{منتديات كل السلفيين}

{منتديات كل السلفيين} (https://www.kulalsalafiyeen.com/vb/index.php)
-   منبر القرآن وعلومه (https://www.kulalsalafiyeen.com/vb/forumdisplay.php?f=4)
-   -   من أسباب النزول (https://www.kulalsalafiyeen.com/vb/showthread.php?t=21452)

طارق ياسين 10-19-2010 02:56 PM

من أسباب النزول
 
الحمدُللهِ والصلاةُ والسلامُ على رسولِه وبعدُ, فإن اللهَ قد أنزل كتابَه منَجّماً, وفي ذلك من الحِكم والأَسبابِ ما لا يَخفى, ومن ذلك أنّ بعضَ الآياتِ كانت تنزلُ بسببِ حادثةٍ, أو بسببِ سؤالٍ عن حكمٍ, فتنزلُ الآيةُ بالبيانِ والجوابِ, ومعرفةُ سببِ النزولِ لا شكّ يعينُ على فَهمِ معنى الآيةِ؛ ولذلك سأَتَعرّضُ لذِكرِ ما تيَّسَر ممّا صَحَّ من أسبابِ النزولِ على قَدْرِ الوُسعِ والطاقة, والله الموفق.
-----------
* قال – تعالى-: { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ }. [البقرة: 89].
- قال ابنُ جرير في تفسيره:
أَيْ: وكان هؤلاءِ اليهودُ - الذين لمّا جاءَهم كتابٌ من عندِ اللهِ مُصدِّقٌ لِما مَعَهم مِنَ الكُتُبِ التي أنزلها اللهُ قبلَ الفرقانِ، كفروا به - يَسْتَفْتحونَ بِمُحَمِّدِ - صلى الله عليه وسلم - ومعنى الاسْتفتاحُ: الاسْتِنْصارُ؛ يَسْتَنْصرون اللهَ بهِ على مُشْركِي العربِ مِنْ قبلِ مَبْعَثِه, وذلك قولُه: {مِنْ قَبْلُ }؛ أي: مِنْ قبلِ أَنْ يُبْعثَ.
كما حدَّثني ابنُ حُمَيْدٍ قال: حدَّثنا سَلَمةُ قال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ عن عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ الأَنصاريِّ، عن أَشياخَ منهم, قالوا: فينا – والله- وفيهم - يعني في الأَنصارِ وفي اليهودِ الذين كانوا جيرانَهم- نزلت هذه القصةُ، يعني: {ولمّا جاءَهم كتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وكانوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ على الذّينَ كَفَرُوا } قالوا: كنَّا قد عَلَوْناهم دَهْراً في الجاهليةِ، ونحن أَهلُ الشِّرْكِ، وهم أهلُ الكتابِ، فكانوا يقولون: إِنَّ نَبِيّاً يُبْعثُ الآنَ نَتَبِّعُه, قد أَظَلَّ زمانُه، نَقْتُلُكم معَهُ قتلَ عادٍ وإِرَمَ, فلمّا بعثَ اللهُ - تعالى ذِكْرُه- رسولَه مِنْ قريشٍ واتَّبعناه, كفروا به. يقولُ اللهُ: {فلمَّا جاءَهم ما عرفوا كفروا به}.

- وفي سيرةِ ابنِ هشام:
قال ابنُ إسحاقَ: وحدَّثَني عاصمُ بنُ عمرَ بنِ قتادةَ عن رجالٍ من قومِه قالوا: إنَّ ممَّا دعانا إلى الإِسلامِ - معَ رحمةِ اللهِ تعالى وهُدَاهُ لنا- لِمَا كُنّا نسمع من رجالِ يَهودَ، وكنّا أهلَ شركٍ أَصحابَ أَوثانٍ، وكانوا أهلَ كتابٍ عندهم علمٌ ليس لنا، وكانت لا تزالُ بيننا وبينهم شرورٌ, فإذا نِلْنا منهم بعضَ ما يكرهون قالوا: إنه قد تقاربَ زمانُ نبيٍّ يُبعثُ الآنَ, نقتلكم معه قتلَ عادٍ وإِرَمَ, فكنّا كثيراً ما نسمعُ ذلك منهم, فلمّا بعث اللهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - أَجبناه حينَ دعانا إلى اللهِ –تعالى- وعرفنا ما كانوا يتَوَعّدوننا به, فبادرناهم إليه فآمنّا به, وكفروا به, فَفِينا وفيهم نزلتِ الآياتُ من البقرةِ: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}.
____________

أبو مسلم السلفي 10-19-2010 08:12 PM

جزاكم الله خيراً
تابع بارك الله فيكم

طارق ياسين 10-21-2010 10:09 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابو مسلم السلفي الاثري (المشاركة 94457)
جزاكم الله خيراً
تابع بارك الله فيكم

وإياكم, وفيكم بارك الله, نفعنا الله جميعا بما نقرأ.

طارق ياسين 10-21-2010 10:33 PM

· قال اللهُ – عزَّ وَجَلَّ – في سورةِ البقرة:
{ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)}.
- روى أحمدُ في مسندِه عن ابنِ عباسٍ قال:
أقبلت يهودُ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا أَبا القاسمِ! إنا نسألك عن خمسةِ أشياءَ, فإنْ أَنْبأْتنا بِهِنَّ عرَفْنا أَنّك نَبِيٌّ واتَّبعناكَ. فأَخذ عليهم ما أَخذ إسرائيلُ على بَنِيهِ؛ إذ قالوا: { اللهُ على ما نَقُولُ وَكِيلٌ },
قال: هاتوا.
قالوا: أَخْبِرْنا عن علامَةِ النّبِيِّ.
قال: تَنامُ عيناه, ولا ينامُ قلبُه.
قالوا: أَخْبِرْنا كيف تُؤنِّثُ المرأَةُ, وكيف تُذْكِرُ؟
قال: يَلتَقِي الماءانِ, فإذا علا ماءُ الرجلِ ماءَ المَرأةِ أَذْكَرتْ, وإذا علا ماءُ المرأةِ ماءَ الرجلِ أَنَّثَتْ.
قالوا: أَخبِرْنا ما حَرَّم إسرائيلُ على نفسِهِ؟
قال: كان يَشتكي عِرْقَ النَّسَا, فلم يَجِدْ شيئاً يُلائِمُه إلا أَلبانَ كذا وكذا, - قال أَبي: قال بعضُهُم: يعني الإِبلَ - فَحَرَّم لُحومَها.
قالوا: صَدَقْتَ.
قالوا: أَخبِرْنا ما هذا الرَّعدُ؟
قال: مَلَكٌ مِنْ ملائِكةِ اللهِ - عزَّ وجَلَّ - مُوَكَّلٌ بالسَّحابِ, بيدِه – أو: في يَدِه- مِخْراقٌ(1) مِنْ نارٍ يَزْجُرُ به السَّحابَ؛ يَسُوقُه حيث أَمرَ اللهُ.
قالوا: فما هذا الصوتُ الذي يُسْمعُ؟
قال: صوتُه.
قالوا: صدقتَ, إِنّما بقيت واحدةٌ, وهي التي نُبايِعُكَ إِنْ أَخبَرْتنا بها؛ فإِنَّه ليس مِنْ نَبِيٍّ إلا له مَلكٌ يأْتيه بالخبرِ, فأَخبِرْنا مَنْ صاحِبُكَ؟
قال: جبريلُ - عليه السلام -.
قالوا: جبريلُ! ذاك الذي يَنْزِلُ بالحَرْبِ والقِتالِ والعذابِ عَدُوُّنا, لو قلتَ: مِيكائيلَ الذي ينزلُ بالرحمةِ والنباتِ والقَطْرِ, لَكانَ.فأنزلَ اللهُ - عزَّ وجَلَّ-: { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ } إلى آخرِ الآيةِ.
- قال الشيخ شعيبُ الأَرْنَؤوطُ مُعَلِّقاً على الحديثِ:
حَسَنٌ, دونَ قِصَّةِ الرَّعْدِ؛ تَفَرَّدَ بها بُكَيْرُ بِنُ شِهابٍ, وهو لم يَرْوِ عنه سِوى اثْنَيْنِ, وقال أَبو حاتم: شَيْخٌ! وقال الذهبيُّ في: "الميزان": عِراقيُّ صَدوقٌ. وقد تُوبِعَ على حديثِه هذا سِوى قِصَّةِ الرّعد, فهي مُنْكَرةٌ(2).
- قال الطبريُّ في تفسيرِه:
أَجمعَ أَهْلُ العِلمِ بالتأْويلِ, جميعاً, على أَنَّ هذه الآيةَ نزلتْ جواباً لليهودِ مِنْ بني إِسرائيلَ؛ إذ زعموا أَنَّ جبريلَ عَدُوٌّ لهم، وأَنَّ ميكائيلَ وَلِيٌّ لهم.
ثم اختلفوا في السببِ الذي مِنْ أَجلِه قالوا ذلك؛ فقال بعضُهم: إِنَّما كان سَبَبُ قِيلِهم ذلك مِنْ أَجلِ مُناظرةٍ جرتْ بينهم وبين رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- في أَمْرِ نُبوَّتِه.
وقال آخرون: بلْ كان سببُ قِيلِهم ذلك مِنْ أَجلِ مُناظَرَةٍ جرتْ بينَ عمرَ بنِ الخطابِ - رضي الله عنه- وبينهم في أَمْرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم-اهـ. ثم ساق أَسانِيدَه إلى كلٍّ مِنْ أَصحابِ القَوْلين.
-----------
(1) قال في "النهاية": وهو في الأَصْلِ ثَوْبٌ يُلَفُّ, ويَضْرِبُ به الصِّبيانُ بعضُهم بعضاَ, أراد: أَنّه آلةُ تَزْجُرُ بها الملائكةُ السَّحابَ وتَسُوقُه, ويَفَسِّرُه حديثُ ابنِ عباس: " البَرْقُ سَوْطٌ مِن نُورٍ تَزْجُرُ به الملائكةُ السحابَ ".
(2) قِصَّةُ الرعدِ رواها الترمذي في سُنَنِه, وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. وصحَّحَها الألبانيُّ, وقد أوردها في "السلسلة" برقم: (1872) وقال بعد تفصيلٍ: وجُملةُ القَوْلِ أَنَّ الحديثَ عندي حَسنٌ على أَقَلِّ الدَّرجاتِ. وفي البابِ آثارٌ أُخرى كثيرةٌ، أَوْردها السّيوطيُّ في " الدُّرِّ المَنثور" ، فَلْيُراجِعْها مَن شاء.

طارق ياسين 11-02-2010 04:44 PM

أخرج أحمدُ في مسندِه, والبخاريُّ في صحيحِه, وغيرُهما عن عمرَ -رضي الله عنه- قال:
وافقتُ ربي في ثلاثٍ؛ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ, لو اتَّخذْنا من مَقامِ إبراهيمَ مُصَلَّى, فنزلت:
{ واتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْراهِيمَ مُصَلَّى }[ البقرة:125],
وآيةُ الحِجابِ؛ قلت: يا رسولَ اللهِ, لو أَمَرْتَ نساءَك أَنْ يَحْتَجِبْنَ؛ فإِنَّه يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ والفاجرُ, فنزلتْ آيةُ الحِجابِ [الأحزاب: 59], واجْتمعَ نساءُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الغَيْرَةِ عليه, فقلتُ لهُنَّ:
{عَسَى ربُّه إِنْ طلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ } [ التحريم: 5], فنزلت هذه الآيةُ.

- قال ابنُ حجر في " الفتح":
والمَعنى: وافَقَني ربِّي فأَنْزَل القرآنَ على وَفْقِ ما رأَيتُ؛ لكن لِرعايةِ الأَدَبِ أَسْندَ المُوافقةَ إلى نَفْسِه, أَو أشار به إلى حُدوثِ رأْيِهِ, وقدَّم الحُكمَ.
وليس في تَخْصِيصِه العددَ بالثلاثِ ما يَنْفي الزيادةَ عليها؛ لأَنَّه حصلتْ له المُوافقةُ في أَشياءَ غيرِ هذه, مِنْ مشهورِها قصَّةُ أَسارى بدرٍ, وقصةُ الصلاةِ على المنافقين, وهما في الصحيح, وصحَّحَ التِّرمذيُّ مِن حديثِ ابنِ عمرَ أَنَّه قال: (ما نزل بالناسِ أَمرٌ قَطُّ فقالوا فيه, وقال فيه عمرُ, إلا نزل القرآنُ فيه على نحوِ ما قال عمرُ). وهذا دالٌّ على كَثْرةِ مُوافقتِه. وأَكثرُ ما وقفنا منها بالتَّعْيِين على خَمسةِ عَشَرَ, لكن ذلك بحسب المنقول. اهـ.
- أما قصَّةُ الصلاةِ على المُنافقين: فروى البخاريُّ عن عمرَ بنِ الخطاب - رضي الله عنه- أنه قال:
لمّا ماتَ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ, دُعِيَ له رسولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلَّم- لِيُصلِّيَ عليه, فلما قام رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- وثَبْتُ إليه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! أَتُصَلِّي على ابنِ أُبَيٍّ وقد قال يومَ كذا وكذا كذا وكذا - أُعَدِّدُ عليه قولَه - فتَبَسَّمَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم – وقال:
( أَخِّرْ عني يا عمرُ).
فلمّا أَكْثَرتُ عليه قال:
( إِنِّي خُيِّرْتُ فاخْتَرْتُ, لو أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ على السَّبْعِينَ فغُفِرَ له لَزِدْتُ عليها).
قال: فصَلّى عليه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم – ثمّ انصرفَ, فلم يمْكُثْ إلا يَسيراً حتَّى نزلتْ الآيتانِ مِنْ براءة:{وَلَا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍمِنْهُم ماتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وهُمْ فاسِقُونَ},
قال: فعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي على رسولِ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلّم- يَومَئِذٍ, واللهُ ورسولُه أَعلمُ.

- أما قِصةُ أَسارى بَدْرٍ فأَخْرَج مسلم في صحِيحِه عن ابنِ عباسٍ قال: حدَّثَنِي عمرُ بنُ الخَطّابِ قال:
لمّا كان يومُ بَدْرٍ نظرَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إلى المشركين وهم أَلفٌ, وأَصحابُه ثلاثُمِائةٍ وتسعةَ عشَرَ رجلاً, فاستقبلَ نبيُّ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- القِبلةَ ثمَّ مدَّ يديهِ, فجعلَ يَهْتِفُ برَبِّهِ:
( اللهمَّ أَنْجِزْ لي ما وعدْتَني, اللهم آت ما وعدتني, اللهم إِنْ تَهْلِكْ هذه العُصابةُ مِنْ أَهلِ الإِسلامِ لا تُعْبَدْ في الأَرضِ ).
فمازال يَهْتِفُ برَبِّهِ, مادًّا يديه, مُستقبلَ القبلةِ, حتى سقط رداؤه عن مَنْكِبَيْه, فأَتاه أَبو بكرٍ فأخذ رداءَه فأَلقاه على مَنكِبَيْه, ثم التزَمَه من ورائه, وقال: يا نَبِيَّ اللهِ كفاك مُناشدَتُك ربَّك؛ فإِنَّه سيُنْجِزُ لك ما وعدك, فأنزل اللهُ - عزَّ وجَلَّ:
{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ}[الأنفال:9],
فأَمَدَّه اللهُ بالملائكةِ. قال أَبو زُمَيْلٍ فَحدَّثني ابنُ عباسٍ قال: بينما رجلٌ مِنَ المسلمين يومئذٍ يَشْتَدُّ فى أَثَرِ رجلٍ منَ المشركين أَمامَه, إِذْ سمع ضربةً بالسَّوْطِ فوقَه, وصوتَ الفارسِ يقولُ: (أَقْدِمْ حَيْزُومُ).
فنظر إلى المُشركِ أَمامَه فخَرَّ مُستلقياً, فنظر إليه فإذا هو قد خُطِمَ أَنفُهُ, وشُقَّ وجهُهُ كضربةٍ السَّوطِ, فاخْضَرَّ ذلك أَجمعُ. فجاء الأَنصاريُّ فحَدَّثَ بذلك رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فقال:
( صَدَقْتَ؛ ذلك مِنْ مَدَدِ السماءِ الثالثةِ ).
فقَتلوا يومَئذٍ سبعينَ, وأَسروا سبعين.
قال أَبو زُمَيْل: قال ابنُ عباسٍ: فلمّا أَسروا الأَسارى قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لأَبي بكرٍ وعمرَ:
( ما ترون فى هؤلاء الأسارى ).
فقال أَبو بكرٍ: يا نبيَّ اللهِ هُمْ بَنُو العَمِّ والعَشيرةِ, أَرى أَنْ تأخذَ منهم فِدْيةً, فتكون لنا قوةً على الكفارِ, فعسى اللهُ أَنْ يَهْديَهم للإِسلامِ. فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-:
( ما ترى يا ابنَ الخطابِ )؟
قلت: لا واللهِ يا رسولَ اللهِ! ما أَرى الذي رأَى أَبو بكرٍ, ولكني أَرى أَنْ تُمَكِّنَّا فنَضْرِبَ أَعناقَهم؛ فتُمَكِّنَ عليًّا منْ عَقيلٍ فيَضرِبَ عُنُقَه, وتُمَكِّني منْ فلانٍ - نَسِيباً لعُمرَ - فأَضرِبَ عنُقَه؛ فإِنَّ هؤلاءِ أَئِمَّةُ الكفرِ وصَنادِيدُها, فهَوى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ما قال أَبو بكرٍ, ولم يَهْوَ ما قلتُ, فلمَّا كان من الغدِ جِئتُ, فإذا رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وأَبو بكرٍ قاعِدَيْن يَبْكِيانِ, قلت: يا رسولَ اللهِ أَخبِرني مِنْ أَيِّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبُك, فإِنْ وجدتُ بكاءً بكيتُ, وإِن لم أَجِدْ بكاءً تَباكَيْتُ لِبُكائِكُما. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
( أبكي للذي عَرَضَ عليَّ أَصحابُك مِنْ أَخذِهُمُ الفِداءَ, لقد عُرِضَ عليَّ عذابُهم أَدْنى مِنْ هذه الشجرةِ ). شجرةٍ قريبةٍ من نبيِّ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-. وأنزل الله عز وجل:
{مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} إلى قولِه: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً}[ الأنفال: 67-69],
فأَحَلَّ اللهُ الغَنِيمةَ لهم.

طارق ياسين 11-21-2010 02:28 PM

قال – سبحانه- في سورة البقرة:
{سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144)}

روى البخاريُّ في صحيحِه عنِ البراءِ بنِ عازبٍ - رضي الله عنهما – قال:
كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى نحوَ بيتِ المَقدسِ سِتَّةَ عشَرَ، أَو سبعةَ عشَرَ شهراً، وكان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحبُّ أَنْ يوجَّهَ إلى الكعبةِ, فأنزل اللهُ : {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السماءِ} فتَوَجَّه نحوَ الكعبةِ. وقال السفهاءُ من الناس - وهم اليهودُ - ما ولَّاهُم عن قِبْلَتِهم التي كانوا عليها, { قُلْ للهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدي مَنْ يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتقيمٍ } فصلَّى معَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- رجلٌ, ثم خرج بعدَ ما صلَّى فمَرَّ على قومٍ من الأنصارِ في صلاةِ العصرِ نحوَ بيتَ المقدسِ, فقال: هو يشهدُ أَنَّه صلى معَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- وأَنه توجَّهَ نحوَ الكعبةِ, فتَحَرَّفَ القومُ حتى توجهوا نحوَ الكعبةِ.
وفي روايةٍ:
أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم – كان أَوَّلَ ما قَدِمَ المدينةَ نزل على أَجدادِه، أو قال: أَخوالِه من الأَنصارِ, وأَنَّه صلَّى قِبَلَ بيتِ المَقدسِ ستَّةَ عَشَرَ شهرً، أو سبعةَ عشر شهراً، وكان يُعجبه أن تكونَ قِبْلتَه قِبَلَ البيتِ, وأَنه صلَّى أولَ صلاةٍ صلّاها صلاةَ العصرِ, وصلَّى معه قومٌ, فخرج رجلٌ ممَّن صلى معه, فمَرَّ على أهلِ مسجدٍ وهم راكعون، فقال: أَشهدُ باللهِ لقد صلَّيتُ معَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- قِبَلَ مكةَ, فداروا كما هُمْ قِبَلَ البيتِ. وكانتِ اليهودُ قد أعجبهم إِذْ كان يُصلِّي قِبَلَ بيتِ المقدسِ, وأَهلُ الكتابِ, فلمَّا وَلَّى وجهَهُ قِبلَ البيتِ أَنكروا ذلك.

قال البخاريُّ: قال زهيرٌ: حدثنا أبو إسحاقَ عن البراءِ في حديثِه هذا:
أَنَّه مات على القِبلةِ قَبلَ أَنْ تُحَوَّلَ رجالٌ وقُتِلوا, فلم نَدْرِ ما نقولُ فيهم, فأنزل الله تعالى: {وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُم}.


طارق ياسين 11-24-2011 10:08 PM

__
- قوله تعالى: { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ } البقرة: (89)
قال ابن جرير:
كما حدثني ابنُ حُميدٍ قال: حدثنا سلمةُ قال: حدثني ابنُ إسحاقَ عن عاصم بنِ عمرَ بنِ قتادةَ الأنصاريِّ عن أشياخٍ منهم قالوا: فينا واللهِ وفيهم - يعني: في الأنصار وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم - نزلت هذه القصةُ، يعني: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } قالوا: كنا قد عَلَوْناهم دَهْراً في الجاهليةِ، ونحن أَهل ُالشركِ وهم أَهلُ الكتابِ، فكانوا يقولون: إِنَّ نبِيًّا يُبعثُ الآن نَتَّبِعُه قد أَظلَّ زَمانُه، نقتُلُكم معَه قتلَ عادٍ وإِرَمَ. فلما بعث اللهُ - تعالى ذكرُه - رسولَه مِنْ قريشٍ واتَّبعناه كفروا به. يقول اللهُ: { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ }.

وقال:حدثنا ابنُ حُمَيد قال: حدثنا سَلَمةُ قال: حدثني ابنُ إسحاقَ قال: حدثني محمدُ بنُ أَبي محمدٍ مولى آلِ زيدِ بنِ ثابتٍ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ أو عكرمةَ مولى ابنِ عباس، عن ابنِ عباسٍ: أَنَّ يهودَ كانوا يستفتحونَ(1) على الأَوسِ والخزرجِ برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قبلَ مَبْعثِه، فلما بعثَهُ اللهُ مِن العربِ كفروا به، وجَحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذُ بنُ جبلٍ وبِشْرُ بنُ البراءِ بنِ مَعرور أخو بني سلمةَ: يا معشرَ يَهُودَ: اتَّقُوا اللهَ وأَسلموا؛ فقد كنتم تَستفتحون علينا بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم- ونحنُ أَهلُ شِركٍ، وتُخبروننا أَنه مبعوثٌ، وتَصِفونَه لنا بصفتِه. فقال سلَّامُ بنُ مِشْكَمْ أَخو بني النّضيرِ(2): ما جاءنا بِشيءٍ نعرفُه، وما هو بالذي كنَّا نذكُرُ لكم. فأَنزلَ اللهُ - جلَّ ثناؤُه - في ذلك مِنْ قولِه: { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا}.
- وقد صححه الشيخُ الألباني في " صحيح السيرة ".
_______________
(1) قال الطبري: ومَعنى الاستفتاح: الاسْتِنْصارُ، يَستنصرونَ اللهَ به على مُشركِي العربِ من قبلِ مَبْعثِه، وذلك قولُه {مِنْ قَبْلُ}؛ أي: من قبلِ أَنْ يُبعثَ.
(2) سَيِّدُ بَني النَّضير، وزوجتُه زينبُ بنتُ الحارثِ التي أَهدت للنبيِّ – صلى الله عليه وسلم – الشاةَ المَسمومةَ. كما ذكر أَهلُ السير، وذكرها أيضاً الطبراني في الكبير والبيهقي في الدلائل.

.

عبد الله بن مسلم 11-25-2011 02:34 AM

جزاك الله خيراً و بارك الله فيك!

طارق ياسين 11-25-2011 02:29 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد الله بن مسلم (المشاركة 158899)
جزاك الله خيراً و بارك الله فيك!


وفيك بارك اللهُ أخي عبد الله...

طارق ياسين 11-25-2011 02:35 PM

__
- قولُه تعالى: { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ } البقرة:(158)
روى البخاريُّ وغيرُه عن عروةَ قال: سأَلتُ عائشةَ - رضي اللهُ عنها - فقلتُ لها: أَرأَيْتِ قولَ اللهِ - تعالى -: { إِنَّ الصَّفَا والمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُناحَ علَيْهِ أَنْ يَطَّوْفَ بِهِما } فواللهِ ما على أَحدٍ جُناحٌ أَنْ لا يَطَّوفَ بالصفا والمروةِ.
قالت: بِئْسَ ما قلتَ يا ابنَ أُختي! إِنَّ هذه لو كانت كما أَوَّلتَها عليه كانت: لا جُناح عليه أَنْ لا يَتَطَّوف بهما، ولكنها أُنزلت في الأَنصارِ؛ كانوا قبلَ أَنْ يُسلموا يُهِلُّونَ لِمَناةَ الطاغيةِ التي كانوا يعبدونَها عندَ المُشَلَّلِ(1)، فكان مَنْ أَهَلَّ يَتحرَّجُ أَنْ يطوفَ بالصفا والمروةِ، فلما أَسلموا سأَلوا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك،
قالوا: يا رسولَ الله إِنا كنا نتحرَّجُ أَنْ نطوفَ بين الصفا والمروةِ، فأنزل الله - تعالى -: { إنَّ الصفا والمروةَ مِنْ شعائرِ اللهِ } الآيةَ.
قالت عائشةُ - رضي اللهُ عنها -: وقد سَنَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الطوافَ بينهما، فليس لأَحدٍ أَنْ يتركَ الطوافَ بينهما.
ثم أَخبرْتُ أَبا بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ فقال: إِنَّ هذا العلمَ ما كنتُ سمعتُه، ولقد سمعتُ رجالاً من أَهلِ العلمِ يذكرون أنّ الناسَ - إِلا مَنْ ذكرت عائشةُ مِمَّنْ كان يُهِلُّ بِمَناةَ - كانوا يطوفون كلُّهم بالصفا والمروةِ، فلما ذكرَ اللهُ - تعالى - الطوافَ بالبيتِ، ولم يذكرِ الصفا والمروةَ في القرآن قالوا: يا رسولَ اللهِ، كنا نطوفُ بالصفا والمروةِ، وإِنّ اللهَ أنزلَ الطوافَ بالبيتِ، فلم يذكرِ الصفا، فهل علينا مِنْ حرجٍ أَن نطوفَ بالصفا والمروةِ؟ فأنزل اللهُ - تعالى -: { إِنَّ الصَّفا والمَروةَ مِنْ شَعائرِ اللهِ }الآيةَ.

- قال أبو بكر: فأَسْمَعُ هذه الآيةَ نزلتْ في الفريقين كِلَيْهِما؛ في الذين كانوا يتحرَّجون أَنْ يطوفوا بالجاهليةِ بالصفا والمروةِ، والذين يطوفون ثمّ تحرَّجوا أَنْ يطوفوا بهما في الإِسلام؛ منْ أَجلِ أَنَّ اللهَ – تعالى - أَمرَ بالطوافِ بالبيتِ، ولم يذكرِ الصفا، حتى ذكر ذلك بعد ما ذكرَ الطوافَ بالبيتِ.

- وفي رواية مسلم: عن عروةَ عن أَبيه عن عائشةَ قال: قلت لها: إني لَأَظنُّ رجلاً لو لمْ يطُفْ بين الصفا والمروةِ ما ضَرَّه.
قالت: لِمَ؟
قلتُ: لِأَنَّ اللهَ - تعالى – يقولُ: { إِنَّ الصَّفا والمَرْوةَ مِنْ شَعائرِ اللهِ } إِلى آخرِ الآيةِ.
فقالت: ما أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ ولا عُمرتَه لمْ يَطُفْ بين الصفا والمروةِ. ولو كان كما تقولُ لكان: (فلا جُناحَ عليه أَنْ لا يَطَّوَّفَ بهما). وهل تدري فيما كان ذاك؟ إنما كان ذاك أَنَّ الأنصارَ كانوا يُهِلُّون فى الجاهليةِ لِصَنَمَيْن على شطِّ البحرِ يُقالُ لهما: إِسافٌ ونائلة، ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروةِ ثم يحلقون، فلما جاء الإسلامُ كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون فى الجاهليةِ، قالت: فأَنزلَ اللهُ - عزَّ وجلَّ: { إِنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِنْ شعائرِ اللهِ } إلى آخرِها - قالت -: فطافوا.
____________
(1) قال في "الفتح": مَوضعٌ بِقُدَيْدٍ من ناحية البحرِ، وهو الجبلُ الذي يهبط إلِيها منهُ.
__

طارق ياسين 11-28-2011 11:11 PM

__________


* قولُه تعالى: { أٌحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }.

· قال الإِمامُ البخاريُّ – رحمه اللهُ -: بابُ قولِ اللهِ - جَلَّ ذِكْرُه -: { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لكُمْ وأَنتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ علِمَ اللهُ أَنكُم كُنتمْ تَخْتانونَ أَنفُسَكُم فَتابَ عليْكُمْ وعَفا عنْكُمْ فَالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كَتبَ اللهُ لكُمْ }.
حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ موسى عن إِسرائيلَ عن أَبي إِسحاقَ عن البراء -رضي الله عنه- قال:
كان أَصحابُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الرجلُ صائماً فحضرَ الإِفطارُ فنامَ قبلَ أَن يُفطرَ، لم يأْكُلْ ليلَتَه ولا يومَه حتى يُمسيَ؛ وإِنَّ قيسَ بنَ صِرْمَةَ الأَنصاريَّ كان صائماً، فلما حضرَ الإِفطارُ أَتَى امْرأَتَه، فقال لها: أَعِندَك طعامٌ؟ قالت: لا، ولكنْ أَنطَلقُ فأَطلبُ لك، وكان يومَه يعملُ، فغَلبَتْهُ عيناه، فجاءته امرأَتُه، فلما رأَتْهُ قالت: خَيْبَةً لك(1)! فلما انتصف النهارُ غُشِيَ عليه. فذُكِرَ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم-، فنزلت هذه الآيةُ: { أُحِلَّ لكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفثُ إِلى نِسائِكُمْ } ففرحوا بها فرَحاً شديداً. ونزلت: { وكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يَتَبَيَّنَ لكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ منَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ }.
- باب قول الله تعالى : { وَكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يَتَبَيَّنَ لكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلى الليْلِ }.
- حدثنا حجاجُ بنُ مِنْهال حدَّثنا هُشَيْمٌ قال: أَخبرني حُصَيْنُ بنُ عبدِ الرحمنِ عن الشعبيِّ عن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ - رضي الله عنه - قال: لما نزلت: { حتّى يَتَبَيَّنَ لكُمُ الخيطُ الأَبيضُ مِنَ الخيطِ الأَسودِ } عَمَدْتُ إلى عِقالٍ أَسودَ وإِلى عِقالٍ أَبيضَ فجعلتُهما تحتَ وِسادَتي، فجعلتُ أَنظرُ في الليلِ فلا يَستَبِينُ لي، فغَدَوتُ على رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فذكرتُ له ذلك فقال: ( إِنَّما ذلك سوادُ الليلِ وبياضُ النهارِ ).
- حدثنا سعيدُ بنُ أَبي مريمَ حدثنا ابنُ أَبي حازمٍ عن أبيه عن سهلِ بنِ سعدٍ (ح) ، حدثني سعيدُ بنُ أَبي مريمَ حدثنا أَبو غسانَ، محمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، قال: حدثني أَبو حازم عن سهل بنِ سعدٍ قال: أُنْزِلَت: { وكُلُوا واشْربوا حتَّى يَتَبَيَّنَ لكُمُ الخيطُ الأَبيضُ مِنَ الخيطِ الأَسودِ} ولم ينزلْ: { مِنَ الفَجْرِ } فكان رجالٌ إِذا أَرادوا الصومَ ربطَ أَحدُهم في رجْلِه الخيطَ الأَبيضَ والخيطَ الأَسودَ، ولم يَزَلْ يأكلُ حتى يتبيَّنَ له رؤيتُهما، فأَنزلَ اللهُ بعدُ: { مِنَ الفَجْرِ } فعَلموا أَنه إِنما يعني: الليلَ والنهارَ.

______________________
(1) قال في " الفتح ": وهو مفعولٌ مطلقٌ محذوفُ العاملِ. والخيبةُ: الحِرمانُ، يُقالُ: خابَ يَخيبُ؛ إذا لم يَنَلْ ما طلبَ.

طارق ياسين 12-01-2011 11:14 PM

________

· قال البخاري في "صحيحِه": بابُ قولِ اللهِ – تعالى -: { وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوابِهَا }. [ البقرة: 189]
حدثنا أبو الوليد حدثنا شُعبةُ عن أَبي إسحاقَ قال: سمعتُ البراءَ - رضي الله عنه – يقولُ: نزلت هذه الآيةُ فينا؛ كانتِ الأَنصارُ إذا حَجُّوا فجاؤوا لم يدخلوا مِنْ قِبَلِ أَبوابِ بُيوتِهم، ولكن منْ ظُهورِها، فجاء رجلٌ من الأَنصارِ فدخل من قِبلِ بابِه؛ فكأَنَّه عُيِّرَ بذلك، فنزلت: { وَلَيْسَ البِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا البُيوتَ مِنْ ظُهُورِها ولكِنَّ البِرَّ مَنْ اتَّقَى وأْتُوا البُيوتَ مِنْ أَبْوابِها }.

- قال الحافظُ في " الفتح": هذا ظاهرٌ في اخْتصاصِ ذلك بالأَنصارِ، لكن سيأْتي في حديثِ جابرِ أَنَّ سائرَ العربِ كانوا كذلك إلا قريشاً ...
قال: كما أَخرجه ابنُ خزيمةَ والحاكمُ في صَحيحَيْهِما من طريق عمارِ بنِ زُرَيْقٍ عن الأَعمشِ عن أَبي سفيانَ عن جابرٍ قال: كانت قريشٌ تُدْعى الحُمْسُ(1)، وكانوا يدخلونَ من الأَبوابِ في الإِحرامِ، وكانتِ الأَنصارُ وسائرُ العربِ لا يدخلون من الأَبواب، فبينما رسولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلم - في بستانٍ فخرج من بابِه، فخرج معه قُطْبَةُ بنُ عامرٍ الأَنصاريُّ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ إِنَّ قُطبةَ رجلٌ فاجرٌ؛ فإِنه خرج معك من البابِ،
فقال: ما حمَلك على ذلك؟
فقال: رأَيتُك فعَلْتَه ففَعَلْتُ كما فَعلْتَ.
قال: إِني أَحْمَسِيٌّ.
قال: فإِنَّ ديني دينُك. فأَنزلَ اللهُ الآيةَ.
وهذا الإِسنادُ وإِنْ كان على شرطِ مسلمٍ لكنِ اخْتُلِفَ في وصلِه على الأَعمش عن أَبي سفيان...
قال: وبَيَّنَ الزُّهريُّ السببَ في صَنيعِهم ذلك فقال: كان ناسٌ من الأَنصارِ إذا أَهَلُّوا بالعُمرةِ لم يَحُلْ بَيْنَهم وبينَ السماءِ شيءٌ، فكان الرجلُ إِذا أَهَلَّ فبدتْ له حاجةٌ في بَيْتِه لم يدخلْ من البابِ مِنْ أَجلِ السقفِ أَنْ يَحولَ بيْنَه وبين السماءِ.
واتفقت الرواياتُ على نزول الآيةِ في سببِ الإِحرامِ، إِلا ما أخرجه عبدُ بنُ حُميدٍ بإسنادٍ صحيحٍ عن الحسن قال: كان الرجلُ من الجاهليةِ يَهُمُّ بالشيءِ يصنَعُه، فيَحْبِسُ عن ذلك، فلا يأْتِي بيتاً مِنْ قِبَلِ بابِه، حتى يأْتِيَ الذي كان هَمَّ بهِ.
فجعل ذلك من باب الطِّيرةِ، وغيرُه جعلَ ذلك بسببِ الإِحرامِ. وخالفهم محمدُ بنُ كعبٍ القُرَظِيُّ فقال: كان الرجلُ إِذا اعتكفَ لم يدخلْ منزلَه مِنَ بابِ البيتِ، فنزلت. أخرجه بن أبي حاتم بإِسنادٍ ضعيفٍ.
وأَغربَ الزجاجُ في معانيه فجزم بأَنَّ سببَ نُزولِها ما رُوي عن الحسنِ، لكن ما في الصحيح أَصحُّ والله أَعلمُ.
واتفقت الروايات على أَنّ الحُمْسَ كانوا لا يفعلون ذلك بخلاف غيرِهم. وعكس ذلك مجاهدٌ فقال: كان المشركون إِذا أَحرمَ الرجلُ منهم ثَقَبَ كُوَّةً في ظهرِ بيتِه فدخل منها، فجاء رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ذات يومٍ ومعه رجلٌ من المشركين فدخل من البابِ، وذهبَ المُشركُ ليَدخلَ من الكُوَّةِ فقال له رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ما شأْنُك؟ فقال: إِني أَحْمَسِيٌّ. فقال: وأَنا أَحْمَسِيٌّ. فنزلت. أَخرجه الطبريُّ.

- قال ابنُ جرير الطبريُّ: فتأْويُل الآيةِ إِذاً: وليس البِرُّ أَيها الناسُ بأنْ تأتوا البيوتَ في حالِ إِحرامِكُم من ظُهورِها، ولكنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى اللهَ فخافَه، وتجَنَّب مَحارمَه، وأَطاعه بأداءِ فرائِضِه التي أمره بها، فأما إتيانُ البيوتِ من ظهورِها فلا بِرَّ للهِ فيه، فأْتوها من حيثُ شئتُم؛ من أَبوابِها وغيرِ أَبوابِها، ما لم تعتقدوا تحريمَ إِتيانِها من أبوابِها في حالٍ من الأَحوالِ؛ فإِنَّ ذلك غيرُ جائزٍ لكمُ اعتقادُه؛ لأَنه مما لم أُحرِّمْه عليكم.
_____________________
(1) الحُمْسُ: جمعُ الأَحْمَس: وهم قريشٌ ومَنْ ولدتْ قريشٌ وكِنانةُ وجَديلةُ قيس، سُمُّوا حُمْساً لأَنهم تَحَمَّسُوا في دينِهم؛ أَي: تَشَدَّدوا . والحَماسةُ: الشجاعةُ. كانوا يقفون بمزدلفةَ ولا يقفونَ بعرفةَ ويقولون: نحن أهلُ اللهِ فلا نخرجُ من الحرمِ.

طارق ياسين 12-03-2011 07:52 AM

___

· قال الإمام البخاريُّ: بابُ قولِه: {وأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلى التَّهْلُكَةِ وأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ }.( البقرة: 195)
التَّهْلكةُ والهلاكُ واحدٌ.
حدثنا إسحاقُ أخبرنا النَّضْرُ حدثنا شعبةُ عن سليمانَ قال: سمعت أَبا وائلٍ عن حذيفةَ: { وَأْنفِقُوا في سَبيلِ اللهِ ولا تُلْقُوا بأَيْدِيكُم إِلى التَّهْلُكَةِ } قال: نزلت في النفقةِ.
- وروى أبو داودَ والترمذي والنسائي في "الكبرى"، واللفظ له، عن أَسلمَ أَبي عمرانَ قال: كنا بالقسطنطينيةِ، وعلى أَهلِ مِصرَ عقبةُ بنُ عامرٍ، وعلى أَهلِ الشامِ فُضالةُ بنُ عُبَيْدٍ، فخرج من المدينةِ صَفٌّ عظيمٌ من الرومِ، وصَفَفْنا لهم صفًّا عظيماً من المسلمين، فحمل رجلٌ من المسلمين على صفِّ الرومِ حتَّى دخلَ بهم، ثم خرج إلينا مُقبلاً، فصاح الناسُ فقالوا: سبحانَ اللهِ! الفتى أَلقى بيدِه إلى التهلكةِ.
فقال أَبو أَيوبَ، صاحبُ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم-: يا أَيُّها الناسُ إنكم تتأَوّلون هذه الآيةِ على هذا التأويلِ، وإِنَّما أُنْزِلتْ هذه الآيةُ فينا معشرَ الأَنصارِ؛ لمّا أَعزَّ اللهُ دينَه وكثُرَ ناصريهِ قلنا بيننا؛ بعضُنا لبعضٍ سرًّا مِنْ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: إِنَّ أَموالَنا قد ضاعت، فلو أَنَّا أَقمنا فيها وأَصلحنا ما ضاع منها، فأَنزل اللهُ - تبارك وتعالى- في كتابِه يرُدُّ علينا ما هَمَمْنا به، قال: { وَأَنْفِقُوا في سَبيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلى التَّهْلُكَةِ } فكانت التهلكةُ: الإِقامةُ التي أَردنا؛ أَنْ نُقيمَ في أَموالِنا فنُصلِحَها، فأُمِرْنا بالغزوِ.
فما زالَ أَبو أَيوبَ غازياً في سبيلِ اللهِ حتى قُبضَ.
وفي رواية أبي داود: فلم يَزَلْ أَبو أَيوبَ يجاهدُ في سبيلِ اللهِ حتَّى دُفِنَ في القُسْطَنْطِينيةِ.

- قال الحافظُ في " الفتح":
وجاء عنِ البراءِ بنِ عازبٍ في الآيةِ تأويلٌ آخرُ، أَخرجه ابنُ جريرٍ وابنُ المنذرِ وغيرُهما عنه بإسنادٍ صحيحٍ عن أَبي إسحاقَ قال:
قلتُ للبراءِ: أَرأيتَ قولَ اللهِ - عز وجل -: { وَلا تُلْقوُا بأَيْدِيكُمْ إِلى التَّهْلُكَةِ } هو الرجلُ يحملُ على الكتيبةِ فيها أَلفٌ؟ قال: لا، ولكنه الرجلُ يُذنِبُ فيُلقي بيدِه إلى التهلكةِ،فيقولُ: لا توبةَ لي.
وعن النعمانِ بنِ بشيرٍ نحوُه، والأَولُ أظهرُ؛ لِتصديرِ الآيةِ بِذكرِ النفقةِ، فهو المعتمدُ في نزولِها. وأَما قَصْرُها عليه ففيه نظرٌ؛ لأن العبرةَ بعمومِ اللفظِ، على أَنَّ أحمدَ أخرجَ الحديثَ المذكورَ من طريقِ أَبي بكرٍ -وهو ابنُ عياش- عن أَبي إِسحاقَ بلفظٍ آخرَ قال: قلتُ للبراءِ: الرجلُ يحملُ على المشركينَ، أَهُو ممَّنْ أَلقى بيدِه إِلى التهلكةِ؟
قال: لا؛ لأنَّ اللهَ – تعالى- قد بعث محمداً فقال: { فَقَاتِلْ في سبيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ } فإِنَّما ذلك في النفقةِ.
فإِنْ كان محفوظاً، فلعل للبراءِ فيه جوابينِ، والأولُ من روايةِ الثوريِّ وإِسرائيلَ وأَبي الأَحوصِ ونحوِهم، وكلٌّ منهم أَتقنُ من أَبي بكرٍ، فكيف مع اجتماعِهم وانفرادِه؟!
وأَما مسأَلةُ حَمْلِ الواحدِ على العددِ الكثيرِ من العدوِّ، فصَرَّحَ الجمهورُ بأَنَّه إِنْ كان لِفَرْطِ شجاعتِه، وظَنِّه أَنه يُرهبُ العدوَّ بذلك، أَو يُجَرِّئُ المسلمين عليهم، أو نحوِ ذلك من المقاصد الصحيحةِ، فهو حسنٌ. ومتى كان مُجرَّدَ تَهَوُّرٍ فممنوعٌ، ولا سيما إِن ترتَّبَ على ذلك وَهَنٌ في المسلمين، والله أعلمُ.
___

طارق ياسين 12-07-2011 03:13 PM

_______

· قولُه تعالى: { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } البقرة: 196

- روى أحمدُ والبخاري ومسلم وأصحاب السنن عن كعبِ بنِ عُجْرةَ قال -واللفظ للبخاريِّ-:
وقفَ علَيَّ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بالحُديْبِيةَ ورأَسي يَتهافَتُ قَمْلاً،
فقال: يُؤْذيكَ هَوامُّكَ؟!(1)
قلتُ: نعم.
قال: فاحْلِقْ رأْسَكَ، أَو قال: احْلِقْ.
قال: فِيَّ نزلتْ هذه الآيةُ { فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ } إِلى آخرِها.
فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: صُمْ ثلاثةَ أَيامٍ، أَو تَصدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوِ انْسُكْ بما تَيَّسَرَ.


- وفي روايةِ عبدِ اللهِ بنِ مَعْقِلٍ في الصحيحين:
قال: ما كُنتُ أَرى الجَهْدَ بلغ بك ما أَرى، أتَجِدُ شاةً؟
فقلت: لا.
فقال: فصُمْ ثلاثةَ أَيامٍ، أَو أَطْعِمْ سِتَّةَ مساكينَ؛ لكُلِّ مِسكينٍ نصفُ صاعٍ.
قال ابنُ حجر: لكن روايةُ عبدِ اللهِ بنِ مَعْقِلٍ تقتضي أَنَّ التَّخييرَ إنما هو بين الإِطعامِ والصِّيامِ لمن لم يجدِ النُّسُكَ، فحينئذٍ يُحتاجُ إلى الجمعِ بين الروايتين، وقد جُمِعَ بينهما بأوجهٍ:
- منها ما قاله ابنُ عبدِ البَرِّ أَنَّ فيه الإِشارةُ إلى ترجيحِ الترتيبِ لا لإِيجابِه.
- ومنها ما قاله النووي: ليس المرادُ أَنَّ الصيامَ أَوِ الإِطعامَ لا يُجزئُ إِلا لفاقدِ الهَدْيِ، بلِ المرادُ أَنه اسْتَخبرَه هل معه هَديٌ أَو لا؟ فإِن كان واجدَه أَعلَمَه أَنَّه مُخَيّرٌ بينه وبين الصيامِ والإطعامِ، وإن لم يجِدْهُ أعلمَه أَنه مخيرٌ بينهما. ومُحَصِّلُه أَنه لا يلزمُ من سؤالِه عن وِجْدانِ الذّبحِ تعيينُه؛ لاحتمالِ أَنه لو أَعلمَه أَنه يَجدُه لأخبره بالتخييرِ بينه وبين الإِطعامِ والصومِ.
- ومنها ما قال غيرُهما: يحتملُ أَن يكونَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لما أَذن له في حلقِ رأْسِه بسببِ الأَذى، أَفتاه بأنْ يُكَفِّرَ بالذبحِ على سبيلِ الاجتهادِ منه -صلى الله عليه وسلم- أَو بوحيٍ غيرِ مَتْلُوٍّ، فلما أَعلَمَه أَنه لا يجدُ، نزلت الآيةُ بالتخييرِ بين الذبحِ والإطعامِ والصيام، فخَيَّرَه حينئذٍ بين الصيامِ والإِطعامِ؛ لِعلمِه بأنه لا ذَبْحَ معه، فصام لكونِه لم يكن معه ما يُطعمُه. ويوضحُ ذلك روايةُ مسلمٍ في حديثِ عبدِ الله بنِ مَعقَلٍ المذكورِ حيث قال: (أَتِجدُ شاةً)؟ قلتُ: لا. فنزلت هذه الآيةُ.

____________
(1) الهَوامُّ: جمعُ هامَّة، وهي الحشرات ودوابُّ الأَرض.

طارق ياسين 12-09-2011 08:35 AM

______

· قوله تعالى: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى }

أخرج البخاريُّ وأبو داود عن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما – قال:
كان أَهلُ اليمنِ يَحجُّون ولا يتزوَّدون، ويقولون: نحنُ المتوكلون. فإذا قدِموا مكةَ سأَلوا الناسَ، فأَنزلَ اللهُ –تعالى- : { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى }
قال ابن حجر: قال المُهَلَّبُ: في هذا الحديثِ منَ الفِقْهِ أَنَّ تركَ السؤالِ من التقوى.
____

طارق ياسين 12-11-2011 10:30 PM

_

· قولُه تعالى: { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } البقرة: (199).
- أَخرج البخاري ومسلم عن هشامِ بنِ عُرْوةَ: قال عُروةُ:
كان الناسُ يطوفون في الجاهليةِ عُراةً إِلا الحُمْسَ، والحُمْسُ قُريشٌ وما ولدتْ. وكانتِ الحُمسُ يحتسبونَ على الناسِ؛ يُعطي الرجلُ الرجلَ الثيابَ يطوفُ فيها، وتعطي المرأَةُ المرأَةَ الثيابَ تطوفُ فيها، فمن لم يُعطِهِ الحمسُ طاف بالبيتِ عُرياناً.
وكان يفيضُ جماعةُ الناسِ منْ عرفاتٍ، ويفيضُ الحُمسُ من جَمْعٍ.
قال: وأَخبرني أَبي عن عائشةَ -رضي الله عنها- أَنَّ هذه الآيةَ نزلتْ في الحُمْسِ: { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ }، قال: كانوا يَفيضونَ من جَمعٍ، فَدُفِعوا إِلى عرفاتٍ.

- وقد روى البخاري عن جُبيرِ بن مُطْعِمٍ قال:
أَضْلَلْتُ بعيراً لي، فذهبتُ أَطْلُبُه يومَ عرفةَ، فرأَيتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- واقفاً بعرفةَ، فقلتُ: هذا واللهِ منَ الحُمْسِ، فما شأنُه هاهنا؟
وقد جاء ما يُبَيِّنُ أَنَّ هذا كان قبلَ بَعْثَتِه – صلى الله عليه وسلم- وهذا مِن توفيقِ اللهِ له، ففي صحيحِ ابنِ خزيمةَ والحاكمِ عن جُبيرِ بنِ مُطعِمٍ قال:
كانت قريشٌ إِنما تَدفعُ منَ المُزدلفةِ ويقولون: نحنُ الحُمْسُ فلا نخرجُ منَ الحرمِ، وقد تركوا الموقفَ على عرفةَ.
قال:
فرأَيتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في الجاهليةِ يَقِفُ معَ الناسِ بعرفةَ على جملٍ له، ثم يُصبحُ معَ قومِه بالمزدلفةِ، فيقفُ معهم يدفعُ إِذا دفعوا. [قال الأَعظميُّ: إِسنادُه حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم].
وزاد في رواية ابن إسحاق في المغازي: توفيقاً من اللهِ له.
_

طارق ياسين 12-13-2011 11:33 PM

__

· قولُه تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ }(البقرة:222).

- أخرج مسلمٌ عن أَنسٍ: أَنَّ اليهودَ كانوا إذا حاضتِ المرأةُ فيهم لم يؤَاكِلوها، ولم يُجامعوهنَّ في البيوتِ، فسأل أَصحابُ النبيِّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فأَنزل اللهُ –تعالى-: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ } إلى آخرِ الآيةِ. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-:
(اصنعوا كلَّ شىءٍ إِلا النكاحَ).
[ وعند الطيالسي: فأَمر رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يؤاكلِوهنَّ وأَنْ يُشارِبُوهُنَّ وأَنْ يُجامِعُوهنَّ في البيوتِ ويفعلوا ما شاءوا إِلا الجِماعَ ].
فبلغ ذلك اليهودَ، فقالوا: ما يريدُ هذا الرجلُ أَنْ يَدعَ من أَمرِنا شيئاً إلا خالفَنا فيه.
فجاء أُسَيدُ بنُ حُضَيْرٍ وعبّادُ بنُ بِشرٍ فقالا: يا رسولَ الله إِن اليهودَ تقولُ كذا وكذا. فلا نُجامِعُهُنَّ؟ [ وعند أبي داود: أَفلا نَنْكِحُهنَّ في المحيضِ؟](1) فتغيَّرَ وجهُ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حتى ظنَنَّا أَنْ قد وجدَ عليهما، فخرجا فاستقبلهما هديةٌ منْ لبنٍ إِلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فأَرسل في آثارهِما فسقاهما، فعرفا أَنْ لم يجِدْ عليهما.

- قال في " عون المعبود": وقولُه: ( اصنعوا كلَّ شيءٍ ) هو تفسيرٌ للآيةِ وبيانٌ لـ { اعْتَزِلُوا }؛ فإِنَّ الاعتزالَ شاملٌ للمُجانبةِ عن المُؤاكلةِ والمُصاحبةِ والمُجامعةِ، فبيَّنَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ المرادَ بالاعتزالِ تركُ الجِماعِ فقط لا غيرُ ذلك.
____________
(1) قال في "عون المعبود": أي: أَفلا نُباشِرُهنَّ بالوطْءِ في الفرجِ أَيضاً؛ لكي تحصلَ المخالفةُ التامّةُ معهم؟

طارق ياسين 12-16-2011 09:58 PM

__

· قولُه تعالى: { نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتِمْ } (البقرة: 223).
- روى البخاريُّ عن جابرٍ -رضي الله عنه- قال:
كانتِ اليهودُ تقولُ: إِذا جامَعَها مِنْ ورائِها جاء الولدُ أَحْوَلَ، فنزلت:
{ نِساؤُكُم حَرْثٌ لكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُم أَنَّى شِئْتِمْ }.

- وروى أَحمدُ عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ قال: دخلتُ على حفصةَ ابنةَ عبدِ الرحمنِ فقلتُ:
إِني سائِلُكِ عن أَمرٍ وأنا أَستحْيِي أَن أسأَلَكِ عنه.
فقالت: لا تستحي يا ابنَ أَخي.
قال: عن إِتْيانِ النساءِ في أَدبارِهِنَّ؟
قالت: حدَّثتْني أَمُّ سلمةَ أَنَّ الأَنصارَ كانوا لا يُجَبُّونَ(1) النساءَ، وكانت اليهودُ تقولُ: إنه مَنْ جَبَّى امرأَتَه كان ولدُه أَحولَ. فلما قدم المهاجرون المدينةَ نكحوا في نساءِ الأَنصارِ فَجَبُّوهُنَّ، فأَبتِ امرأةٌ أَنْ تُطيعَ زوجَها، فقالت لزوجِها: لن تفعلَ ذلك حتى آتيَ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فدخلتْ على أَمِّ سلمة فذكرت ذلك لها، فقالت: اجْلسي حتى يأَتيَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فلما جاء رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- استَحْيَتِ الأَنصاريةُ أَنْ تسأَلَه، فخرجَتْ، فحدثتْ أُمُّ سلمةَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-
فقال: ادْعي الأَنصاريةَ.
فدُعِيتْ، فتلا عليها هذه الآية : { نِساؤُكُم حَرْثٌ لكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُم أَنَّى شِئْتُمْ
قال: صِمَاماً واحداً.
[ قال الشيخ شعيبُ الأرناؤوط: إِسنادُه حسن ].

- وروى الترمذيُّ عن أُمِّ سلمةَ عنِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في قولِه:
{ نِساؤُكُم حرثٌ لكُم فأْتُوا حَرْثَكُم أَنَّى شِئْتُم } يعني: صِمَاماً واحداً.
[ قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح. وحسنه الشيخ الألباني].

- وروى أَحمدُ والترمذيُّ والنسائي في "الكبرى" عنِ ابنِ عباسٍ –رضي الله عنهما- قال:
جاء عمرُ إِلى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسولَ اللهِ هَلَكْتُ!
قال: وما أَهْلَكَكَ؟
قال: حوَّلْتُ رَحْلي(2) الليلةَ.
قال: فلم يرُدَّ عليه رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- شيئاً.
قال: فأُوحيَ إِلى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- هذه الآيةَ:
{ نِساؤُكُم حرثٌ لكُمْ فأْتُوا حرْثَكُم أَنَّى شِئتُم
يقولُ: أَقْبِلْ وأَدْبِرْ واتَّقِ الدُّبُرَ والحَيْضَةَ.
[ قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وحسنَّه الأَلباني ].
_________
(1) أَي: يأْتونها عند الجماعِ مُنكَبَّةً على وجهِها، تشبيهاً بهيئةِ السجودِ.
(2) قال في "النهاية": كَنَى برحْلِه عن زوجتِه، أَراد به غِشْيانها في قُبُلِها من جهةِ ظهرِها؛ لأنّ المُجامعَ يعلو المرأةَ ويركبُها ممَّا يلي وجهَها، فحيثُ ركبها من جهةِ ظهرِها كنَى عنه بتحويلِ رَحْلِه.

طارق ياسين 12-17-2011 10:16 PM

__

· قوله تعالى: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } (البقرة:232)
- قال البخاريُّ:
حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ سعيدٍ حدثنا أَبو عامرٍ العَقَدِيُّ حدثنا عبّادُ بنُ راشدٍ حدثنا الحسنُ قال: حدثني مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ قال: كانت لي أُختٌ تُخْطَبُ إِليَّ - وقال إبراهيم: عن يونسَ عن الحسنِ حدثني مَعقلُ بنُ يَسار- حدثنا أَبو مَعْمَرٍ حدثنا عبدُ الوارثِ حدثنا يونسُ عن الحسنِ أَنَّ أُختَ مَعقِلِ بنِ يَسارٍ طلَّقَها زوجُها، فتَرَكَها حتى انْقَضَتْ عِدَّتُها، فخَطَبها، فأَبى مَعقلٌ، فنزلت: { فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ(1) أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ }.

- وقال التِّرْمِذيُّ:
حدّثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ حدثنا الهاشمُ بنُ القاسمِ عن المُباركِ بنِ فَضَالَةِ عن الحسنِ عن مَعْقِلِ بنِ يسارٍ، أَنه زَوَّجَ أُخْتَه رجلاً من المسملينَ على عهدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- فكانت عندَه ما كانت، ثم طلَّقَها تطليقةً لم يُراجِعْهَا حتى انْقَضَتْ العِدَّةُ، فَهَوِيَها وهَوِيَتْهُ، ثم خطَبَها معَ الخُطَّابِ، فقال له: يا لُكَعُ(2)، أَكْرَمْتُكَ بها، وزَوَّجْتُك، فطلَّقْتَها! واللهِ لا تَرجعُ إِليك أَبداً، آخِرُ(3) ما عليكَ.
قال: فعَلِم اللهُ حاجَتَهُ إِليها وحاجَتَها إِلى بَعْلِها، فأَنزلَ اللهُ: { وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } إِلى قولِه: { وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } فلمَّا سمعَها مَعقِلٌ قال: سَمْعاً لِرَبِّي وطاعةً. ثم دعاه فقال: أُزَوِّجُكَ وأُكْرِمُكَ.
(وفي روايةِ أَبي داودَ: فَكَفَّرْتُ عن يميني فأَنْكَحْتُها إِيّاه).

- قال الترمذي:
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد رُوي من غيرِ وجهٍ عن الحسنِ، وهو عنِ الحسنِ غريبٌ. وفي هذا الحديثِ دِلالةٌ على أَنَّه لا يجوزُ النِّكاحُ بغيرِ وَلِيٍّ؛ لأَنَّ أُخْتَ مَعْقلِ بنِ يَسارٍ كانت ثَيِّباً، فلو كان الأَمرُ إِليها دونَ وَلِيِّها لَزَوَّجتْ نَفسَها ولم تَحْتَجْ إِلى وَلِيِّها مَعقِلِ بنِ يسارٍ، وإِنما خاطَبَ اللهُ في الآيةِ الأَولياءَ فقال: { فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ } ففي هذه الآيةِ دِلالةٌ على أَنَّ الأَمرَ إِلى الأَولياءِ في التزويجِ مع رِضاهُنَّ.
- وقال الطبريُّ:
وفي هذه الآيةِ الدِّلالةُ الواضحةُ على صحةِ قولِ مَنْ قالَ: لا نِكاحَ إِلا بوَلِيٍّ من العَصَبةِ؛ وذلك أَنَّ اللهَ -تعالى ذِكْرُه- منع الوليَّ مِنْ عَضْلِ المرأَةِ إِنْ أَرادتِ النِّكاحَ، ونهاه عن ذلك، فلو كان للمرأَةِ إِنكاحُ نفسِها بغيرِ إِنكاحِ ولِيِّها إِياها، أو كان لها تَوْلِيةُ مَنْ أَرادتْ تَولِيَتَه في إِنكاحِها، لم يكن لِنَهيِ ولِيِّها عن عَضْلِها معنىً مفهومٌ؛ إِذ كان لا سبيلَ له إِلى عَضْلِها؛ وذلك أَنها إِنْ كانت متى أَرداتِ النكاحَ جاز لها إِنكاحُ نفسِها أَو إِنكاحُ منْ تُوَكِّلُه إِنكاحَها، فلا عضلَ هنالك لها من أَحدٍ فيُنْهى عاضِلُها عن عضلِها.
وفي فسادِ القولِ بأَنْ: لا معنى لِنَهْيِ اللهِ عمَّا نهى عنه، صِحَّةُ القولِ بأَنَّ لِوَلِيِّ المرأَةِ في تزويجِها حقًّا لا يصحُّ عقدُه إِلا به.
________
(1) العَضْلُ: المنعُ.
(2) جاء في "النهاية":اللُّكَعُ عندَ العربِ: العبدُ، ثم اسْتُعمل في الحُمْقِ والذَّمِّ. يُقال للرجلِ: لُكَعُ، وللمرأةِ لَكاعِ. وقد لَكِعَ الرجلُ يَلْكَعُ لَكْعاً فهو أَلْكَعُ. وأكثرُ ما يقع في النِداء هو اللَّئيمُ.
(3) قال المُباركفوري: بالرفع، أَيْ: ذلك آخِرُ ما عليك مِنْ نِكاحِكَ إِيَّاها. وهذا كقولِه -صلى الله عليه وسلم- : ( إِذا خرجوا لم يَعودوا، آخرُ ما عليهم )، قال في "المجمع": بالرفعِ، أَي: ذلك آخرُ ما عليهم من دخولِهم.

طارق ياسين 12-19-2011 08:25 PM

_

· قولُه تعالى: { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّه قانِتِيِنَ } البقرة: 238
- أخرج البخاري ومسلم، وغيرُهما، عن زيدِ بنِ أَرقمَ قال:
كنا نتكلم في الصلاةِ؛ يُكلِّمُ أَحدُنا أَخاه في حاجتِه، حتى نزلت هذه الآيةُ: {حافِظُوا على الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وقُومُوا للهِ قانِتِينَ } فأُمِرنا بالسكوت.

- وروى أحمدُ والبخاريُّ وغيرهما، واللفظ لأحمد، عن عبدِ الله بن مسعودٍ -رضي الله عنه- قال:
كنا نُسلِّمُ على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فيَرُدُّ علينا السلامَ، حتى قدِمنا من أَرضِ الحَبَشةِ فسلَّمتُ عليه، فلم يرُدَّ عليَّ، فأَخذني ما قرُبَ وما بَعُدَ(1)، فجلستُ حتى إِذا قضى الصلاةَ قال:
إِنَّ اللهَ -عز وجل- يُحدثُ من أَمرِه ما يشاءُ، وإِنه قد أَحدثَ من أَمرِه أَنْ لا يُتَكَلَّمَ في الصلاةِ.

- قال الحافظ في " الفتح" تعليقا على حديث ابن مسعود:
ظاهرٌ في أَنَّ نسخَ الكلامِ في الصلاةِ وقع بهذه الآيةِ، فيقتضي أَنَّ النسخَ وقع بالمدينةِ؛ لأَنَّ الآيةَ مدنيةٌ باتفاقٍ، فيُشْكِلُ ذلك على قول ابنِ مسعودٍ أَنَّ ذلك وقع لما رجعوا من عندِ النجاشيِّ، وكان رجوعُهم من عندِه إلى مكةَ؛ وذلك أنَّ بعضَ المسلمين هاجر إلى الحبشةِ، ثم بلغهم أَن المشركين أَسلموا، فرجعوا إلى مكةَ فوجدوا الأمرَ بخلافِ ذلك، واشتدَّ الأَذى عليهم، فخرجوا إليها أَيضاً، فكانوا في المرةِ الثانيةِ أَضعافَ الأولى، وكان ابنُ مسعود مع الفريقين. واختُلِفَ في مرادِه بقوله: (فلما رجعنا) هل أراد الرجوعَ الأولَ أوِ الثاني؟ فجنحَ القاضي أبو الطيبِ الطبريُّ وآخرونَ إلى الأولِ، وقالوا: كان تحريم الكلامِ بمكةَ، وحملوا حديثَ زيدٍ على أنه وقومَه لم يبلُغْهمُ النسخُ، وقالوا: لا مانعَ أن يتقدمَ الحكمُ ثم تَنزلُ الآيةُ بوَفْقِه.
وجنح آخرونَ إلى الترجيحِ فقالوا: يترجّحُ حديثُ ابنُ مسعودٍ؛ لأنه حكى لفظَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بخلافِ زيدِ بنِ أرقمَ، فلم يحْكِه. وقال آخرونَ: إِنما أراد ابنُ مسعودٍ رجوعَه الثاني، وقد ورد أنه قدِمَ المدينةَ والنبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يتجهزُ إلى بدرٍ. وفي مستدركِ الحاكمِ من طريقِ أَبي إسحاقَ عن عبدِ الله بن عُتبةَ بنِ مسعودٍ عن ابن مسعودٍ قال: بعثَنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى النجاشيِّ ثمانينَ رجلاً...، فذكر الحديثَ بطولِه، وفي آخرِه: فتعجَّلَ عبدُ الله بنِ مسعودٍ، فشهد بدراً.
وفي السيَرِ لابنِ إسحاقَ: أن المسلمين بالحبشةِ لما بلغهم أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- هاجر إلى المدينةِ رجع منهم إلى مكةَ ثلاثةٌ وثلاثون رجلاً، فمات منهم رجلانَ بمكةَ، وحُبِسَ منهم سبعةٌ، وتوجه إلى المدينةِ أَربعةٌ وعشرونَ رجلاً، فشهدوا بدراً. فعلى هذا كان ابنُ مسعودٍ من هؤلاءِ، فظهر أَنَّ اجتماعَه بالنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بعدَ رجوعِه كان بالمدينةِ.
وإلى هذا الجمع نحا الخطابيُّ. ولم يقفْ مَن تعقَّبَ كلامَه على مُستَنَدِه. ويُقوي هذا الجمعَ روايةُ كلثومٍ المتقدمةُ؛ فإِنها ظاهرةٌ في أَنَّ كلاً من ابنِ مسعودٍ وزيدِ بنِ أَرقمَ حكى أَنَّ الناسخَ قولُه تعالى: { وَقُومُوا للهِ قانِتِيِنَ }.

- وقال ابنُ حِبَّانَ:
هذه اللفظةُ عن زيدِ بنِ أَرقمَ: (كنا في عهدِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- يُكلِّمُ أَحدُنا صاحبَه في الصلاةِ ...) قد تُوهمُ عالَماً من الناس أَنَّ نسخَ الكلامِ في الصلاةِ كان بالمدينةِ؛ لأَنَّ زيدَ بنَ أَرقمَ من الأَنصارِ. وليس كذلك؛ لأَنَّ نسخَ الكلامِ في الصلاةِ كان بمكةَ عندَ رجوعِ ابنِ مسعودٍ وأصحابِه من الحبشةِ.
ولخبرِ زيدِ بنِ أَرقمَ معنيان:
أحدُهما: أَنه من المحتملِ أنَّ زيدَ بنَ أرقمَ حكى إسلامَ الأَنصارِ قبلَ قدومِ المصطفى -صلى الله عليه وسلم- المدينةَ، حيث كان مصعبُ بنُ عُميرٍ يٌعلمُّهم القرآنَ وأحكامَ الدينِ، وحينئذٍ كان الكلامُ مباحاً في الصلاةِ بمكةَ والمدينة سواءٌ، فكان بالمدينةِ مَنْ أسلمَ من الأنصار قبلَ قدومِ المصطفى -صلى الله عليه وسلم عليهم- يُكلمُ أحدُهم صاحبَه في الصلاةِ قبلَ نسخِ الكلامِ فيها، فحكى زيدُ بنُ أرقمَ صلاتَهم في تلك الأيامِ، لا أَنَّ نسخَ الكلامِ في الصلاة كان بالمدينةِ.
والمعنى الثاني: أنه أراد بهذه اللفظةِ الأنصارَ وغيرَهم الذين كانوا يفعلون ذلك قبل نسخِ الكلامِ في الصلاةِ، على ما يقولُ القائلُ في لغتِه: فقلنا كذا، يريدُ به بعضَ القومِ الذين فعلوا لا الكُلَّ.

- وقال الشيخُ الأَلباني تعليقاً على حديث ابن مسعود:
وهو يُقوي تأَويلَ مَنْ تأَوَّل حديثَ زيدِ بنِ أَرقمَ الثابتَ في الصحيحين: (كنا نتكلمُ في الصلاةِ حتى نزل قولُه تعالى: { وقُوموا للهِ قانتينَ } فأُمِرنا بالسكوتِ ونُهينا عن الكلام)
على أنّ المرادَ جِنسَ الصحابةِ؛ فإِنَّ زيداً أَنصاريٌّ مدنيٌّ، وتحريمُ الكلامِ في الصلاةِ ثبت بمكةَ، فتَعيَّنَ الحملُ على ما تقدم.
وأما ذِكرُه الآيةَ - وهي مدنية – فمُشكلٌ، ولعله اعتقد أَنها المُحرمةُ لذلك، وإنما كان المحرمَ له غيرُها معها، والله أعلم.
____________

(1) قال السِّندي: أَيْ: تفكّرتُ فيما يَصلُحُ للمنعِ من الوجوهِ القريبةِ أَو البعيدةِ أَيُّها كانت سبباً لتركِ ردِّ السلامِ.

طارق ياسين 12-22-2011 08:47 AM

_____

· قوله تعالى: { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } البقرة: 256.
- روى أبو داود عن أبي بِشْرٍ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ عنِ ابنِ عباسٍ قال:
كانتِ المرأَةُ تكونُ مِقْلاتاً، فتجعلُ على نفسِها إِنْ عاشَ لها ولدٌ أَنْ تُهَوِّدَه، فلما أُجْلِيتْ بنو النضيرِ كان فيهم من أَبناءِ الأَنصارِ، فقالوا: لا نَدَعُ أَبناءَنا، فأَنزلَ اللهُ -عز وجل-: { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغيِّ }.
قال أَبو داودَ: المِقْلاتُ: التي لا يَعيشُ لها ولدٌ.

وروى سعيدُ بنُ منصورٍ والطحاوي عن أَبي بِشْرٍ قال:
سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ عن قولِه -عز وجل-: {لَا إِكراهَ في الدِّينِ } قال: نزلت هذه الآيةُ في الأَنصارِ خاصَّةً.
قلتُ: خاصةً؟
قال: خاصةً؛
قال: كانتِ المرأَةُ في الجاهليةِ إذا كانت مِقْلاتاً تَنْذِرُ إِنْ وَلَدتْ وَلداً تَجعلُه في اليهودِ؛ تلتمسُ بذلك طولَ بقائِه، فجاء الإِسلام وفيهم منهم، فلما أُجْلِيت بنو النضيرِ قالوا: يا رسولَ اللهِ أَبناؤُنا وإِخوانُنا منهم!
قال: فسكت عنهم، فأَنزلَ اللهُ تعالى: { لَا إِكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ }
فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: خَيِّروا أَصحَابَكُم، فإِنْ اختاروكم فهم منكم، وإِنْ اختارُوهم فهم منهم.
وقوله: (خَيِّروا أَصحابَكُم...) هذه من مُرسلِ سعيدِ بنِ جُبير.

- قال الشوكاني في "فتح القدير":
قَدِ اختلف أَهلُ العلم في قولِه : { لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } على أقوالٍ:
- الأوَّلُ: إِنها منسوخةٌ؛ لأَنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قد أَكره العربَ على دِينِ الإسلامِ وقاتلهم، ولم يرضَ منهم إِلا بالإِسلامِ، والناسخُ لها قولُه تعالى: { يا أَيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفَّارَ والمُنافِقِينَ وقال تعالى: { ياأيها الذين ءامَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مّنَ الكفار وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً واعلموا أَنَّ الله مَعَ المُتَّقِينَ }، وقال: { سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ تقاتلونهم أَوْ يُسْلِمُونَوقد ذهب إلى هذا كثيرٌ من المفسرين.
- القولُ الثاني: إنها ليست بمنسوخةٍ، وإِنما نزلت في أَهلِ الكتاب خاصةً، وأنهم لا يُكرَهون على الإسلام إذا أدَّوُا الجزيةَ، بل الذين يُكْرَهون هم أَهلُ الأوثانِ، فلا يُقبلُ منهم إلا الإسلامُ أو السيفُ، وإلى هذا ذهب الشعبي والحسن وقتادة والضحاك.
- القولُ الثالثُ: إِن هذه الآيةُ في الأنصارِ خاصَّةً، وسيأتي بيان ما ورد في ذلك.
- القولُ الرابعُ: إن معناها: لا تقولوا لمن أسلم تحت السيفِ إنه مكرهٌ؛ فلا إِكراهَ في الدين.
- القولُ الخامسُ: إنها وردت في السَّبْيِ؛ متى كانوا من أهلِ الكتاب لم يُجبروا على الإسلام.
- وقال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِه: أيْ: لا تُكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام؛ فإنه بَيِّنٌ واضح جَليُّ دلائِلُه، وبراهينُه لا تحتاج إلى أن يُكرَه أحدٌ على الدخول فيه، بل مَن هداه الله للإسلامِ، وشرح صدرَه، ونوَّر بصيرتَه دخل فيه على بيِّنةٍ، ومن أعمى الله قلبَه، وختم على سمعِه وبصرِه، فإنه لا يفيده الدخولُ في الدين مكرهاً مقسوراً. وهذا يصلحُ أن يكونَ قولاً سادساً.
- وقال في "الكشاف" في تفسيرِه هذه الآيةِ: أي: لم يُجْرِ الله أَمرَ الإيمانِ على الإِجبارِ والقَسرِ، ولكن على التمكينِ والاختيارِ، ونحوُه قوله : { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ أي: لو شاء لقَسَرهم على الإيمان، ولكن لم يفعلْ، وبنى الأمرَ على الاختيارِ. وهذا يَصْلحُ أن يكونَ قولاً سابعاً.
والذي ينبغي اعتمادُه، ويتعيَّنُ الوقوفُ عندَه أَنها في السببِ الذي نزلت لأَجلِه مُحكمة ٌغيرُ منسوخةٍ، وهو أنّ المرأةَ من الأنصارِ تكونُ مقلاتاً لا يكادُ يعيشُ لها ولدٌ، فتجعلُ على نفسِها إن عاش لها ولدٌ أن تُهَوِّدَه، فلما أُجليت يهودُ بني نضيرٍ كان فيهم من أبناءِ الأنصارِ، فقالوا: لا ندعُ أبناءَنا ، فنزلت. أخرجه أبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والبيهقي في السنن والضياء في المختارة عن ابن عباس.
وقد وردت هذه القصةُ من وجوهٍ حاصلُها ما ذكره ابنُ عباسٍ مع زياداتٍ تتضمَّن أن الأنصارَ قالوا: إنما جعلناهم على دينِهم، أي: دينِ اليهودِ، ونحن نرى أن دينَهم أفضلُ من دينِنا، وأن الله جاء بالإسلامِ، فَلْنُكْرِهْهُم، فلما نزلت خَيَّرَ الأبناءَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يُكرهْهُم على الإسلامِ، وهذا يقتضي أن أهلَ الكتاب لا يُكرهون على الإسلامِ إذا اختاروا البقاءَ على دينِهم وأدَّوُا الجزيةَ.
وأما أهلُ الحربِ فالآيةُ وإن كانت تعُمُّهم؛ لأن النكرةَ في سياق النفيِ وتعريفَ الدينِ يُفيدان ذلك، والاعتبارُ بعمومِ اللفظ لا بخصوصِ السببِ، لكن قد خُصَّ هذا العمومُ بما ورد من آياتٍ في إكراهِ أَهلِ الحربِ من الكفارِ على الإسلامِ. اهـ. من "فتح القدير".

طارق ياسين 12-25-2011 02:37 PM

___

· قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } البقرة: 267
- روى الترمذي عن البراءِ بن عازب –رضي الله عنه-: { وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيِثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ } قال: نزلت فينا مَعشرَ الأَنصارِ؛ كنا أَصحابَ نَخْلٍ، فكان الرجلُ يأْتي من نخلِه على قَدْرِ كَثْرتِه وقِلّتِه، وكان الرجلُ يأتي بالقِنْوِ والقِنْوَيْنِ فيُعَلِّقُه في المسجدِ، وكان أهلُ الصُّفَّةِ ليس لهم طعامٌ، فكان أَحدُهم إِذا جاع أَتى القِنْوَ فضربَه بعصاهُ، فيَسْقطُ من البُسْرِ(1) والتَّمْرِ فيأُكلُ، وكان ناسٌ مِمَّن لا يرغبُ في الخيرِ يأَتي الرجلُ بالقِنْوِ فيه الشِّيصُ والحَشَفُ، وبالقِنوِ قدِ انكسر، فيُعَلِّقُه، فأنزل اللهُ -تبارك وتعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }.
قال(2): لو أَنَّ أَحدَكُم أُهدِيَ إِليه مثلُ ما أَعطاه لم يأْخُذْهُ إِلا على إِغماضٍ أو حياءٍ.
قال: فكنا بعد ذلك يأْتِي أَحدُنا بصالحِ ما عندَه.
- قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ.
- وقال الألباني: صحيح.

- قال في "تحفة الأحوذي":
القِنْوُ: هو العِذْقُ بما فيه من الرُّطبِ.
الشِّيصُ: التمرُ الذي لا يَشْتَدُّ نَواهُ ويَقْوى، وقد لا يكون له نوىً أَصلاً. كذا في "النهاية".
والحَشَفُ: هو أَرْدأُ التَّمرُ، أَو الضعيفُ لا نَوى له، أَوِ اليابسُ الفاسدُ.
{ وَلا تَيَمَّمُوا }: أَي لا تَقْصِدوا.

_______
(1) البُسْرُ: هو التمرُ قبلَ أَن يصيرَ رُطَباً.
(2) قال المباركفوري: أَي: النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-.

طارق ياسين 12-27-2011 10:28 PM

____

· قوله تعالى: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ** لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }.
- روى مسلمٌ عن أَبي هريرةَ قال:
لما نزلت على رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: { لِلَّهِ ما فِي السَّماوَاتِ وما في الأَرْضِ وإِنْ تُبْدوا ما في أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَنْ يشاءُ واللهُ على كلِّ شيءٍ قَديرٌ فاشتدَّ ذلك على أَصحابِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فأَتَوْا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ثم بركوا على الركبِ،
فقالوا: أيْ رسولَ اللهِ كُلِّفْنا من الأعمال ما نُطيقُ؛ الصلاةُ والصيامُ والجهادُ والصدقةُ، وقد أُنزلت عليك هذه الآيةُ ولا نُطيقها!
قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-:
أَتريدون أن تقولوا كما قال أهلُ الكتابين من قبلِكُم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأَطعنا غُفرانك ربَّنا وإِليك المصيرُ.
قالوا: سمعنا وأَطعنا غفرانَك ربَّنا وإِليك المصير.
فلما اقْتَرَأَها القومُ ذلَّتْ بها ألسنَتُهم، فأَنزل الله فى إِثْرِها:
{ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ }
فلما فعلوا ذلك نسخَها اللهُ –تعالى- فأَنزلَ اللهُ -عزَّ وجلَّ-:
{ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا }
قال: نعم،
{ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا }
قال: نعم،
{ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ }
قال: نعم،
{ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }
قال: نعم.
_____

طارق ياسين 01-07-2012 08:17 AM

___

· قولُه تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } آل عمران:77.
- روى البخاري عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ -رضي الله عنه- عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال:
مَنْ حلفَ على يمينٍ يَقتطِعُ بها مالَ امرئٍ هو عليها فاجرٌ، لقي اللهَ وهو عليه غضبانُ.
فأَنزلَ اللهُ –تعالى- : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً } الآيةَ،
فجاءَ الأَشعثُ فقال: ما حدَّثَكُم أَبو عبدِ الرحمن؟ فِيَّ أُنزلتْ هذه الآيةُ؛ كانت لي بئرٌ في أَرضِ ابنِ عمٍّ لي، فقال لي:
شُهودَك!
قلتُ: ما لي شهودٌ.
قال: فيَمِينُه.
قلت: يا رسولَ اللهِ! إِذاً يحلفُ.
فذكرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- هذا الحديثَ، فأَنزلَ اللهُ ذلك تصديقاً له.

وروى عن عبدِ الله بنِ أَبي أَوْفى -رضي الله عنه-: أَنَّ رجلاً أَقامَ سِلعةً وهو في السوقِ، فحلفَ باللهِ: لقد أُعطيَ بها ما لم يُعْطَ؛ لِيُوقِعَ فيها رجلاً من المسلمين، فنزلت: { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرونَ بِعَهْدِ اللهِ وأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً }.
- قال ابنُ حجر: لا مُنافاةَ بينَهما، ويُحملُ على أَنَّ النزولَ كان بالسَّبَبَيْنِ جميعاً، ولفظُ الآيةِ أَعمُّ من ذلك؛ ولهذا وقع في صدرِ حديثِ ابنِ مسعودٍ ما يقتضي ذلك. وذكر الطبريُّ من طريقِ عِكرمةَ أَنَّ الآيةَ نزلت في حُيَيِّ بنِ أَخطبَ وكعبِ بنِ الأَشرفِ وغيرِهما من اليهودِ الذين كتموا ما أنزل اللهُ في التوراةِ من شأْنِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وقالوا وحلفوا أَنَّه من عندِ اللهِ. وقصَّ الكلبي في تفسيرِه في ذلك قصةً طويلةً، وهي مُحتَمَلةٌ أيضاً، لكنَّ المُعتمدَ في ذلك ما ثبت في الصحيحِ.

طارق ياسين 01-10-2012 05:32 PM

______

· قوله تعالى : { لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } آل عمران:113
- قال الأَلباني في " الثمرِ المُستطابِ":
وفي هذا الانتظارِ نزلَ قولُه تعالى: { لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }
قال ابنُ مسعودٍ -رضي الله عنه- :
أَخَرَّ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- صلاةَ العشاءِ، ثم خرج إِلى المسجدِ، فإذا الناسُ ينتظرون الصلاةَ، قال:
أَمَا إِنَّه ليس مِنْ أَهلِ هذه الأَديانِ أَحدٌ يذكرُ اللهَ هذه الساعةَ غيرُكم.
قال: وأنزل هؤلاِءِ الآياتِ: { لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الكِتابِ . . .} حتى بلغ : { وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خيرٍ فلَنْ يُكْفَروهُ واللهُ عَليمٌ بِالمُتَّقِينَ }
أخرجه أحمد ( 1 / 394 ) عن شيبانَ عن عاصمٍ عن زِرٍّ عنه. وهذا سَنَدٌ حَسنٌ.

- وفي " المعجم الكبير" للطبراني:
حدثنا محمدُ بن عبد الله حدثنا أبو كُريب حدثنا يونس بن بُكير عن محمد بن إسحاقَ حدثني محمد بن أبي محمد -مولى زيد بن ثابتٍ- حدثني سعيدُ بنُ جبير أو عكرمة عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- قال: لما أَسلمَ عبدُ الله بنُ سلَّامٍ وثعلبةُ بنُ سَعْيَةَ وأَسدُ بنُ عُبيدٍ، ومَنْ أَسلمَ من يهودَ، فآمنوا وصدَّقوا ورغِبوا في الإسلام، قالت أَحبارُ يَهودَ أَهلُ الكفرِ: ما آمنَ بِمحمدٍ ولا تَبِعَهُ إِلا شرارُنا، ولو كانوا من خِيارِنا ما تركوا دينَ آبائِهم، فأَنزلَ اللهُ -عز وجل- في ذلك من قولِهم : { ليسوا سواءً مِنْ أهلِ الكِتابِ } إِلى قولِه : { مِنَ الصَّالِحينَ }
وقد ذكر الهيثمي بأن رجالَه ثِقات.
لكن محمدُ بنُ أَبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ مجهولٌ؛
قال ابنُ حجر في "التقريب":مجهول، تفرَّد عنه ابنُ إِسحقَ.
وقال الذهبي في "الميزان": لا يُعرف.

-

طارق ياسين 01-14-2012 08:50 PM

_

· قوله تعالى: { إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } آل عمران: (122)
- روى البخاري عن جابرٍ -رضي الله عنه- قال:
نزلت هذه الآيةُ فينا: { إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا } بني سَلِمَةَ وبني حارثةَ، وما أُحبُّ أَنها لم تنزلْ، واللهُ يقولُ: { واللهُ وَلِيُّهُما }.
- روى الطبري في "تفسيره" عن ابنِ زيدٍ قال:
هَمَّا أَنْ يَضْعُفا ويَجْبُنا عن لقاءِ عدُوِّهِما.
وعن قتادةَ قال:
همُّوا بأَمرٍ، فعَصَمَهُم اللهُ من ذلك.
وعن السُّدِّي قال:
همُّوا بالرجوعِ حينَ رجع عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ، فعَصَمهم اللهُ.
_

طارق ياسين 01-18-2012 09:15 PM

-

· قوله تعالى: { لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ } آل عمران: 128
- روى البخاري عن الزهري: حدثني سالمٌ عن أَبيهِ أنه سمعَ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إذا رفع رأَسَه من الركوع من الركعةِ الآخرةِ من الفجرِ يقول:
اللَّهُمَّ الْعَنْ فلاناً وفلانًا وفلاناً، بعدَما يقولُ: سمعَ اللهُ لِمن حَمِدَهُ، ربَّنا ولك الحمدُ، فأَنزلَ اللهُ: { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ } إِلى قولِه: { فإِنَّهُم ظَالِمُونَ }.
- وعن حَنْظَلةَ بنِ أَبي سفيانَ: سمعتُ سالمَ بنَ عبدِ اللهِ يقول: كان رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يدعو على صَفوانَ بنِ أُمَيَّةَ وسُهَيْلِ بنِ عَمرٍو والحارثِ بنِ هشامٍ، فنزلت: { لَيْسَ لكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ } إلى قوله: { فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}.

- وعن أَبي هريرةَ - رضي الله عنه- أنّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أراد أَنْ يدعوَ على أحدٍ، أو يدعوَ لأحدٍ قَنتَ بعد الركوع، فرُبَّما قال -إذا قال: سمع اللهُ لمن حَمِدهُ-: اللهُمَّ ربَّنا لكَ الحمدُ، اللهم أَنْجِ الوليدَ بنَ الوليدِ، وسَلَمةَ بنَ هشامٍ، وعياشَ بنَ أَبي ربيعةَ، اللهم اشْدُدْ وَطْأَتَك على مُضَرَ، واجْعلْها سِنينَ كَسِنِي يوسفَ. يَجهرُ بذلك، وكان يقولُ في بعضِ صلاتِه في صلاةِ الفجرِ: اللهمَّ الْعَنْ فُلاناً وفلاناً؛ لأَحياءٍ من العربِ، حتى أَنزلَ اللهُ: { لَيْسَ لكَ مِنَ الأَمرِ شَيْءٌ } الآيةَ.
- وعندَ مسلمٍ من رواية الزهري: اللهمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَك على مُضَرَ، واجْعَلْها عليهم كَسِنِي يوسفَ، اللهم الْعَنْ لِحْيَانَ وَرِعْلاً وذَكوانَ وعُصَيَّةَ عَصَتِ اللهَ ورسولَه.


ثمَّ بلغَنا أَنه ترك ذلك لمَّا أُنزِلَ: {
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }.

- وروى مسلمٌ عن أَنسٍ أَنّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كُسِرتْ رُباعِيَّتَه يومَ أُحُدٍ، وشُجَّ في رأْسِه، فجعلَ يَسْلِتُ الدَّمَ عنه ويقول: كيف يُفلح قومٌ شَجُّوا نَبِيَّهم وكسروا رُباعيتَه، وهو يدعوهم إلى الله، فأَنزَلَ اللهُ -عزَّ وجلَّ-: { لَيْسَ لكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ }.


- قال الحافظ في "الفتح": والثلاثةُ الذين سمّاهُم قد أَسلموا يومَ الفتحِ؛ ولعل هذا هو السرُّ في نزولِ قولِه –تعالى-: { لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ } ووقع في روايةِ يونسَ عن الزهريِّ عن سعيدٍ وأَبي سلمةَ عن أَبي هريرةَ نحوُ حديثِ ابنِ عمرَ، لكن فيه: (اللهم الْعَنْ لِحْيانَ ورِعْلاً وذَكْوانَ وعُصَيَّةَ) قال: ثم بلغَنا أَنه ترك ذلك لما نَزَلت:{ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ }. قلت: وهذا إِن كان محفوظاً احتملَ أَن يكونَ نزولُ الآيةِ تَراخى عن قصةِ أُحُدٍ؛ لأَنّ قصةَ رِعْلٍ وذكوانَ كانت بعدها كما سيأتي... وفيه بُعْدٌ، والصوابُ أَنَّها نزلت في شأْنِ الذين دعا عليهم بسببِ قصةِ أُحُدٍ، والله أعلم. ويؤيدُ ذلك ظاهرُ قولِه في صدرِ الآيةِ: { لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } أَي: يقتُلَهم، أَو: { يَكْبِتَهُمْ } أَي: يُخزِيَـهم. ثم قال: { أَوْ يَتوبَ عَلَيْهِم } أي: فيُسلموا، أَو: { يُعَذِبَّهُمْ } أَي: إِنْ ماتوا كُفاراً.

- وقال: قولُه: (حتى أَنزلَ اللهُ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ) تقدَّم استشكالُه في غزوةِ أُحُد، وأَن قصةَ رِعْلٍ وذَكْوانَ كانت بعد أُحُدٍ، ونزولَ: { لَيْسَ لكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ }كان في قصةِ أُحدٍ، فكيف يتأَخَّرُ السببُ عن النزولِ؟ ثم ظهرَ لي علةُ الخبرِ، وأَنَّ فيه إِدراجاً، وأَنَّ قولَه: ( حتى أَنزلَ اللهُ ) منقطعٌ من روايةِ الزهريِّ عمَّن بلَغَه، بَيَّنَ ذلك مسلمٌ في روايةِ يونسَ المذكورةِ، فقال هنا: قال -يعني الزهري-: ( ثم بلَغَنا أنه ترك ذلك لما نزلتْ..) وهذا البلاغُ لا يصِحُّ؛ لِما ذكرتُه.
- قال: وقد ورد في سببِ نزولِ الآيةِ شيءٌ آخرُ، لكنه لا يُنافي ما تقدَّم، بخلافِ قصةِ رِعْلٍ وذَكوانَ، فعِندَ أَحمدَ ومسلمٍ من حديثِ أَنسٍ: أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كُسِرَتْ رُباعِيَّتُه يومَ أُحدٍ، وشُجَّ وجهُهُ حتى سالَ الدَّمُ على وجهِه، فقال: ( كيف يفلحُ قومٌ فعلوا هذا بنبِيِّـهم وهو يدعوهم إلى ربِّهم ) فأنزلَ اللهُ –تعالى-: { لَيْسَ لكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ } الآيةَ. وطريقُ الجمعِ بينه وبين حديثِ ابنِ عمرَ أنّه -صلى الله عليه وسلم- دعا على المذكورينَ بعدَ ذلك في صلاتِه، فنزلتِ الآيةُ في الأَمريَنِ معاً؛ فيما وقع له من الأَمرِ المذكورِ، وفيما نشأَ عنه من الدعاءِ عليهم، وذلك كلُّه في أُحُدٍ، بخلافِ قصةِ رِعْلٍ وذكوانَ؛ فإِنها أَجنبيَّــةٌ. ويحتملُ أَنْ يقالَ: إِنَّ قصّتَهم كانت عَقِبَ ذلك، وتأَخَّر نزولُ الآيةِ عن سبَبِها قليلاً، ثم نزلت في جميع ذلك، والله أعلمُ.

طارق ياسين 01-26-2012 04:50 PM

___



· قوله تعالى: { ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً} آل عمران: 154

روى الترمذي عن أَبي طلحةَ الأَنصاريِّ قال:
رفعتُ رأْسي يومَ أُحدٍ فجعلتُ أَنظرُ، وما منهم أَحدٌ إِلا وهو يَميدُ تحت حَجَفَتِه من النعاسِ؛ فذلك قولُه -عزَّ وجلَّ-: { ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً}
- قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح. وقال الألباني: صحيح.


- قال المباركفوري:
قولُه: (إِلا يميدُ) أَي: يميلُ، من مادَ يَميدُ مَيْداً ومَيَداناً، إذا تحرَّك وزاغ.
(تحت حَجَفَتِه) بفتح الحاءِ المُهملةِ والجيم، أَي: تُرْسِه. قال في "القاموس": الحَجَفُ: التُّروسُ من جلودٍ بلا خشبٍ ولا عَقبٍ، واحدتُها حَجْفة.
{ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً }: أراد به الغَمَّ الذي حصل لهم عند الانهزام.
الأَمَنَةُ والأَمْنُ سواءٌ، وقيل: الأَمَنةُ إِنما تكون مع بقاءِ أَسبابِ الخوفِ، والأَمْنُ معَ عدَمِه. وكان سببُ الخوفِ بعدُ باقياً.
-

طارق ياسين 02-03-2012 09:20 PM

____
· قوله تعالى: { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }آل عمران: 169

- روى أَحمدُ وأَبو داودَ وغيرُهما عن ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-:
لما أُصيبَ إِخوانُكم بأُحُدٍ جعل اللهُ -عزَّ وجلَّ- أَرواحَهم في أَجوافِ طيرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنهارَ الجنةِ؛ تأكلُ من ثِمارِها وتأوي إِلى قناديلَ من ذهبٍ في ظِلِّ العرشِ، فلما وجدوا طِيبَ مَشرَبِهم ومأْكلِهم، وحُسنَ مُنقَلَبِهم قالوا: يا ليت إِخوانَنا يعلمون بما صنع اللهُ لنا؛ لئلا يَزهدوا في الجهادِ، ولا يَنْكُلوا عن الحربِ،
فقال الله -عز وجلَّ-:أَنا أُبَلِّغُهم عنكم.
فأَنزلَ اللهُ -عز وجل- هؤلاءِ الآياتِ على رسولِه.

[ قال الألباني: حديث حسن].

- وروى الترمذي وابن ماجةَ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قال:
لَقِيني رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فقال لي:
يا جابرُ ما لي أراك منكسرا؟!
قلت: يا رسولَ الله اسْتشهدَ أَبي؛ قُتِلَ يومَ أُحدٍ، وترك عِيالاً ودَيْناً.
قال: أَفَلا أُبَشِّرُك بما لقي اللهُ به أَباك؟
قال: قلتُ: بلى يا رسولَ اللهِ.
قال: ما كلَّم اللهُ أَحداً قَطُّ إِلا مِن وراءِ حجابٍ، وأَحيا أَباك فكلَّمه كِفاحاً،
فقال: يا عبدي تَمَنَّ عَلَيَّ أَعِطِكَ،
قال: يا ربِّ تُحْيِيني فأُقتَلُ فيك ثانيةً،
قال الربُّ -عز وجل-: إِنه قد سَبقَ مني: أَنَّهم إِليها لا يُرجعونَ.
قال: يا ربِّ فأَبلِغْ مَنْ وَرائي.
قال: وأُنْزِلتْ هذه الآيةُ: { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} الآيةَ.
[ قال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وقال الألباني: حسن ].

طارق ياسين 02-10-2012 10:01 PM

__

· قول تعالى: { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)} [ آل عمران ].
· أخرج الطبراني في "الكبير":
حدثنا عليُّ بن عبد العزيز، حدثنا محمدُ بن منصور الجوّاز، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، وقال سفيان مرة أخرى: أَخبرني عكرمةُ، قال:
لما انصرفَ أبو سفيانَ والمشركون عن أُحُدٍ، وبلغوا الرَّوْحاءَ، قالوا: لا محمداً قتلتم، ولا الكواعبَ أَردَفْتُم، شرٌّ ما صنعتم.
فبلغ ذلك رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فنَدَب الناسَ، فانْتَدَبوا حتى بلغوا حمراءَ الأَسدِ، أو بئرَ أَبي عُيَيْنةَ، فأَنزلَ اللهُ -عز وجل-: { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصابهُمْ القَرْحُ } وقد كان أَبو سفيان قال للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: موعدُكَ موسمُ بدرٍ، حيث قتلتم أصحابَنا؛ فأَمّا الجَبانُ فرجع، وأَما الشجاعُ فأخذَ أُهْبةَ القتال والتجارةِ فأَتَوْه، فلم يجدوا به أَحداً، وتسوَّقوا، فأنزل الله -عز وجل-: { فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ }.
- قال الحافظُ في " الفتح":
أخرجه النسائي وابنُ مَرْدَوَيْه، ورجالُه رجالُ الصحيح، إلا أنَّ المحفوظَ إِرسالُه عن عكرمةَ، ليس فيه ابنُ عباس.
- قال الشيخ مِقبل الوادعي – رحمه الله-:
فَعَلى قولِ الحافظِ ابنِ حجرٍ -رحمه الله- يكون الوصلُ شاذاً، والذي أرسلَه هو محمدُ بنُ عبد الله بنِ يزيدٍ المُقرىءِ، كما في تفسيرِ ابن كثير.
والذي وصله محمدُ بنُ منصورٍ الطوسي، وكلاهما؛ قال الحافظُ في "التقريب": إنه ثقة. فإذا لم يُتابَع أَحدُهما؛ حُمِلَ أَنّ سفيانَ بنَ عيينةَ تارةً يَرويه متّصلاً، وتارةً يرسلُه، كما تُفيده رواية الطبراني ويَصحُّ الحديثُ والحمد لله.

- وأخرج البخاريُّ عن عائشةَ -رضي الله عنها-: { الَّذِينَ اسْتَجابُوا للهِ والرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصَابَهُمْ القَرْحُ لِلَّذينَ أَحْسنُوا مِنْهمْ واتَّقَوْا أَجْرٌ عَظيمٌ } قالت لعروةَ:
يا ابنَ أُختي كان أَبوك منهم؛ الزبيرُ وأَبو بكرٍ، لمّا أَصابَ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ما أصابَ يومَ أُحدٍ وانصرفَ عنه المشركونَ، خاف أَن يرجعوا، قال:
( مَنْ يذهبُ في إِثْرِهم )، فانْتَدبَ منهم سبعونَ رجلاً. قال: كان فيهم أَبو بكرٍ والزُّبير.
_

طارق ياسين 02-14-2012 09:37 PM

_

· قوله تعالى: { لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } آل عمران: 186.

- روى أبو داود في سننه عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ الله بن ِكعبِ بنِ مالكٍ عن أَبيه - وكان أَحدَ الثلاثةِ الذين تِيبَ عليهم - وكان كعبُ بنُ الأَشرفِ يَهجو النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ويُحَرِّضُ عليه كفارَ قريشٍ، وكان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- حين قدِمَ المدينةَ وأَهلُها أَخلاطٌ؛ منهم المسلمون، والمشركون يعبدونَ الأَوثانَ، واليهودُ وكانوا يُؤذون النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابَه، فأمرَ اللهُ -عز وجل- نَبِـيَّهُ بالصبرِ والعَفْوِ، ففِيهم أَنزلَ اللهُ: { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ .. } الآيةَ،
فلما أَبى كَعبُ بنُ الأَشرفِ أَن يَنْزِعَ عن أذى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أمرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- سعدَ بنَ معاذٍ أن يبعثَ رهطاً يقتلونه، فبعثَ محمدَ بنَ مَسلمةَ -وذكر قصةَ قتلِه-، فلما قتلوه فزِعَتِ اليهودُ والمشركون، فغَدَوا على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: طُرِقَ صاحبُنا فقُتِل.
فذكر لهم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يقولُ، ودَعاهم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِلى أَن يكتبَ بينه وبينهم كتاباً ينتهون إلى ما فيه، فكتب النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بينه وبينهم وبين المسلمين عامَّةً صحيفةً.

[قال الألباني: صحيحُ الإسناد].

طارق ياسين 02-22-2012 11:32 PM

_


· قوله تعالى: { لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ العَذَابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ } – آل عمران: 188.
روى البخاري ومسلم عن أَبي سعيدٍ الخُدريِّ -رضي الله عنه-:
أَنَّ رجالاً من المُنافقين، على عهدِ الرسولِ -صلى الله عليه وسلم-؛ كانوا إِذا خرج رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إلى الغزوِ تخلَّفوا عنه، وفرحوا بمَقعدِهم خِلافَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وإِذا قَدِم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- اعتذروا إليه، وأَحبُّوا أَن يُحمَدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: { لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا }.


وقال البخاريُّ:
حدثني إبراهيمُ بنُ موسى أخبرنا هشامُ أَنّ ابنَ جُريجٍ أَخبرهم عن ابنِ أَبي مُلَيْكةَ أَنَّ علقمةَ بنَ وقَّاصٍ أَخبره أنَّ مروانَ قال لبوابه: اذهبْ يا رافعُ إلى ابنِ عباسٍ فقلْ له: لَئِن كان كلُّ امرئٍ فرِحَ بما أُوتِيَ وأَحبَّ أَن يُحمدَ بما لم يفعلْ مُعذباً؛ لَنُعذَبَنَّ أَجمعونَ.
فقال ابنُ عباسٍ: مالَكَ ولِهذه الآيةِ؟! إِنما دعا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَهودَ وسأَلهم عن شيءٍ فكتموهُ إياهُ، وأخبروه بغيرِه، فأَرَوْهُ أَنْ قد استَحْمَدوا إليه بما أَخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أُوتوا مِن كِتمانِهم، ثم قرأ ابنُ عباس:
{ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا }.

قال الحافظ في "الفتح":
هكذا ذكره أَبو سعيدٍ الخُدريُّ في سببِ نزولِ الآيةِ، وأَنَّ المرادَ مَن كان يعتذرُ عن التخلُّفِ مِن المنافقين. وفي حديثِ ابنِ عباسٍ الذي بعده أَنّ المرادَ مَن أَجاب مِن اليهودِ بغيرِ ما سُئلَ عنه، وكَتموا ما عندهم من ذلك. ويمكنُ الجمعُ بأَنْ تكونَ الآيةُ نزلت في الفريقين معا، وبهذا أجاب القرطبي وغيرُه.
وحكى الفرَّاءُ أنها نزلت في قولِ اليهودِ: نحن أَهلُ الكتابِ الأَوَّلِ، والصلاةِ والطاعةِ، ومع ذلك لا يُقِرُّون بمُحمدٍ، فنزلت: {ويُحبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا }.
وروى ابنُ أَبي حاتمٍ من طرقٍ أُخرى عن جماعةٍ من التابعين نحوَ ذلك، ورجَّحه الطبريُّ، ولا مانعَ أَنْ تكونَ نزلت في كلِّ ذلك، أو نزلت في أشياءَ خاصةٍ، وعُمومُها يتناولُ كلَّ مَنْ أَتى بحسنةٍ ففرح بها فرَحَ إِعجابٍ، وأحبَّ أَنْ يَحمَدَه الناسُ ويُثنوا عليه بما ليس فيه، والله أعلم.

قلت: حديثُ ابنِ عباسٍ مما أُخذَ على البخاريِّ إخراجُه في صحيحِه؛ لجهالةِ رافعٍ بوابِ مروانَ، قال في "عمدة القاري":
رافعُ هو بوابُ مروانَ بنِ الحَكمِ، وهو مجهولٌ؛ فلذلك توقَّف جماعةٌ عن القولِ بصحةِ الحديثِ.

ثم وجدت الأَلبانيَّ قد صحَّحه، كما في "صحيح الترمذي". والله أعلم.

-


طارق ياسين 02-25-2012 09:09 PM

_


· قوله تعالى: { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } آل عمران: 199.

ذكر الألباني –رحمه الله- في "السلسلة الصحيحة" برقم:

3044- لمَّا جاءَ نَعْيُ النَّجَاشِيُّ قال رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم-: صَلُّوا عليه.
قالوا: يا رسولَ الله! نُصَلِّي على عَبْدٍ حَبَشِيٍّ [ ليس بمُسلمٍ ]؟
فأنزل اللهُ -عز وجل-: { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ }.
قال الألباني: أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (6/319/11088) من طريق أبي بكر ابن عياش، والبزار في "مسنده " (1/392/ 832)، والواحدي في "أسباب النزول " (ص 104)، والدارقطني في " الأ فراد" (ج 3 رقم 36- منسوختي) من طريق المعتمر ابن سليمان؛ كلاهما عن حميد عن أنس. وهذا إسناد صحيح.

وقال –رحمه الله- في "تلخيص أحكام الجنائز":
مَنْ مات في بلدٍ ليس فيها مَنْ يُصلي عليه صلاةَ الحاضرِ، فهذا يُصلي عليه طائفةٌ مِن المسلمين صلاةَ الغائبِ؛ لصلاةِ النبي -صلى الله عليه وسلم- على النجاشيِّ.
وقد رواها جماعةٌ من أصحابهِ -صلى الله عليه وسلم- يزيدُ بعضُهم على بعضٍ، وقد جمعت أَحاديثَهم فيها، ثم سُقْتها في سياقٍ واحدٍ؛ تقريباً للفائدةِ، والسياقُ لحديثِ أَبي هريرةَ:
إِنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- نَعى للناسِ [ وهو بالمدينةِ ] النجاشيَّ [ أَصْحَمَةَ ]، [ صاحبَ الحبشةِ ]، في اليومِ الذي مات فيه [ قال: إِنَّ أخاً لكم قد مات ( وفي روايةٍ: مات اليومَ عبدٌ للهِ صالحٌ ) [ بغيرِ أَرضِكُم ] [ فقوموا فصلوا عليه ].
[ قالوا: مَن هو؟ قال: النجاشي ]، [ وقال: استغفروا لأخيكم ]،
قال: فخرج بهم إلى المصلى ( وفي رواية: البقيع ) [ ثم تقدم فصفُّوا خلفَه ] [ صفَّيْن ] [ قال: فصففنا خلفه كما يُصَفُّ على الميتِ، وصلَّينا عليه كما يُصلَّى على الميتِ ]، [ وما نحسِبُ الجنازةَ إلا موضوعةً بين يديه ]،
[ قال: فأَمَّنا وصلى عليه ] وكبَّر [ عليه ] أربعَ تكبيراتٍ.
[ فقيل: يا رسولَ الله تُصلي على عبد حبشيٍّ؟
فأنزل الله عز وجل: { وإِنَّ مِنْ أَهلِ الكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ باللهِ . . . } الآيةَ ].

_

طارق ياسين 03-02-2012 12:40 AM

_
· قولُه تعالى: { وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي اليَتامَى فَانْكِحُوا ما طابَ لكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ }، النساء: 3.
وقولُه تعالى: { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ }، النساء: 127.

روى البخاري عن عروةَ بنِ الزبير أنه سأل عائشةَ -رضي الله عنها- عن قولِ اللهِ –تعالى-: { وإِنْ خِفْتُمْ } إِلى { ورُبَاعَ } فقالت:
يا ابنَ أُختي، هي اليتيمةُ تكونُ في حِجْر وليِّها؛ تشاركُه في مالِه، فيُعجبه مالُها وجمالُها، فيُريدُ وليُّها أَنْ يتزوجَها بغيرِ أَن يُقسطَ في صَداقِها، فيُعطيَها مثلَ ما يُعطِيها غيرُه، فَنُهوا أَنْ يَنْكِحوهنَّ إلا أن يُقسطوا لهنَّ ويَبْلغوا بِهِنَّ أَعلى سُنَّتِهِنَّ من الصَّدَاقِ، وأُمروا أن يَنكحوا ما طاب لهم من النِّساء سِواهُنَّ.
قال عروةُ: قالت عائشةُ:
ثم إِنَّ الناسَ استَفْتَوا رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بعد هذه الآيةِ، فأنزل اللهُ: { ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ } إِلى قولِه: { وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ }، والذي ذكر اللهُ أَنه: {يُتْلَى علَيْكُمْ فِي الكِتابِ } الآيةُ الأُولى التي قال فيها: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا في اليَتامَى فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
قالت عائشة:
وقولُ اللهِ في الآيةِ الأُخرى: { وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } يعني: هي رغبةُ أَحدِكم لِيَتيمَتِه التي تكون في حِجرِه حينَ تكونُ قليلةَ المالِ والجمالِ، فنُهوا أَن ينكحوا ما رغِبوا في مالِها وجمالِها من يَتامى النِّساءِ إِلا بالقِسطِ؛ مِن أَجْلِ رَغبتِهم عنْهُنَّ.

_

طارق ياسين 03-04-2012 09:47 PM

_
· قوله تعالى: { يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ..} الآيتين: 11، 12 من سورةِ النِّساءِ.

روى البخاري عن جابرٍ -رضي الله عنه- قال:
عادَني النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وأَبو بكرٍ في بَني سَلِمةَ ماشِيَيْنِ، فوجدني النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لا أَعقلُ، فدعا بماءٍ فتوضَّأ منه، ثم رشَّ عليَّ فأَفَقْتُ، فقلتُ: ما تأْمُرني أَنْ أَصنعَ في مالي يا رسولَ اللهِ؟ فنَزَلتْ: { يُوِصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ }.

وأخرج أَبو داودَ والترمذيُّ وابنُ ماجةَ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قال:
جاءت امرأةُ سعدِ بنِ الرَّبيعِ بابنتَيْها من سعدٍ إلى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فقالت:
يا رسولَ اللهِ هاتان ابنتا سعدِ بنِ الرَّبيعِ، قُتلَ أَبوهما معك يومَ أُحدٍ شهيداً، وإنَّ عمَّهُما أَخذ مالَهُما فلم يدَعْ لهما مالاً، ولا تُنكحانِ إِلا ولَهُما مالٌ.
قال: يقضي اللهُ في ذلك.
فنزلت آيةُ الميراثِ. فبعث رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إِلى عمِّهما،
فقال: أَعطِ ابْنَتَيْ سعدٍ الثُلُثَينِ، وأَعطِ أُمَّهُما الثُّمُنَ، وما بقي فهو لك.
قال الترمذي: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ لا نعرفه إلا من حديثِ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عقيل، وقد رواه شريكٌ أيضا عن عبد الله بن محمد بن عقيل.
وقال الألباني: حسن.
_

طارق ياسين 03-10-2012 09:39 PM

_

· قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً } النساء: 19
- روى البخاري عن ابنِ عباسٍ – رضي الله عنهما-:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً } الآيةَ، قال: كانوا إِذا مات الرجلُ كان أَولياؤُه أَحقَّ بامْرأتِه؛ إِنْ شاء بعضُهم تزَوَّجَها، وإن شاؤُوا زوَّجُوها، وإن شاؤوا لم يزَوِّجوها، فهم أَحقُّ بها من أَهلِها، فنزلت هذه الآيةُ بذلك.

- وروى أَبو داود عنِ ابنِ عباسٍ قال: { لا يَحِلُّ لكُمْ أَنْ تَرِثوا النِّساءَ كَرْهاً ولا تَعْضُلوهُنَّ لِتَذْهبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } وذلك أَنَّ الرجلَ كان يَرِثُ امرأةَ ذِي قَرَابَتِه، فيَعْضُلُها حتى تموتَ، أَو تَرُدَّ إِليه صَدَاقَها، فأَحكمَ اللهُ عن ذلك، ونهى عن ذلك.
[قال الألباني: حسن].

- قال في "عون المعبود":
( وذلك أَنَّ الرجلَ كان يَرِثُ امْرأَةَ ذِي قَرابتِه، فيَعضُلُها )
أَي: المرأَةُ. وهذا يدل على أنَّ الخطابَ في الآيةِ للأَولياءِ.
( فأحكم اللهُ عن ذلك )
أي: مَنعَهُ، مِنْ: (أَحْكَمتُه) أي: منعته.
( ونهى عن ذلك )
هذه الجملةُ معطوفةٌ على ما قبلَها عطفَ تفسيرٍ.
_

طارق ياسين 03-17-2012 03:28 PM

-
· قوله تعالى: { وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } النساء: 24
روى مسلمٌ عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ:
أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يومَ حُنَيْنٍ بعث جيشاً إِلى أَوْطاسَ، فَلَقُوا عدوًّا فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأَصابوا لهم سَبايا، فكأَنَّ ناساً مِنْ أَصحابِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- تحَرَّجوا من غِشْيانِـهِنَّ؛ مِن أَجلِ أَزواجِهِنَّ من المشركين، فأَنزل اللهُ عزَّ وجلَّ في ذلك:
{ وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ }.
أَي: فهُنَّ لكم حلالٌ إذا انقضت عِدَّتُهُنَّ.


طارق ياسين 03-19-2012 01:09 AM

.
· قولُه تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } النساء: 59
- روى البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: { أَطيعوا اللهَ وأَطِيعُوا الرَّسولَ وأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ }، قال: نزلت في عبدِ اللهِ بنِ حُذافةَ بنِ قيسٍ بنِ عدِيٍّ؛ إذ بعثه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في سريةٍ.

- قال في "الفتح":
كذا ذكرَه مختصراً؛ والمعنى: نزلت في قِصةِ عبدِ اللهِ بنِ حُذافةَ، أَي: المقصودُ منها في قصتِه قولُه: { فإِنْ تَنازعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ } الآيةَ.
وقد غفَلَ الداوديُّ عن هذا المرادِ، فقال: هذا وَهمٌ على ابنِ عباسٍ؛ فإِنَّ عبدَ الله بنَ حذافةَ خرج على جيشٍ، فغضب فأوقدَ ناراً وقال: اقتحموها. فامتنع بعضٌ وهمَّ بعضٌ أَنْ يفعلَ. قال: (فإِن كانت الآيةُ نزلت قبلُ؛ فكيف يُخصُّ عبدُ الله بنُ حُذافةَ بالطاعةِ دونَ غيرِه؟ وإِن كانت نزلت بعدُ؛ فإِنَّما قيل لهم: إِنما الطاعةُ في المعروفِ، وما قيلَ لهم: لِمَ لَمْ تُطيعوه). انتهى.
وبالحَمْلِ الذي قدَّمتُهُ يظهرُ المرادُ، وينتفي الإِشكالُ الذي أبداهُ؛ لأَنَّهم تنازعوا في امتثالِ ما أَمرَهم به، وسَبَبُه أَنَّ الذين همُّوا أَنْ يُطيعوهُ وقفوا عندَ امتثالِ الأَمرِ بالطاعةِ، والذين امتنعوا عارضَه عندَهم الفرارُ من النارِ، فناسبَ أَنْ ينزلَ في ذلك ما يُرشدُهم إِلى ما يفعلونَه عندَ التنازعِ، وهو الردُّ إِلى اللهِ وإِلى رسولِه، أَي: إِنْ تنازعتُم في جوازِ الشيءِ وعدمِ جَوازِه فارجعوا إِلى الكتابِ والسُّنّةِ، والله أَعلم.

- والقصة المشارُ إِليها ما أخرجه البخاري عن عليٍّ –رضي الله عنه- قال:
بعثَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- سَرِيَّـةً، فاستعملَ رجلاً من الأَنصارِ، وأَمَرهُم أَن يُطيعوهُ، فغضبَ فقال: أَليس أَمرَكُم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَن تُطيعوني؟
قالوا: بلى.
قال: فاجْمعوا لي حطباً. فجمعوا.
فقال: أَوقِدوا ناراً. فأَوقدوها.
فقال: ادخلوها.
فهَمُّوا، وجعل بعضُهم يُمسك بعضاً ويقولون: فرَرْنا إِلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- من النار! فما زالوا حتى خمَدَتِ النارُ، فسَكَنَ غضبُه. فبلغ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-،
فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها إِلى يومِ القيامةِ؛ الطاعةُ في المعروفِ.
.

طارق ياسين 03-23-2012 05:44 PM

.
· قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62)} النساء.
روى الطبراني في "الكبير" عن ابنِ عباسٍ –رضي الله عنهما- قال:
كان أبو بَرْزةَ الأَسلميُّ كاهناً يقضي بينَ اليهودِ فيما يتنافرون إِليه، فتَنافرَ(1) إليه ناسٌ من المسلمينِ؛ فأنزل اللهُ –تعالى-: { أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُروا بِهِ } إلى قولِه: { إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَاناً وتَوْفِيقاً }.
قال في "مجمع الزوائد": رواه الطبراني، ورجاله رجالُ الصحيح.

______
(1)قال في "النهاية": تَنافَر الرجُلان، إذا تَفاخَرا ثم حَكَّما بينَهُما واحداً.
.

طارق ياسين 03-26-2012 11:50 PM

.
· قوله تعالى: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} النساء: 65.
روى البخاري عن عروةَ بنِ الزبيرِ أَنَّ الزُّبَيْرَ كان يُحدثُ:
أَنه خاصم رجلاً من الأَنصارِ، قد شهدَ بدراً، إِلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في شِراجِ الحَرَّةِ، كانا يَسقيانِ به كِلاهُما،
فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- للزبيرِ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثم أَرسِلْ إِلى جَارِك.
فغضِبَ الأَنصاريُّ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أَنْ كان ابنَ عمَّتِك؟!
فتَلَوَّن وجهُ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: اسْقِ، ثم احْبِسْ حتى يبلغَ الجَدْرَ.
فاسْتَوعى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حينئذٍ حقَّه للزُّبيرِ، وكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قبلَ ذلك أَشار على الزبيرِ برأْيٍ سَعَـةٍ له وللأَنصاريِّ، فلما أَحْفَظَ الأَنصاريُّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- اسْتوعى للزُّبيرِ حقَّه في صريحِ الحُكمِ.
قال عروةُ: قال الزبيرُ: واللهِ ما أَحْسِبُ هذه الآيةَ نزلت إِلا في ذلكَ: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } الآيةَ.


قال ابنُ حجر:
قولُه: (في شِراجِ الحَرَّةِ) بكسر المُعجمةِ وبالجيم، جمع شَرْجٍ، بفتح أَولهِ وسكون الراء، مثلُ: بَحْرٍ وبِحار، ويُجمع على شُروجٍ أَيضا. وحكى ابنُ دُريدٍ: شَرَج، بفتح الراء، وحكى القرطبي: شَرجة. والمرادُ بها هنا: مَسيلُ الماءِ، وإِنما أُضيفت إِلى الحَرَّةِ لكونها فيها.
والحَرَّةُ: موضعٌ معروفٌ بالمدينة، وهي أَرضٌ ذاتُ حجارةٍ سوداءَ.
قولُه: (حتى يَرجعَ إِلى الجَدْرِ) أَي: يصير إليه، والجَدْرُ، بفتح الجيم وسكون الدال المهملةِ، هو المُسَنَّاةُ، وهو ما وُضع بين شَرَباتِ النخلِ كالجدار، وقيل: المرادُ الحواجزُ التي تَحبسُ الماءَ، وجزم به السُّهيْلي. ويُروى الجُدُر، بضم الدال، حكاه أبو موسى، وهو جمع جدار، وقال بن التين: ضُبِط في أكثر الروايات بفتح الدال، وفي بعضِها بالسكون، وهو الذي في اللغة، وهو أَصلُ الحائطِ.
وقال القرطبي: لم يقع في الروايةِ إِلا بالسكون، والمعنى: أن يصلَ الماءُ إلى أُصول النخل.
والشَرَباتُ، بِمُعجمةٍ وفَتَحاتٍ، هي الحُفَرُ التي تُحفرُ في أُصولِ النخل.
قوله: (اسْتَوْعى) أَي: استوفى، وهو من الوَعْي؛ كأَنه جَمَعه له في وعائِه. قوله: (أَحْفَظَه) أي: أَغضبَه.
قال الخطابي وغيرُه: وإِنما حكم -صلى الله عليه وسلم- على الأَنصاريِّ في حالِ غَضبِه معَ نَهْيِه أَن يحكمَ الحاكمُ وهو غضبانُ؛ لأَنَّ النهيَ مُعلَّلٌ بما يُخافُ على الحاكمِ من الخطأِ والغلطِ، والنبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مأْمونٌ؛ لِعصمتِه من ذلك حال السُّخطِ.
.


الساعة الآن 08:37 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.