح الفلاني في كتابه العجيب "إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار وتحذيرهم عن الابتداع الشائع في القرى والأمصار من تقليد الفقهاء والمذاهب والعصبية بين فقهاء الأعصار" الكتاب بهذا العنوان الطويل أبدع -رحمه الله تعالى- تحته في هذا الكتاب في بيان هذه الحقيقة.

أهل الحديث إن لم يجدوا شيئاً في نصوص الوحي والسنَّة أخذوا بأقوال الصحابة، إن وجدوا شيئاً في الكتاب حمّالاً لوجوه جعلوا السنَّة قاضية عليه، إن وجدوا في السنَّة شيئاً حمّالة لوجوه جعلوا فهم السلف قاضياً عليه إن لم يجدوا شيئاً أخذوا بأقوال الصحابة وأقوال الصحابة في الاعتقاد أقوى عندهم من أقوالهم في الفقه وأقوالهم في الفقه على درجات فإجماعهم ليس كالمسألة التي وقع بينهم فيها خلاف والمسألة التي شاعت وظهرت وانتشرت عنهم ليست كالمسألة التي عرفت عن واحد منهم ولم تنتشر.

وذكرت لكم أن الإمام احمد كان إذا وجد خلافاً بين الأصحاب في المسألة قال فيها بعدد الأقوال التي بلغته عن الصحابة والتابعين ،ولذا هذا سر كثرة الأقوال عند أحمد في المذهب ؛فيها أربعة أقوال ستة أقوال بعض المسائل فيها عشرة أقوال عند الإمام أحمد ولما يسأل يعزو كل قول لصحابي أحياناً صحابي وتابعي؛ فكان اجتهاد التابعي عند أحمد معتبراً فقول التابعي في التفسير ابن جرير اعتمده؛ وإن كان الغالب على أقوال الصحابة والتابعين في التفسير كما ذكر الشاطبي في الموافقات وابن القيم في الإعلام غالب أقوال الصحابة والتابعين في التفسير من باب اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، لذا ابن جرير غالباً ما يذكر قولاً يجمع جميع الأقوال التي نقلها عن الصحابة والتابعين .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -في "منهاج السنَّة النبوية" فاعتقاد أهل الحديث هو السنَّة المحضة أول ما يميز أهل الحديث الاعتقاد؛ ولذا أهل الحديث يكتبون معتقدهم تحت عنوان "السنَّة" السنَّة للإمام أحمد وعشرات من أئمة الحديث ألفوا كتاب السنَّة وذكروا تحته المعتقد يقول شيخ الإسلام فاعتقاد أهل الحديث هو السنَّة المحضة لأنه هو الاعتقاد الثابت عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- وقال فيه أيضاً وعلماء أهل الحديث أعلم بمقاصد الرسول -صلى الله عليه وسلم- من اتباع الأئمة بمقاصد أئمتهم" ويقول شيخ الإسلام في "منهاج السنَّة" عن أهل الحديث هم أجل قدراً من هؤلاء -أي الفقهاء- وأعظمهم صدقاً وأعلاهم منزلة وأكثرهم ديناً وهم من أعظم الناس صدقاً وأمانة ًوعلماً" أهل الحديث طلبهم للحديث ديانة؛ طلبهم للحديث عبادة؛ طلبهم للحديث ليعملوا به؛ طلبهم للحديث منهج ليكون في حياتهم؛ ليست مسائل نظرية علمية تصورية؛ كحال الفقهاء الذين يناظرون ويفرّعون ويفترضون ويتخيلون ،وإنما هَمّ علماء الحديث إن طلبوا العلم أن يترجموا ذلك إلى واقع حياتهم؛ فهم يتعبدون الله --عزَّ وجل-- بعلم الحديث؛ وهم لا يتبعون إلا النَّبي -صلى الله عليه وسلم- والآثار؛ لأن هؤلاء هم المزكّون الأخيار على لسان سيد المهاجرين والأنصار -صلى الله عليه وسلم- فهذه هي الميزة الأولى لأهل الحديث .


وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


يتبع -إن شاء الله-
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 03-18-2016, 11:24 PM
سلاف الخير سلاف الخير غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: المملكة الأردنيّة الهاشميّة
المشاركات: 249
Post

بسم الله الرحمن الرحيم

مذهب أهل الحديث الفقهي
لــِ : فضيلة شيخنا
مشهور بن حسن آل سلمان
-سلَّمه الله-
المحاضرة الثالثة


إنَّ الحمد لله، نحمدُه ونستغفره ونستعينه ونستهديه ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهْدِ اللهُ فلا مضِلَّ له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه.

أما بعد،،،

إلهي لا تعذب لساناً يخبر عنك؛ ولا يداً تكتب حديث رسولك-صلى الله عليه وسلم-؛ولا قدما ً تمشي إلى خدمتك؛ ولا عينا ً تنظر إلى علوم تدل عليك.

أما بعد،،،

فقد تبرهن معنا من خلال المحاضرتين السابقتين؛ أن مذهباً لأهل الحديث؛ وأن هذا المذهب باسم أهل الحديث كان معروفاً في زمن الصحابة والتابعين، وأوردنا ما يدلل على ذلك على وجهٍ فيه قطعٌ ويقين من غير ظن ولا تخمين، وهؤلاء هم غرس الله، كما ثبت عند البخاري في "التاريخ الكبير" وأحمد وابن ماجه من حديث أبي عنبة الأنصاري قال، قال:-صلى الله عليه وسلم -:"لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته حتى قيام الساعة" ،وهؤلاء هم الأصل، وكان هذا المذهب وقت التقاء العقيدة والفقه والحديث وعلوم الدين، ثم طرأت ظروف وأشياء ميزت العلوم وظهرت اصطلاحات بسببها وقع الناس في إشكالات وأصبحت الاصطلاحات الحادثة حاكمة على النصوص السابقة، وهذه علة عليلة وخطأ منهجي كبير .

وسنّة الله قاضية بأن يتميز أهل الحق عن غيرهم؛ فهم وسط بين جفاءٍ وغلو، ولذا بقي أهل الحديث شامة وتميّزوا عما عرف في العصور المتأخرة بالفقهاء ممن أخذوا فقههم بالتقليد؛ وتميّزوا أيضا عن أهل الظاهر.

وهذه السمات التي خصّ بها أهل الحديث شاركوا في أشياء ؛وشاركوا أهل الفقه في أشياء؛ وبقي الحق بجملته وأصوله وقواعده محصوراً فيهم، ولذا سأذكر في هذه المحاضرة السمات -بل سأذكر أهم السمات- بين أهل الحديث من جهة أو سمات أهل الحديث التي ميزتهم عن أهل الظاهر وعن الفقه وإن وافقوا طرفاً من الطرفين في بعض منها؛ سمات أهل الحديث :-
السمة الأولى:-
رفض التقليد وافقوا فيها أهل الظاهر وخالفوا فيها الفقهاء اعني الفقهاء المتأخرين فأهل الحديث لا يقلدون شخصاً بعينه؛مع الاحترام والتبجيل لجميع العلماء والتبرؤ ممن يتنقصهم وممن يحط من قدرهم؛ فالتقليد عند أهل الحديث ليس بعلم، بل المتتبع لنقولات أهل الحديث يجد اتفاقات حول موضوع التقليد يمكن أن تُلخص بالنقاط الآتية على وجة فيه عجلة ،وإلا فموضوع التقليد يحتاج إلى أكثر من محاضرة، فأهل الحديث مجمعون على أن التقليد ليس بعلم وعلى أن ا لتقليد ليس من الوحي وإن جاز فإنما يجوز للضرورة كالميتة، الميتة لا تحل إلا للضرورة،فالتقليد لا يحل إلا للضرورة، وما وقع من تقليد من قبل العلماء كقول مثلاً الشافعي قلدت عطاء وما شابه؛ فهذه في المضايق وليست هي الأصل .
والأمر الثاني: أن أهل الحديث مجموعون على أنَّ المقلد ليس بعالم؛ المقلد الذي يحفظ الأقوال ويحكيها هذا ليس عنده قريحة وليس عنده ملكة والعلم ملكة وهذا ليس بعالم، وأجمع أهل الحديث على أن من استبانت له سنّة صحيحة عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فلا يجوز له أن يدعها لقول أحد كائن من كان، وأجمع أهل الحديث أيضاً على أن اتباع غير المعصوم لا بد له من دليل وإلا كان تقليداً، فلا يُتبع إلا المعصوم وأما غير المعصوم قلا يُتبع إلا بدليل، ولذا الفقهاء أقوالهم يحتج لها ولا يحتج بها؛ فهي تحتاج للدليل وهي ليست بدليل والذي يذكره بعض الطلبة لما يتناظرون ويتكلمون ويتباحثون في بعض المسائل فيقول الدليل على مسألة كذا وكذا قول فلان من أهل العلم وإن كان من أئمة الهدى فهذا ليس بصحيح،لما تقول الدليل قال ابن تيمية قال ابن القيم قال فلان قال فلان من أهل العلم فهذا ليس بصحيح؛ فأقوال البشر كلهم يُحتج لها -أي هي تحتاج للدليل وهي ليست بدليل- .

ثمّ أجمع أهل الحديث على أن التقليد في دين الله-عزوجل- حرام لمن عنده علم من الكتاب والسنّة، ويستطيع من خلال هذا العلم أن يميّز بين الحق والباطل، وأما العامي فالواجب عليه أن يسأل أعلم من يظن ممن يثق بدينه وبعلمه، وأجمع أهل الحديث على أنّه لا فرق في التقليد بين الحي والميت، فسواء كان المقلَد بفتح اللام حياً أو ميتاً فالتقليد مرفوض ،ثمّ أجمع أهل الحديث على أنّ التعصب لمذهب من المذاهب دون سواه والأخذ به والاقتصار عليه وإنزاله منزلة النصوص الشرعية؛ هذه عصبية ممقوتة وليست بمقبولة؛ فلما سمع النبي-صلى الله عليه وسلم- عند خلاف وقع بين المهاجرين والأنصار كُل يقول يا للمهاجرين وآخر يقول ياللأنصار ! فقد قال النبي-صلى الله عليه وسلم- لهم :"أجاهلية وأنا بين ظهرانيكم "فجعل النبي-صلى الله عليه وسلم- الاقتصار والانتصار لفئة دون غيرها لأنّ هذه الفئة تمتاز أنها تنتمي لفلان فهذه من الجاهلية.

وأخيراً قد أجمع أهل الحديث على أن الأئمة الفقهاء أصحاب المذاهب قد منعوا أتباعهم من تقليدهم فهم أئمة مرضيون من أهل الحديث؛ ولا يجوز البتّة أن نخرجهم من أهل الحديث؛ ولما نتكلم عن مذهب أهل الحديث فلا يلزم التطابق والاجتماع من قبل المنسوبين لأهل هذا المذهب في جميع المسائل، ولكن يجمعهم سمات وأصول عامة ؛وذكرت لكم مقولات الأئمة الأربعة وقد نظمها صالح الفلاني بنظم حسن فقال -لا فوض فوه رحمه الله -:

قَـالَ ( أَبُـو حَنِـيفَـةَ ) الإِمَـامُ = لَا يَـنْـبَغِي لِـمَـنْ لَـهُ إِسْـلَامُ
أَخْـذًا بِأَقْـوَالِـيَ حَـتَّى تُـعْـرَضَـا = عَلَى الحَدِيثِ وَالكِتَابِ الـمُرْتَضَى
وَ ( مَالِكٌ ) إِمَامُ دَارِ الـهِجْرَةِ = قَالَ وَقَدْ أَشَارَ نَحْوَ الـحُجْرَةِ
كُـلُّ كَلَامٍ مِـنْـهُ ذُو قَـبُـولِ = وَمِنْهُ مَرْدُودٌ سِوَى الرَّسُولِ
وَ ( الشَّافِـعِيُّ ) قَـالَ إِنْ رَأَيْـتُمُ = قَـوْلِـي مُـخَالِـفًا لِـمَـا رَوَيْـتُمُ
مِنَ الـحَـدِيثِ فَاضْـرِبُـوا الـجِـدَارَا = بِـقَـوْلِـيَ الـمُـخَـالِـفِ الأَخْــبَـارَا
وَ ( أَحْـمَدٌ ) قَالَ لَـهُمْ لَا تَـكْـتُـبُوا = مَـا قُلْـتُـهُ بَلْ أَصْلُ ذَاكَ فَـاطْـلُـبُوا
فَانْظُـرْ لِـمَـا قَـالَ الـهُدَاةُ الأَرْبَعَهْ = وَاعْـمَلْ بِـهَا فَإِنَّ فِـيهَا مَنْـفَـعَـهْ
لِـقَـمْـعِـهَـا لِـكُلِّ ذِي تَعَصُّبِ = وَالـمُنْصِفُونِ يَكْتَـفُونَ بِالنَّـبِيْ


فهؤلاء الأئمة الأربعة كلهم -رحمهم الله تعالى – قال مقولة ذكرت لكم ذلك في الدرس الماضي فإذاً السمة التي تجمع أهل الحديث على اختلاف أعصارهم وأمصارهم أنّهم يرفضون التقليد
ولا يقبلون القول إلا بالدليل وهذه هي السمة الثانية .
السمة الثانية من سمات أهل الحديث: أنهم يعظمون الوحي وأنّهم لا يقبلون القول إلا بالدليل ،ولذا لما ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره عند قوله-عزوجل-:[ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ] نقل عن بعض السلف هذا أكبر شهادة لأهل الحديث لأن النبي-صلى الله عليه وسلم- هو إمامهم أكبر شهادة لأهل الحديث في كتاب الله-عزوجل- قول الله [ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ] فأهل الحديث ليس لهم إمام إلا رسول الله-صلى الله عليه وسلم-؛فنحمد الله عز وجل حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء السموات والأرض وما بينهما وملء ما شاء سبحانه من بعد أن جعلنا من أهل الحديث الحريصين على التمسك بسنّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وقلنا أن القرءان إذا كان محتملاً لوجوه فلا يُحتج به إلا بالسنّة القاضية على سائر الوجوه وإذا كان الحديث حمّالاً لوجوه ففهم السلف يكون قاضياً على سائر الوجوه في تفصيل موجود عند العلماء .
ولا يخفى على أحد أن هذا الأصل ركن كين وأصل أصيل؛ وله صلة بالشهادتين فالمسلم لما يدخل الإسلام فيقول:" أشهد أن لا إله الا الله" ومعنى ذلك لا معبود بحق إلا الله وقوله :"أشهد أن محمد رسول الله" فمعنى ذلك أنه لا متبوع بحق إلا رسول الله-صلى الله عليه وسلم فمن اتخذ هوى أو عقلاً او ذوقاً أو سياسة أو عشيرة أن اتخذ شيخاً أو إماماً أو مذهبا يطيعه في كل ما يأمر به ويعتبر قوله قولاً لا يُراجع ولا يُحتج له؛ فهذا مخدوش في قوله:" وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم –".
هنالك مقولة جميلة للإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه البديع "مدارج السالكين" :"من بلغه حديث صحيح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإن أراد أن يحيد عنه فليستحضر أنّ النبي- صلى الله عليه وسلم- هو الذي يُخاطبك به، فإن أردت أن تحيد، فأعدّ لهذه الحيدة جواباً"؛ إذا بلغك حديث صحيح صريح عن رسول -صلى الله عليه وسلم- فينبغي الاستسلام له ولذا من كلمات شيخ الإسلام السمان وكلامه جميل في "مجموع الفتاوى" الجزء الثالث صفحة ثلاثمئة وستة واربعين يقول:"إن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنّة الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله- صلى الله عليه وسلم -وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله؛ وهم أعظم الناس تمييزا بين الصحيح والسقيم؛ وأئمتهم فقهاء في السنة وأهل معرفة بمعانيها، واتباعاً لها تصديقاً عملاً وحباً وموالاة لمن والاها ومعاداة لمن عاداها الذي يردون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة ،فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول-صلى الله عليه وسلم- بل يجعلون ما بُعث به الرسول-صلى الله عليه وسلم-من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعملون به "،إذاً هو الأصل الثاني وأنا اتعجل حتى ألم بالسمات في هذه المحاضرة فلم تبقَ لنا إلا محاضرة واحدة.

وهذه السمة يمتاز بها أهل الحديث عن الفقهاء أيضاً، فالفقهاء في كثير من كتب الفقه يعتنون بكلام أصحاب المتون ويذكرون التنكيتات والتدقيقات ولايدللون ولا يذكرون الأدلة.

السمة الثالثة التي يمتاز بها أهل الحديث عن أهل الظاهر: الأخذ بأقوال الصحابة والتابعين، لست بصدد تأصيل وتفصيل أن قول الصحابي حجة ؛فقد فصّل وأصّل الإمام ابن القيم في كتابه البديع "إعلام الموقعين" وذكر ستة وأربعين دليلاً على حجية قول الصحابي، والعجيب أن أهل الظاهر وبما فيهم إمامهم ابن حزم لا يرى حجية قول الصحابي؛ وهذه سمة يمتاز بها أهل الحديث عن أهل الظاهر؛ فإن لم نجد نصاً من كتابٍ أوسنّة ووجدنا قولاً لصحابي فإن نفوسنا وصدورنا تنشرح له؛ ونجعله حَكَماً ودليلاً، أقوال الصحابة في المعتقد أقوى منها في الفقه؛ أقوال الصحابة مجتمعين أقوى منها في أقوال الصحابة مفترقين؛ أقوال الصحابة التي شاعت وذاعت ليست كأقوال الصحابة التي ما شاعت ولا ذاعت الصحابة إن اختلفوا فالخلاف عالي غالي؛ كلما علا الخلاف كان غالياً؛ فالصحابة-رضي الله تعالى عنهم- والتابعون هم الأوائل وهم المزكون وهم قرون الخير والنبي-صلى الله عليه وسلم- يقول فيما اخرجه مسلم في صحيحه :"وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسَيَصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها" فشعار أهل الحديث وهجّيرهم وديدنهم قولهم قال فلان من الصحابة قال فلان من التابعين.

ولشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في المجلد العاشر صفحة ثلاثمئة واثنين وستين كلام بديع غاية في هذا الباب يقول:" العلم المشروع والنُسك المشروع –تأملوا أهل الحديث يطلبون الحديث ليكون ديناً فالحديث منهج في تعبدهم وفي نسكهم؛ بل أصبحت السنّة شعاراً لمعتقدهم فالإمام أحمد كتب كتاب السنة؛ اللالكائي كتب كتاب "السنة" الطبراني كتب كتاب "السنة" الطبري "صحيح السنة" المزني"صريح السنة"، ولم يذكروا في هذه الكتب إلا المعتقد، والمعتقد قائم على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأقول التابعين بالجملة، فالمعتقد لا يؤخذ من الناس؛ كما يقول شيخ الإسلام قال:" المعتقد لا يؤخذ مني ولا ممن هو فوقي ولا هو من دوني وإنما يؤخذ المعتقد من كتاب الله وسنة رسول الله-صلى وما قال به الصحابة رضوان الله عليهم-،يقول شيخ الإسلام:" العلم المشروع والنسك المشروع مأخوذ من أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وأما من جاء بعدهم فلا ينبغي أن يُجعل أصلاً؛ وإنْ كانَ صاحبهُ معذوراً بل مأجورا باجتهاد أو تقليد؛...ثم يقول-:" من بنى الكلام في العلم الأصول والفروع على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين؛ فقد أصاب طريق النبوة؛ وكذلك من بنى الإرادة والعبادة والعلم والسماع المتعلق بأصول الأعمال وفروعها من الأحوال القلبية والأعمال البدنية على الإيمان والسنة والهدي الذي كان عليه محمد-صلى الله عليه وسلم- وأصحابه فقد أصاب طريق النبوة وهذه طريقة أئمة الهدى"، يقول تجد الإمام أحمد إذا ذكر أصول السنة قال :"هي التمسك بما كان عليه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وكتب كُتب التفسير المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -والصحابة والتابعين وكتب الأحاديث والآثار المأثورة عن ا لنبي -صلى الله عليه وسلم-والصحابة التابعين؛ وعلى ذلك يعتمد في أصوله وفروعه حتى قال في رسالته إلى الخليفة المتوكل؛ قال الإمام أحمد:" لا أحب الكلام في شيء من ذلك إلا ما كان في كتاب الله أو حديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو الصحابة أو التابعين فأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود".

الدين تم (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) ومن باب إتمام النعمة علينا أن الله تعالى قال : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ) ولم يقل أكملت لكم دين حتى تكتمل هذه النعمة ولما سمع عمر هذه الآية بكى وقال:" ما بعد الكمال إلا النقصان" فالكمال أهل الحديث يعتقدون أنَّ الدين كامل وأن في النصوص الشرعية الكفاية والغنية ولا يقول ما يقول أصحاب الرأي؛يقولون:" الحوادث ستنتهي والنصوص منتهية محصورة معلومة فكيف بالمنتهي يسع غير المنتهي؟! "كأنهم يظنون أن كل نص يقابل نازله ولا يعلمون أن النصوص يؤخذ منها قواعد، وأن القاعدة الواحدة ينبني عليها ألوف من المسائل فلم يجمدوا جمود أهل الظاهر ولم يوسعوا توسع أهل الرأي وسيظهر هذا جلياً -إن شاء الله تعالى- في المحاضرة القادمة.

فالصحابة -رضي الله عنهم- فهموا الدين وهم أدرى منا بمراد النبي-صلى الله عليه وسلم- وبما يحب الله رب العالمين لابن رجب كلمة عجيبة تفيدنا في التقاء مذهب أهل الحديث مع أهل الفقه، يقول -رحمه الله تعالى- في كتابه" جميع الرسل كان دينهم الإسلام":" إن الله تعالى حفظ هذه الشريعة بما جعل لها من الحملة أهل الرواية وأهل الدراية" حملة الشريعة قسمان أهل الرواية وهم المحدثون؛ وأهل الدراية أهل الفقه؛ وأهل الرواية وأهل الدراية كانا مجتمعين في الجيل الأول والثاني؛ وذكرنا أن القول بالرأي والفتوى بالنوازل كانت معروفة عند أهل الحجاز وكانت معروفة عند أهل الكوفة ولكن أهل الكوفة وأهل العراق ورثوا نوازل جديدة غريبة بخلاف أهل المدينة فحصل التوسع هناك في أهل العراق ولم يحصل التوسع في أهل المدينة ثم أصبح ذلك منهجاً لهم ؛ ولا سيما بعد اختلاط المعتزلة بأهل الرأي؛ فجل المعتزلة مذهبهم الفروعي الفقهي حنفي،يقول:" فكان الطالب للعلم للإيمان يتلقى ذلك ممن يدركه من شيوخ العلم والإيمان، فيتعلم أي طالب القرءان والحديث ممن يعلموا ذلك ويتعلم الفقه في الدين من شرائع الإسلام الظاهرة وحقائق الإيمان الباطنة ممن يعلموا ذلك يقول:" وكان الأغلب على القرون الفاضلة جميع ذلك كله فإن الصحابة تلقوا عن النبي صلى الله عليه وسلم جميع ذلك وتلقاه عنهم التابعون وتلقى عن التابعين تابعوهم؛ فكان الدين حين ذاك مجتمعاً" -فقه وتوحيد وحديث-، يقول:" ولم يكن قد ظهر الفرق بين مسمى الفقهاء ومسمى الحديث وأهل الحديث، ولا بين علماء الأصول وعلماء الفروع ؛ولا بين الصوفي والفقير الزاهد، وإنما انتشرت هذه الفروق بعد القرون الثلاثة وإنما كان السلف يسمون أهل العلم والزهد القرّاء؛ ويقولون قرأ فلان أي تنسّك؛ثم يبين أن أهل الرواية كان يجتمع عندهم ألفاظ النبي ويقفون عندها ،وكان الواحد كما ذكرنا في المحاضرة الأولى يُسأل عن مسائل فقهية فلا يجيب بكلمة إلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- فيسكت، وهنا مسألة مهمة هل يوجد لأهل الحديث من الصحابة والتابعين أصول الفقه والقواعد الفقهية كانت موجودة عند الصحابة أم غير موجودة؟! هل كانوا يفتون في دين الله بقواعد كلية وضوابط منهجية أم يتركون الحبل على الغارب؟! .

لا يشك عاقل أن الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم كانت عندهم أصول؛ أخرج البخاري مسألة في كتاب "الفتن" بسنده إلى أبي بكرة نُفيع بن الحارث قال:"لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يوم الجمل "وفي رواية عن الترمذي قال:" لقد عصمني الله بكلمة سمعتها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمل،: قال لما هلك كسرى وولوا ابنته من بعده سمعته -صلى الله عليه وسلم- يقول :"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" زاد الاسماعيلي في مستخرجه فقال: قال أبو بكرة :فعلمت أنّ أهل الجمل لن يفلحوا" النبي قال:" لم يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " العلماء يقولون هل العبرة بخصوص السبب أم بعموم اللفظ؟
بعموم اللفظ؛ والمحدثون يقولون في الحديث :هل العبرة بسبب الورود أم بعموم الحديث ؟
بعموم الحديث؛ طيب هذه القاعدة كان يعرفها أبو بكرة؟!قطعاً كان يعرفها؛ إن لم يعرفها بألفاظها إلا أنّه يعرفها بحقيقتها؛ وإلاّ كيف هو أنزل حديث: "لن يفلح قوم ولوا قومهم امرأة" على أن الله قد عصمه ولم يبايع أهل الجمل؛ والظاهر أن مذهبه في النزاع كان كمذهب الزبير وكان يرى أنّ المطلوب من علي أن يُسلّم قتلة عثمان لوَرثة الدم؛ ولكن لما علم أن عائشة قد ولت أمر هؤلاء الرجال فلم يفلحوا؛ فعصمه الله تعالى بأن يشارك في هذه الفتنة؛ فهو يعلم بالتطبيق العملي من خلال هذا الموقف أنّ العبرة بعموم اللفظ وليست العبرة بخصوص السبب أو بسبب الورود؛ ولذا من يقرأ كلام الأصوليين يقولون :"كان عند السلف تخصيص العام وتقييد المطلق نسخاً" إذا كانوا يعرفون النسخ ويعرفون التقييد ويعرفون التخصيص.

وحتى أوضح الأمر بمثال ملموس؛ لو أن أناساً عاشوا في بلاد حارة ولا ينزل المطر فقال قائل هؤلاء القوم لا يوجد عندهم معاطف يردّون بها البرد، فهل كلام هذا صحيح أم ليس بصحيح؟
الكلام ليس بصحيح ؛لماذا ؟نقول انتظروا حتى ينزل المطر؛ فإذا نزل المطر ولم يبرز هؤلاء القوم معاطفهم ؛قولوا ليس عندهم معاطف، وأما والبلاد حارة والمطر غير نازل نقول فلان وفلان؛ وهؤلاء ليس عندهم معاطف؛ هذا ليس بصحيح!

الأعرابي الذي يعيش في الصحراء، الذي استقام لسانه سليقة بالعربية هل يجوز لنا أن نقول هو لا يعرف نحو وقواعد نحو! هو ليس بحاجة إليها؛ الثمرة من قواعد النحو أن يضبط اللسان الصحابة هل يقال لهم أنهم لا يعرفون لهم أحكام التجويد وأحكام المدود هم ليسوا بحاجة إليها ؛هم أخذوا ذلك بالتلقي وسبر أهل العلم قراءاتهم فضبطوا قراءتهم بالقواعد المتأخرة؛ ولذا لا يجوز لنا ان نقول أن أهل الحديث ليس عندهم أصول؛ وانطلقوا من غير أصول ؛ بل علماء الأصول لما وقع الاصطلاح سبروا أحوال الصحابة وأرادوا أن يضبطوا منهجهم، فأخطأوا في التأصيل أحياناً وكثُر خطؤهم في التنزيل إذ استخدموا التقعيد ونسوا الوحي؛ فكم من مسألة الفقيه تكلم فيها بقريحته ، وبرده لهذه الفروع على أصول ويكون قد جاء فيها نهر الله ؛وورد فيها قال رسول الله أو قال فلان من الصحابة، ومتى جاء نهر الله بَطُل نهر مِعقَل ؛فلا حاجة لنا للقرائح المتأخرة؛ إذا جاء نص عن الصحابة والتابعين.

من الكلمات الجميلة التي فيها التفريق بين أهل السنّة وأهل الحديث وأهل الظاهر كلمة للإمام ابن رجب في رسالته المشهورة" بيان فضل علم السلف على الخلف"يقول -محذراً-:" وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعد الصحابة والتابعين، فإنّه حدث بعدهم حوادث كثيرة ؛وحدث من انتسب إلى متابعة السنّة والحديث من الظاهرية ونحوهم، وهو أشدُّ مخالفةً لها لشذوذه عن الأئمة وانفراده عنهم بفهم يفهمه، أو بأخذ مالم يأخذ به أحد من الأئمة قبله"يقول احذروا! ظهر قوم أخذوا بالظواهر ،فكانوا أبعد من الاحاديث عن الفقهاء الجامدين،وهذا يأتينا بيانه لاحقاً-إن شاء الله تعالى- .

السمة الرابعة التي تميّز أهل الحديث عن غيرهم وهم بهذه السمة امتازوا عن الفقهاء؛ كراهيتهم للرأي والقياس، وهم في هذه السمة وسط بين الفقهاء وأهل الظاهر، فأهل الظاهر يرفضون الرأي بالكلية وأهل الحديث في المستجدات يذكرون الرأي ولا يلزمون به أحداً، الصحابة أفتوا برأيهم فيما لم يجدوا فيه نصاً عن نبيهم -صلى الله عليه وسلم-،فرفض الرأي بالكلية ليس بصواب، القياس الحاق النظير بالنظير والشبيه بالشبيه مما ورد في رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري، ولكن القياس يُعمَل فيه بحذر وقدر، ولذا مسألة القياس أشغلت الإمام أحمد، فلما التقى الإمام أحمد بالإمام الشافعي قال له -أحمد يقول للشافعي: القياس؛فقال الإمام الشافعي -رحمهما الله- قال:عند الضرورة.

فكان أهل الحديث وسطاً ما ألغوا القياس والرأي بالكلية ولا أعملوا الرأي والقياس مقابل العقل؛ فالعقل نتاجه وقريحة أهله وقريحة الفقهاء في المسألة التي لم يرد فيها نص تُذكر ولا يكون فيها إلزام، الفقهاء يلزمون ولا سيما المتعصبة للمذاهب؛ وكما يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول:" الشرع قاض والعقل شاهد؛ ويجوز للقاضي أن يطرد الشاهد متى شاء" ويقول في كلمة بليغة عميقة:" الشرع ولّى العقل ثم عزله" الشرع لا يكلف المجنون؛ لا يكلف إلا العاقل لكن عزله إذا جاء النص فالعقل معزول وكما يقول الشاعر:
علم العليم و عقل العاقل إختلفا
من ذا الذي منهما احرز الشرفــا
العلم قال انا احرزت غـــــايته
العقل قال انا الرحمـن بي عُرف
فأفصح العلم إفصاحا وقال له
بآينا الله في قــــــــــــــرآنه اتصفَ
فأدرك العقل ان العلـــــم سيده
و قبل العقل رأس العلم وانصرفا

فالعلم قاضٍ على العقل، فأهل الحديث يكرهون التشقيقات والتفريعات والمسائل التي لم تقع بعد؛والمسائل التي تحمّر وتصفّر بها الوجوه؛ والتي تلقي للامتحان للإحراج؛ التي يمتحن فيها الناس لأن أهل الحديث أن يعبدوا الله-عزوجل- ليس مذهبهم التصورات والتخيلات مذهب أقرب للفسلفة والأمور التصورية المحضة،ولذا ورد عن زيد بن ثابت معاذ بن جبل وغير واحد من الصحابة أنهم كانوا يُسألون عن مسائل ما وقعت؛ فكانوا يجيبون ويدعوها حتى تقع لكرههم للرأي والقياس ،المسائل التصورية والتشقيقات والاحتمالات العقلية والممكنة هذه ليست بحسنة انظر مثلاً في حواشي بعض الشافعية على تحفة المحتاج يذكرون احتمالات واشياء لا يمكن أن تقع حتى وجدت في بعض حواشي "تحفة المحتاج" يقولون: لو أن ذكر الرجل قسّم أقسام فلاط بقسم وزنا بقسم وما أدري إيش القسم؟! فكيف نحده ؟إيش هذا؟!! كلها تصورات وخيالات لا يمكن أن تقع أبداً!

فمذهب أهل الحديث أنهم يكرهون الخوض في الرأي، ويطلبون العلم ليكون عملاً، ليكون منهجاً لهم في الحياة يتعبدون الله-عزوجل- به، وانصح بقراءة باب من أبواب كتاب "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر عقد باباً أورد تحته آثاراً كثيرة جميلة ولا يتسع الوقت للتفصيل قال:" باب ما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي والظنّ والقياسِ من غير أصل-إذا وجِدْ له أصل ولم يلحق النظير بالنظير فلا حرج وبهذا يمتازون عن الظاهرية-قال:" باب ما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي والظنّ والقياسِ على غير أصل وعيب الإكثار من المسائل دون اعتبار" هذه هي الميزة الرابعة أو السمة الرابعة من سمات أهل الحديث .

بقيت سمة خامسة أخيرة لأهل الحديث وهي: كراهية إفراد فقه الفروع بالتدوين، وتأليف السنن والمسانيد وأحاديث الأحكام، سمات أهل الحديث يجمعون ألفاظ النبي-صلى الله عليه وسلم- ولا يجمعون المسائل بالتأليف، فيذكرون تحتها ما وقع ومالم يقع ويذكرون تحتها الكلام المجرد عن الدليل، فأهل الحديث بتأريخهم الطويل سلكوا سبيلاً مطّرداً وخالفوا فيه الفقهاء، فلم يعتنوا بتدون الفقه من غير ذكر الأدلة؛ لأنّهم كانوا يرون أن العلم كله في الآثار.

وقفت على خبر جميل في ترجمة محدث اسمه معاوية بن صالح لما التقى محمد بن وضاح القرطبي وهو يطلب العلم، وذكرت لكم في المحاضرة الماضية أن ابن وضاح وبقي بن مخلد لما رجعوا من المشرق إلى المغرب إلى الأندلس حولوا الأندلس إلى دار سنّة ،الأندلس أصبحت دار سنّة بعمل هذين الإمامين؛محمد بن وضاح القرطبي وبقي بن مخلد جمعوا الأحاديث والآثار فصبغوا الأندلس بعد جمعهم لهذه الآثار؛ حولوها من دار تنشغل بالفروع وأقوال البشر فجعلوها دار سنّة، ففي مرحلة قدوم محمد بن وضاح إلى المشرق التقى بالإمام الجهبذ الكبير أبي زكريا يحيى بن معين فاستغرب ابن معين كيف أن أهل الأندلس لم يجمعوا أحاديث معاوية بن صالح، فأجابه ابن وضاح بأنّ بلده يومئذ لم تكن بلد علم، والأندلس كان فيها فقهاء المالكية، وقد انشغلوا بتدوين فقه مالك ومع هذا فإن محمد بن وضاح إيش كان يقول ؟يقول: ما كانوا أهل علم فأهملوا روايات معاوية بن صالح، فإذاً ما هو العلم عند محمد بن وضاح القرطبي؟ جمع السنن والآثار هو العلم، أمّا أقوال البشر ليس علماً ، أن أحفظ قال فلان وقال فلان وقال فلان ليس بعلم، العلم أن تحفظ قال الله قال رسول الله قال الصحابة قال التابعي؛ وبهذه الميزة يختص أهل الحديث عن أهل الظاهر وعن الفقهاء هم أهل تتبع للآثار، يتطلبون أحاديث النبي-صلى الله عليه وسلم- ويتطلبون أقوال الصحابة وأقوال التابعين، لذا البخاري ومسلم في صحيحيهما والترمذي في جامعه هذه كتب جوامع صحيح البخاري جامع صحيح مسلم جامع سنن الترمذي جامع؛ بخلاف سنن أبي داوود وبخلاف سنن ابن ماجه وبخلاف سنن النسائي، والجوامع تحتوي الدين كله، فيها توحيد فيها كتاب في التفسير كتاب في أشراط الساعة كتاب في الأذكار غير السنن هذه الجوامع شملت الدين كله، فالذي يقرأ الصحيحين وكتب السنن فهم الدين كله ،طبعاً بعد أن يقرأ كتاب الله -عزوجل- ،طبعاً التي أريد القراءة مع الفهم.

وتتابع العلماء مدار خلاف العلماء المعتبر على زيادات ألفاظ المسائل الفقهية اعتنى بها أبو داوود وأعتنى قبله مالك واعتنى بها بعده الدارقطني علي بن عمر ولما وجد عبدالملك بن أيمن الأندلسي سنن أبي داوود قد حوت أصول أقوال الأئمة إلاّ الأقوال التي ليس عليها أدلة نقلية، ألّف ابن أيمن مستخرجاً على سنن أبي داوود يعني أتى بالأحاديث والزيادات التي عليها وأنا كفيل لطالب العلم إن أدمن في النظر في كتب السنن؛ وإن أراد أن يكون فقيها فينبغي أن يعتني بموطأ مالك وبسنن أبي داوود وبسنن الدارقطني ، سنن الدارقطني عبارة عن زيادات يحتاج إليها الفقهاء، فتحرير هذه الزيادات يظهر الصواب الراجح من المرجوح لطالب العلم، وهنالك مجال كبير في أن تجمع هذه الزيادات وأن تتخذ هذه الكتب أصولاً؛ وأن يعرض الفقه النقلي دون النوازل التي تحتاج إلى قرائح، وهذا للأسف مع وجود الثورة الحديثة في التكنولوجيا والجمع؛ إلا أنّ الهمم كليلة، ولذا كلما اتسع الإنسان في تطلّب الخبر ضاق عليه استعمال الرأي كلما توسّع في جمع الأخبار ضاق عليه استخدام الرأي؛ ولذا بعض من صنف في فقه الخلاف من الفقهاء ما ذكر مذهب أحمد، بل بعضهم تبجح وقال "أحمد ليس[...]
والذي جعله يقول هذا أن أحمد-رحمه الله- استغنى بالآثار عن المولَّدات وقرائح الأفكار، كان أثرياً خالصاً، ولم يدوّن أحمد كتاباً في الفقه وكل مسائله التي أجاب فيها من غير أثر كان مجيباً على السؤال ما هو بادر! كان مجيباً على سؤال وجل ّ أسئلته فيمن يسألها يعلم علم اليقين أنه يعزوها إلى من قبله من الأئمة المعتبرين، وجدت مقولة اللكنوي وهو من المتأخرين من أهل العلم من علماء الهند يقول:" إن أكثر المسائل الفرعية والأصلية التي اختلف العلماء فيها فمذهب المحدثين أقوى من مذاهب غيرهم، ثم قال: حشرنا الله في زمرتهم وأماتنا على حبهم وسريرتهم".

هذه إخواني سمات عامة ليست لأهل الحديث؛ وإنما هي سمات عامة لأهل الحديث فيما امتازوا به عن أهل الظاهر وعن الفقهاء.

ما ينبغي أن يخرج الإنسان عن أهل الحديث؛ وذكرت في المحاضرة الأولى أن أهل الحديث أهل السنّة السلفية هي اصطلاحات متعددة لحقيقة واحدة، فإذا خالف رجل في مسألة فلا ينبغي أن نخرجه عن كونه من أهل الحديث،إلا بواحدة من ثلاثة:-

الأمر الأول:
أن تخالف أصوله أصول أهل الحديث،كأن يرى مثلاً تعصب أو تمذهب أو لا يرى مثلاً حجية أقوال الصحابة.
الثاني: أن تكثُر أخطاؤه كثرةً شديدةً فاحشةً تنبىء عن فساد أصوله.
ثالثاً: أن يُشارِك أهل البدع في المسائل التي أصبحت علامة لهم.

ومما ينبغي أن يذكر أن أهل الحديث على اختلاف أعصارهم وأمصارهم متشابهون دون غيرهم، ثابتون على أقوالهم ولكن لا يلزم من تشابههم أنهم متطابقون تماماً في كل فتاويهم ومسائلهم، ولذا لما ذكرت نماذج واخترتها من المغني والمجموع والمحلى لما يُذكر مذهب أهل الحديث وجدنا أن غالباً ما يقع ذكر أهل الحديث وقلنا يكون من باب عطف العام على الخاص؛ يُذكر أهل الحديث ويذكر مذهب أحمد ويذكر مذهب مالك ومذهب الشافعي ويذكر مذهب الأوزاعي ويذكر مذهب اسحق بن رهويه هؤلاء كلهم أهل الحديث، فأهل الحديث يجمعهم سمات عامة ولا يلزم أن يقع التطابق في كل فتوى بينهم .

اسمعوا لهذا النقل العجيب لشيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" المجلد الرابع والثلاثين صفحة مئة وثلاثة عشر يقول بصدد كلامه عن مذهب أحمد؛ وهو يتكلم عن الإمام أحمد ومذهب الإمام أحمد يقول:" موافقة أحمد للشافعي وإسحق أكثر من موافقته لغيرهما- وأنا ذكرت لكم أن الإمام ابن حجر في فتح الباري سبر مذهب الإمام البخاري؛ والإمام البخاري كغيره من إخوانه؛ كمسلم وأصحاب السنن من أهل الحديث أنظر في ترجمة البخاري وترجمة مسلم وأصحاب السنن في كتب طبقات الفقهاء تجد الشافعية جعلوا البخاري ومسلماً وأبا داوود من الشافعية والحنابلة جعلوهم من الحنابلة والحنفية جعلوهم من الحنفية والمالكية جعلوهم من المالكية من التعصب الذي كان عندهم، فهم لو استطاعوا أن يجعلوا عمر وأبو بكر وعلي والصحابة من مذهبهم لفعلوا من شدة تعصبهم.

لكن لما سبر الحافظ ابن حجر مذهب البخاري قال:" مذهب البخاري مأخوذ بالموافقة لا بالتقليد" فجل مذهب الإمام البخاري مأخوذ من مذهب الشافعي ومذهب أبي عبيدة قاسم بن سلاّم بالموافقة والأدلة وليس بالتقليد، يقول شيخ الإسلام:" موافقة أحمد للشافعي واسحق بن راهويه أكثر من موافقته لغيرهما؛ وأصوله بأصولهما أشبه منها بأصول غيرهما، وكان يثني عليهما ويعظمهما، ويَرجعُ أصول مذهبهما على من ليست أصول مذاهبه كأصول مذاهبهما، ومذهبه –مذهب أحمد الذي يشبه مذهب اسحق والشافعي يقول: ومذهبه أن أصول فقهاء الحديث أصح من أصول غيرهما والشافعي واسحق هما عنده من أجلِّ فقهاء الحديث في عصرهما" إذاً الشافعي من أهل الحديث؛ واسحق من أهل الحديث؛ وأحمد من أهل الحديث؛ هل هم متشابهون في كل ما يقولون؟
الجواب: لا؛ لكن الذي يدرس الفقه فيما يسمى اليوم الفقه المقارن يجد غالباً عن الخلاف يكون الشافعي وأحمد في شق؛ وأبو حنيفة ومالك في شق، فأهل الحديث تجمعهم سمات وبينهم خلاف في بعض المسائل، والخلاف يكون بين ا لجيل الذي قبلهم مضبوط بقواعد منهجية مطّردة وبهذا يمتازون عن أهل الظاهر.

من سمات أهل الحديث كما يقول أبا المظفر السمعاني:" أنّهم مؤتلفون متفقون وأنّهم أهل ثبات واستقرار على الحق،لا يعرفون التحوّل ولا التنقّل اسند اللالكائي عن عمر بن عبد العزيز قال:" كانوا يكرهون التحوّل والتنقّل".
اختم بمقولة أبي مظفر السمعاني التي فيها بيان أنَّ أهل الحديث بينهما ائتلاف واتفاق بخلاف غيرهم يقول:" «ومما يدل على أن أهل الحديث هم على الحق أنك لو طالعتَ جميعَ كُتُبِهم المصنفةِ من أوَّلِهم إلى آخرهم قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم وتباعُدِ ما بينهم في الديار وسكون كل واحد منهم قطرا من الأقطار = وجدتَهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد، يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، وفعلهم واحد، لا ترى بينهم اختلافا ولا تفرقا في شيء ما وإن قل،
بل لو جمعتَ جميعَ ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدتَه كأنه جاء من قلب واحد، وجرى على لسان واحد،وهل على الحق دليل أبين من هذا ؟!..
ثم يقول :"وأما إذا نظرتَ إلى أهل الأهواء والبدع رأيتَهم متفرقين مختلفين، وشيعا وأحزابا، لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد!، يُبدع بعضُهم بعضا، بل يرتقون إلى التكفير، يكفر الابنُ أباه، والرجل أخاه، والجارُ جارَه.
تراهم أبدا في تنازع وتباغض واختلاف، تنقضي أعمارهم ولَمَّا تتفق كلماتهم [تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ] أو ما سمعتَ أنَّ المعتزلة -مع اجتماعهم في هذا اللقب- يكفرُ البغداديون منهم البصريين، والبصريون منهم البغداديين، ويكفرُ أصحابُ أبي علي الجبائي ابنه أبا هاشم، وأصحابُ أبي هاشم يكفرون أباه أبا علي!!
وكذلك سائر رؤوسهم وأرباب المقالات منهم إذا تدبرتَ أقوالَهم رأيتَهم متفرقين، يكفر بعضُهم بعضا، ويتبرأ بعضُهم من بعض، وكذلك الخوارج والروافض فيما بينهم، وسائر المبتدعة بمثابتهم،وهل على الباطل دليل أظهر من هذا ؟!
ثم يقول: وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل، فأورثهم الاتفاقَ والائتلافَ".
وأهل البدعة أخذوا الدين من المعقولات والآراء فأورثهم الافتراقَ والاختلافَ".


معتقد أهل السنة واحد والخلاف فيما استجدّ، يقول ابن القاسم وعمر بن عبدالعزيز:" ما أحب لو أن لي كذا وكذا من حمر النعم وأن الصحابة لم يختلفوا" كان اختلاف الصحابة يعجب بعض التابعين وليس إعجاب التابعين باختلاف الصحابة لأنّهم لا يحبون الافتراق وإنما لأن الصحابة سنّوا لهم الخلاف في هذه المسائل،، فلو أن الصحابة ما اختلفوا واختلف من بعدهم لكان من بعدهم قد هلك ولذا أئمة التابعين كان يعجبهم أنّ اختلافا ما وقع بين الصحابة لماذا؟ لأن الأصل الاجتماع وليس الافتراق فأهل الحديث متماثلون متفقون غير مختلفين إلا في مسائل اختلف فيها أسلافهم والخلاف العالي غالي.

بقيت لنا كلمة نتكلم فيها عن الفروق بين أهل الحديث وأهل الظاهر،والله الموفق.


وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
.

 يتبـــــع المحاضرة الرابعة والأخيرة - بمشيئة الله عزوجل-
__________________
"ليس بين المخلوق والخالق نسب إلا محض العبودية والافتقار من العبد ، ومحض الجود والإحسان من الرب عز وجل".

(ج الرسائل 15/ 56 )
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-16-2019, 10:37 PM
سلاف الخير سلاف الخير غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: المملكة الأردنيّة الهاشميّة
المشاركات: 249
Post مذهب أهل الحديث الفقهي

بسم الله الرحمن الرحيم

مذهب أهل الحديث الفقهي
لــِ : فضيلة شيخنا
مشهور بن حسن آل سلمان
-سلَّمه الله-
المحاضرة الرابعة



إنَّ الحمد لله، نحمدُه ونستغفره ونستعينه ونستهديه ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا ومن سيئاتِ أعمالنا، من يهْدِ اللهُ فلا مضِلَّ له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أنْ لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه.

أما بعد،،،

فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله - صفحة السابعة والثلاثين من كتابه حقيقة الصيام"والشافعي وأحمد واسحق وابن راهويه وأبو ثور وأبو عبيد ومحمد بن نصر المروزي وداوود بن علي الظاهري ونحو هؤلاء كلهم فقهاء الحديث - رضي الله تعالى عنهم- ، فجعل ابن تيمية داوود الظاهري من فقهاء الحديث وحُقَّ لنا أن نتساءل هل من فرق بين أهل الحديث والظاهرية أم لا؟
لا يشكُ منصفٌ أن بين الظاهرية وأهل الحديث عموماً وخصوصاً،بينهما ائتلافٌ واختلاف، بل لا يبعد عن الحقيقة من قال:لقد أسهم أهل الحديث بنصيب وافر في نشأة المذهب الظاهري،فقد كان القرن الثالث الهجري وهو الذي شهد حياة مؤسس مذهب الظاهرية داوود بن علي توقيتاً ملائماً جداً لإعلان مذهب الظاهرية إذ كان هذا القرن أزهى القرون بالنسبة إلى علم الحديث ففيه أُلفت الكتب الستة - أعني الصحيحين والسنن الأربعة - والمعوّل عليها في الإسلام كما هو معلوم ،وفيه تميزت المذاهب وكان يجدهُ الناس مذهب أهل الظاهر في بدايات نشأته لإعلانهم الدائم المتكرر الدليل على المسائل ،وكان في ذاك الوقت قد أكثر الفقهاء من الانشغال بالفروع ومن هذا القرن بدأت المدارس تتباعد - أعني مدرسة أهل الحديث مع مدرسة أهل الظاهر - وناهيك أنّ داوود من تلاميذ اسحق بن راهويه وأنه تتلمذ على تلاميذ الإمام الشافعي وبلا شك يُعطي اسحق وهو من أئمة أهل الحديث يصبغ تلميذه بهذه الصِبغة ،وبين أصحاب الحديث ومذهب الشافعي تعاطفٌ ومودةٌ ومحبة ،وقلنا مذهب الشافعي ومذهب أحمد من مذهب أهل الحديث ولا يخفى ما كان يقوله أحمد عن الشافعي كان يقول : كان كالعافية للبدن وكالشمس للدنيا – عن الإمام الشافعي- رحمهم الله تعالى جميعاً .
وكذلك لا يُنسى أن داوود قد تَعنى وتعبَ في جمع حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل قال الخطيب البغدادي في ترجمته في الجزء الثامن صفحة ثلاث مائة وسبعين وفي كتبه حديث كثير إلا أن الرواية عنه عزيزة،الرواية عن داوود عزيزة وقد جعل من أغرق في القياس أحمد من علماء الظاهر والظاهرية،وهذا بعيد جداً لورود الفروق بين أهل الحديث وأهل الظاهر كما سيأتي بيانه
ولمنزلة أهل الظاهر اعتنى متقدموا أصحاب أحمد لما ألفوا في الخلاف كأبي الخطاب في رؤوس المسائل وابن حمدان في الرعايتين الصغرى والكبرى اعتنوا بمذهب أهل الظاهر ،وكثير من المحدثين كالحُميدي والنباتي وابن (حوق الله )وابن يحيى وغيرهم هم ظاهرية ولكن لهم انشغالٌ شديدٌ في علم الحديث ،دخل المذهب الظاهري في الأندلس وحل فيها شيئاً فشيئاً مع السنة النبوية اذ هذا المذهب يسير مع ظاهر النصوص فعليها جل اعتماده وأكثر عناصره ،فبكثرة وجود الأحاديث انتعش مذهب الظاهرية وظهر ،فالمحدثون هم البذرة الأولى لنشأة الظاهرية في تلك البلاد ،وأخذ الظاهرية عن علماء الحديث عن أهل الحديث احترام النص وتبجيله ومحاولة العمل به مع عدم إهماله ومن المعلوم أن أهل الحديث وأهل الظاهر يشتركون في الأخذ بالدليل وتعظيم الوحي و نبذ التقليد وكراهية الرأي والقياس ،الذي أريد أن أصل إليه من هذه المقدمة أن المحدثين وهم الذين مهدوا لنشأة المذهب الظاهري وقد سبق أن ابن حزم قال عن (تقي محمد) وابن وضاح أنهم صبغوا (بصبغة أهل الحديث ) ، يقول أبو زهرة في كتاب ابن حزم صفحة مائتين واثنين وستين ومائتين وثلاث وستين عن ثلاثة من كبار محدثي الأندلس وهم ليسوا ظاهرية يقول عن محمد بن وضاح القرطبي بقي بن مخلد قاصد بن اصبغ : يقول وهؤلاء الثلاثة وإن لم يكونوا ظاهريين في أقوالهم فقد كانت آرائهم تنحو نحو الظاهر وامتد الفكر الظاهري بعناصر من السنة وطوائف من الآثار وقد أخذوا من المذهب الظاهري عدم التَقَيّدِ بمذهب والاختيار وأخذَ الأحكام عن الكتاب والسنة
فهذه نقاط ائتلاف بين أهل الحديث وأهل الظاهر وقد عبر عن ذلك فيما ذكر ابن السبكي في طبقات الشافعية الكبري في الجزء السابع صفحة مائتين واثنين وثلاثين عن الفقيه الشافعي (الكيا)الهراسي قال:"إذا جالت النصوص في ميادين الكفاح طارت المقايسُ في أهبة الرياح .، فكان النص هو الذي يصول ويجول وله النُصرة وعليه العمدة وهو الحاكم وليس بمحكوم، إن اتفق أهل الظاهر وأهل الحديث في أشياء كثيرة وكانت نشأة الظاهرية اعتمدوا على أهل الحديث وبدأوا أقوياء في نشأتهم وجمعت الظاهرية وأهل الحديث الغربة والتميز في نبذ الإغراء من الرأي إلا أن موقف أهل الظاهر من أهل الحديث وأهل الحديث من الرأي بينهما تباين،لا أشك البتة أن من أكثر العلماء ممن عملوا على تصفية مذهب أهل الظاهر مع ماعلق به من غرائب وجمود ويبوسة شيخ الإسلام بن تيمة وابن القيم ،وكلما قرأت لشيخ الإسلام وابن القيم - وأنا ولله الحمد والمنة ممن يدمن النظر في كتبهم- تبرهن لي بيقين أن من المقاصد التي يحملها شيخ الإسلام في تصفية العلم تنقية المسائل العلمية عن غرائب أهل الظاهر بل تنقية أصول أهل الظاهر ،وهذا بقي يشتد في نفسي حتى وجدت في بعض نسخ كتاب الاحكام لابن حزم وهو محفوظ في المكتبة الظاهرية وجدت كلمة - نُسبت إلى أبي شامة وهذا خطأ وبعضهم نسبها إلى ولد أبي شامة وهذا أيضاً ليس بصحيح - وجدت كلمةً فيها أنه لم يوجد لعلم ابن حزم وسعته وتحريره كابن تيمية إلا أنه كان أكثر عفةً وكان أنصف من ابن حزم في كلمة - لعلها تأتي وليس هذا همي- ،وجدت جُل الآثار في المسائل الفقهية كتب ابن تيمية وابن القيم () المحلى إلا القليل (إبراز)السمات بين أهل الظاهر وأهل الحديث في هذا الزمان من الأمور المهمات ،موقف طالب علم الحديث من الرأي والقياس ومن مصادر التشريع غير واضح عند كثير من الطلبة ، وأمر يحتاج إلى أن يقف عليه الإنسان بيقين - بينت هذا بفضل الله بتفصيل وتأصيل وتدليل وكثرة نقل في مقدمة طويلة زادت صفحاتها عن ثلاث مائة صفحة لكتاب ابن حزم الصادع - ولكن بعد هذا كله يحق لنا أن نتساءل عن الفرق بين أهل الحديث وأهل الظاهر ،في أثناء بحثي وجدت بقدر الله في ورقة واحدة في تاريخ الإسلام للإمام الذهبي يقول : - في نفس الورقة - عن مترجمَين عن عالمين يقول : عن احدهما وكان من أهل الظاهر ويقول عن الآخر وكان من أهل الحديث في صفحة واحدة وهو بلا شك يُمييز لما يقول عن فلان من أهل الظاهر والأخر من أهل الحديث فهذا بلا شك عندهم تمييز شديد ، - أراني مضطراً قبل أن أبدأ بذكر الفروق أن أنوه وأنبه على شيء حتى لا (يبقى في نفسي ) : الظاهر النص من الكتاب والسنة يقول به جميع أهل العلم وليس هو أمر خاص بأهل الظاهر، قد يتبادر لبعض الطلبة الفرق أن أهل الظاهر يقولون بظاهر النص، وأنا أقول أن ظاهر النص يقول به جميع العلماء ،الشافعي في الرسالة - مثلاً صفحة ثلاث مائة واثنين وعشرين وثلاثمائة () يقول : بحجية ظاهر النص ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلا بدليل أخر ، وهكذا في كل سائر في جميع كتب أهل الأصول - (ويريحني)- في الأصول الإمام العلامة المتفنن الشيخ محمد أمين الشنقيطي في أضواء البيان في الجزء السابع صفحة اربع مائة وثمانية وثلاثين لما يقول : التحقيق الذي لا شك فيه أنه لا يجوز العدول عن ظاهر الكتاب والسنة في حالٍ من الأحوال بأي وجهٍ من الوجوه حتى يقوم دليلٌ صحيحٌ شرعيٌ صارفٌ عن الظاهر إلى الدليل المحتمل ، فالأصل في الظاهر أن يُعمل به ، بل وجدت في كتاب ابن حجر الدررالكامنة وجدت في ترجمة ابي حيان الأندلسي في الجزء الرابع صفحة ثلاث مائة وأربعة يقول عن ابن حيان الأندلسي : أنه كان يقول : محالٌ أن يرجع عن مذهب الظاهري من علق بذهنه ، نقل هذه المقولة الإمام الشوكاني في ترجمة أبي حيان أيضاً في كتابه البدر الطالع الجزء الثاني صفحة مائتين وتسعين وعقب عليها بكلامٍ جميل للغاية فقال : فقد صدق أبو حيان في مقاله فمذهب الظاهر هو أول الفكر وأخر العمل عند من مُنِحَ (الإنصاف) ولم يرد على فطرته ما يغيرها عن أصلها وليس هومذهب داوود ابن علي الظاهري وأتباعه فقط بل هو مذهب أكابر العلماء المتقدمين بنصوص الشرع من عصر الصحابة إلى الأن وداوود واحدٌ منهم وإنما اشتُهِرَ عنه الجمود في مسائل وقف لها على ظاهر حيث لا ينبغي الوقوف واهمل من أنواع القياس ما لا ينبغي إهمالهُ بمنصف ،وبالجملة فمذهب الظاهر والعمل بظاهر الكتاب والسنة بجميع الدلالات وطرح التحويل على محض الرأي الذي لا (يُرجِعُ) إليه بوجه من وجوه الدلالات ثم يقول - والكلام لا زال للشوكاني : وأنت إذا أمعنت النظر في مقالات أكابر المجتهدين المشتغليين بالأدلة وجدتها من مذهب الظاهر بعينه ، بل إذا وجدت الإنصاف وعرفت العلوم الأجتهادية كما ينبغي ونظرت في علوم الكتاب والسنة حق النظر كنت ظاهرياً أي عاملاً بظاهر الشرع منسوباً إليه ولست منسوباً إلى داوود الظاهري ،ونسبتك ونسبتهُ إلى الظاهر متفقة وهذه النسبة هي مساوية للنسبة إلى إمام الإسلام وخاتم الرسل عليه أفضل الصلاة والسلام - وإلى مذهب الظاهر بالمعنى الذي أوضحناه ... انتهى كلامه.
الذي وجدنا عليه مشايخنا الكبار أئمة هذا الزمان المحققين إن سُئل عن مسألة يأتي بالدليل ويقول ظاهر النص الحكم كذا فما يعدل عن ظاهر النص ،إذا وجد نص ما ينبغي أن يُعدل عن ظاهره ، إذاً بعد هذا البيان ازدادت الحاجة لمعرفة الفرق بين أهل الظاهر وأهل الحديث ،فقد ذكرنا الأن أوجه الإئتلاف وبقيت أوجه اللإختلاف ،وبقيت الفروق والكلام طويلٌ وكثير ولكني أوُجِدُ قدر استطاعتي وأُحيل وأقول وبه سبحانه اصول وأجول :
الفرق الأول - وهو من المهمات بين أهل الظاهر وأهل الحديث -:أن الظاهرية جعلوا الظاهر مذهباً ملتزماً تقررُ لهُ أصولٌ وقواعد ،جعلوها مضطردة لا تتخلف حتى لو أدت بهم إلى الشذوذ والإغراب فالإلتزام والإضطرادُ يميزُ أهل الظاهر إذ أن إتجاه أهل الحديث إلى الظاهر وإن كان وصفاً غالباً إلا أنه لم يكن مذهباً ملتزماً ،ومنهجهم في هذا كمنهج أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عُرِضت مسائل أخذ أهل الظاهر فيها بالظاهر وألغوا المعاني ،أهل الظاهر الشريعة عندهم ليست معللة فتكلم عليهم المحققون بكلام (شديد) فمثلاً يقول ابن حزم عند قول الله عزوجل :( فلا تقل لهما أف) .. الولد لوالديه يقول في كتابه الصادع فما فهم أحدٌ من العرب ولا في معقولٍ أن قول أوف يُعبرُ به عن القتل والضرب ولم لم يأتي إلا هذه الأية ما حُرم بها إلا قول أوف فقط - يعني إذا قلت أوف أما الضرب فمسكوت عنه ، فهو يؤمن بالمعاني ولذا لما وقفت على ملخص على تلخيص الذهبي لملخص ابن العربي لكتاب إبطال القياس والنسخة بخطه محفوظة في مكتبة في تونس المكتبة (العبدلية) في تونس فيقول الإمام الذهبي قلت - يرد على ابن حزم - : قلتُ يا هذا بهذا الجمود وأمثاله جعلت على عرضك (سبيلاً) ونصبتَ نفسك أعجوبةً وضحكاً بل يقال لك ما فهم أحدٌ قط من عربيٍ ولا نبطيٍ ولا عاقلٍ ولا واعٍ أن النهي عن قول أف للوالدين إلا وما فوقها أولى بالنهي عنها ،وهل يفهم ذو حس سليم إلا هذا ،وهل هذا إلا من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى ومن الأصغر على الأكبر بل هذا من ما أومن فيه حفظ اللسان العربي بل واللسان العجمي واللسان التركي واللسان النبطي - ونحن نقول واللسان الشركسي واللسان الروسي - والأخوة إلي معنا في الدرس يقول وجميع خطاب () ،فابن حزم أخذ بالظاهر وجعل الظاهر أمراً التزمه وما تعداه فالشريعة عنده معللة ونظر للفظ دون النظر إلى المعاني بخلاف أهل الحديث ،ولذا لمّا ذكر ابن حزم حرمة البول في الماء الراكد والوضوء منه قال : لو أن الرجل ما بال في الماء الراكد لو بال في خارج في إناء ثم صبهُ في الماء لجاز الوضوء منه ، بل قال : المنهى عن أن يُنهى أن يتوضىء من هذا الماء من بالَ، لو بال غيره فوضح وجُدَعلى ظاهر اللفظ وهنالك كلمات فيها شدة وفيها من الألفاظ القاسية على ابن حزم ذكرها ابن (الملقن) في كتابه الإعلام بفوائد عمدة الأحكام في الجزء الثاني صفحة ثلاث مائة واثنان وثمانين سنة مائة وثلاث وثمانين ، للإمام الشاطبي في موافقاته في الجزء الخامس صفحة مائتين وتسع وعشرين ومائتين وثلاثين كلمة مهمة للغاية لا يتسعُ الوقت للوقوف معها ولكن فيها بيان الحط على من كان ظاهرياً فالتزم الظاهر وأهمل غيره ومن كان ذا رأيٍ فالتزم الرأي وبدأ يُخرِجُ عليه وجمد العمل بالنصوص فكان أهل الحديث وسطاً بين طائفتين ،فأهل الرأي حفظوا قواعد ولم يُجَمِعوا النَفَسَ على الوقوف مع النصوص بل ما انشغلوا أصلاً في كتب الحديث وكتب الرواية وأخذوا يفرعون على قرائح العلماء فجعلوها أصولاً ،وقرائح العلماء ليست ثابتة وقرائح العلماء ليست شاملة وقرائح العلماء ليست فيها عصمة وقرائح العلماء تحتاج إلى من يُسندها ولذا عُرفَ في تاريخ المسلمين مذهب فقهي محض ، فقهاء أصبحت لهم صَنعة يُفَرِعون ابتعدوا عن الوحي، أهل الظاهر جمعوا الألفاظ فكان الحق موزعاً بين الطرفين كما سيظهر معنا لاحقاً إنشاء الله تعالى .

انطلق ابن حزم من شيئ كان فيه وقفة معه في كتاب الصادع في المقدمات في معنى أن الشريعة كاملة فظن أن الشريعة كاملةٌ بألفاظها ،وشيخ الإسلام وابن القيم ردوا عليه ردود كبيرة وبينوا أن كمال الشريعة بمعانيها ولا سيما معاني من خُطيبوا بنصوص الشرع الجيل الأول والجيل الثاني والثالث ،فكانت حُجية هذه الأقوال من أهم الفروق بين أهل الحديث وأهل الظاهر ، فأهل الظاهر لا يعملون بأقوال الصحابة ولا بأقوال التابعين وينتقون فقط - وهذا هو الفرق الثاني بين أهل الحديث وبين أهل الظاهر - أهل الحديث يحتجون بأقوال الصحابة والتابعين ويتطلبون الأثار الحجية وأما أهل الظاهر فيقتصرون على الكتاب والسنة وإن رأوا حجةً في أقوال الصحابة فيحصرون اجماعهم فقط حُجية في اجماعهم والسبب في ذلك أن كلاً منهم نظر في كمال الشريعة على وجه ،فعند الظاهرية كمالها في ألفاظها ،وعند أهل الحديث هي كاملةٌ أيضاً بمعانيها فقد وسع علينا من خُوطيبوا بالنصوص الشرعية وسعوا علينا الفهم - ولله الحمد - ، وهنا يبرزُ فرق ثالث الفرق الثالث بين أهل الظاهر وبين أهل الحديث حصر الظاهريةُ الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ كما يقول الإمام ابن القيم في الإعلام الجزء الثالث صفحة تسع وتسعين يقول : فقد قصر أهل الظاهر في فهم النصوص فكم حُكمٍ دل عليه النص لم يفهموا دلالته عليه وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة على مجرد ظاهر النص دون سائر الدلالات كالإماء ودلالة الإشارة والتنبيه فالإحتجاج بأقوال الصحابة يُظهرُ معاني النصوص ويسمح بالتوسع فيها فالرأي عند الصحابة مظهرٌ للمعاني وليس مثبتاً للأحكام - أعيد - الرأي والقياس عند السلف مظهرٌ وليس بمثبت ،الأحكام تثبت بالنصوص ،وهنا فرقٌ رابع بين أهل الظاهر وأهل الحديث فالرأيُ عند أهل الظاهر مرفوض بالكلية ،وأهل الحديث يقولون :هنالك رأيٌ محمود فيجوز العمل به ولكن لا نُلزَمُ به وهنالك رأيٌ مذموم فيتفقون مع أهل الظاهر في نبذه ورده في القسم الثاني من (الأول) - وهذا يحتاج منا إلى كلمة ويقع فيها التداخل مع مما مضى - فالرأيُ المحمود عند أهل الحديث على أنواع ، النوع الأول : رأيُ أفقه الأمة وأبرُ الأمة (عموماً) وأعمقهم علماً وأقلهم تكلفاً وأصحهم مقصوداً وأكملهم فطرةً وأتمهم إدراكاً وأصفاهم ذهناً الذين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل وفهموا مقاصد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فنسبةُ أرائهم وعلومهم وأصولهم إلى ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - كنسبتهم إلى صحبته والفرق بينهم وبين من بعدهم في الرأي كالفرق بينهم وبينهم في الفضل ، فالرأي الأول المحمود رأي الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ، الرأي الثاني المحمود الرأيُ الذي تُفَسَرُ به النصوص وتُبَيَنُ به أوجه الدلالة منها ولذا قال عبدالله بن المبارك : لعبدان كما أخرج ابو نعيم في الحلية الجزء الثامن صفحة مائة وثمانية وستين وابن عبدالبر في الجامع برقم ألف (واربع مائة) وسبع وخمسين قال ابن المبارك : لعبدان ليكن الذي تعتمد عليه الأثر وخذ من الرأي ما يفسرُ لك الحديث - وخذ من الرأي ما يُفسرُ لك الحديث ، فأهلُ الحديث يقبلون الرأي الذي تُفَسَرُ فيه النصوص وتُبَيَنُ به أوجه الدلالة من النصوص وهذا من الفهم الذي اختص الله تعالى بعض عباده به ،فإن كانت أقوال العلماء ليست بحجة إلا أننا لا غُنية لنا عن فهومهم ، فأهل الحديث () ولذا كان الإمام أحمد يلقن تلاميذه فيقول : إياك والمسألة التي ليس لك فيها إمام فلا غُنية لنا عن فهم العلماء فنحن نحتاجُ إلى الرأي الذي تُفَسَرُبه النصوص ، وكذلك النوع الثالث من أنواع الرأي المحمود الرأي الذي تواطئت عليه الأمة وتلقاهُ خلفهم عن سلفهم ،ففي صحيح البخاري وصحيح مسلم لما اتفقت رؤيا الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - في ليلة القدر في السبع الأواخر منها ، قال - صلى الله عليه وسلم - :(أرى رؤياكم قد تواطئت في السبع الأواخر فمن كان منكم متحريها فليتحرها في السبع الأواخر ) فإذا كان تواطئ الرؤى حجة واعتبرها النبي - صلى الله عليه وسلم - فتواطئ الرأي بين الأمة حجة ، ثم لا يمنعُ أهل الحديث من إعمال الرأي في النوازل التي لم يثبت فيها نصٌ ولم يُعرف للسابقين من القرون المفضلة اجتهاداً فهذا الرأيُ يقولون به ويبرزونه ولكنهم يقولون :هذا رأيي فيما أرى صواب يقبل الخطأ . فلا يلزمون غيرهم به ،وهذه ميزة بينهم وبين الفقهاء ، فالفقهاء يُلزِمون بمجرد الإنتساب لأصول عامة ، هذه أنواع الرأي المحمود .
أما أنواع الرأي المذموم :
أولاً : الرأي المخالف للنص ومتى جاء نَهرُ الله بَطُلَ نهرُ مِعقَل : - متى صالت الأدلة في ميادين الكفاح طارت العقول والأراء في مهب الرياح - كما قال (أبي بكر الرازي) .
النوع الثاني : من الرأي المذموم الكلام في الدين بالظن والتخريص مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها وفهم أوجه الإستنباط منها ، الفقه - حقُ الفقه أن توائم بين اللفظ والمعنى وأن تعرف متى تقف على اللفظ ولا تتجاوزه ومتى تتوسع فيه وتُعمِلُ معناه ،وعند ابن القيم في الإعلام مبحث في أخطاء من توسعوا في الجمود على الوقوف على الألفاظ وفي أخطاء من توسعوا في إعمال المعاني (فالموائمة) بين الأمرين هو من أهم الأشياء فالرأي المذموم يكون هنالك رأي نقل ويقع تقصير في البحث عن الأدلة ،كم من رأيٍ لفقيه ورد في محله نصٌ من الوحي فإذا جاء النص فهذا الرأي مذموم (انتبهوا) الأول الرأي مخاف للنص صراحةً) .
الثاني :أن يكون منهج الإنسان العمل بالرأي ومن منهجه أن يُقصر في تتبع الأخبار وأن لا تتسع دائرة معرفته الأخبار، بينهما عموم وخصوص أيضاً .
الثالث: من الأراء - الرأي المذموم - الأراء المتضمنة لتعطيل أسماء الله عزوجل وقياس الخالق على المخلوق وتأويل الصفات ونفي العلو علو الذات بكلام العلمانيين وأراء العقلانيين وهذا من أسوأ وأقبح أنواع الرأي المذموم .
النوع الرابع : الرأي الذي تعطلت أو تغيرت به السنن وأُحْدِثَتْ به البدع وعم به البلاء وتربى عليه الصغير وهرم فيه الكبير ، ما ورثهُ الأبناء عن الأباء في جعل قاعدة ما قاضية على النصوص كان يقول : - مثلاً - فقيه هذا الحديث عارض ذاك الحديث والحديثان إذا تعارضا تساقطا فلسنا بحاجة للحديث إنما نحن بحاجة إلى قول فلان من الناس وهنالك أراء كثيرة وقواعد دخيلة وأراء أصولية شاذة تحتاج الحقيقة إلى تحرير وتحقيق وقد يسر لنا الله أني وقفتُ طويلاً على مخطوط وأسأل الله الإعانة على تحقيقه وإبرازة ، اعتنى به عناية قوية في بيان تعظيم علم السلف على علم الخلف كابراهيم (.. الله) فيه بيان المأخذ على الأصوليين في قواعدهم الكلية في عدم العمل بالنصوص الشرعية .
ومن الأراء المذمومة النوع الخامس :الرأي الذي فيه الإنشغال بالمعضلات والغلوطات ، والكلام في المسائل الإفتراضية التي لم تقع فالفقهاء يشددون ويكثرون الإنشغال في هذا ، هذه الأراء الأنواع الخمسة هي من الأراء المذمومة .
لشيخ الإسلام كلمة في الفتاوى الكبرى في الجزء الأول ص (مائتين وتسعين) ذكر فيها أن فرقاً بين أهل الظاهر و أهل الحديث لما ذكرنا أن أهل الظاهر يجودون على الإستدلال بظاهر النص دون إماءه ودون إشارته ودون سائر الدلالات التي تُستنبط منه ،يقول : ومن لم يلحظ المعاني من خطاب الله ورسوله ولا يفهم تنبيه الخطاب وفحواه من أهل الظاهر كالذين يقولون إن قوله فلا تقل لهما أوف لا يفيد النهي عن الضرب قال وهو إحدى الروايتين عن داوود واختاره ابن حزم وقال هذا في غاية الضعف قال بل كذلك القياس الأولى وإن لم يدل عليه الخطاب لكن عُرفَ أنه أولى من الحكم من المنطوق بها ثم يقول - وانظروا إلى كم انصف ابن حزم ولكنه أيضاً لما تأتي الأمور بكليات وقواعد يقول : فإنكار هذا من بدع الظاهرية التي لم يسبقهم إليها أحدٌ من السلف فما زال السلفُ يحتجون بهذا .
من الفروق - أيضاً مهمة بين أهل الحديث وبين أهل الظاهر- في قواعد الإثبات إن وقع خلافٌ بينهما في قواعد الإستنباط والدلاتلات وأيضاً بينهم خلاف في بعض المسائل المبثوثة في علم مصطلح الحديث فيقرر أهل الظاهر - مثلاً - أن قول الصحابي أمرنا ونُهينا وكنا نفعلُ كذا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذا عندهم ليس له حكم المرفوع ولا يدخلُ في الإحتجاج كما ذكر ابن حزم في الأحكام في الجزء الثاني ص اثنان وسبعين ، بخلاف أهل السنة بخلاف أصحاب الكتب الستة ،ففي البخاري ومسلم والكتب الستة أحاديث كثيرة كنا نفعل كذا وكذا ونُهينا عن كذا ... وهذه كلها كما هو معلوم لها حكم الرفع ،فورع الصحابة ودقتهم وفهمهم وحرصهم على عدم القول في دين الله بالرأي المحض (لا يأخذون عنهم ) كنا نفعل كذا فيهمون أن هذا الفعل كان يفعلوه والنبي لا يعلمه ، ومن السنة كذا يُوهمون أن هذا من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -وكذلك إذا أُبهمَ الصحابي ،لو جاءنا إسناد نظيف صحيح متصل كالشمس رواته ثقات لم يسمى الصحابي فيه عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وحجة عند أهل السنة عند أهل الحديث لأن جميع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثقات وعدول ، فسواء عرفنا اسم الصحابي أم لم نعرف فالحديث حجة بخلاف الظاهرية ، فالظاهرية عندهم لو لم يسمى الصحابي فالحديث ليس عندهم بحجة ومن مثله مرسل الصحابي مثلاً ابن عباس يصف لنا كيف اغتسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقيناً ابن عباس لم يرى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يغتسل وإنما هذا مرسل وفي رواية عن ابن عباس عن ميمونة ،وميمونة هي التي وصفت ،وابن عباس كان ينشط تارة ويذكر ميمونة وتارة لا ينشط فيذكر غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - دون ذكر ميمونة فإن ذكر ابن عباس غسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصفة ذلك فهذا يسمى مرسل الصحابي وهو لم يرى ذلك من النبي مباشرة وإنما أخذه بواسطة خالته ميمونة ، فمرسل الصحابي عند أهل الحديث حجة بينما مرسل الصحابي عند أهل الظاهر ليس بحجة ، وفي الصحيحين عشرات المراسيل وتحتاج الحقيقة إلى جمع ، عشرات من مراسيل الصحابة.
ومن الفروق بين أهل الحديث وأهل الظاهر : على ما ذكر ابن القيم في كتابه الإعلام اعتقادُ أهل الظاهر أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليلٌ على الصحة فإذا لم يقم عندهم دليلٌ على صحة شرطٍ أو عقدٍ أو معاملة اصتصحبوا بطلانهم يقول ابن القيم فأفسدوا بذلك كثيراً من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم بلا برهان من الله بناءً على هذا النص ،وهنا نكتةٌ دقيقة أنبهُ عليها وتحتاجُ إلى جهدٍ عظيم بتحقيقها - كتب أهل الظاهر التي بين أيدينا كتب ابن حزم وكتب ابي داوود مفقودة رأيتُ وهذا مما يحل في صدري ويحتاج إلى تحرير وتحقيق رأيتُ أن الفقهاء - ولا سيما فقهاء المالكية - إذا رأوا ظاهر نصٍ قد يدل عليه قولٌ غريب أو شاذ قالوا وقال به أهل الظاهر ،لكن هذا القول يحتاج إلى أن نتأكد هل قال به أهل الظاهر أم لا ، هل ننصصوا عليه أم قولوهم إياه بحكم أنهم استعملوا أصولهم فقد تستعمل أصول أهل الظاهر فيخطر في بال الفقيه أن أهل الظاهر يقولون كذا ، لكن عند الفحص قد لا نجد أهل الظاهر يقولون بهذا القول - ويحضرني على ذلك مسألة قول الإمام القرطبي في التفسير عند قول الله عزوجل :( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ) يقول فذهب الرافضة ذهبت الشيعة وأهل الظاهر إلى جواز أن ينكح الرجل تسعةً من النسوة ، مثنى وثلاث ورباع اثنين وثلاث خمسة ورباع تسعة هذا الكلام ليس بصحيح لأن الله قال عن الملائكة ( أولي أجنحةٍ مثنى وثلاث ورباع ) يعني الطير جناحين ملائكة بجناحين ملائكة بثلاث ملائكة بأربعة كالرجال ،هذه العبارة لا يُستنبط منها الجمع ولا أظن أن ابن حزم بل يقيناً ابن حزم لا يقول بهذا ، فأنا ما أدري هذا الكلام الذي ذكره الإمام ابن القيم هل هو مثلاً أخذه من أفواه بعض من انتسب إلى أهل الظاهر في زمانه أن الأصل في المعاملات الحُرمة والأصل في الشروط الحُرمة والأصل في العقود الحُرمة هذه مصيبة الأصل في هذه الأشياء الحِلْ كما قررنا في غير هذه المناسبة .
إذاً الخلاصة أهل الظاهر غير أهل الحديث وإن وُجِدَتْ بينهم يعض السمات المشتركة بينهما إئتلاف واختلاف لكن أيهما الأبرز الإئتلاف أم الإختلاف ؟ الإئتلاف كلٌ منهما يُعظم الدليل لكن طُرُق الإثبات وطُرُق الإستنباط ليست مُحكَمَةً عند أهل الظاهر كإحكامها عند أهل الحديث .

من أهم الفروق أيضاً بين أهل الظاهر وبين أهل الحديث - وهو الفرق الأخير - أن الشريعة عند أهل الظاهر غير معللة ،وبالتالي هم يحكمون بالنص ويصتصحبون الحكم بالحِل مالم يأتِ دليل التحريم فيُحمِلون الإصتصحاب فوق طاقته ،ويتوسعون في صوره ،لإلغائهم سائر الدلالات غير دلالة الظاهر من النصوص ، بعد هذا كُله هل يمكن أن نقول :إن أهل الحديث هم أهل الظاهر ؟ أم هم غيرهم ؟ هم غيرهم ، لكن نشأة أهل الظاهر ظهرت وكان جمعُ الحديث وتَتَبُعْ أهل الحديث للأسانيد وألفاظ النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقوال الصحابة وأقوال التابعين ساعدت في نشأة الظاهرية ، لكن بينهما خلاف في أشياء كثيرة ، - ولذا من الخطأ الشنيع عدم التفريق بين أهل الظاهر وأهل الحديث - ومن باب نُصرة العمل بالحديث وجعل الحديث منهجاً لطالب العلم ،ينبغي لطالب العلم أن يفهم المقدار المحمود من القياس والمقدار المحمود من الرأي ،وينبغي أن يعلمَ أنواع الدلالات من نصوص الكتاب والسنة ،فطالب علم الحديث يحتاج إلى مقدارٍ مهمٍ من علم أصول الفقه، بخلاف أهل الظاهر فهم لا يلتفتون لذلك ، طالب علم الحديث ظاهر الحديث يحتاجونى إلى معرفة الصحابة والتابعين ومذاهبهم وأحوالهم بخلاف أهل الظاهر فإنهم لا يأبهون لذلك ، فمن الظلم الشنيع الذي ظهرت أثاره من قبل بعض الحاسدين والشانئين لبعض أئمة الحديث في هذا الزمان نبذُهُم لبعض أئمة الحديث بأنهم ظاهرية ، سمعنا من هنا وهناك وهي فرية تتكرر وأكذوبة تتجدد يقع بسببها تزييد في علم شيخنا - إمام العصر شيخنا الإمام الألباني - رحمه الله - يقول القائل :هذا ظاهري هذا مذهب ظاهري ، فكن يا طالب العلم كن حريصاً على معرفة الفرق بين أهل الحديث وأهل الظاهر ، شيخنا - رحمه الله- في مواطن كثيرة من كتبه يحط على ابن حزم في ظاهريته - وعلى عجلة - يقول :- مثلاً في ص مائة وستين من تمام المنة في بعض المسائل- يقول : خلافاً لما قعقع حوله ابن حزم ، ويقول : - في ص مائة وستين: واغرب ابن حزمٍ كعادته في التمسك بظاهريته ، - بل شيخنا مؤلف في تحرير() رد فيه في مسألة الغناء والمعازف على ابن حزم ، فمن الخطأ الكبير جعل شيخنا - رحمه الله - ودعوى أن مذهبهُ مذهب ابن حزم .

- أخيراً - من أنصف ونظر وعمل بعدلٍ وبنظرٍ (حصيص) يجد أن عند العلماء كابن حزمٍ فقهاً واختياراتٍ وتقريراتٍ حسنة يُعتمدُ فيها ويُستفادُ منها في أشياء دون أشياء ، ولكن لا يمكنُ أن نقبل تراثه على أنه منهجٌ منتناسقٌ متكامل فليس طرق إستنباط الخطاب القرأني وفق اللغة ىالعربية هي الركن الوحيد باستثمار كافة دلالات النص إنما يجب أن يقترن مع ذلك العلم باسرار الشريعة ومقاصدها وإعمال معانيها بإحكامٍ واتقان ولا ريب أن تقريرات أئمة أهل الحديث سابقاً ولاحقاً اسهمت اسهاماً معرفياً أصيلاً في وضع ضوابط أثمرت استفادةً حسنةً من نصوص الوحي من طريقة التعامل معها ، فالواجب على الإنسان إذا وقف عند النص أن يحسن الوقف وأن توسع عند المعنى يحسن ذلك .
وأذكر لكم مثالاً حتى يتضح الكلام وهو مأخوذٌ من كلام ابن القيم - رحمه الله - النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في ما اخرج الإمام البخاري - يقول : ( العائدُ في هبته كالكلب يعودُ في قيئه ، إلا الوالد لولده ) قال : هنا يجب أن نقتصر على اللفظ لأن النبي قال إلا الوالد ولا نُلحقَ الوالدة بالولد فالوالدة إن أعطت لا يجوز لها أن ترجع ، وفي حديث النعمان بن بشير الذي أخرجه الشيخان لما جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : يا رسول الله إني نحلتُ إحدى أولادي نحله ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : هل نحلت سائر أولادك مثلها ؟ ، قال : لا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - اشهد غيري .. وفي رواية أخرى إني لا أشهدُ على جور ، وفي رواية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : ألا تُحِبُ أن يكونوا لك في البرِ سواءا ؟ ، يقول ابن القيم بيناءً على رواية ألا تُحِبُ أن يكونوا لك في البر سواءً يقول : البر أمرٌ مشترك بين الوالد والوالدة فالسؤال كان في أن الوالد نَحَلَ أحد أولاده فهل الأم لها أن تنحلَ أحد أولادها ؟ أم أنهُ مختصٌ بالوالد ؟ يقول : يجب أن نتوسع في المعنى وأن نُلحِقَ الأم - بأيش؟ - بالأب وأن نُلحِقَ الأم بالأب ، ففي هذا الحديث وسعنا المعنى وفي ذاك الحديث ما وسعنا، والذي أذنَ لنا فسي توسيع المعنى ألا تحب أن يكونوا لك في البر سواءً ، فالبرُ أمرٌ مشتركٌ بين الذكر والأنثى ، لكن البر حق لله أم حق للعبد ؟ مالضابط بين الحق لله والحق للعبد ؟ حقُ الله لا يقبل الإبراء ولا المسامحة وحق العبد يقبل الإبراء والمسامحة ، فالبر حق لمن ؟ حق لله ، قوله : أشهد غيري استعمله الحنفيةُ والمالكية فقالوا : الإعطاء حق للعبد لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفرهُ وقال أشهد غيري ، الحنابلة والشافعية قالوا - في المسألة - قالوا : ألا تُحِبُ أن يكونوا لك في البر سواءا ؟ قالوا : البر حق لله ،وثمرةُ ذلك لو أن سائر الورثة أمضوا هذه العقيدة فهل تمضي أم لا؟ فإن كان الحقُ لله لا تمضي ، وإن كان الحقُ للعبد تمضي ، فكانت عند الشافعية والحنابلة لا تمضي لأنها حقٌ لله واستفادوا من حق البر، والمالكية والحنفية استفادوا من أشهِد غيري على أنها حقٌ للعبد ، - بغض النظر - المهم أن الفقه موائمة بين اللفظ والمعنى ، فلا نريد أن نتوسع في المعاني دون ضوابط دون قرائن فنتيه في الرأي ولا نريد أيضاً أن نَجمُدَ على الألفاظ ولا نتوسع في المعاني ، لعلي بهذه الكلمات - والموضوع طويل وله في الحقيقة أصول وابن حزم لما ردَ وقعَدَ ما قَعَدْ اعتمد على فلسفة متكاملة في نظرته للغة وفي نظرته للشريعة لا يسمح بها الوقت ولعلي وفيتُ بشيءٍ من ذلك ما سطرتُ في مقدمة الكتاب الصادع .
أسأل الله عزوجل لي ولكم التوفيق والسداد والهدى والرشاد ،ونسألهُ سبحانه أن نعيشَ وأن نموتَ على منهج أهل الحق على منهج النبي- صلى الله عليه وسلم - وصحبه ونسألهُ سبحانه المزيد من توفيقه والعمل بما علمنا وأن يجعلَ ما علمنا حُجةً لنا لا علينا ، وصلَ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وأخر دعوانا ان الحمدُلله رب العالمين
.



________________________________
تفريغ الأخت [ أم محمد السلفية-جزاها الله خيراً-]
__________________
"ليس بين المخلوق والخالق نسب إلا محض العبودية والافتقار من العبد ، ومحض الجود والإحسان من الرب عز وجل".

(ج الرسائل 15/ 56 )
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 01-21-2019, 12:58 AM
أم عبدالله نجلاء الصالح أم عبدالله نجلاء الصالح غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: عمّـــان الأردن
المشاركات: 2,594
افتراضي

اقتباس:
أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد والهدى والرشاد، ونسألهُ سبحانه أن نعيشَ وأن نموتَ على منهج أهل الحق على منهج النبي- صلى الله عليه وسلم – وصحبه.
ونسألهُ سبحانه المزيد من توفيقه والعمل بما علمنا وأن يجعلَ ما علمنا حُجةً لنا لا علينا، وصلَ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد؛ وأخر دعوانا أن الحمدُلله رب العالمين.


أم محمد السلفيـــــة و سلاف الخير

جهد موفق - بإذن الله تعالى-؛ شكر الله لكنَّ؛ ولشيحنا الفاضل مشهور بن حسن آل سلمان؛ زادكم الله فضلًا وعلمًا؛ وبارك جهودكم؛ وكتب أجركم، ونفع بكم؛ وجزاكم عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
__________________
يقول الله - تعالى - : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون} [سورة الأعراف :96].

قال العلامة السعدي - رحمه الله تعالى - في تفسير هذه الآية الكريمة : [... {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا} بقلوبهم إيمانًاً صادقاً صدقته الأعمال، واستعملوا تقوى الله - تعالى - ظاهرًا وباطنًا بترك جميع ما حرَّم الله؛ لفتح عليهم بركات من السماء والارض، فأرسل السماء عليهم مدرارا، وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون وتعيش بهائمهم في أخصب عيشٍ وأغزر رزق، من غير عناء ولا تعب، ولا كدٍّ ولا نصب ... ] اهـ.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 02-03-2019, 12:16 AM
أم محمد السلفية أم محمد السلفية غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jul 2009
الدولة: فلـسـطـيـن/ رام الله
المشاركات: 671
افتراضي

وفيكم بارك الله

يا أمنا الغالية أم عبدالله نجلاء الصالح
__________________
كتبتُ وقد أيقنتُ يوم كتابتى ****** بأن يدى تفنى ويبقى كتابها
فإن عملت خيراً ستجزى ***** وإن عملت شراً عليَ حسابها


***********
زوجة أمير جبرين
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:42 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.