عرض مشاركة واحدة
  #14  
قديم 04-05-2021, 05:08 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,218
افتراضي

اللِّقـاء الرَّابعَ عشَر

(22 شعبان 1441 هـ)



[حول كلمة (تَميِيع) و(فُلان مُميِّع)، وقراءة كلام لشيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله-]
قد يكون بعض الإخوة قرأ أو سمع أو مرَّ به كلمة يُقال فيها: أنَّ (فلانًا مُميِّع)، أو أن (هؤلاء مُميِّعة).
ما معنى هذا الكلام؟ وما هو المقصود منه؟
أمَّا من حيث العلم الصَّحيح: فلا يوجَد شيء في الْعِلم -وأعني بِكلمة (الْعِلم): العلوم الشَّرعيَّة والدُّنيويَّة-: لا يوجَد شيء اسمُه (تَميِيع) أو (مُيُوعة) أو (مائِع) أو (مُمَيِّع)؛ إلا في نِطاقَين -في حُدود عِلمي، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾-:
النِّطاق الأوَّل: باب أحكام الطَّهارة: ففيه أحكامُ المائِعات وما يتعلَّق بها.
والباب الثَّاني: في الطِّبِّ، وتدخل به الْمُمَيِّعات التي يأخذها مرضى الأمراض المزمنة -كالسُّكَّري، ومثلًا: مرضى القلب-عافانا الله وإيَّاكم-، أو مَن يُخشى عليهم مثلُ ذلك.
أما: (ميَّع يُميِّع تَميِيعًا؛ فهو: مائِع، أو مُمَيِّع، أو مُمَيَّع) في العلم الشِّرعي -في باب الجرح والتَّعديل-؛ فهذا لا يُعرَف -بأيِّ حالٍ مِن الأحوال-! وهي كلمة مُبتدَعة ما أنزل الله بها من سُلطان، ولا تُعرَف في تاريخ العلم، ولا في تاريخ الْعُلماء! وبين أيديكم كُتُب الجرح والتَّعديل كلُّها -ابتداءً مِن: «تاريخ» الإمام البخاريِّ، و«الجرح والتَّعديل» لابن أبي حاتِم، ومُرورًا بـ«الكامِل في الضُّعفاء» لابن عَدي، و«الضُّعفاء الكبير» للعُقَيلي، وانتهاءً: بـ«ميزان الاعتدال» للذَّهبيِّ، و«لِسان الميزان» للحافظ ابن حَجر-وما بينهم مِن عَشرات الكتب في هذا الباب-: لا نَعلم هذا الكلام، ولا نَعلم له أصلًا!!
لكن: هو -كيفما كان الأمرُ- نَبْزٌ، وهو نَبْزٌ تافِه -لا وَزن له، ولا حقيقة له-!
لكن: قد يقول قائل -أو يَسأل سائل-: ماذا يَقصد هذا النَّابِزُ بهذا النَّبْز؟
أنا أقول: النَّابزُ يَقصد أن (فلانًا مُمَيِّع)؛ يعني: لا يتكلَّم في الجرح والتَّعديل، أو يخالِف العالِمَ الفلاني أو النَّاقد الفلاني مِن العلماء العصريِّين، أو بعض مَن يُشار إليهم بالبنان مِن العلماء أو أهل العلم الْعَصريِّين.
فهذا المعنى هو المقصود والمراد.
وليس الكلام مُطلقًا على الْحِزبيِّين المعروفين -جماعة كذا، وحزب كذا، وتنظيم كذا، وحركة كذا-؛ لَهَانَ الْخَطْب!
لكنَّ هذا الكلام -للأسف الشَّديد!- يُطلَق على أهل السُّنَّة، ودُعاة منهج السَّلف، أو -حتى نكون دقِيقِين في العبارة- يُطلَق على (عددٍ) مِن أهل السُّنَّة ودُعاة منهجِ السَّلف وعقيدة السَّلف -الذين عُرف تاريخُهم، وتَميَّز منهجُهم، وظهر وُضوحُ طريقتِهم-؛ لكنَّهم خالَفوا فلانًا أو فلانًا -مِمَّن هُم مِن العلماء، أو مِن أهل العلم، أو مِن طُلاب العلم- في تبديع فلان، أو تبديع فلان!
وأنا أقرأ عليكم جُملَتَين من كلام شيخِ الإسلام ابن تيمية،وأكاد أحلفُ -يمينًا-: أن هذا الكلام لو قُرئ على هؤلاء دون أن يُقال إنَّ هذا كلام شيخِ الإسلام ابن تيميَّة؛ لاتَّهَمُوا قائلَ هذا الكلام بأنَّه (مُمَيِّع)! هذه الكلمة التي ليس لها طعم، ولا وزن، ولا رائحة!!
يقول شيخُ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله-في «مجموع الفتاوى»-أو: «الفتاوي»-يجوز الوجهان-(28 / 209 )-:
«إذا اجتمع في الرَّجل الواحدِ خيرٌ وشرٌّ، وفُجور وطاعةٌ ومَعصية، وسُنَّة وبِدعة؛ استَحَقَّ مِن الموالاة والثَّواب بِقَدرِ ما فيه من الخير، واستَحق مِن المعاداة والعقاب بِحسب ما فيه من الشَّر؛ فيجتمع في الشَّخص الواحد مُوجِبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له مِن هذا وهذا»؛ يعني: كلٌّ بقدرِه «كاللِّصِّ الفقير تُقطع يدِه لِسرقتِه، ويُعطَى مِن بيت المال ما يَكفيه لحاجته».
يقول شيخُ الإسلام: «هذا هو الأصلُ الذي اتَّفق عليه أهلُ السُّنَّة والجماعة».
فدُعاة (فُلان مُمَيِّع.. ومُمَيَّع.. ومائِع.. ومُيُوعة..!) -وما لَفَّ لَفَّها، واستُنبط منها-للأسف الشَّديد!- لا يَعرفون هذه الأحكام، ولا يَدرون هذه الدَّقائق، وعندهم أنَّ كلَّ مَن تكلم فيه الشَّيخ الفلاني -مِن شيوخِهم- هو ضالٌّ مُضِلٌّ، وكُل مَن سَكت هُو مُمَيِّع!! وخَرجوا عليها بتقليعةِ (الصَّعافقة)! و(الْمُصعْفِقة)! التي -إلى الآن- لا أجدُ لها مَخرَجًا -ولا مَدخلًا -في العلم وأهله-؛ إلا عبارات استُعملت في غيرِ موضعِها، ونَبْزًا جُعل على وفق الأهواء والآراء والأذواق، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله.
والكلمة الثَّانية لشيخ الإسلام: هي توجيه ونصيحة: لنفسي -أوَّلًا-، ولإخواني -ثانيًا-، ولهؤلاء النَّاس -هداهُم الله-ثالثًا-؛ فلا يزالون -هم- إخوانًا لنا -وإن بغَوا علينا-، ونحن لا نُحاسبهم بِمثل ما حاسبونا فيه؛ بل نُحب لهم الخير بأضعاف ما يُحبونه لنا من الشَّر، ونحن -في ذلك-كلِّه- نتمثَّل قولَ الصَّحابي الجليل والخليفة الرَّاشد عُمرَ بنِ الخطَّاب -رضي اللهُ عنه- القائل: «لا يُجزئ مَن عصى الله فيك بِأحسنَ مِن أن تُطيعَ اللهَ فيه».
لعلَّ في هذا ذِكرى و﴿الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
يقول شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة -رحمه الله-في «مجموع الفتاوي» (15 / 167)-:
« فلا بُد مِن هذه الثَّلاثة»؛ يعني: في الدَّعوة والعلم والتَّعلُّم و..إلى آخره «الْعِلم، والرِّفْق، والصَّبر» نقف هنا -ثوانيَ معدودة-:
أكثرُ المشتغِلين في الجرح والتَّجريح -اليوم- مُنشغِلون عن العلوم الشَّرعيَّة وغارِقون في القال والقيل -بِحجَّة أن هذا جرحٌ وتعديل!-، ويَعتبرون أن أعظمَ ما يتقرَّبون به إلى الله هو هذا الباب! ثم يتَّهمون الْمُخالِف: (مَيَّع.. يُمَيِّعُ.. مُيُوعة..إلخ)!
وأمَّا الرِّفق: فيكادون لا يَعرفونه حتى فيما بين أنفسِهم، فضلًا عن أن يعرفوه نحو الآخرين ممَّن يُخالفونهم ويَطعنون فيهم ويَنبِزونهم النَّبزَ تلوو الآخر.
وأمَّا الصَّبر: فالصَّبر دَعوى عريضة سَمعناها مِن كبارهم وصغارهم، وليس لها نَصيب من الواقع -لا في قليل، ولا في كثير!- و﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾!
«فلا بدَّ مِن هذه الثَّلاثة: الْعِلم، والرِّفْق، والصَّبْر؛ العلمُ قبل الأمرِ والنَّهي، والرِّفق معه، والصَّبر بَعده، وإن كان كلٌّ مِن الثَّلاثة لا بُدَّ أن يكون مُستَصحَبًا في هذه الأحوال»؛ يعني: عند الأمر والنَّهي وبَعدَه وقبله.
ثم قال: «وهذا كما جاء في الأثر عن بعضِ السَّلف: لا يأمرُ بالمعروف ويَنهى عن المنكر؛ إلا مَن كان فقيهًا فيما يَأمرُ به، فَقيهًا فيما يَنهى عنه، رفيقًا فيما يَأمُر به، رفيقًا فيما يَنهى عنه، حَليمًا فيما يَأمُر به، حَليمًا فيما يَنهى عنه».
بالله عليكم -جميعًا-يا مَن تُشاهدونني، وتَسمعون كلامي، وقد يَكون بيني وبين بعضِكم آلافُ الأميال، أو مئات الأميال، أو عشرات الأميال، أو مَن هو قريب-مِن جيراني، وأقرب النَّاس إلي-.. أقول لهم -جميعًا-:
قيسوا أنفسَكم، وسُلوكَكُم، وأخلاقَكم، ومَعارفَكم، وما أنتم تقومون به تُجاه هذا الكلام، ونحو هذا الكلام الدَّقيق العميق الذي فيه الرَّحمة، وفيه التَّأصيل، وفيه جَمْعُ الكلمة على الحقِّ، وفيه الْأُلفة على الصِّدق، وفيه معرفةُ أقدار النُّفوس.
رحمَ الله شيخَ الإسلام الذي كان يقولُ: «أهلُ السُّنَّة أعرفُ النَّاس بالحقِّ، وأرحَمُهُم بالْخَلْق».
فمن هو المتمثِّل هذه المعاني، والثَّابت عليها، والمجتمِع مع إخوانه فيها، وداعيًا إليها؟!
نسأل الله التَّوفيق للجميع...


1. السُّؤال:
ما حُكم الزَّواج للمستطيع: هل يكون آثمًا بِتركه للزَّواج؟ وما حُكم التَّعدُّد؟
الجواب:
أمَّا حُكم الزَّواج للمستطيع؛ فبعض أهل العِلمِ ماذا قالوا؟ قال بعض أهل العِلمِ: الزَّواج حكمُه: تجري عليه الأحكام الخمسة؛ قد يكون واجبًا، وقد يكون مُستحبًّا، وقد يكون مباحًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون مُحرَّمًا، كلّ صورة لها صورة.
لكن: أنا أُضيف إلى هذا -أو أُعدِّل هذا الكلام- فأقول: الأصل في الزَّواج الوُجوب « يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ»؛ هذا فعل أمر، والله -تعالى- يقول في القرآن العظيم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ إذن: هذا أمرٌ، والأمرُ مطلوبٌ تنفيذُه.
لكن: قد يتخلَّف هذا الأمر عند إنسان مريض، أو عند إنسان فقير، أو عند إنسان عنده -مثلًا- خلل في عقلِه وتفكيره، وهكذا.
أمَّا -كأصل الحكم-: أصلُ الحكم -في ذلك- واحد.
وهذا يتضمَّن الجواب عن الشَّقِّ الثاني من السُّؤال؛ وهو قوله: هل يكون آثمًا بتركه للزَّواج؟
أظنُّ أنَّنا أجبنا عن ذلك.
يقول: وما حكم التَّعدُّد؟
التَّعدد بعض العُلماء يقول: أنَّ الأصل فيه الوجوب.
أنا لا أقول بهذا القول، ولا يَنشرح له صدري.
ولكن: أقول: حكم التَّعدُّد الإباحة لِمَن هو محتاجٌ له، والنَّاس- كما يقال- أسرار، وكلُّ إنسان أدرى بنفسِه وأدرى بظَرْفه، فلا نستطيع أن نُطلق الحكم بالإيجاب على كلِّ أحد، ولا نستطيع أن نَمنَعَه عن كل أحد، كُلُّ إنسان أدرَى بِنفسِه.
وتعدُّد الزَّوجات في الإسلام -حقيقة- لها مَقاصد عظيمة -وعظيمة جدًّا- لو أنَّنا تأمَّلناها حُسن التَّأمُّل.

2. السُّؤال:
ما حُكم شَراب (الباربيكان) -وهو نوعٌ من ماء الشَّعير-؟
الجواب:
في الحقيقة: أنا كنت قرأتُ -قديمًا- تقريرًا طِبِّيًّا وتحليلًا مَخْبَرِيًّا يقولُ: إنَّ هذا النَّوعَ من الشَّرابِ في ذاتِه ليس فيه إشكالٌ؛ لكنْ: إشكالُه في ماذا؟ إشكالُه: مع التَّخزينِ، ومع تفاعُلِه في الوِعاءِ الَّذي يكونُ فيه، ومع الحرارةِ؛ قد يتحوَّل إلى مُسْكِرٍ؛ فهنا الإشكالُ، ونحن لا نضمَن ذلك؛ لذلك أَحَبُّ إليَّ ألَّا يكونَ ذلك كذلك.
وبلَغني عن أخي فضيلة الشَّيخ مشهور حسَن أنَّه قامَ بتحليل طِبِّيٍّ -كلَّف به بعضَ الإخوة- ووجدَ أنَّ بعضًا من هذه الأنواع -الآنَ أنا لا أستطيع أنْ أسمّي نوعًا معيَّنًا-، وجدَ بعضًا من هذه الأنواعِ فيها نسبةٌ من الكُحولِ المهيَّأة للشُّربِ والمعَدَّة للشُّرْبِ.
واللهُ يعفو عنَّا وعنكم.

3. السُّؤال:
زوجتي لا تقبل التَّعدُّد وأنا أقدمتُ على خِطبةِ امرأةٍ؛ فما نصيحتكم؟ عِلمًا أنَّها تصرُّ على الطَّلاقِ...[انقطاع] [فيه عن نُشوز الزَّوجة]..
الجواب:
أمَّا موضوع التَّعدد؛ نحن تكلَّمنا بشأنه في السُّؤال السَّابق -سبحان الله!- وجاء السُّؤال الثَّاني وراءه -هكذا- بدون ترتيب!
فكونُها لا تَقبل التعدُّد: فهذا الشَّيء يكاد يكون معروفًا ومقرَّرًا في عالَم النساءِ، لا تكاد توجد امرأة تقبل التعدُّد؛ لكنْ: ألَّا تقبل التعدد من حيث الواقع والغيرة شيء، وألَّا تقبل التَّعدد من حيث الحكم الشَّرعي شيء آخر.
ولا أظن مسلمًا أو مسلمةً يشُكُّون في حكم التَّعدد وهو نصٌّ صريح في القرآن الكريم من حيث شرعيَّته؛ وإنَّما.. أيّ امرأة قد يكون عندها شيء من ذلك -نتيجة الغيرة، نتيجة الطَّبيعة النسائيّة-وما أشبه ذلك-.
أمَّا خروجها مِن غير إذنِك: فهذا -لا شكَّ- لا يجوزُ، لا نريد أن نُسمِّيه نُشوزًا [..انقطاع..]، وإن كان بعض أهل العلم يقول: النُّشوز هو خروج المرأة من بيتها بغير إذن زوجها؛ لكن -أحيانًا- قد يكون الإذن ضِمنيًّا، أو تخرج المرأة وهي تعلم أن زوجها لا يَغضب.. هذه قضايا يجب مراعاتُها في هذا البابِ.
أمَّا؛ مِن حيث الْحُكم: إذا أنت لا تأذن لها بالخروج: فلا يجوزُ لها الخروجُ.
ولكن نصيحتي للأخ الكريم: أن يَصبر؛ الرَّسول -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- عندما ذكَر النِّساءَ قال: «فَدَارِها؛ تَعِشْ بِهَا».
هذا الذي ننصح به الأخَ السَّائل -جزاه الله -تعالى-خيرًا-.

4. السُّؤال:
هل يصحُّ تقسيم قُرْبِ الله إلى قُربِ عامٍّ وقُرْبٍ خاصٍّ؟
الجواب:
رجَّح الشَّيخ ابنُ عُثَيمين أنَّ هذا لا يجوزُ؛ لأنَّ قُرْبَ اللهِ -عزَّ وجلَّ- ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ هو قُرْبٌ لعبادِ الله الصَّالحين، «أَقْرَب مَا يَكونُ العبْدُ مِن ربِّهِ وَهوَ ساجِدٌ».
أمَّا المعيَّة؛ فهي معيَّتانِ:
معيَّة عامَّةٌ لجميعِ الخلق....
وخاصَّةٌ لبعضِ الخلقِ: وهي من الصَّالحين، وهي مَعيَّة النُّصرة والتَّأييد.
وقد شرَح الشَّيخُ ابنُ عُثيمين هذه المسألةَ أكثر في فتاويه ومؤلَّفاته -رحمه الله-تعالى-.

5. السُّؤال:
هل يلزم في النَّذْر أن يتلفَّظَ بكلمة: (نذرًا عليَّ)؟
الجواب:
نقول: لا؛ بل أيُّ كلمةٍ قلتَها تقصِدُ فيها النَّذْر؛ فهو نَذْر؛ يعني: لو إنسانًا قال: (عليَّ كذا) دون أن يقولَ: (نَذْرًا)؛ فهذا (إذا نوَى) -انتبهوا-؛ فالأمر متعلِّق بماذا؟ متعلِّق بالنِّيَّةِ.
لذلك العلماء ماذا يقولون؟ يقولون: أحكامُ الأيمانِ والنُّذُورِ مبنيَّةٌ علَى العُرْفِ.
مثلًا: لو أنَّ أحدًا قال: واللهِ؛ لن آكُلَ لَحْمًا، ثمَّ رأيتَه يأكُلُ سَمَكًا؛ هل يحنث؟ لا يَحنث؛ لأنَّ العُرْفَ يفرِّق بين اللَّحْمِ وبينَ السَّمَك؛ اللَّحم -لَو أُطلق- يُطلَق على لحم الضأن والبقر والجمل -وما أشبه-، وأما السَّمك؛ مع أنَّ الله -تعالى- سمَّاه لحمًا طَرِيًّا في القرآن الكريم؛ لكنَّه لا يكون في العُرْف كذلك.
وكذلك لو قال: لن آكل لحمًا وأكل دجاجًا؛ يعني: الآن لو ذهبتَ إلى بائع الدّجاج -نحن نتكلَّم عن بلادِنا عن عُرْفنا لا أدري في البلاد الأخرى- لو ذهبت إلى بائع الدّجاج وقلت له: أعطني بضعة (كيلوات) لحم! يضحك عليك! ويقول لك: يا أخي! أنا لست لحَّامًا، أنا لستُ جزَّارًا، أنا بائع دجاج، والدَّجاج لحم؛ لكن: القضيَّة مرتبطة بالعُرْف، فهذا مثل ذاك -سواءً بسواءٍ-.

6. السُّؤال:
هل الذي بوَّب «صحيح مسلم» هو الإمام مسلم، أو الإمام النَّووي؟
الجواب:
الإمام مسلم بوَّب كتابَه «الصَّحيحَ»؛ لكنَّه لم يُسَمِّ الأبوابَ، ولم يُعَنْوِنْها، فهمتم؟
أنا أقول: الإمام مسلم بوَّب كتابَه، ابتدأ بأحاديث الصَّلاة، وأحاديث الصَّلاة.. وضع أحاديث الإيمان.. أحاديث فريضة الصلاة.. فضل الصلاة وهكذا..؛ لكنَّه جعلها متسلسلة، لم يضع عند فرض الصلاة -مثلًا- قوله: (باب فرض الصلاة).
جاء العلماء..لا أقول النَّوويّ -فقط-؛ لكن: الذي اشتهر بين أيدينا -في النُّسَخ المطبوعة المتداولة- هو تبويب النَّوويّ؛ وإلَّا: قبل النَّووي هنالك نسخ من «صحيح مسلم» فيها -أيضًا- هذا التَّبويب؛ لكن: ليس تبويب مسلم ولا تبويب النَّوويِّ؛ تبويب علماء آخرين في مثل ذلك، هذا، والله -تعالى- أعلى وأعلم.

7. السُّؤال:
[..من فاتته الجماعة؛ هل يُصلي..] منفردًا في المسجد أو صلاتُه في بيتِه جماعة؟ [يوجد انقطاع في أول السُّؤال]
الجواب:
صحَّ عن ابن مسعود -رضي الله تعالى-عنه أنَّه ذهب إلى المسجد فوجد الجماعة قد انتهت، فرجع إلى بيته فجمَّع بمَن كان معه من أصحابه، كان معه صاحبان فجمَّع بهما..[انقطاع..]..

8. السُّؤال:
ما حُكم الذي يصوم الاثنين والخميس ويصوم النِّصف الثَّاني من شَعبان؟ [لعل قصدَه: يصوم الاثنين والخميس في النِّصف الثَّاني من شعبان]
الجواب:
هنا تنبيهان:
التَّنبيه الأوَّل: أنَّ حديث «إذا انتصَفَ شَعبانُ؛ فلا تصوموا»: اختلف العلماء في صحَّته، فبعض العلماء يُصحِّحه، وبعض العلماء يضعِّفه -هذا من باب الأمانة العلميَّة-.
النُّقطة الثَّانية: أن مَن صحَّحه من أهل العلم واعتَمَده: اختلفوا -فيما بينهم- في فِقهه.
فبعضهم قال: مُباح؛ هذا الحديث جاء لمن ليس مِن عادته الصِّيام.
بعضهم قال: حتى لو كان؛ هذا يَفعله على وجه الكراهة، وليس التَّحريم -يعني: التَّنزيه-.
وبعضهم قال: لا؛ ظاهر الحديث النَّهي بالكليَّة.
أنا أقول -أعوذ بالله من شرِّ نفسي وسيِّئات عملي-: الأَوْلَى عدم ذلك -أولويَّة-فقط-.
وأمَّا مَن فعل؛ فلا أستطيع أن أنكرَ عليه؛ لأن المسألة فيها أقوالٌ لعلماء وكبار وفُحول، وهي مُحتمِلة من جانبَيها: جانب صحَّة الحديث، وجانب فقه الحديث -يعني: ما يُسميه العلماء بالرِّواية والدِّراية-.

9. السُّؤال:
كيف نتفادى المشاكل الزوجية الحادَّة في البيت -رغم وجود المودَّة-؟
الجواب:
وجود المودَّة يجب أن يكونَ هو القاضي على المشاكِل -لا أقول هو النَّافي للمشاكل-؛ هو القاضي على المشاكل، فرق بين النَّفي والقضاء.
أن يكون نافيًا: هذا مستحيل! لأنَّه لا بُد من وجود اختلافات ومشاكل في الأسرة بين الأزواج.
لكن: فرق بين مشكلة تؤدِّي إلى فتنة، وإلى سخط وغضب، وخلل بين الزَّوجين -يُؤثر على الحياة الزوجيَّة-، وبين مشكلة يتغلَّب فيها الْوُدُّ، وتتغلب فيها المودة على هذا الإشكال بالصَّبر والتَّفاهم والاستيعاب وبخاصَّة من الزَّوج؛ لأنَّ المرأة: مطلوبٌ منك -أيُّها الزوج الصَّالح- أنْ تصبرَ عليها ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾؛ هذا أوَّلًا.
الأمر الثَّاني: كما قلنا في الحديث: «دَارِها؛ تَعِشْ بِهَا»، حتى إن النَّبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- أذِن بالكذب على الزَّوجة.
لكن: افهموا! الكذب على الزَّوجة ليس أن تكون حياتك -كلُّها- كذبًا في كذب! هذا لا يجوزُ.
ولكنْ: أن يكون الكذب مَخرجًا لك من بعض المشاكل التي قد تُهدِّد الأسرة، أو فيها إمهال للزَّوجة بأن تمتصَّ سخطَها أو المشكلة التي قامت فيها.
أمَّا أن تكون الحياة -كلُّها- مَبنيَّة على الكذب والكذب والكذب!! فهذا لم يَعُد زواجًا! وهذا -في الحقيقة- أقرب إلى أن يكون فتنةً للزَّوجين! ولا حول ولا قوَّة إلا بالله.

10. السُّؤال:
هل تُعامَل الآثار السَّلفيَّة بمثل ما تُعامَل به الأحاديث في شدَّة التَّحرِّي وتطبيق القواعد عليها؟
الجواب:
نقول: لا؛ لأنَّ الرَّسول -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- ماذا قال؟ قال: «إنَّ كَذِبًا عليَّ ليس ككَذِبٍ على أحَدٍ»، هذا لا يعني أن الكذب على غير الرَّسول جائز؛ لكن: الكذب على الرَّسول -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- جزاؤه أعظم، وشرُّه أكبر، وهو من أعظم الكبائر؛ «مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
فالآثار السَّلفيَّة المنقولة عن بعض الصَّحابة والتَّابعين وتابعي التَّابعين وأهل العلم؛ هذه الآثار مَرويَّة في الكتب بأسانيد، نرَى العلماء كابن القيِّم -مثلًا- وابن رجب -وغيرَهما من أهل العلم-؛ نراهم يستدلُّون بها من غير النَّظر في أسانيدِها، وهذه جادَّةٌ مطروقةٌ.
لكنْ: هنا تنبيهان:
التَّنبيه الأوَّل: ألَّا يكون في الخبرِ المستدَلِّ به أو في الأثرِ حكمٌ بِدْعيّ ليس موجودًا في الدِّين، ليس موجودًا معناه أو حكمه في الكتاب والسُّنَّة؛ حينئذ: لا يجوز.
الشرط الثاني: ألَّا يكون فيه مخالفة لِما هو في الدِّين؛ حينئذ نقول: طالما أنَّه في فضائل، أو في قصص، أو في أخبار، أو في مواعظ، وليس فيه تشريع، وليس يُخالف التَّشريع؛ فهو -حينئذ- مما يجوزُ الاحتجاج به ولو من غير البحث عن صحَّته، ولو من غير النَّظر في سَنَده -كما هو صنيع العلماء الراسِخين..جعلنا الله وإيَّاكم منهم ومعهم؛ منهم على سبيلهم في هذه الدُّنيا علمًا وتعليمًا وتعلُّمًا، ومعهم -إن شاء الله- في جنَّة عرضها السَّماوات والأرض أعدَّت للمتَّقين.




انتهى اللِّقـاء الرَّابعَ عشَر
رد مع اقتباس