عرض مشاركة واحدة
  #12  
قديم 04-03-2021, 05:45 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,218
افتراضي

اللِّقـاء الثاني عشر
(20 شعبان 1441هـ)





[كلمة حول تفاوُت الأفهام بين النَّاس، وقراءة كلمة لشيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله-]
...أحببتُ أن أذكُر نُقطتَين:
النُّقطةُ الأُولى؛ مُتعلِّقة بتفاوُت الأفهام بين النَّاس:
تفاوت الأفهام بين النَّاس: هذا أمر ليس بيدِ أحدٍ تقديرُه، ولا معرفتُه، ولا نهايتُه.
فآياتٌ من القرآن الكريم قد يفهمها أهلُ العلم على وجهٍ، أو يُفسِّرونها على وجه، ويأتي مَن هم ليسوا من أهلِ العلم، أو مَن هم مُبتدِئون في طلب العلم ليتكلَّموا بغير فَهم، ولِيفهموا بغير حقٍّ، وبخاصَّة مع اختِلاف الْبُلدان والظُّروف..[..انقطاع..]..الأعيان أيضًا-؛ هذا -كلُّه- له دَور وأدوار مُهمَّة -ومهمَّة جدًّا- في موضوع الفهم وحُسن التلقِّي والإدراك عن المتكلِّم -أيِّ متكلِّم- بأيِّ مسألةٍ من مسائل العلم.
النُّقطة الثَّانية لها صِلة بالأُولى -وإن كانت غير مباشرة-:
وهي كلمة لشيخِ الإسلام ابن تيميَّة، هذه الكلمة أنا أعتقد أنَّها تُمثِّل منهجًا لشيخ الإسلام، وهذا المنهج أنا لم آخذه من هذه الكلمة التي سأقرؤها الآن -إن شاء الله-؛ ولكنِّي أخذتُها من خلال نظرٍ طويل ومتكرِّر في أسلوب شيخ الإسلام ابن تيميَّة -سواء أكان ذلك في فتاويه، أو في كتبِه، أو رُدوده، أو تعقُّباتِه-، وهو الذي قال عنه الإمام الذَّهبي -مؤرِّخ الإسلام- بأنَّه: (أعرفُ النَّاس بأقوال أصحاب الفِرق والمقالات)، هذه الكلمة عندما يقولوها الإمام الذَّهبي -وهو مَن هو- في شيخ الإسلام ابن تيميَّة؛ فإن هذا يجعلنا على ثِقة كُبرى بهذا المنهج العلمي الدَّقيق، مع التَّنبيه إلى أنَّه في النهاية بَشَر، والذَّهبي بشر [.. انقطاع..].
لكن: فرقٌ بين أن يكون الخطأُ أصليًّا -في أصل المنهج-، وبين أن يكون الخطأ في فرع من فروع المنهج، وهذا -أيضًا- أشار إليه شيخُ الإسلام ابن تيميَّة كثيرًا.
أمَّا النُّقطة التي أريد-الآن-أن أشير إليها: وهي أن شيخ الإسلام -في معرض ردِّه على الفِرق والمقالات-: كان يُفاضِل بينهم -أحيانًا- بقَدْرِ السُّوء، وأحيانًا بقدر البِدعة، وأحيانًا بقدر الأثر والنَّتيجة.
أقول هذا -وما قبله-؛ لأنَّه وردت بعضُ الأسئلة على مسألة كرَّرتُها مرَّتين -في يومين-، ومع ذلك -للأسف الشَّديد!- إلى الآن؛ البعض كأنَّه -مَعذرةً- لم يَفهم، أو -معذرةً أخرى- كأنَّه لا يريد أن يَفهم! مع أن الكلام واضح، و(لكلِّ مقام مقال).
الكلام على الفيسبوك حيث يَحوي مَن نَعرف ومَن لا نَعرف، مَن يَفهم ومَن لا يَفهم -معذرةً من الجميع-، غير أن يكون في مجلس طلبة علم يَفهمون ما أقول -باصطلاحاتِنا، وبعباراتِنا، وألفاظنا-.
يجب على مَن يُشكِل عليه شيء يَعرِف عنِّي ما هو أوضح منه؛ أن يَفهمَ هذه القضيَّة، وأن يُدركَها بأبعادها، وأن يَعرف المقام الذي نحن نتكلَّم فيه في هذا الباب -وهو الفيسبوك، والبث المباشر- الذي يَحوي من هبَّ ودبَّ من النَّاس-مع احترامي للجميع، وتقديري للجميع-.
يقول شيخُ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله-في المجلد الثَّالث عشر، في الصفحة (96)-من «مجموع الفتاوى»-، يقول:
«وقد ذهب كثيرًا من مبتدِعة المسلمين -من الرَّافضة والجهميَّة-وغيرهم- إلى بِلاد الكفَّار، فأسلم على يدَيه خلقٌ كثير، وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلِمين مُبتدِعين، وهو خيرٌ من أن يكونوا كُفَّارًا».
لو أردتُ أن أعلِّق، وأن أشرَح، وأن أعقِّب على هذا الكلام الذَّهبي -من شيخ الإسلام ابن تيميَّة-؛ لطال بنا المقام كثيرًا -وكثيرًا جدًّا-؛ لكن: أحببتُ أن أَذْكُرَ هذا للذِّكرى، والذِّكرى تنفع المسلمين.
وأسأل الله أن يُبارك لنا ولكم، وبنا وبكم، وأن يَنصرَنا على أنفسِنا، وأن يهديَ مُخالِفينا، وأن يغفر لنا ذُنوبَنا، وأن يثبِّتنا على الحق، وأن يُحسِن خواتيمَنا -بمنِّه وكرمِه-.
والله -تعالى- أعلى وأعلم.

1. السُّؤال:
هل يجب الالتِزام بالذِّكر الوارِد حرفيًّا، أم يجوز بالمعنى -مع التَّنبُّه لعدم تغيير المعنى-؟
الجواب:
الأصل: الالتزام به؛ يعني: عندما يُعلِّمنا النَّبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: «اللَّهمَّ! أعنِّي على ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسْنِ عِبادَتِك» هذا لا يحتاج أن تقول: (اللَّهمَّ! أعِنِّي على أن أشكركَ، وأن أكون مِن الذَّاكرين لك).. إلى آخره-يعني: روايةً بالمعنى-.
لكن: إذا لم تَضبط المعنى -لِسبب، أو آخر-؛ فلا مانع أن تَذكُرَه بالمعنى؛ إذا كنت عارفًا لِما يُغيِّر الألفاظ والمعاني.
أمَّا أن تأتي بألفاظ تظنُّها شيئًا ولا تكون كذلك؛ فهذا لا يجوز.

2. السُّؤال:
هل استقبال القبلة في الدُّعاء شيءٌ محمود؟
الجواب:
بلى؛ لا شكَّ ولا رَيب أن استقبال القبلة مِن آداب الدُّعاء، ومن الأشياء المحمودة في الدُّعاء.
لكن: هل هي شَرطٌ؛ بمعنى: أنَّه لا يصحُّ الدُّعاء إلا بها؟
نقول: الجواب: لا؛ وإنَّما يَصحُّ؛ لكن: خالَفَ الأَوْلى، وخالف الأفضل.

3. السُّؤال:
هل بإمكان طالب -يعني: طالب للعلم- أن يُفلح طلبُه دون حفظ كتاب الله كاملًا -خُصوصًا إذا كان الطالب مُتقدِّمًا في السِّن-؟
الجواب:
أنا اقول: حِفظ كتاب الله -عزَّ وجلَّ-بالنِّسبة لطالب العلم-: مُهِمٌّ، ولا يَمنعه عن طلب العلم؛ بل إنَّ أعظم ما ينبغي أن يُطلَب عِلمه: هو علم كتاب الله.
فلا تيأس، ولا تَظن أنَّ القطارَ قد فاتك بأن تقول: (أنا كبير في السِّنّ)! فَكِبَر السِّنِّ ليس عائقًا؛ بالعكس: كِبر السِّنِّ فيه كِبر العقل، وفيه النُضج، وفيه الرَّغبة الأشدُّ في طلب العلم.
وكثيرٌ من أهل العِلمِ طلَبوا العلمَ على كِبر، ثم نَبَغُوا وصاروا من أهل العِلمِ.
لكن: إيَّاك أن تقول: أنا لا أريد أن أحفظ كتاب الله، أو أن أستبعد حِفظ كتاب الله -عزَّ وجلَّ-؛ لأني كبير.. أو..أو..! هذا -كلُّه- مما لا ينبغي، ولا يجوز.

4. السُّؤال:
هل يجوز تتبُّع رُخص العُلماء؟
الجواب:
لا يجوز، يقول الإمام أيُّوب السختياني: «مَن تتبَّع رُخصةَ كلِّ عالِم؛ اجتَمَعَ فيه الشَّرُّ -كلُّه-»!
فتتبُّع الرُّخَص قد يُؤدِّي إلى الفساد الأخلاقيِّ والسُّلوكيِّ والمنهجي!
لكن: أنا سأفرض أن -هنالك- إنسانًا جاهلًا؛ فالجاهل مَذهبُه مذهب مُفتِيه،فيتَّبع مَن يثِق بِعلمِه ودينِه أكثر في فتاواه، وإذا كان -ثمَّة- إثمٌ فَعَلَى مَن أفتاه بذلك؛ كما ورد في حديث -يُصحِّحُه بعضُ أهل العِلمِ- في «سنن أبي داوود»: أنَّ النَّبي ﷺ قال: «مَن أُفْتِيَ فُتْيا غيرَ ثَبْتٍ؛ فَإِثمُهُ على مَن أَفْتاهُ».

5. السُّؤال:
نحن في العراق عندنا العزاء: يجلس أهلُ الميِّت والنَّاس يُعزِّونهم، ولا تخلو مجالس العزاء من البِدع -مثل: صنع الطَّعام-، فنذهب -نحن السَّلفيين- نُعزِّي، فنجلس عشر دقائق مع شُرب الشَّاي ونترك المجلس؛ فاعترض علينا بعض طلاب العلم بأن هذا من النِّياحة؟
الجواب:
الحقيقة؛ ينبغي تقدير الأمور؛ كما يقول شيخُ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله-: «ليس الفقيهُ الذي يَعرف الخيرَ مِن الشَّرِّ؛ ولكن الفقيه الذي يَعرف خَير الخَيْرَيْن وشَرَّ الشَّرَّيْن»؛ بمعنى: مثلًا؛ السُّؤال عن مجلس عزاء:
هذا المجلس للعزاء لو أنَّني لم أذهب إليه قد تترتَّب فِتنة -خاصَّة في القُرى-مثلًا-، أو في بعض الأُسَر والقبائل-، فأنا أذهب عشرَ دقائق -كما قال الأخُ الكريم-؛ حتى أدرأ هذه الفتنةَ، ولا أُجالسُهم، ولا أشاركهم في ما هم فيه مُخالِفون لِلسُّنَّة.
بينما؛ صورة أخرى: لو لم أذهب؛ لن يكون هنالك أثر، أو تأثير، ولا سَلبيَّات؛ فأنا أقول: الأفضل أن لا تذهب بمثل هذه المذاهب.
ونحن ضد الإنكار الذي يتضمَّن العنف، الإنكار يكون على مَن استَكبر؛ أما قبل ذلك: فالنَّصيحة والمودَّة، و: «لا يُؤمِنُ أحدُكُم حتَّى يُحِبَّ لأخيهِ ما يُحبُّ لِنَفسِه» -كما ذكرنا-في المجلس الماضي، أو الذي قبله-عن النَّبي-صلَّى الله عليه وآله وسلَّم-.

6. السُّؤال:
حول الْمُسافِر: هل نُحكِّم الْعُرف الذي أوَّل مَن قال به شيخُ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله- ونترك أحاديث النَّبيِّ ﷺ التي ثبت القصر بِفرسَخ أو فرسخين وثلاثة فراسخ، وإن كُنَّا نُحكِّم الْعُرف؛ فلماذا لا نُحكِّم عُرفَ الصَّحابة -رضي اللهُ عنه-؟
الجواب:
هذا سؤالٌ جيِّد..
أنا أقول: أصلًا: اختِلاف المنقول بفَرسَخ وفرسخين وثلاثة، وعن الصَّحابة ما هو أكثر أو أقل -وما أشبه ذلك-؛ هذا يدلُّ على اختِلاف الأعراف، وعلى اختِلاف الظُّروف والأحوال، وأنَّ هذا الفِعل -بحدِّ ذاتِه- ليس شرطًا، ولا ضابطًا، الأفعال ليس بها ما تنضبط بها الأمور؛ وإنَّما تنضبط الأمور بالشَّرع، فما أَهْمَله الشَّرعُ يَضبِطُه الْعُرف.
مثلًا: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾؛ الآن المريض: مَن أصيب بجُرح في طرف أصبعه يُسمَّى مريضًا، مَن جُرحَ هنا، أو في قدمٍ، أو..أو.. يُسمَّى مريضًا، ويذهب إلى الطَّبيب ويُعالَج؛ لكن: هل هذا المرض يُقعِده عن الصَّوم؟ الجواب: لا.
ما الضَّابط؟ الْعُرف، الْعُرفُ المتوارَث: أنَّه ليس كل مَن هو مريض يكون جائزًا له الْفِطر في نهار رمضان.
كذلك: ليس كلُّ مُسافر.. المسافر التي تنطبقُ عليه الأعراف في زمان، أو مكان أنَّه مُسافر؛ هو الذي تنطبقُ عليه الأحكام الشَّرعيَّة.
ومِن باب الأمانة العِلميَّة: هذه مسألة خلافيَّة كبيرة -يا أخي-، لستُ أوَّل القائلين بها، ولا ابن تيميَّة -كذلك- أوَّل القائلين بها، ولن نكون آخرَ القائلين، والمسألة مسألة أُلِّفت فيها مؤلَّفات مُستقلَّة بين العلماء وعندهم وفي تاريخِهم العِلمي، ونحن نُجيب ولا نُلزِم النَّاس؛ كما كان شيخُنا الإمام الألباني -رحمه الله- يقول: (كلامي مُعلِم وليس بِمُلزِم)، وكان يقول: (قُل كلمتَك وامش)!
فأنا يَسألني سائل أجيبُه، وليس لي عليه ضربةُ لازِب -كما يُقال- بأن أُلزِمه بما أقول، أو أن يَلتزم مِنِّي ما أقول، لا؛ نحن ضد هذا الإلزام؛ إنَّما كلٌّ كما قال الله -سُبحانه في عُلاه-: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾.

7. السُّؤال:
هل يجوز أن نقولَ: (عندما يوفِّقك اللهُ لأداء صلاة الفجر في وقتها؛ فاعْلَم أنَّه اصطفاك الله مِمَّن حولك من النَّائمين والغافلين، فهي نعمة تَستحق الشُّكر) -مع التَّركيز على كلمة (اصطفاك)؟
الجواب:
نقول: لا بأس في ذلك -مِن حيث التَّذكُّر، أو التَّذكير، أو الذِّكرى-؛ لكن: لا أن تكون شيئًا مُستمرًا -ودائمً،ا ومكرَّرًا، ومذكورًا-؛ هذا غير صحيح.
أمَّا أن يُقال ذلك مِن باب الشُّكر لله -عزَّ وجلَّ-، ومِن باب الحمد الذي يَتبعُه -إن شاء اللهُ- مَزيد من العلم النَّافع والعمل الصالح والقيام بما أوجبه الله علينا؛ فلا بأس بذلك في بعض الأحايين -دون التِزامه، ودون التَّكرار له-.

8. السُّؤال:
هل هذا التَّفريق صحيح: بين قول القائل -أمام قبر وليٍّ صالح ميِّت-: (أغِثْنا، ونَجِّنا، وأدْرِكنا) أنَّ: هذا شركٌ أكبر، وبين قولِه للميِّت: (اشفعْ لنا عند الله)، أو: (ادعُ لنا الله) على أساس أن الميتَ يَسمع في قبره، وأن هذا مُحرَّم؛ ولكن لا يصل للشِّرك الأكبر؛ لأنَّه لم يدعُ غير الله؟
الجواب:
نعم؛ هذا صحيح.
الثَّاني لم يدعُ المخلوق؛ وإنَّما دعا ربَّ العالمين بواسطة هذا المخلوق، فهذا قد يكون نوعًا من التَّوسُّل، أو قد يكون بين التَّوسُّل والاستِغاثة، فيه خَليط بين الصُّورَتَين؛ لكن: ليس هو استِغاثة صِرفة -لأنَّ الاستغاثة الصِّرفة فيها طلب مُباشر مِن العبد-.
وأنا أعجب مِن الذين يَستغيثون بغير الله -واللهِ-يا إخواني-! أعجبُ جدًّا!
أنت تَطلب النَّجاة ممَّن لم يُنجِ نفسَه فمات مريضًا أو مشلولًا أو مفؤودًا.. أو..أو..أو.. إلى آخره! هو لم يستطيع أن يَنجوَ بنفسِه، أو أن يُنجيَ نفسَه؛ فكيف تطلب منه أن يكونَ سببَ نجاة لك؟!!
هنالك فلسفة -عند بعض الفِرَق- تقول: باعتبار أن الفاعل هو الله: فأنت عندما تدعو الوليَّ كأنَّك تدعو الله، وعندما تستغيث بِالوليِّ كأنَّما تَستغيث بالله!!
هذه فلسفة ما أنزل اللهُ بها من سُلطان، ويترتَّب عليها مِن الفساد شيء عريض -أنَّ الإنسان لا يُحاسب على أعماله لأنَّ الفاعل هو الله!!-؛ فهلَّا فَهِم القائلون بهذه الفلسفة -الوافدة- هذا الأثرَ الشَّنيع؟! نسأل الله العافية!
مع التَّنبيه إلى نُقطتَين -في نفس هذا السُّؤال-أيُّها الإخوة الأحبَّة-:
النُّقطةُ الأولى: أنَّ الرَّاجح أن الأموات لا يَسمعون في قبورهم؛ إلا لحظة سُؤال الملَكَين -كما ورد في الحديث: فإنَّه «يَسمَعُ قَرعَ نِعالِهم»، أمَّا غير ذلك ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ إلى آخر ما هنالك.
وهنالك كتاب: «الآيات البيِّنات في عدمِ سَماع الأموات» لِلألوسي -الذي حقَّقه شيخُنا الشَّيخ الألبانيُّ-رحمه الله-، فيه فوائدُ جَمَّة -في هذا الباب-.
النُّقطة الأخرى -الْمُهِمَّة-: أنَّنا عندما نقول: (هذا شِرك) لا نَعني أنَّ القائلَ مُشرِك، أو الفاعلَ مُشرِك، فنحن نُفرِّق بين الفِعل والفاعل.
نقول: ليس كلُّ فِعلٍ يكون فاعلُه كافرًا -والعياذ بالله-؛ إلا: إذا وُجدت الشُّروط وانتفت الموانع، وكان الحاكِم بِذلك عالِمًا من أهل العِلمِ.
أمَّا أن يَدخل هذا الباب مَن لا يَسوَى ومَن لا يَسوَى..، ومَن لا يَفهم، ومَن لا يَفقه! نقول له: (ليس هذا بِعُشِّكِ؛ فادْرُجي)!
هذا بابٌ خطير، لا يَجوز أن تَفهم منه أن قولَ العالِم: (هذا شِرك) يَلزم منه أنَّ كلَّ فاعلٍ له مُشرِك.
واللهُ -تعالى- أعلى وأعلَمُ.

9. السُّؤال:
نريد كلمة حول مُحدِّث اليمن: الشَّيخ مُقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله-.
الجواب:
الشَّيخ مقبل -نفع الله به في حياته- نفعًا عظيمًا، وفي منطقتِه التي كان فيها -(دمَّاج)، وما حولها-، وهي منطقة الزَّيديَّة في اليمن، حتى انقلب كثير منهم إلى السُّنَّة وأهل السُّنَّة وعلم الحديث والعقيدة السَّلفية الصَّحيحة؛ فهذا مِن فضل الله عليه، ونشر اللهُ به -بِجهود فَرديَّة، مع مَن يُعينُه بالشَّيء اليَسير- الخَلْقَ الكثير -ولله الحمد-.
وأنا أذكر سَنة (82) أو (83): جاء الشَّيخ القاضي العلامة محمَّد بن إسماعيل الأَكْوع -وهو من كبار علماء اليمن-في ذلك الحين-، والشَّيخ مُقبل -يومئذ- لا يزال في أوَّل دعوته، ولم يَبلغ الشُّهرة الكبيرة، فسألتُه، قُلتُ له.. أنا شخصيًّا سألتُه: هل تَعرف الشَّيخ مُقبل بن هادي الوادعي؟ فقال لي: (لقد نَصر اللهُ به السُّنَّة)؛ نَعم -واللهِ- أنا أشْهَد!
ولعلَّ هذه الكلمة أنا أقولها وأنقُلُها لأوَّل مرَّة؛ لكن: لا بُد مِن شهادةِ حقٍّ لهذا العالِم الجليل الذي لم أتشرَّف بِلقائه -مُطلَقًا-وللأسف الشَّديد!-، وتشرَّفت -مرَّة- بمحادثته هاتفيًّا -في آخر عُمره-، لَمَّا كان في أمريكا، جرى اتِّصال هاتفي بيني وبينه، وكانت منه كلمات طيِّبة مُباركة؛ فرحمه الله، وجمعنا وإيَّاكم وإيَّاه في جنَّة الله.

10. السُّؤال:
هلّا حدَّثتنا عن جلَد وصَبر وهمَّة شيخنا الألباني -رحمه الله- في البحث والمطالعة والقِراءات، ولو شِئتَ -أيضًا- حدَّثتنا عن طُرفة وقعت لك معهُ -رحمه الله-.
الجواب:
الحقيقة؛ الكلام في الشَّيخ الألبانيِّ كالكلام في كثير من أهل العِلمِ، ما شاء اللهُ؛ عندهم من السَّعة في العلم والْجَلَد على طلبِ العلم، والصَّبر في طلب العلم الشَّيء الكَثير.. الكثير.. الكثير.
ولكن: نحن لم نُعايِش من العُلماء إلا قليلًا، وعندما نقرأ -في سِيَر العُلماء، وفي كتب التَّراجم والتَّواريخ- عنهم: واللهِ.. وتاللهِ.. وبالله؛ إنَّنا لَنستصغِر أنفسنا كثيرًا -وكثيرًا جدًّا- بِجانب تلك القامات العاليات، والهامات الجزيلات الجليلات!
أنا أذكُر أنَّ الشَّيخ الألبانيَّ -رحمه الله- أيَّام حرب الخليج -في احتلال العراق للكويت-لا أعاد اللهُ هذه الأيَّام على المسلمين وعلى الأمَّة الإسلاميَّة والعربيَّة-: انتشرت -عندنا- أحاديث كثيرة مكذوبة ومُفتراة، منها: حديث طويل -في صفحة كاملة- نقلَه بعضُ الخُطباء عن كتاب «كنز العُمَّال» لِلمُتَّقي الهندي..
و«كنز العُمال» -لمن لا يَعرف-: منقول -أصلًا- من كتاب «الجامع الكبير» أو «جَمْع الجوامع» للسُّيوطي؛ لكن «جَمْع الجوامع» للسُّيوطي، قَسَمه قِسمَين: الأحاديث القوليَّة رتَّبها على الحروف الهجائيَّة، والأحاديث الفِعليَّة رتبها على مسانيد الصَّحابة -مُسند أبي بكر، مُسند عمر.. وهكذا-، وجاء الْمُتَّقي الهندي في «كنز العمال» فرتَّب الكتابَ على الأبواب الْعِلميَّة -الصَّلاة، والصِّيام، والزَّكاة، والحج..-؛ لكن: له ترتيب آخر ضَمَّ هذا التَّرتيب وجَمَع هذا التَّرتيب.. لا أريد أن أدخلَ فيه -حتى لا أُطيل القول-..فإذا بـ«كنز العمال» يَعزو الحديث لـ«تاريخ دمشق» لابنِ عساكر.
الحديث صار عليه ضجَّة وضوضاء كبيرة، وصار فيه تحريف و-حتى- تَجاوُز، ودخول في عِلم الغيب -وما أشبه-في تلك الفترة الحرِجة من تاريخ الأمة-.
فكان الشَّيخ الألبانيُّ يُسأل عن هذا الحديث، فكان -يومئذٍ- مطبوعًا من كتاب «تاريخ دمشق» لابن عساكر مُجلَّدات قليلة، وكانت عند الشَّيخ الألبانيِّ -رحمه الله- صورة عن النُّسخة المخطوطة من ثمانيةَ عشرَ مجلدًا، كلُّ مجلَّد ألف صفحة مِن القطْع الكبير -ليس أي قَطع؛ يعني: أكبر نوع من أنواع الكتب-!
الشَّيخ بحث في المجلَّدات المطبوعة؛ لم يجد الحديث! بدأ يقرأ المخطوط..
وقراءة المخطوط -لمن لا يَعرف- صعبة وعسِرة -وليست بالسهلة، ولا باليسيرة-، تحتاج صَبرًا وجَلَدًا، فكنت أتَّصل بالشَّيخ الألبانيِّ -كل يوم-تقريبًا-: يا شيخَنا! هل وجدتَ الحديث؟ يقول لي: لا؛ لم أجده! ..هل وجدت الحديث؟ -أوَّل يوم.. ثاني يوم.. ثالث يوم.. رابع يوم.. والشَّيخ لا يُغادر بَصرُه هذا الكتاب -بِمخطوطتِه، وصُعوبة خطِّه، وكِبَر صفحاتِه، وحَجمها و..و.. إلى آخره-، فحينئذٍ: سألتُ الشَّيخ الألبانيَّ -في اليوم الخامس- قلت له: يا شيخنا! هل وجدتَ الحديث؟ قال: وجدتُه! ولا نامت أعيُنُ الجهلاء!!
نعم؛ أيُّ صبر هذا؟! وأي عِلم هذا؟! وأي جَلَد هذا؟!
رحم الله شيخَنا، وسائرَ شُيوخنا وعلمائنا وأئمَّتنا، وألحقَنا بهم في الصَّالحين من عباده.
وقصَّة الورقة الضَّائعة هذه -وحدها- تَكفي -أيضًا- لِبيان جَلَده وأثر هذا الجَلد على حياتِه العِلميَّة الجليلة التي قضى فيها أكثرَ مِن ثلاثةِ أرباع عمره المبارَك -إن شاء اللهُ- في خدمة العلم -عامَّة- والسُّنَّة النَّبويَّة -خاصَّة-.

11. السُّؤال:
نلاحظ قلَّة الاهتمام بمسائل الزَّكاة من قِبل كثير من طلاب العلم؛ بحيث قد تجدُ أحدَهم يتكلَّم في المسائل الكبار؛ لكنَّه: إن سُئل في مسألة من مسائل الزَّكاة؛ يكاد لا يستجمع جوابًا مُفصَّلًا عليها!؟
الجواب:
أَتدري ما السَّبب -يا أخي-؟
السَّبب أن أكثرَ مَن حَول طُلاب العلم مِن الفقراء والمساكين؛ فهُم يحتاجون..
حتَّى طُلاب العلم: أكثرُهم فقراء ومساكين -نسأل الله أن يُغنيَنا وإيَّاكم وإيَّاهم من فضله-، فهم يَهتمُّون بما فيه النَّفع، وبما يَكثر حولَه السُّؤال، وإن كان هذا -لا شكَّ ولا ريب- نقصًا في طالب العِلم.
وطالب العِلم الذي يقرأ في الصَّلاة والصِّيام والحجِّ والجهاد والمعاملات؛ يجبُ أن يَقرأ -مِن ضمن ذلك- الزَّكاة؛ فالزَّكاة أمرُها مُهِمٌّ، وهي فريضة مِن فرائض الإسلام -بِفُروعها ودقائقها ومسائلها-، ولا يجوز إهمالُها.
لكن -بالْمُقابل-: ما منَّا إلا رادٌّ ومَردود عليه، وما منَّا مِن أحد إلا وعنده نَقص، ونسأل الله أن يَسُدَّ نَقصَنا، وأن يَغفر لنا عَجزَنا، إن ربِّي سميع الدُّعاء.

12. السُّؤال:
ما حكم مُخالفة وليِّ الأمر في القوانين التَّنظيميَّة -كنازِلتِنا الحادثة -هذه؟ يقصد: كورونا -وما أشبه-رفعها اللهُ عنَّا وعن المسلمين-.
الجواب:
أنا أُريد أن أسأل السَّائل -في معرض الجواب- أقول: لو أنَّك تعيش في بلد غَربي، أو في بلد حاكِمُه غير مسلم -أصلًا-، وأصدَرَ قرارًا تنظيميًّا، ورتَّب عليه جزاءً وعقوبةً؛ هل تستطيع أن تُخالفه؟ لا تستطيع! ولا بُدَّ أن تُطيعَه.
لكن فَرق: بين أن تُطيع هذا الحاكم غير المسلم في هذه الأمور التَّنظيميَّة خوفًا أو جزعًا، وبين أن تُطيعَ الحاكم المسلم -في هذه الأمور التَّنظيميَّة- مِن باب (أطيعوا أُولي الأمر منكم)؛ فأنت مأجور -إن شاء اللهُ-في كِلتا الحالتَين-، وليس عليك إثم إلا في هذه المخالَفة التي تنكَّبتَ فيها أمر مَن ولَّاه الله عليك.
ونحن على قاعدة مستمرَّة ومستقرَّة: «إنَّما الطَّاعةُ بالمعروف» و«لا طاعةَ لِمخلوقٍ في مَعصيَةِ الخالِق» -سُبحانهُ وتَعالى-.

13. السُّؤال:
ما حكمُ الصَّلاة وراء إمام يُخفِّف صلاتَه كثيرًا؟
الجواب:
الرَّسول يقول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: «مَن أمَّ؛ فلْيُخفِّف»؛ لكن التَّخفيف -هذا- لا بُد له مِن ضابط.
ضابِطُه: أن لا يكون للتَّخفيف -المذكور- أثرٌ سلبيٌّ على أركان الصَّلاة والاطمئنان في الصَّلاة؛ لا مانع -حينئذٍ-، هذا أمر حضَّ عليه الرَّسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-.
أمَّا إذا كان التَّخفيف لدرجة التَّأثير السَّلبي على أركان الصَّلاة واطمِئنانها -الذي هو شرط في صحَّة الصَّلاة-؛ فحينئذ نقول: لا يجوز أن تُصلِّي خلف مَن هذا حاله -في أيِّ طريقة من الطُّرق-.

14. السُّؤال:
هل الصَّلاةُ في البيوت لها أذان وإقامة، أم إقامة فقط؟
الجواب:
الأكمل -ولا أقول: الواجب-: أن يكون لها أذان وإقامة، فهذا أكملُ الصُّوَر.
الصُّورة التي هي أقل منها: أن تُقيم ولا تُؤذِّن.
ويجوز: أن تُصلِّي مِن غير أذان ولا إقامة؛ لكنَّه فِعلٌ ليس هو الأفضل، هو فيه مُخالَفة للسُّنَّة، ولكن ليس فيه إثم -فضلًا عن أن يكون مؤثِّرًا على صحَّة الصَّلاة-.


انتهى اللِّقـاء الثَّاني عشر
رد مع اقتباس