{منتديات كل السلفيين}

{منتديات كل السلفيين} (https://www.kulalsalafiyeen.com/vb/index.php)
-   منبر القرآن وعلومه (https://www.kulalsalafiyeen.com/vb/forumdisplay.php?f=4)
-   -   من أسباب النزول (https://www.kulalsalafiyeen.com/vb/showthread.php?t=21452)

طارق ياسين 12-09-2013 10:30 PM

.
· قوله –تعالى-: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ }, براءة: 65.

قال الطبري: حدثني يونس قال: أخبرنا ابنُ وهب قال: حدثني هشامُ بن سعد عن زيدِ بنِ أسلمَ عن عبد الله بن عمر قال:
قال رجلٌ في غزوةِ تبوك في مجلسٍ: ما رأينا مثلَ قُرَّائنا هؤلاء؛ أَرغبَ بطوناً، ولا أكذبَ أَلْسنةً، ولا أَجْبنَ عندَ اللقاءِ.
فقال رجل في المجلس: كذبتَ، ولكنك منافقٌ، لأُخبِرَنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-. فبلغ ذلك النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ونزل القرآن.
قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيتُه متعلقا بحَقَبِ(1) ناقةِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- تَنْكُبُه الحجارةُ وهو يقول: يا رسولَ اللهِ إِنما كنا نخوضُ ونلعبُ، ورسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقول: { أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ }.
قلت: الإسناد فيه هشام بن سعد، روى له مسلم في الشواهد. قال عنه ابن حجر: صدوق له أوهام. وقال الذهبي: حسن الحديث. وبقية الإسناد ثقات رجال الصحيحين.

- قال الطبري: حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابنُ علية قال: أخبرنا أيوبُ عن عكرمةَ في قوله: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } إِلى قولِه: { بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ } قال:
فكان رجلٌ -ممن إن شاءَ اللهُ عفا عنه- يقول: اللهمَّ إِني أَسمعُ آيةً أَنا أُعْنَى بها، تَقْشَعِّرُ منها الجلودُ، وتَجِبُ(2) منها القلوبُ، اللهم فاجعلْ وفاتي قَتْلاً في سبيلك، لا يقول أحدٌ: أنا غَسَّلتُ، أنا كَفَّنتُ، أنا دَفنتُ، قال: فأُصيبَ يومَ اليمامةِ، فما منْ أَحدٍ من المسلمين إلا وُجِدَ غيرَه.
قلت: إسناده صحيح.
_________
(1) الحَقَبُ: الحزام الذي يلي حَقْوَ البعير.
(2) قال الشيخ أحمد شاكر: وجب َقلبُه يَجِبُ وَجيبًا"، خفق واضطرب. وكان في المطبوعة: "وتَجِلُ" باللام، كأنه يعني من "الوجل"، ولكنه لم يحسن قراءة المخطوطة، لأنها غير منقوطة.
.

طارق ياسين 12-14-2013 09:25 PM

.


· قوله -تعالى-: { الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }، براءة: 79.


روى البخاري ومسلم عن أبي مسعود -رضي الله عنه- قال:

لما نزلت آيةُ الصدقةِ كنا نُحامِلُ، فجاء رجلٌ فتصدَّق بشيءٍ كثيرٍ، فقالوا: مُرائي. وجاء رجل فتصدق بصاعٍ، فقالوا: إِنَّ اللهَ لَغَنيٍّ عن صاعِ هذا، فنزلت: { الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ } الآيةَ.

قال في الفتح:

كنا نُحاملُ، أَيْ: نحملُ على ظُهورنا بالأُجرةِ،
يُقالُ: حامَلْتُ بِمعنى حَمَلتُ، كسافرتُ.
وقال الخطابي: يريد: نتكلَّفُ الحَمْلَ بالأُجرةِ؛ لنَكْتسبَ ما نتصدقُ به. ويؤيده قوله في الروايةِ الثانيةِ التي بعد هذه حيث قال: "انطلق أَحدُنا إِلى السوقُ فتَحَامَلَ" أَي: يطلبُ الحَمْلَ بالأُجرةِ.

.

طارق ياسين 12-22-2013 09:57 PM

.

· قوله –تعالى-: { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ }، براءة: 84.

أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر –رضي الله عنهما- قال:

لما توفي عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ، جاء ابنُه عبدُ الله بنُ عبدِ اللهِ إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فسأله أَنْ يُعطيَه قَميصَه يُكَفِّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يُصلىَ عليه، فقام رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ليصليَ عليه، فقام عمرُ فأَخذَ بثوبِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسولَ الله أَتُصلي عليه وقد نهاك اللهُ أنْ تصليَ عليه؟!
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إِنَّما خيَّرَني اللهُ فقال: استغفرْ لهم أَو لا تستغفرْ لهم إِن تَستغفرْ لهم سبعينَ مرة، وسأزيدُه على سبعين. قال: إنه منافق.
فصلى عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأَنزلَ اللهُ -عز وجل-: { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدَاً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ }.

.

طارق ياسين 01-01-2014 11:15 PM

.


· قوله –تعالى-: { سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ }، الآيتان: 95, 96 من سورة براءة.


روى البخاري عن عبدِ اللهِ بن كعب بن مالك قال: سمعتُ كعبَ بنَ مالكٍ حينَ تخَلَّف عن تبوكَ:
واللهِ ما أَنعمَ الله عليَّ من نعمةٍ بعد إِذ هداني أَعظمَ من صِدقي رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ لا أَكونَ كَذَبْتُه؛ فأَهْلَكُ كما هلكَ الذين كذبوا حين أُنزلَ الوَحيُ: { سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ } إِلى
{ الفَاسِقينَ }.

قال الطبريُّ في "تفسيره":

حدثني يونسُ قال: أَخبرنا ابنُ وهبٍ قال: أَخبرني يونسُ عن ابنِ شهابٍ قال: أخبرني عبدُ الرحمن بنُ عبدِ اللهِ بنِ كعبٍ بنِ مالكٍ أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ كعبٍ قال: سمعتُ كعبَ بنَ مالكٍ يقول:
لمّا قَدِم رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- من تبوكَ جلسَ للناسِ، فلما فعل ذلك جاءَه المخلَّفون، فطَفِقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعةً وثمانينَ رجلاً، فقبل منهم رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلانِيَتَهم وبايَعَهم واستغفرَ لهم، ووَكَل سرائرَهم إلى اللهِ، وصَدَقْتُهُ حديثي.
فقال كعب: واللهِ ما أَنعمَ اللهُ عليَّ من نعمةٍ قطُّ بعدَ أَنْ هداني للإسلام أَعظمَ في نفسي من صِدقِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَن لا أَكونَ كَذَبْتُه فأَهلك كما هلك الذين كذبوا؛ إنَّ اللهَ قال للذين كذبوا حينَ أُنزلَ الوحيُ شرَّ ما قال لأَحدٍ: { سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ومَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ } . . إلى قوله: { فِإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنِ القَوْمِ الفَاسِقِينَ }.

.

طارق ياسين 01-08-2014 10:14 PM

.

· قوله –تعالى-: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ }، براءة: 113.

روى الشيخان عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ عن أبيه قال:
لما حضرتْ أَبا طالبٍ الوفاةُ دخل عليه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وعندَه أَبو جهل وعبدُ الله بنُ أَبي أُمَيَّةَ، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: أَيْ عَمِّ! قُلْ: لا إِلهَ إلا اللهُ، كلمةً أُحاجُّ لك بها عندَ الله.
فقال أَبو جهلٍ وعبدُ اللهِ بنُ أَبي أُمَيَّةَ: يا أبا طالبٍ: أَترغبُ عن مِلَّةِ عبدِ المطلب؟!
فلم يزالا يُكلِّمانِه حتى قالَ -آخرَ شيءٍ كلَّمهم به-: على مِلَّةِ عبدِ المطَّلِبِ.
فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: لأَستَغْفِرَّنَ لك ما لم أُنْهَ عنك.
فنزلت: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ }.
.

طارق ياسين 11-30-2014 03:01 PM

.

· قوله –تعالى-:
{ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) }

روى البخاري –رحمه الله- عن عبدِ الرحمن بن عبدِ اللهِ بنِ كعبِ بن مالكٍ: أَنّ عبدَ الله بنَ كعبِ بنِ مالكٍ -وكان قائدَ كعبٍ من بنيه حين عمي- قال: سمعتُ كعبَ بنَ مالكٍ يحدثُ حينَ تخلَّف عنقصةِ تبوكَ:
قال كعبٌ: لم أتخلَّف عن رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في غزوةٍ غزاها إِلا في غزوةِ تبوكَ، غيرَ أَني كنتُ تخلَّفتُ في غزوةِ بدرٍ ولم يُعاتِبْ أَحداً تخلَّف عنها؛ إنَّما خرج رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يريدُ عِيرَ قريشٍ حتى جمع الله بينهم وبين عدوِّهم على غيرِ ميعادٍ، ولقد شهدتُ معَ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ليلةَ العقبةِ حينَ تواثَقنا على الإسلام، وما أُحبُّ أنَّ لي بها مشهدَ بدرٍ، وإِن كانت بدرٌ أَذكرَ في الناسِ منها...
كان من خبري أَني لم أَكُن قطُّ أَقوى ولا أَيسرَ حينَ تخلفتُ عنه في تلك الغزوةِ، والله ما اجتمعت عندي قبلَه راحلتان قطُّ، حتى جمعتُهُما في تلك الغزوةِ، ولم يكن رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يريدُ غزوةً إِلا وَرَّى بغيرِها؛ حتى كانت تلك الغزوةُ غَزاها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في حرٍّ شديدٍ، واستقبل سَفراً بعيداً ومَفازاً وعدُوّاً كثيراً، فجَلَّى للمُسلمين أَمرَهم؛ لِيتأَهّبوا أُهْبةَ غزوِهم، فأَخبرهم بوجهِه الذي يريدُ، والمسلمون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثيرٌ، ولا يجمعهم كِتابٌ حافظٌ - يريدُ الدِّيوانَ-...
قال كعبٌ: فما رجلٌ يريدُ أَنْ يَتَغيَّبَ إِلا ظنَّ أَنْ سَيخْفى له، ما لم ينزلْ فيه وحيُ اللهِ.
وغزا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- تلك الغزوةَ حينَ طابتْ الثِّمارُ والظِّلالُ، وتَجَهَّزَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون معه، فَطَفِقتُ أَغدو لكي أَتجهَّزَ معهم فأَرجعُ ولم أَقضِ شيئاً، فأَقولُ في نفسي: أَنا قادرٌ عليه، فلم يَزَلْ يَتمادى بي حتى اشتدَّ بالناسِ الجِدُّ، فأَصبح رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون معه ولم أَقضِ من جَهازي شيئاً...
فقلتُ: أَتجهَّزُ بعدَه بيومٍ أو يومين ثم أَلحقُهم، فغدوت بعد أَن فَصَلوا لأَتَجهَّزَ، فرجعتُ ولم أَقضِ شيئاً، ثم غدوتُ، ثم رجعت، ولم أَقضِ شيئاً، فلم يزَلْ بي حتى أَسرعوا وتَفارطَ الغَزوُ، وهمَمَتُ أَنْ أَرتحلَ فأُدْرِكَهم -وليتني فعلتُ- فلم يُقَدَّرْ لي ذلك، فكنت إذا خرجتُ في الناس بعدَ خروجِ رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم، فطُفتُ فيهم أَحزَنَني أَني لا أَرى إِلا رجلاً مَغموصاً عليه النفاقُ، أو رجلا ممن عَذَر اللهُ من الضعفاءِ.
ولم يذكرني رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حتى بلغَ تبوكَ فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوكَ:
ما فعلَ كعبٌ؟
فقال رجلٌ من بَني سَلِمةَ: يا رسولَ اللهِ حَبَسَه بُرْداهُ ونظرُه في عَطِفِه.
فقال معاذُ بنُ جبلٍ: بِئْسَ ما قلتَ! واللهِ يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه إِلا خيراً. فسكت رسولُ الله -صلى اللهُ عليه وسلم-.
قال كعبُ بنُ مالكٍ: فلما بلغني أَنه تَوجَّه قافلاً حَضَرني هَمِّي، وطَفِقْتُ أَتذكَّرُ الكذبَ وأقولُ: بماذا أَخرجُ من سَخَطِه غداً، واستَعَنْتُ على ذلك بكلِّ ذي رأَيٍ من أَهلي، فلما قيل: إِنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قد أَظلَّ قادماً، زاحَ عني الباطلُ، وعرَفْتُ أَني لن أَخرجَ منه أَبداً بشيءٍ فيه كذِبٌ، فأَجْمعتُ صِدقَه...
وأَصبحَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قادماً، وكان إِذا قدِمَ من سفرٍ بدأَ بالمسجدِ فيَرْكَعُ فيه رَكعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءَهُ المُخَلَّفون، فطَفِقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بِضْعةً وثمانينَ رجلاً، فقبل منهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عَلانيَتَهُم وبايعهم واستغفر لهم، وَوَكَلَ سَرائرَهم إلى الله...
فجِئْتُه، فلما سلمتُ عليه تَبَسَّم تَبَسُّمَ المُغْضَبِ،
ثم قالَ: تعال،
فجِئْتُ أَمشي حتى جلستُ بين يديه،
فقال لي: ما خَلَّفَكَ، أَلم تكن قدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟
فقلت: بلى إِني واللهِ لو جلستُ عندَ غيرِك من أَهلِ الدنيا لَرَأَيْتُ أَنْ سأَخرجُ من سَخَطِه بعذرٍ، ولقد أُعْطِيتُ جَدلاً، ولكني واللهِ لقد علمتُ لئِنْ حدَّثْتُك اليومَ حديثَ كَذبٍ تَرضى به عني، لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يُسْخِطَكَ علَيَّ، ولئن حدّثْتُك حديثَ صدقٍ تَجِدُ علَيَّ فيه؛ إِني لأَرجو فيه عفوَ اللهِ، لا والله ما كان لي من عذرٍ، والله ما كنتُ قطُّ أَقوى، ولا أَيْسَرَ مني حين تخَلَّفْتُ عنك...
فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: أَما هذا فقد صدَقَ، فقُمْ حتى يقضيَ اللهُ فيكَ.
فقمتُ وثارَ رجالٌ من بَني سَلِمَةَ فاتَّبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنتَ أَذنبتَ ذنباً قبلَ هذا، ولقد عَجَزْتَ أَنْ لا تكونَ اعتذرْتَ إِلى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بما اعتذرَ إِليه المًتخَلِّفونَ، قد كان كافِيكَ ذَنْبُك استغفارُ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لكَ...
فواللهِ ما زالوا يُؤَنِّبوني حتى أَردتُ أَنْ أَرجعَ فأُكَذِّبَ نفسي، ثم قلتُ لهم: هل لقِيَ هذا معي أَحدٌ؟
قالوا: نعم، رجلان قالا مثلَ ما قلتَ، فقيلَ لهما مثلَ ما قيلَ لك، فقلت: مَن هما؟ قالوا مُرارةُ بنُ الربيعِ العَمْرِيُّ، وهلالُ بنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، فذكروا لي رجلين صالحَيْنَ قد شهدا بدراً فيهما إِسوةٌ، فمضيتُ حين ذكروهما لي...
ونَهى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- المسلمينَ عن كلامِنا أَيُّها الثلاثةُ من بين مَنْ تخلَّفَ عنه، فاجْتَنَبَنا الناسُ، وتغيروا لنا حتى تَنَكَّرَتْ في نفسي الأَرضُ، فما هي التي أَعرفُ، فلَبِثنا على ذلك خمسينَ ليلةً؛
فأَما صاحِبايَ فاسْتَكانا وقعدا في بيوتِهما يَبكيان، وأما أنا فكنت أَشَبَّ القومِ وأَجلَدَهم، فكنت أَخرجُ فأَشهدُ الصلاةَ معَ المسلمين، وأَطوفُ في الأَسواقِ، ولا يكلمني أَحدٌ، وآتي رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فأُسلِّمُ عليه وهو في مجلسِه بعدَ الصلاةِ، فأَقولُ في نفسي: هل حرَّك شفَتَيْهِ
بِرَدِّ السلامِ علَيَّ أَم لا؟ ثم أُصلي قريباً منه فأُسارقُه النظرَ، فإذا أَقبَلْتُ على صلاتي أَقبلَ إِليَّ، وإذا الْتَفَتُّ نحوَه أَعرضَ عني، حتى إِذا طال علَيَّ ذلك مِن جَفْوةِ الناسِ مَشَيتُ حتى تَسَوَّرْتُ جدارَ حائطِ أَبي قتادةَ -وهو ابنُ عمي وأَحبُّ الناسِ إِليَّ- فسلمتُ عليه، فواللهِ ما ردَّ علَيَّ السلامَ...
فقلتُ: يا أَبا قتادةَ أَنْشُدُكَ باللهِ! هل تَعْلَمُني أُحبُّ اللهَ ورسولَه؟
فسكتَ...
فعُدْتُ له فنَشَدْتُهُ، فسكتَ، فعدتُ له فنَشَدْتُه،
فقال: اللهُ ورسولُه أَعلمُ.
ففاضتْ عَيْنايَ وتولَّيْتُ حتى تَسوَّرْتُ الجدارَ.
قال: فبَيْنا أَنا أَمشي بسوقِ المدينةِ إِذا نَبَطِيٌّ من أَنباطِ أَهلِ الشامِ مِمَّن قَدِم بالطعامِ يَبيعُه بالمدينةِ يقولُ: مَنْ يدُلُّ على كعبِ بنِ مالكٍ؟
فطَفِقَ الناسُ يُشيرونَ له، حتى إِذا جاءني دفع إِليَّ كتاباً من
ملكِ غسانَ، فإِذا فيه:
أَمَّا بعدُ، فإِنه قد بلغني أَنَّ صاحبَك قد جفاكَ، ولم يَجْعَلْك اللهُ بدارِ هَوانٍ ولا مَضْيَعةٍ، فالْحَقْ بِنا نُواسِكَ...
فقلتُ لما قرأْتُها: وهذا أَيضاً من البلاءِ فَتَيَمَّمْتُ بها التَّنُّورَ فسَجَّرْتُه بها...
حتى إِذا مَضَتْ أَربعونَ ليلةً من الخمسينَ، إِذا رسولُ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يأْتيني،
فقال: إِنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يأْمُرُك أَنْ تَعتِزلَ امْرأَتَك،
فقلتُ: أُطَلِّقُها أَمْ ماذا أفعلُ؟
قال: لا، بلْ اعْتزِلْها ولا تقرَبْها.
وأَرسلَ إِلى صاحِبَيَّ مثلَ ذلك، فقلتُ لامرأَتي: الحقي بأَهلِك فتكوني عندَهم حتى يقضيَ اللهُ في هذا الأَمرِ.
قال كعبٌ: فجاءت امرأَةُ هلالِ بنِ أُميَّةَ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسولَ اللهِ إِنَّ هلالَ بنَ أُميةَ شيخٌ ضائعٌ ليس له خادمٌ، فهل تكرهُ أَنْ أَخدمَه؟
قال: لا، ولكن لا يَقْرَبْكِ.
قالت: إِنه واللهِ ما به حركةٌ إِلى شيءٍ، واللهِ ما زال يبكي منذُ كان من أَمرِه ما كان إِلى يومِه هذا.
فقال لي بعضُ أَهلي: لو استأْذنتَ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في امرأَتِك كما أَذنَ لامْرأَةِ هلالِ بنِ أُميةَ أَنْ تخدِمَه، فقلت: والله لا أَستأْذنُ فيها رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وما يُدريني ما يقولُ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذا استأْذَنْتُه فيها وأَنا رجلٌ شابٌّ...
فلَبِثْتُ بعد ذلك عشْرَ ليالٍ حتى كَمُلَت لنا خمسونَ ليلةً من حينِ نهى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عن كلامِنا، فلما صليتُ صلاةَ الفجرِ صُبْحَ خمسينَ ليلةً، وأَنا على ظهرِ بيتٍ من بيوتِنا، فبَيْنا أَنا جالسٌ على الحالِ التي ذكر اللهُ؛ قد ضاقتْ علَيَّ نفسي، وضاقتْ علَيَّ الأرضُ بما رَحُبَتْ- سمعتُ صوتَ صارخٍ أَوْفى على جبلِ سَلْعٍ بأَعلى صوتِه:
يا كعبَ بنَ مالكٍ أَبْشِرْ...!
قال: فخَرَرْتُ ساجداً وعرَفتُ أَنْ قد جاءَ فرجٌ، وآذنَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بتوبةِ اللهِ علينا حينَ صلَّى صلاةَ الفجرِ، فذهبَ الناسُ يُبَشِّروننا، وذهب قِبَلَ صاحبَيَّ مُبَشِّرون، وركضَ إِليَّ رجلٌ فَرَساً، وسَعى ساعٍ من أَسْلَمَ، فأَوْفى على الجبلِ، وكان الصوتُ أَسرعَ مِنَ الفرسِ، فلما جاءني الذي سمعتُ صوتَه يُبَشِّرُني نَزَعتُ له ثَوْبَيَّ فكَسَوْتُه إِياهُما بِبُشْراهُ، والله ما أَمْلِكُ غيرَهُما يومئذ، واستَعَرْتُ ثوبَيْن فلبِسْتُهما... وانطلقتُ إِلى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فيَتَلقَّاني الناسُ فوجاً فوجاً يُهَنُّوني بالتوبةِ؛ يقولون: لِتَهْنِكَ توبةُ اللهِ عليكَ...
قال كعبٌ: حتى دخلتُ المسجدَ فإِذا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- جالس حولَه الناسُ، فقام إِليَّ طلحةُ بنُ عُبيدِ اللهِ يُهَرْوِلُ حتى صافحني وهنَّاني، واللهِ ما قام إِليَّ رجلٌ من المهاجرينَ غيرَه، ولا أَنساها لطلحةَ...
قال كعبٌ: فلما سلمتُ على رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وهو يَبْرُقُ وجهُهُ من السرورِ:
أَبْشِرْ بخيرِ يومٍ مَرَّ عليكَ منذُ وَلَدتْكَ أُمُّكَ
قال: قلتُ: أَمِنْ عندِك يا رسولَ اللهِ أَم من عندِ اللهِ؟
قال: لا بلْ من عندِ اللهِ.
وكان رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذا سُرَّ اسْتَنارَ وجهُهُ حتى كأَنه قِطعةُ قَمَرٍ، وكنا نعرفُ ذلك منه، فلما جلستُ بين يديه قلت: يا رسولَ اللهِ إِنَّ من توبتي أَنْ أَنخلعَ من مالي صدقةً إِلى اللهِ وإِلى رسولِ اللهِ،
قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: أَمسكْ عليك بعضَ مالكَ، فهو خيرٌ لكَ.
قلت: فإِني أُمسِكُ سهمي الذي بخيبرَ، فقلت: يا رسولَ اللهِ إِنَّ اللهَ إِنما نجَّاني بالصدقِ، وإِنَّ من توبتي أَن لا أُحدِّث إِلا صِدقاً ما بقيتُ، فواللهِ ما أَعلمُ أَحداً من المسلمين أَبلاهُ اللهُ في صدْقِ الحديثِ منذُ ذكرتُ ذلك لرسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَحسنَ مما أَبلاني؛ ما تعمَّدْتُ منذُ ذكرتُ ذلك لرسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلى يومي هذا كَذباً، وإِني لأَرجو أَنْ يحفَظَني اللهُ فيما بقيتُ...
وأَنزلَ اللهُ على رسولِه -صلى الله عليه وسلم-:
{ لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرينَ } إِلى قولِه: { وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ }...
فواللهِ ما أَنعمَ اللهُ علَيَّ مِنْ نعمةٍ قَطُّ بعدَ أَنْ هداني للإِسلامِ أَعظمَ في نفسي مِنْ صِدقي لرسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ لا أَكون كَذَبْتُه فأَهلكَ كما هلكَ الذين كَذبوا؛ فإِنَّ اللهَ قال للذين كذبوا حينَ أَنزلَ الوحيُ شرَّ ما قالَ لأَحدٍ، فقال -تبارك وتعالى-:
{ سيَحْلِفونَ باللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ } إلى قولِه: { فَإِنَّ اللهَ لَا يَرْضَى عَنْ القَومِ الفَاسِقِينَ }.
قال كعبٌ: وكُنَّا تَخَلَّفْنا أَيُّها الثلاثةُ عن أَمْرِ أُولئِك الذين قَبِلَ منهم رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حينَ حَلفوا له فبَايَعَهُم واستغفرَ لهم، وأَرْجَأَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَمْرَنا حتى قضى اللهُ فيه، فبِذلك قال الله:ُ { وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا } وليس الذي ذَكر اللهُ مما خُلِّفْنا عن الغَزْوِ؛ إِنما هو تَخْليفُه إِيَّانا وإِرجاؤُه أَمرَنا عمَّن حلفَ له واعتذرَ إِليه فقَبِل منه.
.

طارق ياسين 12-13-2014 02:59 PM

.

· قوله -تعالى-:
{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } براءة : 107 ، 108

قال الطبريُّ: حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى قال: أَخبرنا عبدُ الرزاق قال: أخبرنا معمرٌ عن أَيوبٍ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ في قوله:
{ والذينَ اتَّخذوا مَسجدًا ضِرارًا وكفرًا }
قال: هم حيٌّ يُقال لهم: بَنو غَنْمٍ،
قال: أَخبرنا مَعمر عن الزهري عن عروةَ عن عائشةَ قالت:
{ وإِرصادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ }:
أَبو عامرٍ الراهبُ، انطلقَ إِلى الشأم، فقال الذين بَنَوْا مسجدَ الضرارِ: إِنما بَنَيْناه لِيصلي فيه أَبو عامر.


قال الألباني في "الثمر المستطاب": قال علماءُ التفسير ما مُلَخصُه:

إِنَّ بَني عَمرِو بنِ عوفٍ اتَّخذوا مسجدَ قُباءٍ وطلبوا من النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يأْتِيَهم، فصلى فيه -عليه الصلاةُ والسلام- فَحسدَهم إِخوانُهم بَنو غُنْمِ بنِ عَوفٍ وقالوا: نَبْني مسجداً ونبعثُ إِلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- يأْتينا فيُصلي لنا كما صلى في مسجدِ إِخواننا، ويُصلي فيه أَبو عامرٍ إِذا قدم من الشام (1). فأَتَوْه -صلى الله عليه وسلم- وهو يتجهز إِلى تبوكَ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ قد بنينا مسجداً لِذِي الحاجةِ والعلَّةِ والليلةِ المَطيرةِ، ونُحبُّ أَن تُصليَ لنا فيه وتدعوَ بالبركةِ، - وغُنْماً أَرادوا بذلك الاحتجاجَ بصلاتِه فيه على تقريرِه وإِثباتِه، فعصمه اللهُ من الصلاةِ فيه -.
فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: إِني على سفرٍ وحالِ شُغلٍ، فلو قدِمنا لأَتَيْناكم وصلينا لكم إِن شاء اللهُ.
فلما انصرف من تبوكَ أَتَوْه وقد فرَغُوا منه وصلوا فيه الجمعةَ والسبتَ والأَحدَ، فدعا بقميصه لِيَلْبِسَهُ ويأَتِيَهم، فنزلَ عليه القرآنُ بخَبَرِ مسجدِ الضرارِ، فدعا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- جماعةً من الصحابةِ فقال:
انطلقوا إِلى هذا المسجدِ الظالمِ أَهلُه فاهْدِمُوه وأَحْرِقوه. فخرجوا مسرعينَ فأَحرقوا المسجدَ وهَدموه. اهـ.

- وروى أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم عن أَبي هريرةَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال :
نزلت هذه الآيةُ في أَهلِ قُباءٍ: { فِيهِ رِجالُ يُحِبُّون أَنْ يَتَطَهَّرُوا }
قال: كانوا يَستنجونَ بالماءِ فنزلتْ فيهم هذهِ الآيةُ.

قال الألباني بعد أن ذكر ضعفَ إِسنادِ أَبي داودَ:

الحديثُ له شواهدُ كثيرةٌ يَرقى بها إلى درجةِ الصحيح.
وقال: وصححه النووي والحافظُ ابنُ حجر.
___________
(1) أَبو عامرٍ الراهبُ: رجلٌ مِن الخزرجِ كان قد تَنَصَّرَ في الجاهليةِ، وقرأَ علمَ أَهلِ الكتابِ، وكان فيه عبادةٌ في الجاهليةِ، وله شرفٌ في الخزرجِ كبيرٌ، وكان رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قد دعاه إِلى اللهِ، وقرأَ عليه من القرآنِ، فأَبى أَن يُسلمَ وتمرَّدَ، ولما فرغ الناسُ من أٌحدٍ، ورأَى أَمرَ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في ارتفاعٍ وظهورٍ، ذهب إِلى هِرَقْلَ ملكِ الرومِ يَستَنْصرُه على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فوعده ومنَّاهُ وأَقام عندَه، وكتب إِلى جماعةٍ من قومِه من الأَنصارِ من أَهلِ النفاقِ والرَّيْبِ يَعِدهم ويُمَنِّيهم أَنه سَيَقْدُم بجيشٍ يقاتلُ به رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وأَمرَهم أَنْ يتخذوا له مَعْقِلاً يكونُ مَرْصداً له إِذا قدِمَ عليهم.
والآيةُ وإِن كانت خاصةً في مسجدِ الضرارِ، فليس هو مقصوداً بذاتِه كما لا يخفى، بل المقصود الأَوصافُ التي وُصِف بها من الضرارِ والتفريقِ، فكلُّ مسجدٍ وُجدت فيه هذه الأَوصافُ أَو بعضُها، كان له حكمُ مسجدِ الضرار. (الثمر المستطاب).
.

طارق ياسين 03-12-2015 09:49 PM

· قوله –تعالى-:

{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} هود: 114

روى البخاري ومسلم وغيرُهما عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ –رضي الله عنه- أَنَّ رجلاً أَصابَ منِ امرأةٍ قُبلةً، فأَتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فذكر له ذلك،[وعند النسائي في "الكبرى": (كأَنَّه يَسأَلُه عن كفارتِها)] قال: فنزلتْ:
{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}.
قال: فقال الرجلُ: أَلِيَ هذه يارسولَ اللهِ؟
قال: (لِمَنْ عملَ بها من أُمَّتي).
.

مروان السلفي الجزائري 03-15-2015 07:52 PM


بارك الله فيك أخي طارق واصل وصلك الله برحمته .

مروان السلفي الجزائري 03-15-2015 07:54 PM


بارك الله فيك أخي طارق و جزاك الله خيرا .
واصل وصلك الله برحمته .

طارق ياسين 03-16-2015 02:52 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مروان السلفي الجزائري (المشاركة 336985)

بارك الله فيك أخي طارق و جزاك الله خيرا .
واصل وصلك الله برحمته .

وفيك بارك الله، أسأل الله الإعانة، دعواتكم لنا.

طارق ياسين 03-18-2015 10:03 PM

.
· قوله –تعالى-: { الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ } يوسف: 1-3
- وقوله –تعالى-: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} الزمر: 23

روى الحاكمُ وابنُ حِبَّانَ والبزارُ وأَبو يَعلى والطحاوي وغيرُهم، عن سعدِ بنِ أَبي وقاصٍ –رضي الله عنه- قال:
نزل القرآنُ على رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَتَلا عليهم زماناً،
فقالوا: يا رسولَ اللهِ! لو قَصَصْتَ علينا.
فأنزل الله -عز وجل-: { الر تِلْكَ آياتُ الكِتَابِ المُبِينِ } تَلا إلى قولِه: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ
فَتَلا عليهم زماناً،
فقالوا: يا رسولَ اللهِ! لو حدَّثْتَنا.
فأَنزلَ اللهُ -عز وجل: { اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً } كلُّ ذلك يؤمَرُ[ون] بالقرآنِ.*

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.
قال ابن حجر في "المطالب العالية": هذا حديث حسن.
وكذلك قال البوصيري في "الزوائد".
وقوى إسنادَه شُعيب الأَرناؤوط.
___________
*زاد غيرُ الحاكم: قال خلّاد: وزاد فيه آخرُ: قال: قالوا: يا رسولَ اللهِ! لو ذَكَّرْتَنا!
فأَنزلَ اللهُ –تعالى-: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ} الحديد: 16.
ولم أَجدْ مَن تكلم على هذه الزيادةِ بصحةٍ أو ضعفٍ.

.


طارق ياسين 03-23-2015 05:09 PM

.
· قوله –تعالى-: { وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ } الرعد: 13.

قال البزارُ: حدَّثنا عَبْدةُ بنُ عبد اللهِ، أَخبرنا يزيدُ بنُ هارون, أَخبرنا دَيْلَمُ بنُ غزوانَ، حَدَّثنا ثابتٌ، عن أَنسٍ قال:

بعثَ رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عليه وسلَّم- رجلاً من أَصحابِه إِلى رجلٍ من عُظماءِ الجاهليةِ يدعوه إِلى اللهِ -تبارك وتعالى-فقال: أَيْش(1) ربُّكَ الذي تدعو إليه؛ من نحاسٍ هو؟ من حديد هو؟ من فضةٍ هو؟ من ذهبٍ هو؟

فأَتى النَّبِيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فأَخبره، فأَعادَه النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- الثانيةَ, فقال مثلَ ذلك، فأتى النَّبيَّ -صَلَّى الله عليه وسلَّم- فأَخبرَه، فأَرسله إِليه الثالثةَ، فقال مثلَ ذلك، فأَتى النَّبيَّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم- فأخبرَه، فأَرسلَ اللهُ -تبارك وتعالى- عليه صاعقةً فأَحرقَتْهُ،
فقال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عليه وسلَّم-:
إِنَّ اللهَ -تبارك وتعالى- قد أَرسلَ على صاحبِكَ صاعقةً فأَحرقَتْهُ.
فنزلت هذه الآيةُ: { وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ(2) }.
دَيْلَمٌ: صالحٌ بَصريٌّ.
قلت: بقيةُ رجالِه رجالُ الصحيح.
ودَيْلَم: قال في "التقريب": صدوق.
______
(1) أَصلُها: أَيُّ شَيءٍ. (تاج العروس).
(2) قال ابن كثير: وعن علي رضي الله عنه: { وَهُوَ شَدِيدُ المِحالِ } أي: شديد الأخذ؛ وقال مجاهد : شديد القوة.
وقال السعدي: شديدُ الحَوْلِ والقوةِ، فلا يريد شيئاً إلا فعله، ولا يَتعاصى عليه شيءٌ، ولا يفوته هاربٌ.


.

مروان السلفي الجزائري 03-29-2015 01:00 PM


جزاك الله خيرا أخي الكريم و بارك الله فيك .
واصل مأجور إن شاء الله .

مروان السلفي الجزائري 04-21-2015 08:49 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مروان السلفي الجزائري (المشاركة 337563)

جزاك الله خيرا أخي الكريم و بارك الله فيك .
واصل مأجور إن شاء الله .



واصل أخي طارق بارك الله فيك .

إني من متابعين .

طارق ياسين 04-25-2015 05:22 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مروان السلفي الجزائري (المشاركة 338905)


واصل أخي طارق بارك الله فيك .

إني من متابعين .

جزاك الله خيرا أخي الفاضل
أشكر حرصك ومتابعتك،
إني أرجو الله أن أتم ما بدأت به،
لكن بعض الظروف الصحية تعوقني،
بالإضافة إلى بعض الانشغالات،
سأحاول جهدي بإذن الله.

مروان السلفي الجزائري 04-26-2015 01:01 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة طارق ياسين (المشاركة 339126)
جزاك الله خيرا أخي الفاضل
أشكر حرصك ومتابعتك،
إني أرجو الله أن أتم ما بدأت به،
لكن بعض الظروف الصحية تعوقني،
بالإضافة إلى بعض الانشغالات،
سأحاول جهدي بإذن الله.

أسأل الله ان يرفع عنك المرض و أن يقويك .

طارق ياسين 05-19-2015 11:18 PM

· قولُه –تعالى-: { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَايَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76) } النحل.

قال الطبري: حدثنا الحَسَنُ بنُ الصبَّاحِ البزَّارُ، قال: ثنا يحيى بنُ إسحاقَ السَيْلَحِينيُّ، قال: ثنا حمادٌ، عن عبدِالله بنِ عثمانَ بنِ خُثَيْم، عن إبراهيمَ، عن عكرمةَ، عن يَعْلى بنِ أُميةَ، عن ابن عباسٍ في قوله: { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا }
قال: نزلت في رجلٍ من قريشٍ وعبدِه.
وفي قوله: { مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ } ... إلى قوله: { وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }قال: هو عثمانُ بنُ عفان.
قال: والأَبكمُ الذي أَينما يُوَجَّههُ لا يأتِ بخيرٍ، ذاك مولى عثمانَ بنِ عفَّان، كان عثمانُ ينفقُ عليه ويَكفلُه ويَكفيه المؤنةَ، وكان الآخرُ يكره الإسلامَ ويأباه، وينهاه عن الصدقةِ والمعروف، فنزلت فيهما.
.

طارق ياسين 05-25-2015 11:41 PM

.

· قوله –تعالى-: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ } النحل: 103 .

قال ابنُ كثيرٍ في تفسيره:
يقولُ –تعالى- مخبرًا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذبِ والافتراءِ والبُهتِ: أَنَّ مُحمدًا إنما يُعلِّمُه هذا الذي يَتلوه علينا من القرآنِ بَشرٌ، ويُشيرون إلى رجلٍ أَعجميٍّ كان بين أَظهُرِهِم، غلامٍ لبعضِ بُطونِ قريشٍ، وكان بيّاعاً يَبيع عندَ الصفا، فربما كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يجلسُ إليه ويكلِّمُه بعضَ الشيءِ، وذاك كان أَعجميَّ اللسانِ لا يعرف العربيةَ، أَو أَنه كان يعرفُ الشيءَ اليَسيرَ بِقَدرِ ما يَرُدُّ جوابَ الخطابِ فيما لا بد منه؛ فلهذا قال الله –تعالى- رادًّا عليهم في افترائهم ذلك:
{ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ }
يعني القرآنَ، أي: فكيف يتعلم مَن جاء بهذا القرآن، في فَصَاحته وبلاغتِه ومَعانيه التامَّةِ الشاملة، التي هي أَكملُ من معاني كلِّ كتابٍ نزلَ على نبيٍّ أُرسل، كيف يتعلم من رجلٍ أعجميٍّ؟! لا يقول هذا من له أدنى مُسْكةٍ من العقلِ.
قال محمدُ بنُ إِسحاقَ بن يَسار في السيرةِ:
كان رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم -فيما بلغني- كثيرًا ما يَجلسُ عندَ المَروةِ إِلى مَبِيعَةِ غلامٍ نصراني يقال له: جَبْرٌ، عبدٌ لبعضِ بني الحَضرميِّ، فكانوا يقولون: والله ما يُعلِّمُ محمداً كثيراً مما يأتي به إلا جَبْرٌ النصرانيُّ، غلامُ بني الحضرميِّ فأنزل الله:
{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ }.
قلت: ذكره الألباني في "صحيح السيرة".
وذكر الطبري الاختلاف في اسم ذلك الغلام، فذكر بإسناده عن ابن عباس أن اسمه كان بلعام، وعن عكرمةَ أنّ اسمَه يَعيش، وذكر عن آخرون أنهما كانا اثنين أحدُهما يقال له: يسار والآخر: جَبر.
.

مروان السلفي الجزائري 06-06-2015 07:41 PM


جزاك الله خيرا أخي ياسين

طارق ياسين 06-10-2015 10:59 PM

.


· قولُه –تعالى-: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ } النحل:126

عن أَبي العاليةَ قال: حدثني أُبَيُّ بنُ كَعبٍ قال: لمّا كان يومُ أُحدٍ أُصيبَ من الأَنصارِ أَربعةٌ وستونَ رجلاً، ومن المهاجرين ستةٌ فيهم حمزةُ، فمَثَّلُوا بهم، فقالت الأنصارُ: لَئن أَصبْنا منهم يوماً مثلَ هذا لَنُرْبِيَنَّ عليهم،
قال: فلما كان يومُ فتحِ مكةَ فأنزل الله:
{ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
فقال رجلٌ: لا قريشَ بعدَ اليومِ.
فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: كُفُّوا عن القومِ إِلا أَربعةً.
رواه أَحمدُ في المسند والترمذي وقال: هذا حديث حسنٌ غريبٌ من حديث أُبَي بنِ كعب.
قال الألباني: حسنٌ صحيحُ الإسنادِ.
وفي رواية المسند:
فنادى مُنادي رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-:
أَمِنَ الأَسودُ والأَبيضُ، إِلا فلاناً وفلاناً، ناساً سمَّاهم ،فأنزل اللهُ -تبارك وتعالى- : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوْا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: نَصبِرُ ولا نُعاقبُ.
قال الشيخ شُعيبُ: إِسنادُه حسن.

قال في "تحفة الأحوذي":
(لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ ):
من الإِرْباءِ، أَيْ لَنزيدَنَّ ولَنُضاعفَنَّ عليهم في التَّمثيلِ.
( كُفُّوا عَنْ الْقَوْمِ إِلَّا أَرْبَعَةً ):
وفي حديثِ سعدٍ عندَ النَّسائيِّ قال: لَمَّا كانَ يومُ فتحِ مكةَ أَمَّن رسولُ اللَّهِ النَّاسَ إِلا أَرْبعةَ نَفرٍ وامرأَتَينِ، وقال: اُقْتلوهُمْ وإِنْ وجدْتُموهُم مُتَعلِّقينَ بِأَستارِ الكَعبة؛ عِكْرمةَ بنَ أَبي جهلٍ وعبدَ اللَّهِ بنَ خَطَلٍ ومَقِيسَ بنَ صَبَابةَ وعبدَ اللَّهِ بْنَ سعدِ بنِ أَبي السَّرْحِ . الحَدِيثَ.
قلت: وتتمة الحديث عند النسائي:

فأَما عبدُ الله بن خَطلٍ فأُدركَ وهو متعلقٌ بأستارِ الكعبةِ، فاسْتَبقَ إِليه سعيدُ بنُ حُريثٍ وعمارُ بنُ ياسر، فسبقَ سعيدٌ عماراً، وكان أَشبَّ الرجلين، فقتله. وأَما مَقِيسُ بنُ صَبابةَ فأَدركه الناسُ في السوقِ فقتلوه، وأَما عكرمةُ فركبَ البحرَ فأَصابتهم عاصفٌ، فقال أصحابُ السفينةِ: أَخلصوا؛ فإِنَّ آلهتَكُم لا تُغني عنكم شيئاً هاهنا،
فقال عكرمةُ: والله لِئنْ لم يُنَجِّني في البحر إِلا الإخلاصُ ما ينجيني في البَرِّ غيرُه، اللهم إِنَّ لك علَيَّ عهداً إِن أَنت عافَيْتَني مِمَّا أنا فيه أَنْ آتي محمداً -صلى الله عليه وسلم- حتى أَضعَ يدي في يدِه، فلأَجِدَنَّه عَفُّواً كريماً، فجاء فأَسلمَ، وأما عبدُ اللهِ بنُ سعدِ بنِ أَبي سَرْحٍ فإنه اخْتَبأَ عند عثمانَ بنِ عفانَ، فلما دعا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الناسَ إلى البيعةِ جاء به حتى أَوقفَه على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: يا رسولَ اللهِ بايِعْ عبدَ اللهِ،
فرفع رأَسَه فنظر إِليه ثلاثاً, كلُّ ذلك يأْبَى، فبَايَعَهُ بعدَ ثلاثٍ، ثم أَقبلَ على أصحابِه فقال:
ما كان فيكم رجلٌ رشيدٌ يقومُ إِلى هذا حيثُ رآني كَفَفْتُ يدي عن بَيْعتِه فيَقْتُلُه؟
قالوا: ما يُدرينا يا رسولَ اللهِ ما في نفسِكَ! هلّا أَوْمأَتَ إِلينا بعينِك.
قال: إِنه لا يَنْبغي لِنَبيٍّ أَنْ تكونَ له خائنةُ الأَعين.
.

مروان السلفي الجزائري 06-15-2015 12:50 PM


جزاك الله خيرا أخي الكريم .

طارق ياسين 07-07-2015 12:07 AM

.
· قوله –تعالى-: { وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} الحجر: 24

روى الترمذي والنسائي وابن ماجةَ وغيرُهم عن ابنِ عباسٍ قال:
كانت امرأةٌ تُصلي خلفَ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حسناءُ، من أَحسنِ النساء، فكان بعضُ القومِ يتقدَّمُ حتى يكونَ في الصفِّ الأولِ؛ لئلا يراها، ويَستأخِرُ بعضُهم حتى يكونَ في الصف المؤَّخَرِ، فإذا ركع نظر من تحتِ إِبطَيْهِ، فأنزل الله:
{ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ }


قال ابن ُكثيرٍ في "تفسيره": حديثٌ غريبٌ جداً وفيه نكارةٌ شديدة.

قال الألباني في "الصحيحة":

وهذا الإعلالُ ليس بشيءٍ عندي؛ وذلك من وجوهٍ ...

فعلق على الإسناد ثم قال:

ثانيا : الغرابة التي أشار إليها منفيةٌ بمجيءِ أَصلِ الحديثِ من طُرقٍ أُخرى ولو باختصارٍ ...

فذكرها ثم قال:

فهذه الروايات وإن كانت لا تخلو من ضعفٍ، فبعضُها يَشدُّ بعضاً، فهي صالحةٌ للاستشهادِ، ويدل مجموعُها على أنّ الآيةَ الكريمةَ نزلت في صفوفِ الصلاة، فأين الغرابة؟!
وإنْ كان المقصودُ بها غرابةَ المعنى ومباينةَ تفسيرِ الآيةِ بما دلَّ عليه سببُ النزولِ لِما قبلها من الآيات:

{ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25) }

فالجواب: أَنَّ المعنى المستفادَ من سببِ النزولِ ليس مُبايناً للعموم الذي تدل عليه الآيةُ بِسباقِها وسياقِها، ومن المعلوم أنّ العبرةَ بعموم اللفظِ لا بخصوص السببِ، قال العلامة الآلوسي في " روح المعاني ":

ومِن هنا قال بعضُهم: الأَولى الحملُ على العموم، أي: علمنا من اتّصفَ
بالتقدمِ والتأخرِ في الولادةِ والموت والإسلامِ وصفوف الصلاةِ وغير ذلك.

وهو يُشيرُ بذلكَ إلى الإمامِ ابن جريرٍ -رحمه الله- فإِنه اختارَ حملَ الآيةِ على العمومِ المذكور ثم قال:

وجائز أن تكون نزلت في شأن المستقدمين في الصف لشأن النساء، والمُستأخرين فيه لذلك، ثم يكون اللهُ -عز وجل- عَمَّ بالمعنى المرادِ منه جميعَ الخلقِ، فقال -جَلَّ ثناؤُه لهم: قد علمنا ما مضى من الخلق و أَحصيناهم وما كانوا يعملون، ومَنْ هو حيٌّ منكم، و من هو حادثٌ بعدَكم أَيها الناس! وأَعمالُ جميعِكُم،خيرُها وشرُّها، وأَحصينا جميعَ ذلك، ونحن نحشرُهم جميعَهم، فَنُجازي كُلًّا بأَعمالِه إنْخيراً فخيراً، وإن شراً فشراً، فيكون ذلك تهديداً ووعيداً للمستأخرين في الصفوفِلِشأنِ النساء، ولِكلِّ مَن تَعدّى حدَّ اللهِ وعمل بغير ما أذن له به، ووعداً لمن تقدَّم في الصفوف لسبب النساءِ، سارع إلى محبةِ الله ورضوانه في أفعاله كلِّها.

وهذا في غايةِ التحقيق كما ترى. جزاه الله خيرا.
ثالثا : وأَما النكارةُ الشديدةُ التي زعمها ابنُ كثيرٍ -رحمه الله- فالظاهرُ أنه يعني أَنه من غير المعقولِ أنْ يتأَخّر أَحدٌ من المصلين إِلى الصفِّ الآخرِ لينظرَ إلى امرأةٍ! وجوابنا عليه أَنهم قد قالوا: إذا ورَدَ الأثرُ بطَلَ النظرُ، فبعدَ ثبوتِ الحديثِ لا مجالَ لاستنكارِ ما تضَمنّه من الواقع، و لو أننا فتحنا بابَ الاستنكار لمجردِ الاستبعادِ العقلي للزم إِنكارُ كثيرٍ من الأحاديثِ الصحيحةِ، و هذا ليس من شأنِ أهل السنة والحديث، بل هو من دأْبِ المعتزلةِ وأهل الأهواء.
ثم ما المانعُ أنْ يكونَ أولئك الناسُ المستأخرونَ من المنافقين الذين يُظهرون الإيمانَ ويُبطنون الكفرَ؟ بل وما المانعُ أنْ يكونوا من الذين دخلوا في الإِسلامِ حديثا، ولمّا يتهذّبوا بتهذيبِ الإِسلام، ولا تأدبوا بأدبه؟
.

طارق ياسين 07-25-2015 12:33 AM

.

قوله –تعالى-: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلايَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ } الإسراء: 56، 57

قال الإمام مسلم: حدثني أبو بكرِ بنُ نافعٍ العَبديُّ حدثنا عبدُ الرحمن حدثنا سفيانُ عن الأَعمشِ عن إبراهيمَ عن أَبي معمرٍ عن عبد الله:

{ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ }، قال:
كان نَفَرٌ من الإِنسِ يعبدون نفراً من الجنِّ فأَسلمَ النَّفَرُ من الجنِّ، واسْتَمسك الإِنسُ بعبادتِهم، فنزلت: { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ }.

ثم ساقه من طريق أخرى إلى ابن مسعودٍ قال:

نزلتْ في نَفرٍ من العربِ كانوا يعبدون نَفَراً من الجنِّ، فأسلم الجنِّيونَ، والإِنسُ الذين كانوا يعبدونَهم لا يشعرونَ، فنزلت.
.

طارق ياسين 09-04-2015 01:31 AM

.
قوله –تعالى-: { وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا } الإسراء: 59 .

روى أحمد عن ابنِ عباسٍ –رضي الله عنهما- قال :


سأَل أهلُ مكةَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَجعلَ لهمُ الصفا ذهباً، وأَن يُنَحّيَ الجبالَ عنهم فيَزْدَرِعوا،
فقيل له: إنْ شِئْتَ أنْ تَسْتأْنيَ بهم، وإِن شِئتَ أن تُؤْتِيَهم الذي سألوا؛ فإن كفروا أُهلكوا كما أُهلك مَنْ قبْلَهم.
قال: لا بلْ أَسْتَأْني بهم.
فأنزل اللهُ -عزّ وجلَّ- هذه الآية: { وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا }.
صححه الشيخ الألباني وقال: على شرط الشيخين.


.

طارق ياسين 09-07-2015 06:22 PM

.

مما فاتني ذكره من سورة البقرة ...
· قوله –تعالى-: { لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} البقرة: 272

قال أبو عبيد في "الأموال" :

حدثنا أحمد بن عثمان عن ابن المبارك عن سفيان عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس:
كان ناسٌ لهم أَنسباءٌ وقَرابةٌ من قُريظةَ والنضيرِ، وكانوا يَتَّقون أَنْ يَتَصَّدقوا عليهم، ويريدونهم على الإسلام، فنزلت:
{ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}
وكذلك أخرجه ابن جرير في تفسيره قال: حدثنا المثنى قال: حدثنا سويد قال: أخبرنا ابن المبارك عن سفيان عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فذكره.
وأخرجه الحاكم عن ابن عباس بلفظ:
كانوا يكرهون أن يَرْضَخوا لأَنْسابِهم وهم مشركون فنزلت: { ليس عليك هداهم و لكن الله يهدي من يشاء } حتى بلغ { وأنتم لا تظلمون } قال: فرَخَّص لهم.
وقال: صحيح ولم يخرجاه، وقال الذهبي: على شرط البخاري ومسلم.
قال الألباني في "الصحيحة": وهو كما قال بالنظر إلى رواية أبي عبيد وابن جرير، وإلا ففي إِسناد الحاكم "محمد بن غالب" ؛ فإِن فيه كلاماً مع كونه ليس من رجال الشيخين.

ثم قال -رحمه الله-: هذا في صدقة النافلة ، وأما الفريضة فلا تجوز لغير المسلم؛ لحديث معاذ المعروف: " تُؤخذ من أغنيائهم فتُردُّ على فقرائهم " . متفق عليه
.

طارق ياسين 10-26-2015 08:19 AM

.
مما فاتني ذكرُه من سورة آل عمران:
· قوله –تعالى-: { كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)}

روى أَحمدُ والنَّسائيُّ وغيرُهما عن ابن عباسٍ قال:
كان رجلٌ من الأنصار أسلمَ ثم ارتدَّ ولَحِقَ بالشركِ، ثم تَنَدَّمَ، فأرسل إلى قومِهِ: سَلُوا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - هل له من توبةٍ؟ فجاء قومُهُ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إنَّ فلاناً قد ندمَ، وإنّه أَمرنا أن نسأَلَك: هل له من توبةٍ؟ فنزلت:
{كَيْفَ يهدِي اللهُ قوماً كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِم..} إلى قولِه: { غفورٌ رحيمٌ
فأرسل إليه قومُه؛ فأَسلَم.

صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه الألباني وشعيب.

قال الشيخ الألباني –رحمه الله- في "الصحيحة":
ولتمام الفائدة لا بد من ذكر الآيات الأربع بتمامها..
فذكرها ثم قال:
ولا يُنافي ذلك قولَه –تعالى- بعدَها:
{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) }
ذلك؛ لأَنَّ المقصودَ: لن تُقبلَ توبَتُهم عندَ المماتِ كما قال –تعالى-: { وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18) } النساء.
قاله الحافظ ابن كثير .
.

طارق ياسين 11-13-2015 08:50 PM

.

· قولُه –تعالى-: { وَيَسْأَلُونَكَ ، عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتُوا مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } الإسراء: 85
وقوله –تعالى-: { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } الكهف: 109
روى الشيخان وغيرُهما –واللفظُ للبخاري- عن علقمةَ عن عبدِ الله قال:
بينا أَنا أَمشي معَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في خِرَبِ المدينةِ، وهو يتوكَّأ على عَسيبٍ معه، فمَرَّ بِنَفرٍ من اليهود، فقال بعضُهم لبعضٍ: سَلُوه عن الروحِ،
وقال بعضُهم: لا تسأَلوه؛ لا يجيءُ فيه بشيءٍ تكرهونَه.
فقال بعضُهم: لَنَسأَلنَّهُ،
فقام رجلٌ منهم فقال: يا أَبا القاسمُ، ما الروحُ؟!
فسكت؛ فقلتُ: إِنه يُوحَى إليهِ، فقمتُ..
فلما انجلى عنه قال: { ويَسْأَلونَكَ عنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتُوا مِنَ العِلمِ إِلا قليلا }.
قال الأعمش: هكذا في قراءَتِنا.
قال ابنُ حجر في الفتح: أي قراءةِ الأَعمشِ، وليست هذه القراءةُ في السبعةِ، بل ولا في المشهورِ من غيرِها، وقد أغفلَها أَبو عُبَيدٍ في كتاب "القراءات" له من قراءةِ الأَعمشِ، والله أعلم.
قال ابن كثير في "تفسيره":
وهذا السياقُ يقتضي، فيما يظهر بادي الرأي، أَنَّ هذه الآيةَ مدَنِيَّةٌ، وأَنها إنما نزلتْ حين سأَله اليهودُ عن ذلك بالمدينةِ، معَ أَنَّ السورةَ كلَّها مكيةٌ. وقد يُجاب عن هذا بأَنَّه قد يكون نزلتْ عليه بالمدينةِ مرةً ثانيةً كما نزلت عليه بمكةَ قبلَ ذلك، أَو أنه نزل عليهِ الوحيُ بأَنَّه يُجيبهم عما سأَلوا بالآيةِ المُتَقدِّمِ إِنزالُها عليه، وهي هذه الآيةُ: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ }

زاد الترمذي في روايتِه:
قالوا: أُوتينا عِلماً كثيراً: التوراةُ، ومن أُوتي التوراةَ فقد أُوتيَ خيراً كثيرا، فأُنزلَتْ:
{ قُلْ لَوْ كَانَ البَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ } إلى آخر الآية.
قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجهِ.
قال الألباني: صحيح الإسناد.
وقال شعيب: إسناده صحيح.
.

طارق ياسين 12-09-2015 01:50 AM

.

· قولُه –تعالى-: { وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا } الإسراء: 110

روى البخاريُّ في صحيحِه عن ابنِ عباسٍ -رضي الله عنهما- في قولِه –تعالى-: { وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِها } قال:
نزلتْ ورسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مُخْتَفٍ بمكةَ؛ كان إذا صلى بأَصحابِه رفع صوتَه بالقرآنِ فإذا سمعه المشركون سَبُّوا القرآنَ ومَنْ أَنزلَه ومَنْ جاء به، فقال اللهُ –تعالى- لِنَبِيِّه -صلى الله عليه وسلم-:{ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ } أي: بِقِراءَتِك فيَسْمَعَ المشركونَ فيَسُبُّوا القرآنَ،{ وَلا تُخَافِتُ بِها } عن أَصحابِك فلا تُسْمِعُهُم، { وَابْتَغِ بَيْنَ ذلكَ سَبِيلاً }.

وقال البخاري: حدثني طلقُ بنُ غَنَّامٍ حدثنا زائدةُ عن هشامٍ عن أَبيه عن عائشةَ -رضي الله عنها- قالت: أُنْزِلَ ذلك في الدعاءِ.
قال الحافظ في "الفتح":
يحتملُ الجمعُ بينهما بأَنَّها نزلت في الدعاءِ داخلَ الصلاةِ.

.

طارق ياسين 12-12-2015 11:49 PM

مما فاتني ذكره من سورة البقرة:
· قولُه –تعالى-: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } ، 198
أخرج البخاري عن ابن عباس قال:

كانت عُكاظٌ ومِجَنَّةُ وذُو المَجازِ أَسواقاً في الجاهليةِ، فتَأَثَّموا أَنْ يَتجِّرُوا في المواسم، فنزلت: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } في مواسِمِ الحج.


وروى أبو داود وغيره عن أَبي أمامة التَّيْمِيِّ قال:
كنت رجلاً أُكْرِي في هذا الوجهِ، وكان ناسٌ يقولون لي: إِنَّه ليس لك حجٌّ!
فلَقِيتُ ابنَ عمرَ فقلت: يا أَبا عبد الرحمن إِني رجلٌ أُكْرِي في هذا الوجهِ، وإِنَّ ناساً يقولون لي: إنه ليس لك حَج؟
فقال ابنُ عمرَ: أليس تُحْرِمُ وتُلَبِّي، وتطوفُ بالبيت، وتُفِيضُ من عرفاتٍ، وتَرمي الجمار؟
قال: قلت: بلى.
قال: فإِنَّ لك حجّاً؛ جاء رجلٌ إِلى النبيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فسأَله عن مثلِ ما سألتني عنه؟ فسكتَ عنه رسولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يُجِبْه- حتى نزلت هذه الآية: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ }، فأَرسلَ إِليه رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقرأ عليه هذه الآيةَ، وقال: لك حَجٌّ.
قال الألباني: صحيح.

.

طارق ياسين 12-22-2015 02:26 PM

.

· قولُه –تعالى-: { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّك نَسِيًّا } مريم: 64


روى البخاريُّ عن ابنِ عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لجبريل:
ما يَمْنَعُكَ أَنْ تَزورنا أَكثرَ مما تزورنا ؟
فنزلت: { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا }.
.

طارق ياسين 12-26-2015 10:31 PM

.

· قولُه –تعالى-: { أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80) } ، مريم.


روى البخاري ومسلم عن خبابٍ –رضي الله عنه- قال:
كنتُ رجلاً قَيْنًا، وكان لي على العاصي بنِ وائلٍ دَيْنٌ، فأَتَيْتُه أَتقاضاه،
فقال لي: لا أَقْضِيكَ حتى تكفُرَ بمحمدٍ،
قال: قلت: لن أَكْفرَ به حتى تَموتَ ثم تُبعثَ،
قال: وإِنِّي لمبعوثٌ من بعدِ الموتِ ؟! فسوف أَقضيكَ إِذا رَجَعتُ إِلى مالٍ وولدٍ،
وفي روايةٍ:
قال: دعني حتى أَموتَ وأُبعثَ فسأُوتَى مالاً وولداً فأَقِضيَكَ.
قال: فنزلت: { أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80) }.

قوله: (كنت قَيْناً) أي: حداداً.
.

طارق ياسين 12-30-2015 10:25 PM

.
· قولُه –تعالى-: { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } الأنبياء: 101
· وقولُه: { وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } الزخرف: 57

روى الطحاوي في "مشكل الآثار" وغيرُه عن ابنِ عباسٍ –رضي الله عنهما- قال:

آيةٌ في كتابِ اللهِ لا يسأَلُني الناسُ عنها، ولا أَدري أَعَرفوها فلا يسأَلوني عنها، أَم جَهِلوها فلا يسألوني عنها؟!
قيل: وما هي؟
قال: آيةٌ لما نزلت: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } شَقَّ ذلك على أَهلِ مكةَ وقالوا: شَتَمَ محمدٌ آلهتَنا، فقام ابنُ الزِّبَعْرَى(1) فقال: ما شأْنُكم؟
قالوا: شتمَ محمدٌ آلهتَنا!
قال: وما قال؟
قالوا: قال: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } ،
قال: ادْعُوهُ لي ..
فَدُعِيَ محمدٌ -صلى الله عليه وسلم-
فقال ابنُ الزِّبَعْرَى: يا محمدُ! هذا شيءٌ لِآلهتِنا خاصةً أَمْ لكل مَنْ عُبِدَ من دون الله؟
قال: بل لِكُلِّ مَنْ عُبِدَ من دون اللهِ -عز وجل-.
قال: فقال: خَصَمْناهُ ورَبِّ هذه البَنِيَّةِ(2)، يا محمدُ أَلَسْتَ تَزْعُم أَن عيسى عبدٌ صالحٌ وعزيراً عبدٌ صالحٌ، والملائكةُ عبادٌ صالحون،
قال: بلى ،
قال: فهذه النصارى يعبدون عيسى، وهذه اليهودُ تعبدُ عُزَيراً، وهذه بنو مُلَيْحٍ تَعبدُ الملائكةَ!
قال: فضَجَّ أَهلُ مكةَ،
فنزلت: { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الحُسْنَى } عيسى وعُزَيرٌ والملائكةُ { أُولئِكَ عنها مُبْعَدُونَ } ،
قال: ونزلت: { وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } وهو الضجيج.

قال الشيخ مقبل: صحيح بمجموع طرقه. وذكره الشيخ الألباني في "صحيح السيرة".
.
___________
(1) عبد الله بن الزبعرى أبو سعبد، شاعر قريش في الجاهلية، كان يحارب المسلمين في شعره حتى فتحت مكة، فهرب إلى نجران، ثم عاد إلى مكة واعتذر للنبي -صلى الله عليه وسلم- ومدحه. (من الموسوعة الحرة بتصرف).
(2) البَنِيَّة: كل ما يبنى، وتطلق على الكعبة. (المعجم الوسيط).
.

طارق ياسين 01-26-2016 11:33 PM

.

· قوله –تعالى-: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } الحج: 11

روى البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ:
{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ }
قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلاَمًا، وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ، قَالَ:هَذَا دِينٌ صَالِحٌ وَإِنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قَالَ: هَذَا دِينُ سُوءٍ.

قال ابن حجر في "الفتح":
وقد أَخرجه ابنُ أَبي حاتمٍ منْ وجهٍ آخرَ عن جعفرِ بنِ أَبي المغيرةَ عن سعيد بن جُبيرٍ، فذكر فيه ابن عباس قوله:
كان الرجل يَقدُمُ المدينةَ فيُسلمُ.
وفي روايةِ جعفرٍ:
كان ناسٌ من الأعراب يأتونَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فيُسلمونَ.
قوله: (
فإن وَلَدت امْرأتُه غلاماً، ونُتِجَتْ خَيْلُه)

هو بضَمِّ نونِ (نُتِجتْ) فهي منتوجةٌ، مثلُ: نُفسَتْ فهي مَنفوسة.
زاد العوفيُّ عن ابن عباس: (وصَحَّ جِسمُه).
أخرجه ابن أبي حاتم.
ولابنِ المنذر من طريق الحسنِ البصري: (كان الرجلُ يَقدمُ المدينةَ مهاجراً، فإن صحَّ جسمُه..) الحديثَ.
وفي رواية جعفر: فإنْ وجدوا عامَ خَصبٍ وغيثٍ وولادٍ. وقوله: قال: هذا دين صالح.
وفي رواية العوفي: رضي واطمأن وقال: ما أصبت في ديني إلا خيرا.
.

طارق ياسين 02-04-2016 11:01 AM

.

· قولُه –تعالى-: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } الحج: 19

روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ فِيهَا: إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} نَزَلَتْ فِي حَمْزَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَعُتْبَةَ وَصَاحِبَيْهِ يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ بَدْرٍ.
وروى عن قيسِ بنِ عبّادٍ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ -رضي الله عنه- قال:
أَنا أَوَّلُ مَنْ يَجثُو بين يَدَيِ الرحمنِ للخصومةِ يومَ القيامةِ. قال قيسٌ:
وفيهم نزلت: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ }
قال: همُ الذين بارزوا يومَ بدرٍ: عليٌّ وحمزةُ وعُبَيْدةُ، وشَيْبَةُ بنُ ربيعةَ وعُتْبَةُ بنُ ربيعةَ والوليدُ بنُ عُتْبةَ.
ورى أبو داود في سننهِ عن عليٍّ –رضي الله عنه- قال:
تَقَدَّمَ - يَعْنِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ - وَتَبِعَهُ ابْنُهُ وَأَخُوهُ فَنَادَى:
مَنْ يُبَارِزُ؟
فَانْتَدَبَ لَهُ شَبَابٌ مِنَ الأَنْصَارِ(1)
فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟
فَأَخْبَرُوهُ،
فَقَالَ: لاَ حَاجَةَ لَنَا فِيكُمْ؛ إِنَّمَا أَرَدْنَا بَنِي عَمِّنَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيٌّ، قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ.
فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلَى عُتْبَةَ وَأَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبَةَ وَاخْتُلِفَ بَيْنَ عُبَيْدَةَ وَالْوَلِيدِ ضَرْبَتَانِ، فَأَثْخَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الْوَلِيدِ فَقَتَلْنَاهُ وَاحْتَمَلْنَا عُبَيْدَةَ(2).

قال ابنُ جريرٍ بعدَ ذِكرِ اختلافِ المفسرينَ لهذه الآيةِ:
وَأَوْلَى هَذِهِ الأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ، وَأَشْبَهُهَا بِتَأْوِيلِ الآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِالْخَصْمَيْنِ جَمِيعُ الْكُفَّارِ مِنْ أَيِّ أَصْنَافِ الْكُفْرِ كَانُوا، وَجَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّهُ -تَعَالَى ذِكْرُهُ- ذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ صِنْفَيْنِ مِنْ خَلْقِهِ:
أَحَدُهُمَا: أَهْلُ طَاعَةٍ لَهُ بِالسُّجُودِ لَهُ،
وَالآخَرُ: أَهْلُ مَعْصِيَةٍ لَهُ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ، فَقَالَ: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ } ثُمَّ قَالَ: { وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ } ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ صِفَةَ الصِّنْفَيْنِ كِلَيْهِمَا وَمَا هُوَ فَاعِلٌ بِهِمَا، فَقَالَ: { فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ } وَقَالَ اللَّهُ: { إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } فَكَانَ بَيِّنًا بِذَلِكَ أَنَّ مَا بَيْنَ ذَلِكَ خَبَرٌ عَنْهُمَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّ ذَلِكَ نَزَلَ فِي الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ)؟
قِيلَ: ذَلِكَ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- كَمَا رُوِيَ عَنْهُ، وَلَكِنَّ الآيَةَ قَدْ تَنْزِلُ بِسَبَبٍ مِنَ الأَسْبَابِ، ثُمَّ تَكُونُ عَامَّةً فِي كُلِّ مَا كَانَ نَظِيرَ ذَلِكَ السَّبَبِ.
وَهَذِهِ مِنْ تِلْكَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ تَبَارَزُوا إِنَّمَا كَانَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ: أَهْلَ شِرْكٍ وَكُفْرٍ بِاللَّهِ، وَالآخَرُ: أَهْلَ إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَطَاعَةٍ لَهُ، فَكُلُّ كَافِرٍ فِي حُكْمِ فَرِيقِ الشِّرْكِ مِنْهُمَا فِي أَنَّهُ لِأَهْلِ الإِيمَانِ خَصْمٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مُؤْمِنٍ فِي حُكْمِ فَرِيقِ الإِيمَانِ مِنْهُمَا فِي أَنَّهُ لِأَهْلِ الشِّرْكِ خَصْمٌ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلاَمِ: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي دِينِ رَبِّهِمْ، وَاخْتِصَامُهُمْ فِي ذَلِكَ مُعَادَاةُ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمَا الْفَرِيقَ الآخَرَ، وَمُحَارَبَتُهُ إِيَّاهُ عَلَى دِينِه.
________
(1) قال في "النهاية": يُقالُ: نَدَبْتُه فانْتَدَبَ، أي: بَعَثْتُه ودَعَوتُه فأجاب.
(2) قال في "عون المعبود":
( فَأَقْبَلَ حَمْزَة إِلَى عُتْبَةَ ) أَيْ: إِلَى مُحَارَبَتِه فَقَتَلَهُ.
( وَأَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبَةَ ) أي: فَقَتَلْتُهُ.
( وَاخْتُلِفَ بَيْن عُبَيْدَةَ وَالْوَلِيدِ ضَرْبَتَانِ ) أَيْ: ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَه تَعاقُباً.

طارق ياسين 02-19-2016 03:27 PM

.

· قولُه –تعالى-: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } الحج: 39

أخرج أحمد وابن ماجة والنسائي في "الكبرى" عن ابن عباسٍ قال:
لما أُخْرِجَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مِن مكةَ قال أَبو بكرٍ: أَخْرجوا نَبِيَّهُم، إنا للهِ وإنا إِليه راجعون، لَيُهْلَكُنَّ،
فنزلت: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير } فعَرَفْتُ أَنَّه سيكونُ قتالٌ.
قال ابنُ عباسٍ: فهي أَولُّ آيةٍ نزلت في القتالِ.

قال الشيخ الألباني –رحمه الله-: صحيح

لكن رجح الشيخ مقبل –رحمه الله- أنه مرسل، فقال:

ثم ظهر أن الراجح إرساله فقد قال الترمذي (ج5 ص325) بتحقيق إبراهيم عطوة: وقد رواه عبدُ الرحمن بنُ مهدي وغيره عن سفيانَ مرسلاً، وذكر من طريق ابن أحمد الزبيري عن سفيان مرسلا ا. هـ.
وقد جاء وصله عند ابن جرير 0ج17 ص172) من طريق قيس بن الربيع عن الأعمش ولكن قيساً ضعيفٌ.
وقد رواه الحاكم (ج3 ص7) من طريق شعبة متابعا لسفيان ولكن، لا تطمئن النفس إلى تفردات الحاكم؛ لكثرة أَوهامه.
ثم وجدت الحافظَ الدارقطني قد ذكره في العلل (ج1 ص214) فقال: هو حديث يرويه الثوريُّ عن الأعمشِ عن مسلمٍ البُطينِ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
واختُلف عنه فوصله إِسحاق الأزرق ووكيع من رواية ابنِه سفيان عنه والأشجعي عن الثوري.
وأرسله غيرُهم فلم يذكرْ ابنَ عباس، ورواه الفِريانِيُّ عن قيسِ بنِ الربيع عن الأعمش متصلا. وقيل: عن الفرياني عن الثوري ولا يصح والمحفوظ عنه عن قيس.
وبهذا تعلم رجحان الإرسال. والله أعلم.

طارق ياسين 03-07-2016 10:53 PM

.
· قوله –تعالى-: { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } المؤمنون: 76

روى النَّسائيُّ في "الكبرى"، والحاكمُ وصححه، وابن حبان وغيرهم عن ابنِ عباسٍ -رضي الله عنهما- قال:

جاء أَبو سفيانَ إِلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمدُ أَنْشُدُكَ اللهَ والرَّحِمَ، قد أَكَلْنا العِلْهِزَ -يعني الوبرَ والدَّمَ- فأَنزل اللهُ -عز وجل-: { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ }

قال الذهبي: صحيح.
وقال الألباني في "التعليقات الحسان": صحيح الإسناد.

وحسنه شعيب الأرناؤوط.

قال ابنُ كثير: وأَصلُ هذا الحديثِ في الصحيحين، أَنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- دعا على قريشٍ حين اسْتَعْصَوْا فقال: "اللهم أَعِنِّي عليهم بسبعٍ كسبعِ يوسف"
وقال عندَ قوله –تعالى-: { فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ } (النحل: 112): أَيْ أَلْبَسها وأَذاقها الجوعَ بعدَ أَنْ كان يُجبى إِليهم ثمراتُ كلِّ شيءٍ، ويأْتيها رزْقُها رغدًا من كل مكانٍ؛ وذلك لمّا استَعْصَوْا على رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وأَبَوْا إِلا خِلافَه، فدَعا عليهم بِسَبعٍ كَسبعٍ يوسفَ، فأَصابتهم سَنَةٌ أَذْهبَتْ كلَّ شيءٍ لهم، فأَكلوا العِلْهِزَ.
.
قال الفيروز آبادي:
العِلْهِز: القُرادُ الضَّخْمُ، وطَعامٌ من الدَّمِ والوَبَرِ كان يُتَّخَذُ في المَجَاعَةِ.

طارق ياسين 03-18-2016 10:02 PM

.
· قوله –تعالى-: { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } النور: 3

روى النَّسائيُّ وغيرُه عن عمرِو بنِ شعيبٍ عن أَبيه عن جَدِّه أَنّ مَرثْدَ بنَ أَبي مرثدٍ الغَنَويَّ، وكان رجلاً شديداً، وكان يحملُ الأُسارى من مكةَ إلى المدينةِ،
قال: فدعوتُ رجلاً لأَحملَه، وكان بمكةَ بَغِيٌّ يُقال لها: عَناقُ، وكانت صديقتَه، فَدَنتْ فَرأَتْ سَواداً في ظِلِّ الحائطِ،
فقالت: مَنْ هذا؟ مَرثَدٌ! مَرحباً وأَهلاً يا مَرثَدُ، انْطَلِقْ الليلةَ فَبِتْ عندنا في الرَّحلِ،
فقلت: يا عَناقُ إِنَّ اللهَ قد حرَّمَ الزنا،
قالت: يا أَهلَ الخِيامِ هذا الدُّلْدُلُ(1) الذي يَحملُ أُسارَاكُم من مكةَ إلى المدينة،
فَسَلَكْتُ الخَنْدَمَةَ(2)، فطَلَبني ثَمانيةٌ فجاؤوا حتى قاموا على رأسي، فَبالوا، فَطَلَّ(3) بَوْلُهُم عَلَيَّ وأَعماهُم اللهُ عني، فجِئْتُ إِلى صاحبِي فحَمَلتُه، فلما انتهيتُ به إلى الأَراكِ فَكَكْتُ عنه كَبْلَه(4)، فَجِئْتُ إِلى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-
فقلت: يا رسولَ اللهِ أَنْكِحُ عَناقَ؟ فسكتَ عني،
فنزلتْ: { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ }
فدَعاني وقَرأَها عَليَّ وقال: لا تَنْكِحْها.

قال الألباني -رحمه الله- في "صحيح أبي داود":
قلت: إسناده حسنٌ صحيح، وقال الترمذي: " حديث حسن غريب "، وصححه الحاكم والذهبي.

______________

(1) الدُّلْدُل: القُنْفُذ. وقيل: ذَكرُ القنَافذِ، يَحْتمل أنَّها شَبَّهَتْه بالقُنْفُذِ لأَنه أكثرُ ما يَظهرُ في اللَّيلِ، ولأنه يُخْفي رَأسَه في جسدِه ما اسْتَطاع. (النهاية).
(2) الخندمة: جَبَلٌ معروف عند مكة.
(3) أَي أَصابَه وقَطَرَ عليه.
(4) الكَبْلُ: القَيْدٌ الضَخْمٌ.

طارق ياسين 03-27-2016 10:30 PM

.


· قولُه –تعالى-: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) } النور.

روى البخاريُّ عن سهلِ بنِ سعدٍ أَنَّ عُوَيْمراً أَتى عاصمَ بنَ عَدِيٍّ، وكان سيِّدَ بَني عجلانَ،
فقال: كيف تقولونَ في رجلٍ وجد معَ امرأَتِه رجلاً؛ أَيَقْتُلُه فَتَقْتُلونَه، أم كيف يصنع؟ سَلْ لي رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك،
فأتى عاصمٌ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسولَ الله.. فكره رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- المسائلَ، فسأله عُوَيْمِرٌ،
فقال: إِنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كره المسائلَ وعابَها،
قال عُويمرٌ: واللهِ لا أَنتهي حتى أَسأَلَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك،
فجاء عويمرٌ فقال: يا رسولَ اللهِ، رجلٌ وجد معَ امرأَتِه رجلاً، أَيَقْتُلَه فَتَقتُلونه، أَم كيف يصنع؟
فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قد أَنزلَ اللهُ القرآنَ فيك وفي صاحِبَتِك،
فأَمَرهما رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بالمُلاعَنَةِ بما سمَّى اللهُ في كتابِه، فلاعَنَها،
ثم قال: يا رسولَ اللهِ إِنْ حَبَسْتُها فقد ظَلَمْتُها، فطَلَّقها، فكانت سُنَّةً لمن كان بعدَهما في المُتلاعِنَيْنِ.
ثم قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: انْظروا؛ فإِنْ جاءتْ به أَسْحَمَ أَدْعَجَ العينين، عظيمَ الأَلْيَتَيْنِ خَدَّلَجَ الساقَيْنِ فلا أَحْسِبُ عُوَيْمِراً إِلا قد صدق عليها، وإِنْ جاءت به أُحَيْمِرَ كأَنَّه وَحَرَةٌ فلا أَحْسِبُ عُويمراً إِلا قد كذب عليها،
فجاءت به على النَّعْتِ الذي نعتَ به رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- من تَصديقِ عُويمرٍ، فكان بَعْدُ يُنْسَبُ إِلى أُمِّه.


وعن ابنِ عباسٍ: أَنَّ هلالَ بنَ أُمَيَّةَ قذَفَ امرأَتَه عند النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بِشَريكِ بنِ سَحْماءَ،
فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: البَيِّنَةَ، أَو حَدٌّ في ظهرِكَ،
فقال: يا رسولَ اللهِ إِذا رأَى أَحدُنا على امرأَتِه رجلاً يَنْطَلقُ يَلتَمِسُ البَيِّنَةَ؟!
فجعل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يقول: البَيِّنَةَ، وإِلا حَدٌّ في ظهركَ،
فقال هلالٌ: والذي بعثك بالحقِّ إِني لصادقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللهُ ما يُبَرِّئُ ظهري من الحدِّ، فنزل جبريلُ وأَنزلَ عليه: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } فقرأَ حتى بلغَ: { إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ } فانصرفَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فأَرسلَ إِليها، فجاء هلالٌ فشهدَ والنَبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يقول: إِنَّ اللهَ يعلمُ أَنَّ أَحَدَكُما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ،
ثم قامت فشَهِدَتْ، فلما كانت عند الخامسة وَقَفُوها وقالوا: إِنَّها مُوجِبَةٌ،
قال ابنُ عباسٍ: فتَلَكَّأَتْ ونَكَصتْ حتى ظنَنّا أَنها تَرجعُ، ثم قالت: لا أَفْضَحُ قومي سائرَ اليومِ، فمَضَتْ،
فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: أَبْصِروها؛ فإِن جاءتْ به أَكْحَلَ العينين سابغَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ الساقَيْنِ، فهو لشَرِيكِ بنِ سَحْماءَ،
فجاءت به كذلك،
فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: لولا ما مَضى من كتابِ اللهِ لَكان لي ولها شأْنٌ.

وعن ابن عباس عند مسلم:
ذُكِرَ التلاعُنُ عندَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال عاصمُ بنُ عَدِىٍّ في ذلك قولاً ثم انصرفَ، فأَتاه رجلٌ من قومِه يَشكو إِليه أَنَّه وجد مع أَهلِه رجلاً،
فقال عاصمٌ: ما ابْتُلِيتُ بهذا إلا لِقولي، فذهب به إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فأَخبره بالذي وجد عليه امرأَتَه، وكان ذلك الرجلُ مُصفراً قليلَ اللحمِ سَبْطَ الشعرِ، وكان الذي ادَّعى عليه أَنه وجد عندَ أَهلِه خَدْلاً آدَمَ كثيرَ اللحم،
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اللهم بَيِّنْ،
فوضَعتْ شَبيهاً بالرجلِ الذي ذَكر زوجُها أَنه وجدَه عندَها، فَلاعَنَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بَيْنهما،
فقال رجلٌ لابنِ عباسٍ فى المجلس: أَهِيَ التى قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: لو رجمتُ أَحداً بغيرِ بَيِّنةٍ رَجمتُ هذه،
فقال ابنُ عباسٍ: لا تلكَ امرأَةٌ كانت تُظهرُ في الإِسلامِ السوءَ.

قال ابن حجر في تعدد روايات النزول:

ولا مانعَ أَنْ تتعددَ القصصُ ويَتَّحِدَ النزولُ.

وقال:

ويحتملُ أَنَّ النزولَ سبقَ بسببِ هلالٍ، فلما جاء عُويمرٌ ولم يكنْ علم بما وقعَ لهلالٍ أعلمَه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بالحكمِ؛ ولهذا قال في قصةِ هلالٍ: (فنزل جبريل) وفي قصةِ عويمرٍ: (قد أنزل اللهُ فيك) فيُؤَوّلُ قولُه: (قد أنزلَ اللهُ فيك) أَي: وفيمَنْ كان مثلَك، وبهذا أَجاب ابنُ الصباغِ في "الشامل" قال: نزلت الآية في هلالٍ، وأما قوله لعُويمرٍ: قد نزل فيك وفي صاحبتك، فمعناه: ما نزلَ في قصةِ هلالٍ، ويؤيده أَنَّ في حديثِ أَنسٍ عند أَبي يَعلى قال: (أَولُ لِعانٍ كان في الإِسلام أَنَّ شريكَ بنَ سَحماءَ قذفه هلالُ بنُ أُميةَ بامرأتِه) الحديثَ.. وجنحَ القرطبيُّ إلى تجويزِ نزولِ الآيةِ مرتين، قال: وهذه الاحتمالاتُ وإِنْ بَعُدتْ أَولى من تغليطِ الرواةِ الحُفاظِ.

وقال:

ولا مانعَ أَنْ يَرويَ ابنُ عباسٍ القِصَّتَيْنِ معاً، ويُؤيدُ التعددَ اختلافُ السِّياقَيْن، وخُلُّوِ أَحدِهما عما وقع في الآخرِ، وما وقع بين القصتَيْنِ من المغايرةِ، كما بَيَّنه قولُه: فأتاه رجل من قومه، هو عويمرٌ كما تقدم، ولا يُمكن تفسيرُه بهلالِ بنِ أُميةَ؛ لأنه لا قرابةَ بينه وبين عاصم.





طارق ياسين 04-03-2016 11:32 PM

.



· قوله –تعالى-: { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) } النور.




روى البخاريُّ ومسلمٌ عن ابنِ شِهابٍ الزُّهريِّ عن عروةَ بنِ الزُّبيرِ وسعيدِ بن المَسَيِّبِ وعَلقَمَةَ بنَ وقَّاصٍ الليْثِيِّ وعُبَيْدِ اللهِ بن عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ عن عائشةَ -رضي الله عنها- زوجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- حين قال لها أَهلُ الإِفك ما قالوا فبَرَّأَها الله منه- قال الزهريُّ:
وكُلُّهم حدَّثَنِي طائفةً من حديثِها، وبعضُهم أَوْعى من بعضٍ، وأَثْبَتُ له اقْتِصاصاً، وقد وَعَيْتُ عن كلِّ واحدٍ منهم الحديثَ الذي حدَّثني عن عائشةَ، وبعضُ حديثِهم يُصدِّقُ بعضاً؛ زَعموا أَنَّ عائشةَ قالت:

كان رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذا أَرادَ أَنْ يخرجَ سَفراً أَقْرَعَ بين أَزواجِه، فأَيَّتُهُنَّ خرج سَهْمُها خرج بها معه، فأَقْرَع بيننا في غَزاةٍ غَزاها، فخرج سهمي، فخرجت معه بعدَ ما أُنزِلَ الحجابُ، فأَنا أُحْمَلُ في هَوْدَجٍ وأُنْزَلُ فيه، فسِرْنا حتى إِذا فَرَغَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- من غزوتِه تلك وقَفَل ودَنَوْنا من المدينةِ آذَنَ ليلةً بالرحيلِ، فقُمتُ حين آذنوا بالرحيلِ، فمَشَيت حتى جاوزت الجيشَ، فلما قضيت شأني أَقبلتُ إِلى الرَّحلِ، فلَمَست صدري فإِذا عِقْدٌ لي من جَزْعِ أَظفارٍ قد انقطعَ، فرَجَعتُ فالتَمست عِقدي، فحَبَسني ابتغاؤُه، فأَقبلَ الذين يَرْحَلونَ لي، فاحْتَملوا هَوْدَجي فرَحَلُوه على بعيري الذي كنتُ أَركبُ، وهم يَحْسِبون أَني فيه، وكان النساءُ إِذ ذاك خِفافاً لم يَثْقُلْنَ ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ، وإِنما يأكُلْنَ العَلْقَةَ من الطعام، فلم يَسْتنكرِ القومُ حين رفعوه ثِقَلَ الهَوْدَجِ فاحتملوه.
وكنتُ جاريةً حديثةَ السِّنِّ فبعثوا الجملَ وساروا، فوجدتُ عِقدي بعدما استمرَّ الجيشُ، فجِئت مَنزلَهم وليس فيه أَحدٌ، فأَمَمْتُ منزلي الذي كنتُ به، فظننتُ أَنهم سيفْقِدونيفيَرجِعون إِليَّ..
فبَيْنا أَنا جالسةٌ غلبَتْني عينايَ فنِمْتُ، وكان صفوانُ بنُ المُعَطِّلِ السُّلَمِيُّ ثم الذَّكوانِيُّ من وراءِ الجيشِ، فأصبحَ عند مَنزلي، فرأَى سَوادَ إِنسانٍ نائمٍ فأَتاني، وكان رَآني قبلَ الحجابِ، فاستيقظتُ باسترجاعِه حين عَرَفني، فخَمَّرْتُ وجهي بجِلْبابي، والله ما تكَلَمنا بكلمةٍ، ولا سمعتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه، وهَوى حتى أَناخَ راحلتَه، فوَطِئَ على يدِها، فقُمْتُ إِليها فرَكِبْتُها، فانطلق يقودُ بي الراحلةَ حتى أَتَيْنا الجيشَ بعدَما نزلوا مُعَرِّسين في نَحْرِ الظهيرةِ، فهَلَك فِيَّ مَنْ هَلَك،
وكان الذي توَلَّى كِبْرَ الإِفكَ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ.

قال عروةُ: أُخبرتُ أَنه كان يُشاعُ ويُتَحَدَّثُ به عندَه، فيُقِرُّه ويَستَمِعَه ويَسْتَوْشِيه.
وقالعروةُ –أيضا-: لم يُسَمَّ مِن أَهلِ الإِفكِ –أيضا- إِلا حسانُ بنُ ثابتٍ ومِسْطَحُ بنُ أُثاثَةَ وحَمْنَةُ بنتُ جحشٍ، في ناسٍ آخرينَ لا عِلمَ لي بهم، غيرَ أَنهم عصبةٌ - كما قال الله تعالى- وإِنَّ كُبْرَ ذلك يُقالُ: عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنِ سلولَ.
قال عروةُ: كانت عائشةُ تَكرهُ أَنْ يُسَبَّ عندَها حسانُ،
وتقول: إِنَّه الذي قال:


فإِنَّ أَبي ووالِدَه وعِرضي... لِعرضِ محمدٍ منكم وِقاءُ.



فقَدِمنا المدينةَ، فاشْتَكَيْتُ بها شهراً يُفيضونَ مِن قولِ أَصحابِ الإِفكِ، ويُريـبُني في وَجعي أَني لا أَرى من النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- اللُّطفَ الذي كنتُ أَرى منه حينَ أَمرضُ، إِنما يدخل فيُسلم ثم يقول: كيف تيكم؟
لا أَشعرُ بشيءٍ من ذلك حتى نَـقِهْتُ، فخرجتُ أَنا وأُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المناصعِ، وهو مُـتَبَرَّزُنا، لا نخرجُ إِلا ليلاً إِلى ليلٍ، وذلك قبلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قريباً من بيوتنا، وأَمرُنا أَمرُ العربِ الأُوَلِ في التَّبَرُّزِ قِبَلَ الغائطِ، فكُنا نَتأَذَّى بالكُنُفِ أَنْ نَتخذَها عندَ بيوتِنا...
فانطلقتُ أَنا وأُمُّ مِسْطَحٍ -وهي ابنةُ أَبي رُهْمِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وأُمها بنتُ صخرِ بنِ عامرٍ خالةُ أَبي بكر الصديق، وابنُها مِسطَح بنُ أُثاثةَ- فعَثَرَتْ في مِرْطِها،
فقالت: تَعِسَ مِسطحٌ،
فقلت لها: بِئْسَ ما قلتِ، أَتَسُـبِّـينَ رجلاً شهدَ بدراً؟
فقالت: يا هَنَتاهُ! أَلم تسمعي ما قالوا؟
فأخبرتني بقولِ أَهلِ الإِفكِ، فازْدَدْتُ مَرضاً إِلى مرضي، فلما رجَعْتُ إِلى بيتي دخلَ عليَّ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فسلَّمَ،
فقال: كيف تِيكُم؟
فقلت: أتأذن لي أن آتي أَبَوَيَّ؟
قالت: وأنا حينئذٍ أُريد أَنْ أَسْتَيْقنَ الخبرَ من قِبَلِهما.
فأَذِن لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأَتَيْتُ أَبَوَيَّ
فقلتُ لأُمي: ما يَتَحَدَّثُ به الناس؟
فقالت: يا بُنَّيةُ هَوِّني على نفسِك الشأْنَ، فواللهِ لَقَلَّما كانت امرأَةٌ –قَطُّ- وَضِيئةً عند رجلٍ يُحبُّها ولها ضرائرُ إِلا أَكْثَرْنَ عليها،
فقلت: سبحان الله! ولقد تَحدَّث الناسُ بهذا؟
قالت: فبِتُّ تلك الليلةَ حتى أَصبحتُ لا يَرْقأُ لي دمعٌ، ولا أَكتحلُ بنومٍ، ثم أَصبحتُ، فدعا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عليَّ بنَ أَبي طالبٍ، وأُسامةَ بنَ زيدٍ حين اسْتَلْبَثَ الوحيُ يَسْتَشِيرُهما في فِراقِ أَهلِه، فأَما أُسامةُ فأَشار عليه بالذي يعلمُ في نفسِه من الوُدِّ لهم،
فقال أُسامةُ: أَهلُكَ يا رسول اللهِ، ولا نعلمُ واللهِ إِلا خيراً.
وأما عليُّ بنُ أَبي طالبٍ فقال: يا رسولَ اللهِ لم يُضَيِّقِ اللهُ عليكَ، والنساءُ سِواها كثيرٌ، وسَلِ الجاريةَ تَصْدُقُكَ،
فدعا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بَريرَةَ،
فقال: يا بريرةُ هل رأَيتِ فيها شيئاً يُريبكُ؟
فقالت بريرةُ: لا والذي بعثك بالحقِّ، إِنْ رأَيتُ منها أَمراً أَغْمِصُه عليها أَكثرَ من أَنَّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ تَنامُ عن العجينِ فتأْتي الداجِنُ فتأْكُلُه.
فقام رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- من يومِه فاسْتَعْذَرَ من عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سلولَ،
فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-:مَنْ يَعْذُرني من رجلٍ بَلغني أَذاه في أَهلي، فواللهِ ما علمتُ على أَهلي إِلا خيراً، وقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إِلا خيراً، وما كان يدخل على أَهلي إِلا معي.
فقام سعدُ بنُ معاذٍ فقال: يا رسولَ الله أَنا واللهِ أَعذُرُك منه، إِنْ كان من الأَوسِ ضربنا عُنُقَه، وإِنْ كان من إِخوانِنا من الخزرجِ أَمرتنا ففعلنا فيه أَمْرَك،
فقام سعدُ بنُ عبادةَ، وهو سيِّدُ الخزرجِ، وكان قبلَ ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احْتَمَلتْهُ الحميةُ، فقال: كذبتَ لَعَمْرُ اللهِ لا تَقْتُلُه، ولا تَقْدِرُ على ذلك.
فقام أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْرِ فقال: كذبتَ لَعَمْرُ اللهِ، واللهِ لنَقْتَلَنَّهُ؛ فإِنك مُنافقٌ تُجادلُ عن المنافقين.
فثارَ الحَيّانِ الأَوسُ والخزرجُ حتى همُّوا ورسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- على المِنبرِ، فنزل فخَفَّضَهم حتى سكتوا وسَكَتَ، وبَكيْتُ يومي لا يرقأُ لي دمعٌ، ولا أَكتحلُ بنومٍ، فأصبح عندي أَبَوايَ قد بكيتُ ليْلَتينِ ويوماً، حتى أَظنُّ أَنَّ البكاءَ فالقٌ كَبِدي..
قالت: فبَيْنا هما جالسانِ عندي وأَنا أَبكي إِذ استأْذَنتِ امرأَةٌ من الأَنصارِ فأَذِنْتُ لها، فجلستْ تبكي معي، فبَيْنا نحن كذلك إِذ دخل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فجلس، ولم يَجلسْ عندي، منذُ قِيلَ ما قيل، قبلَها، وقد مكثَ شهراً لا يُوحى إِليه في شأْني شيءٌ..
قالت: فتَشَهَّد ثم قال: يا عائشةُ فإِنه بلغني عنك كذا وكذا، فإِنْ كنتِ بريئةً فسَيُـبَـرِّئُكِ اللهُ، وإِن كنتِ أَلْمَمْتِ فاستغفري اللهَ وتوبي إِليه؛ فإِنَّ العبدَ إِذا اعترف بذنبِه ثم تابَ تابَ اللهُ عليه.
فلما قضى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَقالته قَلَصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً..
وقلت لأَبي: أَجِبْ عني رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-
قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فقلتُ لأُمي: أَجيبي عني رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فيما قال،
قالت: واللهِ ما أَدري ما أَقولُ لرسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ...
قالت: وأنا جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ لا أَقرأ كثيراً من القرآنِ،
فقلتُ: إِنِّي –واللهِ- لقد علمتُ أَنكم سمعتم ما يَتحدثُ به الناسُ ووقر في أَنفسِكم، وصدقتم به، ولئن قلتُ لكم: إِني بريئةٌ، واللهُ يعلمُ إِني لَبريئةٌ لا تُصدقوني بذلك، ولئن اعترفتُ لكم بأَمرٍ، والله يعلم أَني بريئةٌ، لَتُصَدِّقُنِّي، والله ما أَجدُ لي ولكم مثلاً إِلا أَبا يوسفَ إِذ قال: { فصَبْرٌ جَميلٌ واللهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُون }..
ثم تحولتُ على فراشي وأَنا أَرجو أَنْ يُبَرِّئَني اللهُ، ولكن واللهِ ما ظننتُ أَنْ ينزلَ في شأْني وَحياً، ولَأَنا أَحقرُ في نفسي من أَنْ يُتَكلَّمَ بالقرآنِ في أَمري، ولكني كنتُ أَرجو أَنْ يَرى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في النوم رُؤْيا يُبَرِّئُني اللهُ، فواللهِ ما رام مَجلسَه، ولا خرج أَحدٌ من أَهلِ البيتٍ حتى أَنزلَ اللهُ عليه، فأَخذه ما كان يأخذُه من البُرَحَاءِ، حتى إِنه لَيَتَحَدَّرُ منه مثلُ الجُمانِ من العَرقِ في يومٍ شاتٍ، فلما سُرِّيَ عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يَضحكُ، فكان أولَّ كلمةٍ تكلم بها أَنْ قال لي: يا عائشةُ احْمَدي اللهَ؛ فقد بَرَّأَكِ اللهُ.
فقالت لي أُمي: قُومي إِلى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فقلت: لا واللهِ لا أَقومُ إِليه، ولا أَحمَدُ إِلا اللهَ،
فأَنزلَ اللهُ –تعالى-: { إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ.. } الآياتِ..
فلما أنزل اللهُ هذا في بَراءَتي قال أَبو بكرٍ الصِّديقُ -رضي الله عنه-، وكان يُنفقُ على مِسطحِ بنِ أُثاثةَ؛ لقَرابَتِه منه: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعدما قال لعائشةَ ما قال.
فأَنزلَ اللهُ –تعالى-: { وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ..} إِلى قوله: { غَفُورٌ رَحيمٌ }..
فقال أَبو بكرٍ: بلى والله إني لَأُحِبُّ أَنْ يغفرَ اللهُ لي.
فرجع إِلى مِسطَحٍ الذي كان يُجري عليه.
وكان رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَسأَلُ زَيْنَبَ بنتَ جَحْشٍ عن أَمري،
فقال: يا زَيْنَبُ ما علمتِ ما رأَيْتِ؟
فقالت: يا رسولَ اللهِ أَحمي سَمعي وبصري، واللهِ ما علمتُ عليها إِلا خيراً.
قالت: وهي التي كانت تُساميني، فَعَصَمها اللهُ بالورع.


الساعة الآن 12:17 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2023, Jelsoft Enterprises Ltd.