عرض مشاركة واحدة
  #18  
قديم 04-09-2021, 04:57 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,218
افتراضي

اللِّقـاء الثَّامِن عشَر
(26 شعبان 1441 هـ)





[تنبيه حول حديث -انتشر في وسائل التَّواصل- فيه البشارة بِزوال العاهة وزوال الوباء قريبًا]
..انتشر كثيرًا -في وسائل التَّواصل الاجتِماعي، وعلى لسان عدد مِن المشاهير وغيرِ المشاهير، مِن المختصِّين والعوام وغير المختصين-: أن -هنالك- حديثًا فيه التَّبشير بزوال العاهة وزوال الوباء -قريبًا-.
ابتداءً: نحن نتمنَّى ذلك، ونرجوه، وندعو اللهَ له وبِه، وما ذلك على الله بِعزيز، أنتَ تريد، وأنا أريد، وربُّك يَفعل ما يريد.
كل هذه التَّوقيتات التي يقولُها الأطباء والسِّياسيُّون هذه عبارة عن اجتهادات، وعبارة عن توجُّهات وأماني، ونحن مع أقرب هذه الأماني من ربِّنا -سُبحانه وتعالى-.
لكن: عندما ننسب شيئًا إلى الرَّسول -عليه الصَّلاة والسَّلام- يكون هنا الإشكال في هذا الموضوع.
فقد ذَكَر عددٌ من هؤلاء الذين ذكرتُ أنَّهم يُشيرون إلى هذه المسألة، ذكروا حديثًا رواه الإمام أحمد في «الْمُسنَد» بلفظ -انتبهوا لكلمة بلفظ-: «ما طَلَع النَّجم -يعني: الثُّريَّا- صباحًا قط و(بِقَومٍ) عاهَة؛ إلا رُفعت عنهم أو خفَّت»، ثم أتبعوا ذلك بقولِهم: (قال أبو العبَّاس: وهو حديثٌ حسَن -بمجموع طُرقه وشواهده-).
ابتداءً: أبو العبَّاس -هذا- ليس مِن أهل العلم، وليس من العلماء، ولا مِن المحدِّثين، هو شابٌّ ناشئ، مِن إحدى الدُّول العربيَّة الإسلاميَّة-لا نُريد أن نذكُرَها-حتى لا نُسبِّب إحراجات-، كَتَب هذا المقال ونَشَرَه، وانتشر، هي كُنية هذا الشَّاب النَّاشئ الذي خالَفَ العلماء السَّابقين في دعوى تحسينِه هذا الحديث.
الحديث ضَعيف، ضعَّفه الإمام الْعُقَيلي وغيرُه من أهل العلم، والشَّيخ الألباني وكثيرون من العلماء.
هذه واحدة.
الأمر الثَّاني: أنَّ الحديث مُحرَّف؛ فكلمة: «وَبِقَوْمٍ عاهَة» في أصحِّ النُّسخ من «مُسنَد» الإمام أحمد -وغيرِه من الكتب القديمة-: «وَتَقُومُ عاهَةٌ» -ليس: «وَبِقَوْمٍ عاهَة»-؛ يعني: توجَد عاهة.
فالحديث -إذن-ابتداءً- ضعيف، وفيه تحريف لِأهمِّ كلمة يَستدل بها المستدِلون.
النُّقطة الثَّالثة: أن هذا الحديث يتكلَّم عن الثِّمار -كما في «الصَّحيحين»-.
في «الصَّحيحين»: (نَهى عن بَيع الثِّمار حتى تَذهَبَ العاهَة)، والعاهَة تذهب في مثل هذ الأوقات، المقصود عاهة الثَّمر؛ لذلك الرَّسول -عليه الصَّلاة والسَّلام- (نَهى عن بيعِ الثِّمار قبل نُضوجِها) والمقصود أن لا تُصيبَها عاهة، أو..أو..إلخ.
إذَن: هذا الحديث لا يجوز الاستِدلال به -لا مِن طالب عِلم، ولا مِن فَلَكي، ولا مِن طبيب، ولا مِن صِحِّي، ولا مِن أي شيء من ذلك؛ لأنه -ابتداءً- حديث لا يَصحُّ، ولا يَثبُت بأيٍّ من رواياتِه وألفاظه، فضلًا عن تحريفِه، وفضلًا عن -أيضًا- مُخالفتِه للأحاديث الصَّحيحة في «الصَّحيحين» وغيرِها.

[تتمَّة جواب السُّؤال الأخير في اللِّقاء السَّابع عشر، حول مسألة تارِك الصَّلاة]
..فالسُّؤال المطروح كان: هل صحيح أنَّ هناك إجماعًا للصحابة رضي الله عنهم في تكفير تارك الصَّلاة كما في أثر عبد الله بن شَقيق؟
نَقول:
الجواب من عدَّة وجوه، وقد ذكرنا أمس أن الجواب جوابان، جواب مختصَر -وذكرناه وانتهينا منه-.
وجواب مُطوَّل؛ وهو هذا الجواب الذي تَسمعونه -الآن-إن شاء الله-، وهو -أيضًا- على وجه التَّلخيص؛ لأنَّ هذه المسألة -كما قلت- مسألة كبرى، وتوسَّع العلماء فيها، وتكلَّموا فيها بصورة كبيرة -وكبيرة جدًّا-.
أوَّل شيء: الإمام ابنُ القيِّم -في كتاب «الصَّلاة وحُكم تارِكها»- ذَكَر الخلافَ، وهذا يَنقُض دعوى أنَّ أثر عبد الله بن شقيق فيه الإجماع.
عبد الله بن شَقيق أصلًا لم يَروِ إلا عن مجموعة مَنصوص عليها من الصَّحابة؛ فكيف يكون ذلك إجماعًا؟!
الأمر الثَّاني: أن -هنالك- رواية أصح من هذه الرِّواية المشهورة في موضوع أثرِ عبدِ الله بن شَقيق.
فالرِّواية المشهورة: «كان أصحابُ محمَّد لا يَرَون شيئًا من الأعمال تركُه كُفْر؛ إلا الصَّلاة»
بينما الرِّواية المشهورة -عند الْخَلَّال وغيره- أنَّه قال: «ما كُنَّا نَرى شيئًا مِن الأعمال تركُه كُفر؛ إلا الصَّلاة»، فأسنَد الأمرَ إلى نفسِه، وكلمة «كنَّا» -أيضًا- لا تَشمل جميع التَّابعين، وقد تَشمل أصحابَه وشيوخَه وتلاميذه ومدرستَه؛ فليس فيها دعوى الإجماع.
الأمر الثَّالث: أن الإمامَ أحمد منقولٌ عنه في هذه المسألة عدَّة أقوال؛ بل انتصر الإمام ابنُ قُدامة في كتابه «الْمُغني» لِلقول بعدمِ التَّكفير، وكتاب «الْمُغني» هو أشهرُ وأجمع وأقوى وأمْتَع كُتُب الحنابلة، -لعلَّه-عبر التَّاريخ الإسلامي-فيما أحسب-.
قضيَّة أخرى: أن سماحة الشَّيخ ابن عثيمين -رحمه الله-تعالى- ذهب مذهبًا في هذا الموضوع حسَنًا؛ قال: (البلادُ التي لا يُكفِّر فيها علماؤُها تاركَ الصَّلاة؛ لا يجوزُ تكفيرُ تاركُ الصَّلاةِ فيها).
وهذه نقطة منهجيَّة تربويَّة مَسلكِيَّة عِلميَّة دقيقة من هذا الإمامِ الْفَحْل -رحمه الله-تعالى-.
قضيَّة خامسة: أنَّ الذين يُكفِّرون تاركَ الصَّلاة اختلفوا فيما بينهم في الحدِّ الذي يَكفُر به تاركُ الصَّلاة.
بعضُ العلماء قال: يَكْفُر بتركِ صلاةٍ واحدة.
بعضُهم قال: يَكْفُر بِترك ثلاثِ صلوات، أو ثلاثة أيام.
والشَّيخ ابنُ عُثيمين يقول: (يَكفُر إذا ترك الصَّلاةَ بالكليَّة؛ بحيث يُقال: هذا تاركُ صلاة)، وهذه الصُّورة -في حقيقتِها ومآلِها- أقرب إلى القول بِعدمِ التَّكفير -وإن كان الشَّيخ منسوبًا إلى العلماء القائلين بالتَّكفير-.
نقطة سادسة: نقلَ ابنُ قُدامة -في «المغني»- وشيخ الإسلام ابن تيميَّة -في شرح «الْعُمدة»- قال: (لا يُعلم أحدٌ مِن تاركي الصَّلاة مُنع وارثُه ميراثَه، ولا دُفن في مقابر المسلمين)، وهذا -إلى الآن- موجود.
أعطوني بلدًا إسلاميًّا -في كلِّ بلاد الدنيا- فرَّقَتْ بين الْمُسلم الْمُصلِّي والمسلم غير الْمُصَلِّي، أو جَعَلت للمسلمين غير الْمُصلِّين مقبرة خاصَّة، أو منعت ميراثَهم.
هذا -كلُّه- كلام غير صحيح.
لذلك: القضيَّة -في حقيقتِها- هي نظريَّة أكثر منها عمليَّة.
ومع ذلك: لا يجوزُ أن يَفهم أحدٌ أن كلامَنا يَلزَم منه التَّهوين من هذا الأمر.
لا -واللهِ، وتاللهِ، وبِالله-؛ إنَّ ترك الصَّلاة أعظم جريمة يرتكبُها الإنسانُ المسلم، أعظم مِن كلِّ كبيرة، وأعظم من كلِّ قضيَّة قد تَستهولُها ولا تستهونُها.
فَتَرْكُ الصَّلاة يكفي أن الشَّارعَ الحكيم أوحى إلى نبيِّه الكريم -عليه الصَّلاة والسَّلام- أنَّه كان يقول: «مَن تَرَك الصَّلاة؛ فقد كَفَر».
يكفي تارك الصَّلاة جريمة وإثمًا وتلبُّسًا بالكبائر أنَّه اختلف....
[ملاحظة: اللِّقاء انقطع، وليس به فتاوى]




انتهى اللِّقـاء الثَّامن عشر
رد مع اقتباس