عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 03-28-2021, 12:21 PM
طارق ياسين طارق ياسين غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
الدولة: الأردن
المشاركات: 1,021
افتراضي صِيانةُ التوحيد

.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد
حمايةً لجَنابِ التوحيدِ، وصيانةً لقلوب الموحدين، ورعايةً لإيمان المؤمنين؛ جمعتُ أكثر ما يقع فيه الناس اليومَ من الأَخطاءِ الشركيةِ والعقدية مع ذكر أدلتها وبعض ما يتعلق بذلك؛ للتحذير والحذر منها.
ومنها ما هو شركٌ أَكبرُ ومنها ما هو شرك أَصغرُ، ومنها ما هو أكبرُ في حالٍ وأصغرُ في حالٍ أُخرى، ولن أُفصل في ذلك في كل مسألةٍ للاختصار، لكن القاعدةُ العامةُ في الشرك الأَكبر: هو صرفُ عبادةٍ لغيرِ الله، كالدعاء أو النذر، أو أنْ يعتقدَ في مخلوقٍ ما لا يليقُ إلا بالله، كأَنْ يعتقدَ في أحدٍ أَنه يعلم الغيبَ، أو أنه يتصرف في الكون، أو أنه يضر وينفع أو يَهبُ البركةَ بنفسِه. والشِركُ الأَصغر يكون بارتكابِ الوسائل الموصلةِ إليه، والحَومُ حولَ ذرائِعِه، كالحلف بغير الله، والتشاؤم.
وأسأل الله أَن ينفعَ بها.

- الرياء في القول أو العمل، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم (الشرك الخفي). ولا يكاد يَسلم منه أحدٌ، لكن يدفعُه المسلمُ بالاستعانةِ بالله، وإخفاء العمل قدرَ المستطاع، والإكثار من الصالحات في الخفاءِ، وأن تعلمَ يا عبد الله أَن هذا الذي تُرائي له مهما بلغ فهو عبدٌ ضعيفٌ مثلُك، مفتقرٌ إلى رحمة الله، إِن لم يرحَمْهُ اللهُ هلك، وأَنه لا يملك لك حسنةً، ولا أن يَحطَّ عنك سيئةً، ثم اعلم أنه منشغلٌ بنفسه لا بك.

- العُجْبُ، وهو أخو الرياء، والرياءُ إِشراكُ الخلقِ، والعُجب إِشراكُ النفسِ، فهو استعظامُ النفسِ لعملِها وزهُوُّها به، فيرى العاملُ نفسَه ولا يرى فضلَ الله عليه. قال تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا}. وفي الحديث: (وثلاث مهلكات: هوىً مُتَّبعٌ وشُحٌّ مُطاع وإعجابُ المرءِ بنفسِه) رواه البزار والبيهقي وزاد: (وهي أَشَدُّهُنَّ). حسنه الألباني.
والعُجبُ يتنافى مع العُبوديةِ؛ لأنّ مبناها على الذل والخضوع.

- دعاءُ غير الله تعالى. قال سبحانه: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}، وقال: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}، وقال: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}. وقال عليه الصلاة والسلام: (الدعاء هو العبادة)، ولا يجوز صرفُ عبادةٍ لغير الله.
وكذلك لا يجوز التوسل بالدعاءِ بوسيلةٍ غيرِ مشروعةٍ، كالتوسلِ بجاه فلان، سواءٌ كان نبيا أو مَلَكاً أو وَلِيًّا؛ لأن هذا من وسائل الشرك، والتوسل بالجاه في الدعاء له معنيان باطلان؛ أَحدُهما: أن يكونَ على معنى: (اللهم إِني أتوسل إليك بمحبتِك لفلان) أي: لأَنك تُحبُّ فلانًا استجبْ لي، وهذا الطلبُ ليس له صِلةٌ بالمطلوبِ، فاللهُ يحبُّ أولياءَه لِما هم عليه من العمل، فما تعلقُه بطلبِك؟
والمعنى الثاني: التوسلُ بذاتِه؛ أَي أنَّ له تأثيرا بنفسِه في إِجابةِ الدعاء، وهذا أشدُّ من الأول.
والتوسل المشروع يكون بأسماء اللهِ وصفاته، قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}، وفي السنة من ذلك الكثير، كمثل قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد..) وقوله: (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق..).
ويكون بالأعمال الصالحة كما في حديث الغار المعروف، فقد توسلوا بأعمالهم الخالصة لله، فَفُرِّجَ عنهم.
والتوسلُ بدعاءِ الصالحين.

- الاستغاثةُ والاستعانةُ والاستعاذةُ بغير الله فيما لا يقدرُ عليه إلا الله. والفرق بين ما يكون لله وما يجوز للمخلوق، أَنّ ما كان لله يكون طلباً على وجهِ العبادةِ والدعاء، فيكون فيه توجُّهُ القلبِ والشعورُ بالاضطرار والحاجةِ وتفويض الأمر. أَما ما كان للمخلوقِ فيكونُ مجردَ طلبٍ بالقولِ على وجهِ الالتماس إِن كان من مساوٍ لك، أو على وجه الأَمرِ إِن كان ممن هو دونك، من مخلوقٍ حيٍّ حاضر قادرٍ.
والاستعانة: طلب العون. والاستعاذة طلب العِياذ، أي المَلجأ، وهو الفِرار من شيءٍ مَخوفٍ إلى مَن يؤمِّن منه. ويقابلها اللِّياذُ، وهو الفِرار إلى طلبِ الخير، والتوجه إليه.
والاستغاثةُ: طلبُ الغَوثِ، وهو الإعانة والنصرة، ويكون عند الوقوع في المصيبةِ والشر. أَما الاستعاذة فتكون قبل الوقوعِ في الشر.
قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، وقال: {فَاسْتَعِذْ بِالله مِنَ الشيطانِ الرَّجيمِ }. وقال: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ}.
وفي طلبها ممن يقدر عليها يقول تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ}
فقولهم: مدد يا فلان، للغائب حيا كان أو ميتا. أو وصفُ أحدٍ بأنه الغوثُ الأكبرُ فهذا كله من الشرك.

- الحَلِفُ بغير الله. لأَن الحلفَ تعظيمٌ للمحلوف به، ففيه ذريعةٌ لتعظيمِ غيرِ اللهِ كتعظيمِ اللهِ كما يفعلُ عُبادُ القبور بأوليائهم. قال عليه الصلاة والسلام: (أَلا إن الله عز وجل ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فَلْيَحلفْ بالله أو لِيَصمِتْ) متفق عليه. وقال: (مَن حلفَ بغير اللهِ فقد أَشركَ)، وقال: (من حلفَ بالأَمَانةِ فليس منا). حديثان صحيحان رواهما أبو داود. ومن حلف بغير الله فكفارته أن يقول: لا إله إلا الله. ففي الحديث المتفق عليه: (مَن حلف منكم فقال في حَلِفِه باللات فَليَقُلْ: لا إله إلا الله).

- التَّطَيُّرُ أو التشاؤم. قال عليه الصلاة والسلام: (الطِيَرَةُ شرك، الطِيَرَةُ شركٌ). حديث صحيح رواه أبو داود.
والتشاؤم: هو تخوفٌ يقع في النفس لسببٍ ليس له تعلق بما خيف منه. ويكون إِما بشيءٍ مُشاهَدٍ أو مسموعٍ، أو بزمان أو بمكان، ومثال المُشاهدِ كمن يخرج في حاجةٍ فيرى حادثا فيردُه ذلك عن حاجتِه. ومثال المسموع: أن يسمعَ صوتَ غرابٍ فيتوقعَ السوءَ فيرجع. ومثال الزمان: كأن يحدثَ له مكروهٌ في يوم معين، فيصبح هذا اليوم كلما مرَّ يَتشاءَمُ منه. ومثال المكان: كأن يقع له حادثٌ في طريق ما، فيتجنب المرورَ منه تخوفا؛ لا لشيءٍ؛ إنما لما وقع له فيه. وقد يقع التشاؤم من بعض الأرقام.
فمَن تَطَير بشيءٍ من ذلك فردَّتْهُ الطِيَرَةُ عن حاجتِه فقد وقع في الشرك. قال صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من ردَّته الطِيرَةُ عن حاجته; فقد أشرك. قالوا: فما كفارة ذلك; قال: أن تقولوا: اللهم لا خيرَ إلا خيرُك، ولا طيرَ إِلا طيرُك، ولا إِلهَ غيرُك) حديث حسنٌ رواه أحمد. وقال ابنُ مسعود في الطيرة: (وما منا إلا... ولكن اللهَ يُذهبُه بالتوكل) أي ما منا أَحدٌ إلا ويقع في قلبِه شيءٌ من ذلك، لكن يُذهبُه اللهُ بالتوكل، ولازمُ التوكلِّ المُضِيُّ في الأَمر، ما لم يكن مانع آخرُ خالٍ من التطير.
وسببُ كون الطيرة من الشرك أنه اعتقد سبباً لم يجعلْه اللهُ سببا.
أما ما جاء في الفأل فقال صلى الله عليه وسلم: (لا طِيَرةَ وخيرُها الفأْلُ) قيل: يا رسول الله وما الفأْلُ؟ قال: (الكلمةُ الصالحةُ يَسمعُها أَحدُكم). متفق عليه.
ومثالُه: أَنْ يريدَ المُضِيَّ في أَمرٍ فيسمعَ أَحدا يقول: نجاح، فيَسْتبشِرَ بنجاح أَمرِه؛ مُحسنًا ظنَّهُ بالله. فالفأل الحَسنُ هو كلمةٌ يسمعُها، وليست كلمةً يتطَلَّبُها، كمن ينظر فأْلَه في المصحفِ بأَنْ يفتَحه ويأخذَ فأْلَه من أَولِ كلمةٍ تقعُ عينُه عليها، فيعملَ على وَفقِ معناها، فإذا أراد المُضِيَّ في أَمرٍ يفتحُ المصحفَ فإذا وقعت عينُه على كلمةٍ فيها معنى الرجوع مثل (فارجعوا) فيرجع، أو فيها معنى الذهاب مثل (فاذهب) فيمضي. وهذا عين ما كان يُفعلُ في الجاهليةِ من الاسْتقسامِ بالأزلام، أي يطلبون قَسْمَهم وحظَّهم من الأزلام، وهي ثلاثةُ قِداحٍ مكتوبٌ على أَحدِها: (أمَرَني ربي) وعلى الآخَر: (نهاني ربي) والآخير غُفْل. فإن خَرج: (أمَرني) مَضى، وإن خرج: (نهاني) أمْسَك وإن خرج (الغُفْل) أعاد وضَرب بها إلى أن يَخْرج الأمْرُ أو النهيُ. وهذا منافٍ للتوكل، وتعلقٌ بسببٍ موهومٍ لم يجعلْه الله سببا بل نهى عنه.

- الذهابُ إِلى السحرةِ والمنجمين والعرافين والكُهّان، وكلُّ من ادَّعى علمَ الغيب، أَو أَنه يُعالج الأمورَ بأَسبابٍ خفيةٍ. فهؤلاء كلُّهم دجالون عُبّادٌ للشياطين يستعينون بهم. قال الله في حق السحرة: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}. وقال عليه الصلاة والسلام في التنجيم: (مَن اقْتَبسَ علما من النجوم اقتبس شعبةً من السحرِ زاد ما زاد) صحيح رواه أبو داود وغيره. وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: سأل أُناسٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الكُهانِ، فقال لهم: (ليسوا بشيءٍ) قالوا: يا رسولَ الله فإِنهم يُحَدثون أَحياناً بالشيءِ يكون حقاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تلك الكلمةُ من الحقِّ يَخطِفُها الجِنِّيُّ فَيَقَرَّها في أُذنِ ولِيِّهِ قَرَّ الدجاجةِ فيَخلطون فيها أَكثرَ من مئةِ كَذبةٍ). متفق عليه. ففي هذا الحديث بَيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنهم أولياء للشياطين.
وقال عليه الصلاة والسلام: (أَربعٌ في أُمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: (الفخرُ فى الأحساب والطعنُ فى الأنساب والاستسقاءً بالنجوم والنياحة) رواه مسلم.
والتنجيم هو ادِّعاءُ معرفةِ الغيبِ بالنظر في النجوم. والكاهنُ: من يُخبرُ عن المُغَيبات في المستقبل. والعراف: من يدعي معرفةَ الأُمور بمقدماتٍ يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك.
قال سبحانه: {قُلْ لَا يَعلَمُ مَنْ فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ الغَيْبَ إِلا اللهُ}، وقال في شأن الجِنِّ: {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ}. وقال عليه الصلاة والسلام: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ) وفي رواية: (لم تُقبلْ له صلاةٌ أربعين ليلةً). ويدخل في ذلك قراءة الأبراج، ومحاولةُ معرفةِ الحظِّ وما يتعلق بالمستقبل بأَيِّ وسيلةٍ كانت.

ويدخل في طَرقِ بابِ الغيبِ محاولةُ معرفةِ زمنِ وقوعِ أَحداثٍ مستقبليةٍ من خلالِ عددِ الآياتِ وأرقام سورها، وإدخال أَرقامِها في عمليةٍ حسابيةٍ مخترعةٍ، فيُستدلُّ بها على غيبٍ لم يجعل الله لنا سبيلا لمعرفته، كمن يزعم معرفةَ زوال دولةِ اليهود وأنه في عام كذا وكذا. أو كمن يستدل على زمنِ ظهور المهدي بحساباتٍ فلكيةٍ، ومساراتٍ نجميةٍ. وشأنُ الغيبِ كلُّه لا دخلَ لنا فيه، ولا يجوز لنا الانشغالُ به؛ لأنه لم يؤذنْ لنا بذلك، ولم نُعطَ أسبابَ معرفتِه، وطَرقُه بابٌ من أبوابِ الشرك، وضربٌ من الجنون، وخِفةُ العقلِ وسَفَهِه الذي يترفع عنه العاقلُ. إضافةً إلى ما يتبعُ ذلك من الركونِ إلى أَنباءِ الغيب المزعومةِ وترك العمل، فهو يصرفُنا عما خُلقنا له، وكما قيل: انشغلْ بما أراد اللهُ منك، ولا تنشغلْ بما أرادَ الله بك.

يتبع إن شاء الله...
__________________
.
(یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ)
رد مع اقتباس