عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 10-09-2011, 11:07 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي

يجبُ أن نعلمَ أمرًا: أنَّه قد ورد في بعضِ الأحاديثِ ذِكرُ نارٍ أُخرَى جعلتْ بعضَ أهلِ العلم يَخلِطون بين النَّار التي وردتْ على الصِّفة التي ذكرتُها وأشرتُ إليها، وبين النَّار التي هي مِن علاماتِ السَّاعة الكُبرى.
ففي «صحيحيِ البُخاري ومُسلم»: عن أبي هريرةَ -رَضيَ اللهُ عنهُ-: أنَّ رسولَ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال: «لا تَقومُ السَّاعةُ حتى تَخرُجَ نارٌ مِن أرضِ الحجازِ تُضيءُ أعناقَ الإبلِ ببُصرَى».
(بُصرَى): مِن بلاد الشَّام، وهي مِن أعمال (حَوران) كما يُقال لمنطقة (دَرعا) وما حولها؛ هذه كلُّها في إقليم كبيرٍ يُسمَّى (حَوران)، منها مدينة اسمُها (بُصرى) -أو كانت في ذلك الوقت بهذا الاسم-.
قال الإمامُ النَّوويُّ: «تواتر العلمُ بِخُروج هذه النَّار عند جميع أهلِ الشَّام»، هذا خبرُ أهلِ الشَّام -الذين رأَوا-.
أمَّا القُرطبي؛ فماذا قال؟ «قد خرجتْ نارٌ بالحجازِ بالمدينةِ، وكان بدؤُها زلزلةً عظيمة».
قال الحافظُ ابنُ كثيرٍ في «البدايةِ والنِّهاية»: «خرجتْ هذه النَّارُ يوم الجُمعة، في الخامس مِن جُمادى الآخرة، سنة أربعٍ وخمسين وستِّمئة، واستمرَّت أكثر مِن شهرٍ»!
لكنْ: هذه النَّار ليست نارَ المحشَر، هذه مُعجِزة -لا شكَّ، ولا ريب-، وعظيمة.
يقول ابنُ كثير -ناقلًا عن شِهاب الدِّين أبي شامَة-، قال: «أخبرني مَن أثِقُ به -ممَّن شاهدَها- أنَّه بلغهُ أنَّه كُتِب بِتَيماءَ على ضوئِها الكُتب».
انظروا المدينة وانظروا تَيماءَ؛ كم بينها -مِن أميال وكيلوات-؟
قال: «وكُنَّا في بيوتِنا تلك اللَّيالي وكأنَّ في دارِ كلِّ واحدٍ منها سراجًا، ولم يكن لها» أي: هذه النَّار «حرٌّ ولفحٌ -على عِظمِها-!».
هي نارٌ معجِزة -ليست مُحرِقة-بمعنى أنَّها تؤذي النَّاس-، حتى الحرُّ واللَّفح كما يقولُ هؤلاء المعايِنون -والواحدُ منهم شاهِدٌ يُعايِن هذه القضيَّةَ- قال: «لم يكنْ لها حَرٌّ ولَفحٌ -على عِظمِها-، وإنَّما كانت آيةً مِن آيات الله -عزَّ وجلَّ-».
قال: «ورأى الناسُ سَناها مِن مكَّة -شرَّفها اللهُ-» (سَناها): أي ضوؤُها ولَمعانُها.
قال ابنُ كثيرٍ: «وأمَّا (بُصرَى)؛ فأخبرني قاضي القُضاةِ صَدرُ الدِّين عليُّ بن أبي قاسمٍ التَّيميُّ(1) الحنفيُّ قال: أخبرني والِدِي، وهو الشَّيخ صفِيُّ الدِّين» أحد علماء بُصرى الشَّام «أنَّه أخبرهُ غيرُ واحدٍ من الأعرابِ صبيحةَ تلك اللَّيلة -ممَّن كان بحاضرةِ بلد بُصرى- أنَّهم رأَوا صفحاتِ أعناقِ إِبلِهِم في ضوءِ هذه النَّار التي ظهرتْ مِن أرضِ الحجاز».
وذكر ابنُ كثيرٍ -أيضًا- في «البداية»: «أنَّ النَّاس كانُوا يسيرون على ضوءِ هذه النَّار بالليلِ إلى تَيماء!» انظروا المسافة! قال: «كانوا يَسيرون.. باللَّيل»؛ كأنَّها نهار؛ مِن شدَّة ضيائِها ولمعانِها!!
ينبغي أن يُعلم شيءٌ؛ وهو: لماذا جعل اللهُ هذه النَّارَ هي نارَ المَحشَرِ، هي النَّار التي تحشُر النَّاسَ؟
في الحقيقةِ: تأمَّلتُ ذلك؛ فرأيتُ بعضَ أهلِ العلم ذَكَر وجهًا، ووقع في نفسِي وجهٌ آخر.
أما الوجهُ الأوَّل: فطبائعُ البشرِ أنَّهم لا يَسيرون باللِّينِ المَحض؛ وإنَّما هم بِحاجةٍ إلى شيءٍ مِن القوَّةِ والدَّفع؛ فلا يوجدُ أقوى مِن هذه النَّار التي منها يَهرُبون، فيُحشَرون مِن الشَّرقِ والغربِ إلى بلادِ الشَّام، حتى توافِق طبائعَ النَّاس في أنَّهم يُدفَعون دفعًا إلى هذا الموضِع؛ وإلا: لو تُرِكوا حيث يُريدون؛ لما ذهبوا إلى هذا المكانِ -الذي هو أرضُ الحَشْرِ والنَّشْر-، لذَهبَ كلٌّ منهم إلى حيثُ يريدُ.
أمَّا الوجهُ الآخر الذي أشرتُ إليه: فهي كأنَّ في ذلك تَذكيرًا لهم بماضي حياتِهم، وبما سيأتي لهم في أُخراهم.
فهم بأعمالهم الصَّالحةِ -إن كانوا صالِحين- هرَبُوا مِن النَّار، وهُم -فيما يستقبِلون بعد الحَشرِ والنَّشْر- سينجُون -إن كانوا صالِحين- من النَّار؛ فهم كأنهم بين ثلاثةِ أنيارٍ: نار أولى يَهرُبون منها -وقد خوَّفهم اللهُ-تَعالى-بِها-، ونارٌ دفعتهُم وجَمَعتْهم، ونارٌ أُخرَى هي الواقِعُ المحسوسُ الملموس الذي كانُوا منه يَخافون، ومنهُ يُخوَّفون، فمَن كان صالحًا؛ نَجا، ومَن كان على غيرِ ذلك؛ هلكَ وكان مُكردَسًا في نار جهنَّم -والعياذُ بالله-تباركَ وتَعالى-.
وأمَّا الحديثُ الآخرُ؛ فهو النصُّ على ما نحنُ فيه مِن نارِ المَحشَر: حديثُ معاوية بن حَيدة -رَضيَ اللهُ عنهُ-وهو في «مسند الإمام أحمد» وغيره-: أنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال: «إنَّكُم تُحشَرونَ رِجالًا ورُكْبانًا» (رِجالًا): أي مُترجِّلين على أقدامِكم، و(رُكبانًا): أي راكِبين، وجاءنا في الحديث الأوَّل صِفةُ هذا الرُّكوب، وكيف يجتمعُ العشرةُ مِن الرِّجال على مركوبٍ واحد، قال: «وتُجرُّونَ على وُجُوهِكُم ها هُنا» وأومأ بيدِه نحو الشَّام -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
وكذلك: حديثُ عبدِ الله بن عُمَر -في «التِّرمذي» وغيره-: قال النَّبيُّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: «سَتخرُجُ نارٌ مِن نَحوِ حضرمَوت، أو مِن حضرمَوت، تحشرُ النَّاسَ»(2) قالوا: يا رسولَ الله! فما تأمرنا؟ قال: «عليكُم بِالشَّام»؛ هذه الرِّواية -أيضًا- دليلٌ على أنَّ هذا الحشرَ في الدُّنيا لا في الآخرة؛ لأنهم سيرَون ويهرُبون، فإلى أين يهربون؟ سألوا النبيَّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- قال: «عليكم بالشَّام».
وهنالك أثرٌ عن عبدِ الله بن عَمرِو بن العاصِ -عند الحاكِم في «مُستدَركِه»-: أنه قال: «لَيَأتِيَنَّ على النَّاسِ زَمانٌ لا يبقَى على الأرْضِ مُؤمِنٌ إلا لَحِقَ بالشَّامِ».
لأهلِ العلمِ في هذا الحديثِ أقوالٌ؛ منهَا:
هل هذا اللُّحوقُ في فتراتٍ مِن الدَّهرِ قبل هذه النَّار؟ أم أنَّ هذا النَّفادَ للمُؤمنين، وهذا اللُّحوقَ بالشَّامِ إنَّما يكونُ بسببِ هذه النَّار -نارِ المحشَر- التي تجمعُهم، وتلحقهم بالشَّام، وتُودِي بهم إلى الشَّام -أرضِ المَحشَرِ والمَنشَر-؟
الظَّاهر: أنَّه لا تعارُض في ذلك؛ فالرَّسولُ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- قد قال: «طُوبَى للشَّامِ؛ فإنَّ ملائكةَ الرَّحمن باسطةٌ عليها أجنِحتَها»، وقال -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: «إذا فَسَدَ أهلُ الشَّام؛ فلا خيرَ فِيكُم»، وقال -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: «يَنحازُ النَّاسُ إلى خيارِ الأرضِ مُهاجَر إبراهيمَ»(3)-عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-.
فبلاد الشَّام -التي نحنُ على جزءٍ مباركٍ ميمونٍ منها- بلادُ الخير والبركةِ والطُّهر والصَّلاحِ والاستقامةِ -شاء مَن شاءَ، وأبَى مَن أبَى-.
وهذا يُوجِبُ علينا مُضاعفةَ الجِدِّ والجُهدِ في أن نُحافظَ على هذه البلادِ -بالغالي والنَّفيس-؛ لأنها بلادٌ مُباركةٌ، وبالملائكةِ مُظلَّلةٌ، وهذا مِن توفيق الله -تباركَ وتَعالى-، ومِن حُسن تقديرِه أن نكونَ من أهلِها، وأن نكونَ من أبنائِها، وأن نكونَ من حُماتِها وجُندِها -إن شاء الله- ولو في آخرِ الدَّهر.





_______________
(1) وجدتُها في بعض نُسخ «البداية والنِّهاية» -في الشَّبكة-: (التَّميمي).
(2) ولفظُ الحديث -كما في «سنن الترمذي» (2217)-: «ستخرُجُ نارٌ مِن حَضرمَوت، أو مِن نَحو بَحرِ حَضرَموت قبلَ يَوم القِيامةِ تَحشُرُ النَّاسَ».
(3) بحثتُ عنه فلم أعثر عليه إلا بلفظ: «ينحاز النَّاسُ إلى مُهاجَر إبراهيم»، أما كلمة (خيار النَّاس) فقد وردت في حديثٍ في «سُنن أبي داود» (2482): «ستكونُ هجرة بعد هجرةٍ، فخيار أهل الأرضِ ألزمُهم مُهاجَرَ إبراهيم... »، وهو (ضعيف)-كما في طبعة مشهور-.
رد مع اقتباس