أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
18621 26521

العودة   {منتديات كل السلفيين} > منابر الأخوات - للنساء فقط > منبر الصوتيات والمرئيات والكتب و التفريغات - للنساء فقط

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-06-2011, 01:46 AM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي [ تفريغ ] نار المحشر - علي بن حسن الحلبي

بسم الله الرحمن الرحيم

نـَارُ المَحشَـرِ

محاضرة
لفَضيلةِ الشَّيخِ عليِّ بنِ حسَنٍ الحلبيِّ
-حَفظهُ اللهُ-


[ضمن سلسلة أشراط السَّاعة الكُبرى-لمشايخ الشام(1)، بتاريخ: 7 جمادى الأولى 1427هـ]
إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أمَّا بعدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-، وَشَرَّ الأمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أمَّا بعدُ:
يقولُ بعضُ الذين نظموا عقيدةَ أهلِ السُّنَّة نظمًا(2)، قال:
وَكُلُّ مَا صَحَّ مِنَ الأَخْبَارِ ... أَوْ جَاءَ فِي التَّنْزِيلِ وَالآثَـارِ
مِنْ فِتْنَةِ الْبَـرْزَخِ وَالقُبُـورِ ... وَمَـا أَتَى فِيهَا مِـنَ الأُمُـورِ
وَأَنَّ أَرْوَاحَ الوَرَى لَمْ تُعْدَمِ ... مَعْ كَوْنِهَا مَخْلُوقَةً فَاسْتَفْهِمِ
إلى أن قال:
طُلوعُ شَمْسِ الأُفْقِ مِنْ دَبُورِ ... كَذَاتِ أَجْيَادٍ عَلَى المَشْهُورِ
وَآخِـرُ الآيَاتِ حَشْـرُ النَّـارِ ... كَمَا أَتَى فِي مُحْكَمِ الأَخْبَـارِ
فَكُلُّهَـا صَحَّتْ بِهَا الأَخْبَـارُ ... وَسَطَّرَتْ آثَارَهَا الأَخْيَـارُ
نارُ المحشرِ مِن علامات السَّاعة الكُبرى، بل هي -على الرَّاجح-كما سيأتي- آخرُ الآيات.
وهذه الآياتُ التي جعلها اللهُ -عزَّ وجلَّ- على أنحاءٍ شتَّى، بعضُها تثبيتٌ، وبعضُها ابتلاءٌ؛ لكنَّ مُجملَها كما هو نصُّ القرآن الكريمِ: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} يُخَوِّف اللهُ بها عبادَه؛ حتى يتَّقوهُ حقَّ التَّقوى، وحتى يَعلَموا أنَّ ما هم عليهِ في هذه الدُّنيا، في عُنفوان قُوَّتهم، وفي طُغيان أنفسِهم؛ لا يجوزُ أن يُقالَ فيه لهم إلا قولُ اللهِ -عزَّ وجلَّ-: {إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا}.
وقبل أن نبدأَ بالبيانِ: نذكُر أنَّ هذه النَّارَ -التي قد صحَّت بها أحاديثُ عدَّةٌ- قد أوَّلها بعضُ المنتسِبين إلى العِلم، وحرَّفها عن مقصودِها الشَّرعي، وعن لفظِها الدِّيني، فقال: (هذه نارُ الفتن)!؛ ويقصدُ بذلك: ما قد يَجري على بعضِ الألسِنة -في بعضِ الأحايين- مِن قولِ القائلِ -مثلًا-: (أنا في قلبي نارُ الشَّوقِ لأخي!) -مثلًا-؛ فيقول: (هذه كهذه)!!
مِن الممكن أن [يأتي] استعمالُ العرب للنَّار على هذا المعنى؛ لكنْ في غير سِياق هذه الأحاديث، التي جاءت بذِكر تفصيلاتٍ لا يمكنُ معها إلا أن تكونَ على الحقيقةِ، ولا يمكنُ معها إلا أن تكونَ واقعًا، وإن كانت لم تقع؛ لكنها ستقعُ -على اليقين-؛ لأنها خبرُ النَّبي الأمين -صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبِه أجمعين-.
واللهُ تبارك وتعالى عندما جعل هذه العلاماتِ الكُبرى تخويفًا وتثبيتًا وتربيةً؛ كأنَّها جميعًا؛ بل إنَّها جميعًا توطئةٌ للسَّاعة وما فيها مِن أهوالٍ وما فيها مِن أمورٍ عظام؛ كما قال اللهُ -تباركَ وتَعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ}.
هُنا فائدة لُغويَّة -مِن بابِ الاستطرادِ-: قولُه: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ} لا يُقال: رجل مُرضِع، وامرأةٌ مُرضِعة؛ يقال: امرأةٌ مُرضِع؛ لأنَّ الرَّجل لا يُرضِع، لا يُقال: امرأةٌ حامِلةٌ، ورجلٌ حامِلٌ؛ يُقال: امرأة حامِل؛ لأنَّ الرَّجلَ لا يَحمل.
فلماذا جاء -ها هُنا-: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ}؟ هُنا (المُرضِعة): أي أنَّها -في هذا الوقت، وفي هذا الظَّرف- وليدُها مُلتقم ثديَها يرضع؛ فها هُنا تكونُ مرضِعةً، أمَّا إذا لم تكن مُرضعةً وليدَها، ووليدُها مُلتقِم ثديها؛ فلا يُقال: (مرضِعة)؛ وإنَّما يقال: مُرضِع.
فتخيَّلوا في لحظةِ الحنان، ولحظة الشَّفقة، في لحظةِ البِرِّ والعاطفة؛ تذهلُ المرضِعة عن رضيعها -الذي بين يديها-؛ لهَول ما ترَى، ولهَول ما تسمعُ، ولِهَول ما تُعاين وتعايش!
هكذا تأتي أ شراطُ السَّاعة؛ توطئةً لهذا الموقفِ، لهذا الذُّهول، لهذا الأمرِ العظيم الإدِّ الذي لا يَثبُت فيه إلا مَن ثبَّته اللهُ -تباركَ وتَعالى-.


يتبع إن شاء الله

__________________
(1) من هنـا لسماع السِّلسلةِ كاملةً.
(2) وهو العلامة محمَّد بن أحمد السَّفارينيُّ، في منظومته (الدُّرة المُضيَّة في عقد أهل الفِرقة المَرضيَّة). من هنـا لسماعِها.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-07-2011, 03:50 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي

وأوَّل ما يجبُ أن نَعلمَه: أنَّ بلاد الشَّام، وهي التي تُعرف في التَّاريخ -قبل تقسيمِ الدُّول-: أنَّها فلسطين والأردن ولُبنان، وبعض جوانبِ العِراق، وقيل-على الرَّاجح- نواحي تبوك مِن أرض بلاد الحرَمين؛ هذا -على الرَّاجِح- حدُّ بلادِ الشَّام، والرَّسولُ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول -كما في الحديث الذي رواه الإمامُ أحمد وابن ماجة وغيرُهما- قال: «أرضُ الشَّام أرضُ المَحشَرِ والمَنشَر».
فهذه النَّار -التي سيأتي ذِكرُها- عندما تحشرُ النَّاس؛ إنَّما تحشرُهم إلى أرضِ المحشر، وهي: بلاد الشَّام.
والنَّبي -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- عندما قال -في «الصَّحيحَين»، عن أبي هُريرة-: «يُحشَرُ النَّاسُ على ثَلاثِ طرائقَ»، وفي روايةٍ: «على ثَلاثَةِ أفواجٍ» -في «المُسند»-، «راغِبينَ راهِبين» أوَّل طريق، وأوَّل فَوجٍ: هم أهلُ الرَّغبةِ والرَّهبة؛ الرَّغبة بما عند الله، والرَّهبة مِن هذا الهولِ -الذي صدمهُم وفَجِئهم-، «واثنان على بعيرٍ، وثلاثةٌ على بعيرٍ، وأربعةٌ على بعيرٍ، وعَشرةٌ على بعيرٍ» هؤلاء الذين يضطرُّون، هذا القِسمُ الثَّاني، الفَوج الثَّاني، الطَّريقُ الثَّاني، الذين يضطرُّون، فلا يجدون ما يَركبون عليه؛ لأنَّه -كما سيأتي في بعضِ الرِّوايات- تأتي آفةٌ فلا يَبقى مِن ظُهور الحيواناتِ المركوبةِ شيءٌ إلا الشَّيءُ اليسير، يتناوب عليه النَّاس حتى يصلَ العددُ إلى عشرةٍ على بعير! أمَّا كيف؟ كيف يكون هؤلاء العشرة؟ وكيف يتعلَّقون؟ وكيف يَثبتون أو لا يَثبُتون؟! هذا أمرٌ يدلُّ على أن الهولَ شديدٌ، لا يَجِدون مَفرًّا منه إلا هذا الحال، وهذه الحالة.
قال: «ويَحشُرُ بَقِيَّتَهم النَّارُ»، وفي رواية -عند أحمد-: «تَسحبُهُم الملائكةُ»: يضطرُّون اضطرارًا، أوَّلهم خيار، وآخرُهم اضطِرار، وفي الوسط فِرارٌ على ظهور الدَّوابِّ، حتى يركبَ العشرةُ على دابَّةٍ واحدة!
قال: «ويَحشُرُ بَقِيَّتَهم النَّارُ، تَقِيلُ معهم حيثُ قالُوا»؛ يعني: إذا استراحُوا تستريحُ النَّار معهم، تصاحبُهم مُصاحبةً مُستمرَّة، «وتَبيتُ معهُم حيثُ باتُوا»: هذه إشارةٌ إلى أنَّها لا تُفارقُهم، «وتُصبِحُ معهم إذا أصبَحوا، وتُمسِي معهم حيثُ أمْسَوا»: هذه إشارةٌ إلى استيعابِ هذه النَّار الزَّمانَ والمكانَ، وهذا دليلٌ -آخرُ- على أنَّ هذا الحَشْرَ في الدُّنيا وليس في الآخرةِ؛ لأنَّ بعضَ أهلِ العلم قد فَهِمُوا مِن هذا الحديثِ أنَّ هذا الحشرَ أُخرَويٌّ وليس دُنيويًّا، فهذا الحديثُ دليلٌ على أنَّه دُنيويٌّ وليس أُخرويًّا.
وأمَّا الرِّوايةُ الثَّانيةُ: فهي في «مُسند الإمامِ أحمدَ»: قام أبو ذرٍّ الغِفاري -رضيَ اللهُ عنهُ-، يقول: «يا بَني غِفار!» يخاطبُ قومَه «قولُوا ولا تَختَلِفُوا، فإنَّ الصَّادقَ المصدوقَ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- حدَّثني أنَّ النَّاس يُحشَرُونَ على ثلاثةِ أفواجٍ: فوجٍ رَاكِبين طاعِمِين كاسِينَ، وفَوجٍ يَمشُون ويَسعَون، وفوجٍ تَسحَبُهُم الملائكةُ على وُجوهِهِم وتَحشُرُهُم إلى النَّار» فقال قائلٌ مِنهم -من بني قومِه الذين يَسمَعون، والذين هُم بكلامِه مُخاطَبون-: «هذانِ قَد عرفناهُما» الفَوج الأوَّل والفَوج الثَّاني «فما بالُ الَّذينَ يَمشُون ويَسعَون؟» قال: «يُلقِي اللهُ الآفةَ على الظَّهرِ» الآفةُ: الأمراض، يُلقيها اللهُ -عزَّ وجلَّ- على الدَّوابِّ المركوبةِ «حتَّى لا يَبقَى ظَهرٌ» يعني: تكادُ الآفةُ تَستأصِلُ شَأفةَ الدَّوابِّ المركوبةِ جميعًا «حتَّى إنَّ الرَّجُلَ ليكونُ لَه الحديقةُ المُعجِبةُ» حديقة تُعجبُ النَّاظر، مِن أنواع الزُّروع والثِّمار، يتركُها، ويهربُ منها «فيُعطيها بالشَّارِفِ» الشَّارِف: النَّاقةُ المُسِنَّة العجوز، وهذه إشارةٌ إلى أنَّ تلكُم الظُّهور لا تنتهي نهايةً كاملةً؛ وإنَّما لا يبقَى إلا قِلَّةٌ منها، حتى يركبَ عليها العشرةُ -كما في الرِّواية-، ويركبَ عليها الاثنانِ والثَّلاثةُ والأربعة.
قال: «حتَّى إنَّ الرَّجُلَ ليكونُ لَه الحديقةُ المُعجِبةُ فيُعطيها بالشَّارِفِ ذاتِ القَتبِ فلا يَقدِر عليها» والقتَبُ: هُو الذي يوضعُ على سَنامِ البَعيرِ، ومع ذلك؛ لا يَقبَل؛ لماذا؟ لأنَّه ماذا يفعلُ بهذه الحديقةِ وهو يُغادِرها؟! بل إنَّ هذا الشَّارفَ، إن هذا الجملَ المُسِنَّ، هذه النَّاقة العجوز خيرٌ له مِن هذا الذي سيفارِقُه ويتركُه.


يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 10-09-2011, 11:07 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي

يجبُ أن نعلمَ أمرًا: أنَّه قد ورد في بعضِ الأحاديثِ ذِكرُ نارٍ أُخرَى جعلتْ بعضَ أهلِ العلم يَخلِطون بين النَّار التي وردتْ على الصِّفة التي ذكرتُها وأشرتُ إليها، وبين النَّار التي هي مِن علاماتِ السَّاعة الكُبرى.
ففي «صحيحيِ البُخاري ومُسلم»: عن أبي هريرةَ -رَضيَ اللهُ عنهُ-: أنَّ رسولَ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال: «لا تَقومُ السَّاعةُ حتى تَخرُجَ نارٌ مِن أرضِ الحجازِ تُضيءُ أعناقَ الإبلِ ببُصرَى».
(بُصرَى): مِن بلاد الشَّام، وهي مِن أعمال (حَوران) كما يُقال لمنطقة (دَرعا) وما حولها؛ هذه كلُّها في إقليم كبيرٍ يُسمَّى (حَوران)، منها مدينة اسمُها (بُصرى) -أو كانت في ذلك الوقت بهذا الاسم-.
قال الإمامُ النَّوويُّ: «تواتر العلمُ بِخُروج هذه النَّار عند جميع أهلِ الشَّام»، هذا خبرُ أهلِ الشَّام -الذين رأَوا-.
أمَّا القُرطبي؛ فماذا قال؟ «قد خرجتْ نارٌ بالحجازِ بالمدينةِ، وكان بدؤُها زلزلةً عظيمة».
قال الحافظُ ابنُ كثيرٍ في «البدايةِ والنِّهاية»: «خرجتْ هذه النَّارُ يوم الجُمعة، في الخامس مِن جُمادى الآخرة، سنة أربعٍ وخمسين وستِّمئة، واستمرَّت أكثر مِن شهرٍ»!
لكنْ: هذه النَّار ليست نارَ المحشَر، هذه مُعجِزة -لا شكَّ، ولا ريب-، وعظيمة.
يقول ابنُ كثير -ناقلًا عن شِهاب الدِّين أبي شامَة-، قال: «أخبرني مَن أثِقُ به -ممَّن شاهدَها- أنَّه بلغهُ أنَّه كُتِب بِتَيماءَ على ضوئِها الكُتب».
انظروا المدينة وانظروا تَيماءَ؛ كم بينها -مِن أميال وكيلوات-؟
قال: «وكُنَّا في بيوتِنا تلك اللَّيالي وكأنَّ في دارِ كلِّ واحدٍ منها سراجًا، ولم يكن لها» أي: هذه النَّار «حرٌّ ولفحٌ -على عِظمِها-!».
هي نارٌ معجِزة -ليست مُحرِقة-بمعنى أنَّها تؤذي النَّاس-، حتى الحرُّ واللَّفح كما يقولُ هؤلاء المعايِنون -والواحدُ منهم شاهِدٌ يُعايِن هذه القضيَّةَ- قال: «لم يكنْ لها حَرٌّ ولَفحٌ -على عِظمِها-، وإنَّما كانت آيةً مِن آيات الله -عزَّ وجلَّ-».
قال: «ورأى الناسُ سَناها مِن مكَّة -شرَّفها اللهُ-» (سَناها): أي ضوؤُها ولَمعانُها.
قال ابنُ كثيرٍ: «وأمَّا (بُصرَى)؛ فأخبرني قاضي القُضاةِ صَدرُ الدِّين عليُّ بن أبي قاسمٍ التَّيميُّ(1) الحنفيُّ قال: أخبرني والِدِي، وهو الشَّيخ صفِيُّ الدِّين» أحد علماء بُصرى الشَّام «أنَّه أخبرهُ غيرُ واحدٍ من الأعرابِ صبيحةَ تلك اللَّيلة -ممَّن كان بحاضرةِ بلد بُصرى- أنَّهم رأَوا صفحاتِ أعناقِ إِبلِهِم في ضوءِ هذه النَّار التي ظهرتْ مِن أرضِ الحجاز».
وذكر ابنُ كثيرٍ -أيضًا- في «البداية»: «أنَّ النَّاس كانُوا يسيرون على ضوءِ هذه النَّار بالليلِ إلى تَيماء!» انظروا المسافة! قال: «كانوا يَسيرون.. باللَّيل»؛ كأنَّها نهار؛ مِن شدَّة ضيائِها ولمعانِها!!
ينبغي أن يُعلم شيءٌ؛ وهو: لماذا جعل اللهُ هذه النَّارَ هي نارَ المَحشَرِ، هي النَّار التي تحشُر النَّاسَ؟
في الحقيقةِ: تأمَّلتُ ذلك؛ فرأيتُ بعضَ أهلِ العلم ذَكَر وجهًا، ووقع في نفسِي وجهٌ آخر.
أما الوجهُ الأوَّل: فطبائعُ البشرِ أنَّهم لا يَسيرون باللِّينِ المَحض؛ وإنَّما هم بِحاجةٍ إلى شيءٍ مِن القوَّةِ والدَّفع؛ فلا يوجدُ أقوى مِن هذه النَّار التي منها يَهرُبون، فيُحشَرون مِن الشَّرقِ والغربِ إلى بلادِ الشَّام، حتى توافِق طبائعَ النَّاس في أنَّهم يُدفَعون دفعًا إلى هذا الموضِع؛ وإلا: لو تُرِكوا حيث يُريدون؛ لما ذهبوا إلى هذا المكانِ -الذي هو أرضُ الحَشْرِ والنَّشْر-، لذَهبَ كلٌّ منهم إلى حيثُ يريدُ.
أمَّا الوجهُ الآخر الذي أشرتُ إليه: فهي كأنَّ في ذلك تَذكيرًا لهم بماضي حياتِهم، وبما سيأتي لهم في أُخراهم.
فهم بأعمالهم الصَّالحةِ -إن كانوا صالِحين- هرَبُوا مِن النَّار، وهُم -فيما يستقبِلون بعد الحَشرِ والنَّشْر- سينجُون -إن كانوا صالِحين- من النَّار؛ فهم كأنهم بين ثلاثةِ أنيارٍ: نار أولى يَهرُبون منها -وقد خوَّفهم اللهُ-تَعالى-بِها-، ونارٌ دفعتهُم وجَمَعتْهم، ونارٌ أُخرَى هي الواقِعُ المحسوسُ الملموس الذي كانُوا منه يَخافون، ومنهُ يُخوَّفون، فمَن كان صالحًا؛ نَجا، ومَن كان على غيرِ ذلك؛ هلكَ وكان مُكردَسًا في نار جهنَّم -والعياذُ بالله-تباركَ وتَعالى-.
وأمَّا الحديثُ الآخرُ؛ فهو النصُّ على ما نحنُ فيه مِن نارِ المَحشَر: حديثُ معاوية بن حَيدة -رَضيَ اللهُ عنهُ-وهو في «مسند الإمام أحمد» وغيره-: أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال: «إنَّكُم تُحشَرونَ رِجالًا ورُكْبانًا» (رِجالًا): أي مُترجِّلين على أقدامِكم، و(رُكبانًا): أي راكِبين، وجاءنا في الحديث الأوَّل صِفةُ هذا الرُّكوب، وكيف يجتمعُ العشرةُ مِن الرِّجال على مركوبٍ واحد، قال: «وتُجرُّونَ على وُجُوهِكُم ها هُنا» وأومأ بيدِه نحو الشَّام -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
وكذلك: حديثُ عبدِ الله بن عُمَر -في «التِّرمذي» وغيره-: قال النَّبيُّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: «سَتخرُجُ نارٌ مِن نَحوِ حضرمَوت، أو مِن حضرمَوت، تحشرُ النَّاسَ»(2) قالوا: يا رسولَ الله! فما تأمرنا؟ قال: «عليكُم بِالشَّام»؛ هذه الرِّواية -أيضًا- دليلٌ على أنَّ هذا الحشرَ في الدُّنيا لا في الآخرة؛ لأنهم سيرَون ويهرُبون، فإلى أين يهربون؟ سألوا النبيَّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- قال: «عليكم بالشَّام».
وهنالك أثرٌ عن عبدِ الله بن عَمرِو بن العاصِ -عند الحاكِم في «مُستدَركِه»-: أنه قال: «لَيَأتِيَنَّ على النَّاسِ زَمانٌ لا يبقَى على الأرْضِ مُؤمِنٌ إلا لَحِقَ بالشَّامِ».
لأهلِ العلمِ في هذا الحديثِ أقوالٌ؛ منهَا:
هل هذا اللُّحوقُ في فتراتٍ مِن الدَّهرِ قبل هذه النَّار؟ أم أنَّ هذا النَّفادَ للمُؤمنين، وهذا اللُّحوقَ بالشَّامِ إنَّما يكونُ بسببِ هذه النَّار -نارِ المحشَر- التي تجمعُهم، وتلحقهم بالشَّام، وتُودِي بهم إلى الشَّام -أرضِ المَحشَرِ والمَنشَر-؟
الظَّاهر: أنَّه لا تعارُض في ذلك؛ فالرَّسولُ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- قد قال: «طُوبَى للشَّامِ؛ فإنَّ ملائكةَ الرَّحمن باسطةٌ عليها أجنِحتَها»، وقال -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: «إذا فَسَدَ أهلُ الشَّام؛ فلا خيرَ فِيكُم»، وقال -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: «يَنحازُ النَّاسُ إلى خيارِ الأرضِ مُهاجَر إبراهيمَ»(3)-عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-.
فبلاد الشَّام -التي نحنُ على جزءٍ مباركٍ ميمونٍ منها- بلادُ الخير والبركةِ والطُّهر والصَّلاحِ والاستقامةِ -شاء مَن شاءَ، وأبَى مَن أبَى-.
وهذا يُوجِبُ علينا مُضاعفةَ الجِدِّ والجُهدِ في أن نُحافظَ على هذه البلادِ -بالغالي والنَّفيس-؛ لأنها بلادٌ مُباركةٌ، وبالملائكةِ مُظلَّلةٌ، وهذا مِن توفيق الله -تباركَ وتَعالى-، ومِن حُسن تقديرِه أن نكونَ من أهلِها، وأن نكونَ من أبنائِها، وأن نكونَ من حُماتِها وجُندِها -إن شاء الله- ولو في آخرِ الدَّهر.





_______________
(1) وجدتُها في بعض نُسخ «البداية والنِّهاية» -في الشَّبكة-: (التَّميمي).
(2) ولفظُ الحديث -كما في «سنن الترمذي» (2217)-: «ستخرُجُ نارٌ مِن حَضرمَوت، أو مِن نَحو بَحرِ حَضرَموت قبلَ يَوم القِيامةِ تَحشُرُ النَّاسَ».
(3) بحثتُ عنه فلم أعثر عليه إلا بلفظ: «ينحاز النَّاسُ إلى مُهاجَر إبراهيم»، أما كلمة (خيار النَّاس) فقد وردت في حديثٍ في «سُنن أبي داود» (2482): «ستكونُ هجرة بعد هجرةٍ، فخيار أهل الأرضِ ألزمُهم مُهاجَرَ إبراهيم... »، وهو (ضعيف)-كما في طبعة مشهور-.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 10-18-2011, 04:46 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي

وأيضًا هنالك إشكالٌ آخرُ -يذكرُه بعضُ أهل العلمِ-:
وهو أن بعضَ العلماءِ قد ذكرَ أنَّ هذا الحديثَ إنَّما هو حشرُ المَوقِفِ.
وهذا غلط، تردُّه الروايةُ الأخرى الصَّريحةُ والصَّحيحة.
النَّبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- عندما ذكرَ حشرَ الموقف ماذا قال؟ قال: «إنكم مُلاقو اللهِ حُفاةً مُشاةً غُرْلًا»؛ بينما في هذا الحديث بيانٌ أنَّهم رِجالٌ ورُكبان -اثنان على البعير، وثلاثَةٌ، وأربعةٌ، وعَشَرة-؛ فكلُّ ذلك يدلُّ على ماذا؟ على أنَّ هذا الحشرَ دُنيويٌّ -وليس هو الحشرَ الأُخروي-.
وفي «صحيح مسلمٍ»: عن حُذيفةَ بن أَسِيد؛ هكذا: بفتحِ الهمزة وكسر السِّين، وهنالك (أُسَيد)، والأسماء ليست قياسيَّة؛ وإنما هي سماعيَّة.
قد يقول قائل: لم نسمع بـ(أَسِيد)؛ دائمًا (أُسَيد)؟!
نقول: أمَّا هذا فـ(أَسِيد)؛ هكذا ضبطها أهلُ العلم، وهم أدرى!
قال: «اطَّلع رسولُ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- من غرفةٍ» من مكان «ونحن نتذاكرُ السَّاعةَ؛ فقال:..» والحديث طويل، وموضع الشَّاهد: «ونارٌ تخرجُ من قَعرِ عدَنِ أبيَن» (أَبيَن): على وزنِ أَحْمد، أو أَحْمر، وهو اسمُ المَلِك الذي بناها في بعضِ فتراتِ التَّاريخ «تسوقُ النَّاسَ إلى المَحشَر، تَبِيتُ معهم إذا باتُوا، وتَقِيل معهم إذا قالُوا» كما قُلنا: (تَقِيل) من القَيلولة، (تَقيلُ) فعلُها ثلاثي (قال، يَقيلُ)، كما نَقول: (قال، يقولُ) مِن القَول، (قالَ) -الثَّانية-؛ مِن القَيْلولة، ولا نقول: (تُقيلُ)؛ لأنَّ (تُقيلُ) فعلها الرُّباعي (أَقالَ)، و(أَقالَ) غير (قال) -معنًى ومبنى-.
و(عَدَنُ أَبْيَن) -هذه-: قد ورد لها فضلٌ في بعضِ أحاديث رسولِ الله -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-كما عند الطَّبراني وأبي يَعلَى وغيرِهما-: عن ابنِ عبَّاس -رضيَ اللهُ-تَعالى-عنهُ- قال: قال رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «يخرجُ مِن عَدَنِ أَبْيَنَ اثنا عشرَ ألفًا ينصُرون اللهَ ورسولَه، هُم خيرُ مَن بَيْني وبَينَهم» يعني: مِن أوَّل الدَّهر إلى وقتِ خُروجِهم؛ هم خيرُ النَّاس؛ وهذا يدلُّ على أنَّ الخيريَّة لا تنتهي مِن هذه الأمَّة؛ الرَّسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول: «لا تزالُ طائفةٌ مِن أمَّتي ظاهِرينَ على الحقِّ، لا يَضرُّهم مَن خالفَهم، ولا مَن خَذَلهُم، حتى يأتيَ اللهُ بأمرِه، وهُم على ذلك».
وأمَّا حديثُ: «الخيرُ فيَّ وفي أُمَّتي إلى يوم القيامةِ» فقد سُئل عنه السَّخاوي؛ فقال: «قال شيخُنا:» أي: ابنُ حجرٍ «[لا أصلَ له]» -على شهرتِه، وعلى صحةِ معناه-؛ لكن: ليس كلُّ صحيحِ معنًى صحيحَ نسبةٍ إلى النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
والرَّسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول -وهذا أقربُ-مِن حيث هذا الحديثُ ومعناه-: «مثلُ أمَّتي كالمطرِ لا يُدرَى أوَّله خيرٌ أم آخرُه» المطر كلُّه خير [..انقطاع..] مثلها خيرٌ.
قد يسألُ سائلٌ: ماذا نفعلُ بهذه الأحاديثِ مع قول النَّبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «ما مِن عامٍ إلا والذِي بعدَه شرٌّ منهُ حتى تلقَوا ربَّكم»؟
نقول: هذا في جُملةِ الدَّهرِ؛ أنَّه كلما تقدَّم الدَّهرُ كلَّما قلَّ الخير، لكن هذا لا ينفي [..انقطاع..] في بعضِ هذه المواطِن، وفي بعض هذه الأزمنةِ والأماكن مَواقعُ تنفيس ينفِّس اللهُ فيها عن الأمَّة؛ بوجودِ خيرٍ وأخيارٍ وأبرارٍ يقومون بتذكيرِ النَّاس ودعوتِهم -كما في هذا الحديث والأحاديث الأخرى-، فلا تعارُض، بينهما عُمومٌ وخُصوص، والعُمومُ والخُصوص لا يتعارضان.
وفي رواية حُذيفة بن أَسِيدٍ -أيضًا- في «صحيحِ مُسلم»، قال: «وآخرُ ذلك نارٌ تخرجُ من اليَمَنِ تَطردُ النَّاسَ إلى مَحْشرِهِم».
هذا الحديثُ فيه بيانٌ لمسألتَين -مُتعلِّقتين بنارِ المَحشر-:
أمَّا أولُهما: الزَّمان؛ قال: «وآخرُ ذلك.. » [..انقطاع..] النبيُّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- عن تسلسلٍ زمنيٍّ، فذكَرَ أوَّل ذلك، ثمَّ ما يتلوهُ ويَتبعُه، ثم قال: «وآخرُ ذلك» أي: زمانًا. هذا تحديدُ الزَّمان.
أمَّا تحديدُ المكان: فهو أنَّها تخرجُ في اليَمَن، وفي رواية: «مِن عَدَن أَبْيَن»، وفي رواية ثالثة: «مِن قَعْرِ عَدَنِ أَبْيَن» أي: مِن آخرِه، ومِن [..انقطاع..]، ليس من أطرافِه؛ هذا حديثٌ يُبيِّن الزَّمانَ والمكانَ المتعلِّقَين بهذه الآيةِ من آياتِ السَّاعةِ وأشراطِها الكُبرى.


يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 10-19-2011, 12:38 AM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي

وروى البُخاريُّ: عن أنسٍ: عن النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال: «أمَّا أوَّل أشراطِ السَّاعة فنارٌ تحشُرُهم مِنَ المَشرقِ إلى المغربِ».
قد يقولُ قائلٌ: هنا -في حديثِ أنسٍ-: «أوَّل أشراطِ السَّاعة»، وفي حديث حذيفةَ بن أَسِيد: «آخر أشراطِ السَّاعة»؛ فما هو الوجهُ في ذلك؟
قال العلماءُ: هي آخرُ الأشراطِ المؤذِنةِ بانتهاءِ الدُّنيا، وأوَّل الأشراطِ المؤذِنة ببدءِ الآخرة؛ فهي نارٌ واحدةٌ لها صِفتان: صفة الآخريَّة المتعلِّقة بالدُّنيا، وصفة الأوَّليَّة المتعلِّقة بالآخرة؛ فلا تعارُض في ذلك؛ بدليل: أن الحشرَ هو أوَّل مَراحل الآخرةِ -وإن كان آخرَ مَراحلِ الدُّنيا-.
«فنارٌ تحشرُهُم مِن المَشرِق إلى المَغرب» [..انقطاع..] إلى المغربِ، ولا تحشرُهم إلى الشَّام؟
الشَّام بالنِّسبة إلى اليمنِ و الجزيرةِ هي المغرِب، الرسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- يقول: «لا يزالُ أهلُ الغربِ ظاهرين» (أهل الغَربِ) بالنِّسبة لأهل المدينة؛ هم أهلُ الشَّام.
إذًا: «مِن المَشرِق إلى المَغرب» أي: إلى بلاد الشَّام؛ فهي مغرب الجزيرةِ واليمن وتلكم الأنحاء.
وحديثُ أنسٍ -هذا- هو الحديثُ الذي فيه قصَّة الصَّحابيِّ الجليل عبدِ الله بنِ سَلام، لمَّا كان يهوديًّا وحَبرًا مِن أحبار اليهود، وكيف سألَ النَّبيَّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- أسئلةً لا يعلمُها إلا نبيٌّ، وكيف أجابه النَّبيُّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- على ذلك، وكيف أخبرهُ عبدُ اللهِ بن سلامٍ عن اليهودِ، وعن [..انقطاع..] اليهود، وأصناف اليهود، ورذالة اليهود، وسَفالة اليهود، وخِسَّة اليهود، ولا يزالون في سفولٍ وانحِطاط منذ ذلك الوقت إلى هذا الوقت.
وانظُروا ماذا فعلوا -بالأمس- في إخوانِنا المسلمين في فلسطين العُزَّل ، أسرة عشرة أنفار، تذهب، تهربُ من حرِّ الشَّمس والرَّمضاء [..انقطاع..]؛ فتأتيها قذيفةٌ فتقضي عليها، لم يبقَ إلا بنت لم تتجاوز عشرَ سنواتٍ! الأم، والأب، والأبناء، والرضَّع؛ كلُّهم يذهبون ويموتون!
أخلاقُ اليهود هِيَ هيَ! لا تتغيَّر، مهما كانوا دُبلوماسيِّين، ومهما كانوا سياسيِّين، ومهما كانوا يتلصَّصون ويكذِبون ويخترعون، أخلاقُهم هِيَ هِي، وقرآنُنا ناطقٌ بذلك، وأحاديثُ نبيِّنا -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- ناطقةٌ بذلك، وهذا دليلٌ بين أيدينا: عبدُ الله بن سلام يخبر النبيَّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- بأنَّهم قومٌ بُهت؛ أي: كذَّابون، أفَّاكون، ولا يزالون كذلك يفعلون إلى أن يرثَ اللهُ الأرضَ ومَن عليها.
ولقد جاء في الحديثِ المتَّفق على صحَّتِه، عن النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-فيما يرويه عنه أبو هُريرة-، قال: «تتركُون المدينةَ على خيرِ ما كانت» يعني: مِن حيثُ هي؛ المدينة على خيرٍ، ليس فيها شيء «لا يَغشاها إلا العَوافي» يُريد عوافي السِّباعِ والطَّير والبهائِم السَّائبة الهائِمة «فآخرُ مَن يُحشَر» والنار تَحشرُ مِن اليمنِ حتى تصلَ إلى المدينةِ فتُخرجَ أهلَها، مُرورًا إلى الشَّام وُصولًا إلى أرضِ المحشر «فآخرُ مَن يُحشَر راعيانِ مِن مُزَيْنة» قبيلة معروفة «يُريدان المدينةَ» لكنَّهم يرجِعان «ينعقان بغنمِهما» يناديان بالغنمِ حتى ترجع «فيَجدانِها» أي: المدينة «مُلئتْ وُحوشًا، حتى إذا بلغا ثنِيَّةَ الوداع؛ خرَّا على وُجوهِهما» مِن شدَّة الهلعِ، ومن شدَّة ما أصابهم مِن هذا الحشر، وهذا الدَّفع، وهذا الأزِّ الذي يُودِي به هَربًا مِن هذه المدينة التي تُركت على خيرِ ما كانت، ومع ذلك ليس فيها إلا الوُحوشُ والبهائِمُ الهائِمة، والسِّباع الضَّارية؛ بسببِ تلكم النَّار وحَشرِها وأزِّها ودفعِها للنَّاس حتى يصلُوا إلى أرضِ المحشر، فمَن وصل وصل، ومَن ضعف في الطَّريق، أو هلك، أو ماتَ، أو خرَّ على وجهِه -كما هو هذا الحديث عن النبيِّ-صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
قال: «حتى إذا بلغا ثنيَّةَ الوَداعِ» وهي على أبواب المدينة «خرَّا على وُجوهِهما».
وعلى ذِكر (ثنيَّة الوداعِ)؛ فإنَّنا نَذكُر أن تلكم القصَّةَ المشهورة التي فيها: أن أهل المدينةِ استقبلوا النبيَّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- عند قدومه من مكَّةَ مهاجرًا إلى المدينة المبارَكة- أنهم استقبلوه بالنَّشيدِ والطُّبول:
طلع البدرُ علينا .. من ثنيَّات الوداعْ
وجبَ الشُّكرُ علينا .. ما دعا للهِ داعْ ... إلى آخر هذا الشِّعر.
فإن الرَّاجحَ -عند أهل الحديث-: أنه لا يصحُّ، ولا يثبت عنه، وليس فيه دليلٌ في السِّيرة على ذلك.
أسأل الله العظيمَ، ربَّ العرشِ العظيم، أن يوفِّقنا وإيَّاكم للعلم النَّافع والعمل الصَّالح، وأن يسدِّدَنا وإيَّاكم بالحقِّ إلى الحقِّ، وأن يُنْجِيَنا من نار الدُّنيا ونار الآخرِة.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمدُ لله رب العالمين.


تم التفريغ بحمد الله -تعالى-
ليلة الحادي والعشرين من ذي القعدة 1432هـ
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:46 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.