المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ليسوا (سلفيين) ولا (جهاديين) ؛ بل من(التكفيريين الخارجيين)، وإليكم البراهين!!


مشرفو منتدى (كل السلفيين)
05-04-2011, 10:50 PM
ليسوا (سلفيين) ولا (جهاديين) ؛ بل من




(التكفيريين الخارجيين)، وإليكم البراهين!!







الحمدُ لله ربِّ العَالمينَ ونُصَلِّي ونُسَلِّمُ على نبيّنَا وحبِيبنا محمد وعلى آله وصحبه أمّا بعدُ:
فهذِه مقالةٌ تكلّمْنَا فيهاعن مسائل شرعيّة متعلّقة بفتنةِ التّكْفير العصريِّ ومدَى ارتباطه بفِرقة (الخوارجِ) المارقةِ.
وقد استعملنَا أسْلوبًا ميَسّرًا حتى يستفيدَ منها القارئ ويفيدَ غيرَه؛ فجاءتْ وَفق هذه الأبحاث:
أوّلًا: توضيحٌ؛ وهو مقدّمة علميّة بيّنَا فِيها معْنَى البراءةِ الشرعيّة، وأنّها لا تستلزم اندِماجَ المتبرِّئ مِنَ المتبرَّأ مِنه.
ثانيًا: مقدّمة تاريخية مختصرة عن الخوارج.
ثالثًا: أهم أوْجه الفرق بين الدعوة السّلفية والتكفيريين.
رابعًا: بين اختياراتعلماءِ الدّعوة السّلفية ومنظّري التكفيريين.
خامسًا: أوجه الشبه بين (الخوارج) و(التكفيريين).
سادسًا: (الخوارج) أقل شرًّا من (التكفيريين).
سابعًا: الخاتمة.

واللهَ نسألُ أن يُريَنا الحقَّ حقًّا ويَرْزقَنا اتّباعه، ويُريَنا الباطلَ باطلًا ويَرْزُقَنَا اجْتِنَابَه.




المبحثُ الأول:
توضيح: لماذا (البراءةُ الشّرْعيّة) من المعاصي -عامّة- ومِنَ (الغلوّ في التّكفيرِ) و(التَّكْفيريِّين) -خاصّة-؟!


لا بدّ أنَّ الكثيرَ قدْ لاحظَ ردَّ فِعلِ السَّلفيّينَ عَلَى أعمالِ التّخريبِ والتّرهيبِ الّتِي حدثتْ في مدينةِ الزّرقاءِ الأردنيّةِ -حرسَها اللهُ-،حيثُ قامُوا بإصدار بياناتٍ وإقامةِ لقاءاتٍ مع جهاتٍ مثقّفةٍ ومُتنوّعةٍ يؤكِّدون فِيها على البراءة مِنْ هذِه الفِئةِ [التكفيرية] الضالّة التي تَتَسَتّر باسْمِ السّلفيةِ لتَمْرير بَواطِلها، وتصديرِ بوائقها!!
والسّؤال: هَلْ تشيرُ هذِه البراءةُ إلى أنّ التّكفيريين جزءٌ مِنَ السّلفية؟!
وهل السّلفيةُ تتبّرأ -فقط - مِنْ أعْمالهم دُون أفْرادِهم؟!
وقبلَ الجوابِ لابدّ أنْ نفهمَ معْنى البراءةِ الشّرعيّة؛ فَمِن معانِيها -لغةً-: «التّباعدُ مِنَ الشّيء ومزايَلتُه؛ ومِنْ ذَلك البُرء؛ وهو السّلامة من السّقم، يُقال: برِئتُ وبرَأت.
وأهلُ الحجازِ يقولون: أنا براءٌ منك، أنا بَرِيء مِنْك قال -تعالى-: (إنّنَي بَراءٌ مما تَعبُدون)» -«مقاييس اللغة» (مادة برأ)-.
وأما في الاصْطلاح الشرعيّ؛ فهو: بغضُ ما أبغضَهُ الله ورَسوله؛ ويكونُ بالقَلْبِ تارةً، وبالْقَلْبِ والفِعْلِ تارةً أخرى بحَسبِ المصْلحةِ والاسْتِطاعةِ.

ويتفرّع عن هذا الجوابِ سؤالٌ آخر:
هل يَلزم من البراءة: الاختلاطُ قَبْل المفَارَقَة؟!
والجوابُ يُنْظر فِيه مِنْ جهةِ الفِعْل والفَاعل؛ لأنَّ البراءةَ مِنَ الفاعِلِ تقعُ بسبَبِ الفِعْلِ؛ وهيَ تزدادُ قوّةً وضعفًا بالنّظرِ إلى شَناعةِ الفِعل وقَصد الفاعلِ.
فالمسلمُ لا بُدّ أن يتبرّأ بقَلْبِه مِنْ جميعِ الأفْعَالِ الّتي تُناقِضُ الإيمانَ كالشّرْك والسّحر والاستغاثة بغير الله،أوْ مَا يضعِف إيمانَه كالزِّنَا وشُربِ الخَمر والقَتل والسّرقة والغيبة والنميمة والكذب والعقوق والخروج على الولاة؛ بل مَعَ الاسْتطاعة وقيامِ المصلحةِ لابدّ أن ينتقلَ البغضُ مِنَ القلبيّ الباطنيِّ إلى الظّاهريّ.
فمَن تلبَّس بمِثلِ هذِه الأفْعالِ القَبيحةِ يقعُ عليْه البُغض بقدْرها؛ فالسّارقُ ليس كالمشرِكِ؛ فنبغضه ونتبرّأ مِنْ فِعلِه مِنْ جِهةِ تلبّسه بالسّرقة؛ والمشركُ مِنْ جِهَة تلبّسه بالكفر وهكذا!! فليس يلزمُ -كما ترى- وجودُ الاخْتِلاطِ حتّى تتحقّق هذِه المفارقةُ -كما سيتبيّن لك أكثر-!!
مع لزومِ التذكِيرِ أنّه كُلّما قويتْ درجة المعصية زَادت قوة البراءة والعَكس؛ يقولُ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية في كتابه «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (ص 46): «فالناس يتفاضلونَ في ولاية الله -عزّوجل-؛ بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى، وكذلك يتفاضلون في عداوة الله بحسب تفاضلهم في الكُفر والنفاق».
لذَلك؛ كانَ المسلمُ -وإنْ كانَ فاجرًا ظالمًا- أفضلَ مِنَ الكافِر وإنْ كانَ عَادِلًا؛ لأنَّ المسلمَ مؤمنٌ بِالله ربًّا وبمحمّدٍ صلى الله عليه وسلّمَ رَسولاً وهيَ أَعْلى مراتبِ الإيمانِ! يقولُ النّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلّمَ : «الإيمان بضع وستّون شعبةً أعْلاهَا قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من شعب الإيمان»؛ فكَما أن للإيمان درجات فإنَّ للكُفْرِ دَرَجاتٍ كذَلك؛ فالولاءُ؛ وهو المحبّة ، والبَراءُ؛ وهوالبغضُ: يَزيدان ويَنقصان -كما تقدم بيانه-!!
والبراءةُ قد تكون قلبيةً وفِعْليةً؛ فالقلبيةُ بأن يبغض القلبُ الفعلَ مع بقاءِ المحبّة الشّرعيةِ والنُّصح والمخالطة؛ كَما فعلَ النّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم مع خالدِ بنِ الوليدِ لما بعثَه إلى بَني جَذِيمة فجعل يقتل ويأسر مِنْهم؛ فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ إني أبرأ إليك مما فعلَ خَالد»؛ فالنبيّ صلى الله عليه وسلم لم يتبرَّأْ مِنَ الصّحابيّ وإنّما مِنْ فِعله؛ وذلك لأنّه فَعلَ ذاك الفعلِ عَن اجتهادٍ مِنْه رضي الله تعالى عنه؛ لذلك عذَرَهُ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم ولم يعاقِبْه؛ فالعقابَ الظاهرَ يعدّ ترجمةً عمليةً للبراءةِ!!
ويدخلُ في ذلك -أيضًا- قولُه تعالى: (فإنْ عصوك فقلْ إني بريء مما تعملون) ؛ يقول العلامة السّعدي في تفسيره:«فإنْ عصوْك في أمرٍ مِنْ الأمورِ فَلا تتبرّأ مِنهم ولا تترُك معاملَتَهم، بخفضِ الجناحِ، ولِين الجانبِ، بَلْ تبرّأ مِنْ عَمَلِهم؛ فَعِظْهم عَليه، وانْصَحْهم، وابذل قُدرتك في ردّهم عنه وتوبتهم منه».
ومِنْ هذَا البابِ: قولُ أنس بن النّضر في غزوة أحدٍ لما قال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء-أي المسلمون-» لما تركوا أمَاكنهم؛ فهو تبرّأَ مِنْ فِعْلِهم لمخالفَتِهم أمرَ النبيِّ صلى الله عليه وسلّمَ؛ فقُتلَ شهيدًا -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-!!
وقدْ تجتمِع البرَاءةُ القلبية والفعليةُ في حقّ المذنبِ كَما فعلَ النبيّ صلى الله عليه وسلّمَ مع الثّلاثةِ الذِين خُلِّفُوا؛ حيثُ أمرَ المسْلمين بهجْرهم تأديبًا لهم ومعاقبةً على فِعْلِهِمْ؛ وهُو مَا يُسمَّى في الشّرعِ بالهجرِ التّأدِيبيِّ. وأما الهجر الوقائي؛ فهو هجر المخالطةِ دونَ تطبيق أي عقابِ خَوْفًا مِنْ شرّ المهجورِ مَعَ بقاءِ السّلام علَيهِ. وتطبيقُ هذَين النّوعين مِنَ الهَجر والذي يدخلُ في (البراءةِ) يَنْضبط بِضبطِ المصالِح والمفَاسِدِ!!
وأمّا الكافِرُ؛ فالأصلُ أنْ نتبرّأَ مِنه ومِنْ كُفره وأن نبتعدَ عنْ كلِّ مخالطةٍ قدْ تكونُ مَدْخلًا لمحبّتِه المحبّة القَلْبيّة التي تؤثِّر على الإيمان بَلْ قد تنقضُه!! قَال تَعالى عَلى لسانِ إبْراهيم عليه السلام وقَوْمِهِ:(إنّا بُرآءُ منكم ومما تعبدون من دون الله)؛ وفي موضعٍ آخر قال: (فلمّا تبيَّن له أنه عدوٌّ لله تبرَّأ منه)؛ فَكما ترى بأنَّ إظْهارَ البراءةِ الفِعْلية لا تَعْني وجود مخالطة سابقةٍ؛ بل كلُّ ما في الأمر إظهارُ فُحشِ المعصيةِ ومعاقبةُ العاصي حتّى تظهرَ المفارقة الشّرعيّة؛ فلا يختلط الحقُّ بالباطلِ!!


المبحثُ الثّاني:
مُقدِّمةٌ تاريخيةٌ مختصَرةٌ عن افتراقِ الأمّةِ وظُهورِالخَوارجِ.

أنزلَ اللهُ الكِتابَ على رَسولِه – صلَّى اللهُ عليْه وسلَّمَ- لِيُخِرجَ بِه النّاسَ مِنَ الظّلماتِ إلى النّور،وجاءَتْ سُنّةُ نبيِّه– صلّى الله عليْه وسلَّمَ- مُبيِّنةً ومفصِّلةً لما جاءَ فِيه مِنَ الهدى والنُّور ؛ فَنشأَ -على إثْر مُعايشةِ نُزولِ الوَحْيِ , ودعوةِ الرّسول– صلّى الله عليه وسلّم- إلى لُزومِ مُقْتضَاه : عِلْماً وعمَلًا ودَعْوةً- خيرُ جِيلٍ كانَ على وَجهِ الأرْضِ وَهُمْ جِيلُ الصّحابةِ الذِين تربَّوْا عَلى يَدِ النّبيِّ– صَلى الله عليْه وسلَّم- فَكَانُوا–كما قال ربُّنا- (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).
وقَدْ نقلَ هذا الجيلُ مَا تعلَّمه مِنْ رسولِه– صلّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ- مِنَ العِلم والعَمل بِه والتّربيةِ عَليْه إلى مَنْ جاءَ بَعْدَهم مِنَ التّابعينَ وتَابِعيهم ؛ فكانَتْ هذِه القُرون الثلاثةُ الخيريةُ (سلفَ الأمّةِ) الذِينَ اتّفقَ أهلُ السّنّة والجماعةِ على فَضْلِهم وعُلُوّ مَكَانَتِهم , كَما قالَ رسولُ الله– صلّى الله عليه وسلَّمَ- : [خَيْرُ النّاسِ قَرْنِي , ثُمّ الذِينَ يَلُونَهم،ثُمّ الذِينَ يَلُونَهم] .

ومَعَ شُيوعِ هَذِه الخَيْريّة في تِلك الأزْمنةِ وبيْنَ أولئك القومِ ؛ إلّا أنّه قدْ نَشَأ في خِلَالهم أقوامٌ شذّوا عنْ هديِهم ؛ وخَالَفُوا أمْرَ النّبيِّ– صلّى اللهُ عليه وسلّمَ- بِما أوْجبَ لهمْ الْوُقوع فِي الكُفْرِ أوالنّفاقِ أو البِدْعةِ , كَما أشارَ إليْه ابنُ كثير– رحمه الله- في تَفْسيرِهِ (6\89-90) بِقَوْلِهِ :«وقول: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أيْ: عنْ أمْرِ رَسُولِ الله صلّى اللهُ عليْهِ وسلّمَ؛ فَهُو سَبيلُه ومِنهاجُه وطريقتُه وسنّتُه وشريعتُه، فتوزنُ الأقوالُ والأعْمالُ بأقوالِه وأعْمالِه، فَما وافق ذلك قُبِل، وما خالفه فهو مَرْدُودٌ على قائلِه وفاعلِه، كائنًا مَا كانَ، كما ثبتَ في الصّحيحيْنِ وغيرِهما، عنْ رسولِ الله صَلّى اللهُ عَليه وسلّم أنّه قالَ: «مَنْ عمِل عَمَلًا ليسَ عليْه أمْرُنا فهوَ رَدٌّ».
أيْ: فلْيحذَرْ وليخْشَ مَنْ خالفَ شريعةَ الرّسول باطنًا أو ظاهرًا ( أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ) أيْ: في قلُوبهم، مِنْ كفرٍ أو نِفاقٍ أو بِدْعةٍ، ( أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أيْ: في الدّنيا، بِقَتلٍ، أو حَدٍّ، أو حَبسٍ، أو نحوِ ذلك».
فنشأَ في أواخِر عصْرِ الصَّحابةِ: (الخوارجُ، والقدَريةُ, والشّيعةُ، والمرجِئة) الذِينَ كانُوا موافقين للصّحابَةِ والتّابِعين في عُمومِ مَظاهِرهم , وكثيرٍ مِن مُعتقداتهم وأعْمالهم ؛ لكنَّهم فَارَقوهم في بعضِ ذلك– قلّ أو كثر- , ومَعَ ذَلك فَما ارتضى الصَّحابة أن ينسبَ هؤلاء إلى مَنهجَهم وطرِيقتِهم :

فهذَا عمرُ بنُ الخطّاب لمـّا بلَغه أنَّ صبيغًا العراقيَّ يتكّلمُ في مُتشابِه القرآنِ : (ضَربَه وأمرَ بِهجْرِه وتغْرِيبه).

فَعَن ابن زرعة عنْ أبيه قالَ: «لقدْ رأيْتُ صبيغَ بنَ عسل بالبصرة كأنّه بَعيرٌ أجرب يجِيء إلى الحِلَق، فكلّما جلس إلى حَلْقة قامُوا وتَرَكوه،فإنْ جلَس إلى قومٍ لا يَعرفونه نادَاهم أهلُ الحلْقةِ الأخْرَى: عَزَمة أمِيرِ المؤْمنين» .

وهذَا عبدُ الله بنُ عمر -رضي الله عنهما- لما أخْبره يحيَى بنُ يَعمر عن القدَريّة قالَ:«إذا رَجعْتَ إليْهم فَقُل لهم: ابنُ عمرَ يقولُ لَكم: إنّه مِنكم بَرِيء، وَأنَتم مِنْه بَراء».
وهذَا المنهجُ في ضرورةِ الحرْص على تمييزِ المنتَسبِ بِالبَاطِل ِإلى أهلِ الحقِّ , قدْ تلقّاه الصَّحابةُ– رضي اللهُ عنهم- عنْ مُعلِّمِهم ومُرَبِّيهم؛ وَهُو الرّسولُ–صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ- الذِي أخبرَ في أحاديثَ عدّةٍ عَنْ أقْوامٍ ظَواهرُهم في صَلاتِهم وصِيَامِهم وقَراءَتِهم لِلْقرآنِ وَسَائِر عِبَادَاتِهم خيرٌ مِنْ ظَواهرِ الصَّحابةِ؛ لكنَّهم لَيسُوا على طريقَتِهم ومَنْهجِهم في الاعْتقادِ والعَمل أَلا وَهُم الخَوارجُ؛ الذين قالَ رَسولُ الله–صلى الله عليه وسلم- في تَوصيفهم– مخاطبًا أصحابَه- :

1. «يقرأون القُرْآنَ ، ليس قِراءَتُكُم إلى قِراءَتِهم بشيء .
2. ولا صلاتكُم إلى صلاتهم بشيء .
3. ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء» [مسلم] .
4. «يقولون الحق بألسنتهم» [مسلم] .
5. «يقولون من قول خير البرَّيةِ» [متفق عليه] .
6. وقال للصَّحابة : «تَحْقِرون صلاتَكم مع صلاتهم ، وصيامَكم مع صيامهم ، وعملَكم مع عملهم»[البخاري].

ومَع هذِه الأوْصاف الباهرةِ والاشْتراكِ في الْكثيرِ مِنَ الأقْوالِ والأعمال والاعْتقادَات , فَقد وجّه رَسولُ اللهِ–صلّى اللهُ عليه وسلَّم- ؛ إلى لُزومِ الحذَرِ مِنهم والتّميّزِ عَنهم لِفَسادِ بَعْضِ أعمالهم وبواطِنِهم؛ ومِنْ ذَلك قولُه– صلّى الله عليه وسلَّم-:
1. «يَقْرؤُون القُرْآنَ يحسَبون أنّه لهم وَهو علَيْهم .
2. لا تُجاوِزُ صلاتُهم تراقيَهمُ .
3. يَمْرُقُون مِن الإسْلام كما يمرُق السَّهم مِنَ الرَّمِيَّة» [مسلم].
4. «يُحسِنُون القيل، ويسيئونَ الفِعل» [أبو داود] .
5. بل وقال– صلى الله عليه وسلم-: «أينما لَقَيْتمُوهم فاقتلُوهُم ، فإنَّ في قَتْلِهم أجراً لمن قَتَلَهُم عندَ الله يومَ القيامةِ» [متفق عليه] .

ومَعَ هَذا التّوصيفِ الدَّقيقِ لأحْوالهم , والتّحذِيرالشّدِيدِ مِنَ الاغْترارِ بِهم إلا أنّه اغترَّ بِهم عددٌ غيرُ قليلٍ مِنَ النَّاسِ مُنذُ ذَلك الجيلِ المبارَكِ, وسَيسْتمرّ الاغترارُ بِهم حتّى خروجِ الدَّجّالِ, كَما صحَّ مِنْ حَديثِ ابنِ عمرَ أنَّ رَسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قالَ:«ينشأُ نشْءٌ يقرؤون القرآنَ لا يجاوزُ تَرَاقِيهم، كلّما خرجَ قرنٌ قُطِع ، قالَ ابنُ عُمَرَ: سَمعتُ رسولَ الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقولُ:« كلّما خرجَ قرنٌ قُطع -أكثر مِنْ عِشرين مرّة- حتّى يخرجَ في عِراضهم الدّجال».


المبحثُ الثّالث:
أوجهُ الفَرق بينَ الدّعوة السّلفيّةِ والتَّكفيريِّين.

لما كانَ (خروجُ) هؤلاء القومِ دائمًا ومستمرًّا حتّى خروجِ الدَّجالِ, وكانَ أمرُهم في كلِّ عصرٍ ومِصرٍ قدْ يَشْتبهُ عَلى بعضِ المسلِمين؛ فَيُظنّ أنّهم على الحقِّ كما اشتَبه أمرُهم عَلى بعضِ مَنْ كانَ في عهْد السّلف الأوَّلين؛ كانَ لابدَّ مِنْ ضَرورةِ الحرْصِ علَى التَّمييز بين هؤُلاء (الخارجيّين) وبينَ أتْباعِ السّلف الأوَّلِين؛ لاسيّما مَع شُيوع قَنوات التّوجيه الإعلاميِّ المختلفة في توجُّهاتها ومقاصدِها وثقافةِ القَائمين على تحريرِ الأخبارِ فيها ؛ حيث لاحظْنا خلطًا كبيرًا ، وتشويهًا خِطيرًا للدَّعْوةِ السَّلفيّة المباركةِ وَذلك بِنسبةِ الخارجين عَنها -مِنَ (التَّكفيريّين الخوارج)- إليْها , وإلصاقِ شَنيعِ أفْكارِهم وأعْمالهم بِهذِه الدَّعوةِ المباركةِ؛ لِذَا! اقتضَى المقامُ التَّنبيهَ عَلى أهمِّ الفَوارقِ بينَ (الدَّعوة السَّلفيّة الأثريّة) وبينَ (الدَّعوةِ التكفيريَّة الخارجيّة)؛ فَنقول مُستعينِين بِالله:


الفرقُ الأوّل: المرجعيّةُ العلميّةُ المعاصرةُ للسّلفيّينَ تختلفُ تمامًا عن المرجعيّةِ المعاصرةِ للتَّكفيريّين.
إنَّ السَّلفيّين مَرْجِعُهم في فَهْمِ كِتابِ اللهِ تعالى وسُنّةِ نبيِّه -بالإضافةِ إلى آثارِ سلفِ الأمّةِ وما فَهِمه علماؤُها المتقدِّمون- مَا صدَر عن الأئمة الأعْلام كَأمْثالِ: ابن بازٍ, والألبانيِّ، وابنِ عُثيمين, واللّجنةِ الدَّائمة للبُحوثِ العِلميّة والإفْتاءِ, والشّيخِ عبدِ المحسن العبّاد وغيرِهم ممّن سارَ على مَنْهَجِهم.
أمَّا التَّكفيريّون فَمرجعيّتُهم المعاصِرة إلى: سيّدقطْب, ومحمّد قطب, وأبي محمّد المقدسيّ , وأبي قتادة الفلسطينيّ , وأبي بصير الطرطوسيّ، وغيرهم ممّن سار على منهجِهم وطريقَتِهم.

الفرقُ الثّاني : سندُ الدّعوة السّلفيّةِ متّصلٌ بالسّلفِ الأوّلين عِلْمًـا وفَهمًـا .
إنَّ السَّلفيينَ– بمُخْتَلَفِ مَدَارِسِهِم- مَا زَالوا يتلَقّون معتقداتِهم ومناهجَهم خَلَفًا عنْ سَلفٍ حتّى ينتهِيَ إسْنادُهُم إلى السّلفِ الأوّلينَ؛ فلا تجدُ أصْلًا عِلْمِيَّا سَلَفِيًّا إلّا وِلِلسَّلفيّينَ أدِلّةٌ عَليْه مِنْ نُصوصِ الكِتابِ والسّنّة وَآثارِ سَلَفِ الأمّة نَقَلها عَنْهم أهْلُ العِلْمِ جِيلًا إِثْرَ جِيلٍ حتّى وَصلَتْ إِلَيْنا .
أمَّا التَّكفيريّون المعاصِرون–على مختلَفِ توجُّهاتهم- فَسنَدُهم مُنقَطِع يَرْجِع إلى جماعات: (التّكفير والهِجْرة) و(الجِهاد) و(الجماعة الإسلاميّة) في سبعينيّات القرنِ الماضي، والّتي نَشَأَتْ مِنْ رَحِم طروحات (سيّد قطب) الذِي تربَّى عَلى طُروحات الإخْوان المسلِمين -قَبْلَ أنْ ينشقَّ بفِكْره عَنْهم – الذِين أسَّس جماعتَهم حسن البنّا عام 1928.

الفَرق الثَّالِث: الدَّعوةُ السَّلفيّة محافظةٌ على أصالةِ مَنهجِها ونَقائِه مِنْ أن يمتزجَ بغَيْره مِنَ الأفكارِ الوَافدة.
إنَّ الدَّعوةَ السّلفيّةَ شِعارُها في الجانبِ الدِّينيِّ قولُه– صلى الله عليه وسلم-:«إيّاكم ومحدثاتِ الأمُور؛ فإنَّ كلَّ محدثةٍ بِدْعةٌ , وكلَّ بِدْعةٍ ضَلالةٌ , وكلَّ ضلالةٍ في النّارِ»؛ فهيَ لا تَرى إمكانيةَ وُقوعِ الصّلاح الكاملِ إلّا بواسطِة الشَّرع مِصداقَ قولِ الإمامِ مَالكٍ –رحمه الله-:«لا يصلح آخر هذِه الأمّة إلا بِما صَلُح بِه أوّلها» .
وظهورُ هذَا الحرْصِ مِنَ الدّعوة السّلفيّةِ على التّمسّكِ بتُراثِها العلميِّ الإصْلاحيِّ هو الذِي دَفعَ البَعضُ إلى وَصْفِهابـ(السَّلفيّة التَّقليديّة) أو (المحافِظَةِ) وهي أوصافٌ حقّة وإنْ أُريدَ بها (الباطِل)؛فَلَمْ يرتضِ السّلفيّون (مزجًا) أو (تلقيحًا) لمعتقداتهم ومَناهجهم التي تلقَّوْها عنْ سلفِ الأمّةِ بغيْرها مِنَ الطّروحات والأفْكار الوافدة عليْها؛ فحَافَظُوا على نَقَاءِ دَعْوتِهم وأَصَالَتِها, ورَفضوا كلَّ حادِثٍ فِيهَا .
وأمّا (التّكفيريّون) فإنَّ أبرزَ قياداتِهم المعاصرةِ قدْ نَشأتْ وتَربّتْ على غيرِ منهجِ (السَّلف)؛ فَهذا سيد قطب نشأَ إِخْوَانيًّا، ثمَّ شَكّلَ تيّارَه (القطبيَّ) المستقلَّ داخلَ هذِه الجماعةِ.
وأمَّا (أيمن الظواهري) فَكانتْ أوّلُ نشأتِه – كما يخبرُ هو عنْ نفسِه- معَ (جماعةِ الجهاد), وكانَ ذلك في حوالي سَنة 1966م، عندما تكوّنت النّواة الأولى لهذِه الجماعةِ بعدَ مقتلِ سيّد قطب .
وهذَا (أبو محمد المقدسي) يخبرُ عن نفسه : أنَّ نشأتَه كانتْ في رافد تصحيحيٍّ مِنْ روافدِ الإخْوان المسلمين الذِين أرْضَعُوه «الظلال» و«المعالم» وغيرَها مِنْ كُتب سيّدٍ وَأخيهِ والموْدوديِّ رضاعةً في طورِ الحضانَةِ .
فَهَؤلاءِ هُمْ أبرزُ المنَظّرين للفِكر أو التيّارِ التّكفيريّ المعاصرِ؛ كُلّهم نشأَ على غيرِ مَنهجِ السَّلف الصَّالح، فَأَرادُوا أن يمزِجُوا مَا هم عليه مِنْ بَاطلٍ بِما لاحَ لهم مِنْ حقٍّ في المنهج السَّلفيِّ فَخَرَجُوا بمَنهجٍ (تَلفيقيٍّ)؛ فَصِرْنَا نَسمَعُ بجماعات تصفُ نفسَها بأنّها: (سلفيّة إصْلاحيّة , وسلفيّة حركيّة , وسلفيّة المواجهة العصرية)!! فليسْت هي (بالسّلفية) ولم تبقَ على ما (خرجَتْ منه)، بَلْ صَارَتْ توجّهًا ثالثًا بينَ تَوجُّهَين في خلطٍ وخبطٍ عجيبٍ!!
فهيَ عند التّحقيقِ –من واقعِ أحوالهم وآثارِهِم!- لَيْستْ مِنَ السّلفية فيما خالفَتْ فيه السّلَفَ كما أنَّ الخوارجَ -ونحوَهم مِنْ أهل البدع- لَيسُوا مِنَ السّلفِ فيما خالفوا فيه السّلَف .

الفرقُ الرّابع : منهجُ السّلفيين في التّغيير قائمٌ على مبدأ التّصفية والتّربية.
يقوم منهجُ السّلف في التّغيير وَفْق قولِه تعالى: (إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) , فأوّل مقدّمات التّغيير هو: تغيّير ما بِالنفس مِنْ عقائدَ فَاسدَةٍ وإحلالُ محلِّها المعتقدات الصَحيحة السّليمة, بالعدولِ عن العبادَات والأقْوال والأحوال المبتدَعةِ إلى لُزوم السُّنّة في القَوْل والعَمل الباطنِ والظاهرِ، والتّخلّي عن السّلوكيات المنحرفة, والقِيام بواجبِ الوَقْتِ بِحسَب حالِ كلّ واحدٍ؛ فإذَا بدأ المسْلِمُ بتحقيقِ هذَا الأمرِ في نَفْسه عدّاه إلى غَيره بالتِي هِيَ أحسن؛ فيشيعُ -بذلك- الأمْنُ والإيمانُ، ويتأتّى وَعدُ الله سبحانه بالاسْتخلاف, كَما قالَ –سبحانه-:( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ).
وأمّا (التّكفْيريّونَ) فَيروْنَ أنَّ سلوكَ طريقِ التّصفيّةِ والتّربيةِ في التّغييرِ انهزاميّة؛ بَلْ ضلالةٌ وانْحرافُ, وأنَّ الطّريقَ الواجبَ لِتغييرما بالمجْتمعاتِ مِنْ مخالفاتٍ, يَكونُ بتغييرِ رَأسِ الهرَمِ فِيهَا وَهُم الحكّام, ولا يتحقّقُ ذلك إلّا بِالخروجِ عليْهِم وقِتالهم تحتَ شِعارِ (الجهاد) .

الفرقُ الخامِسُ: احترامُ السّلفيِّين لِعلمائِهم وتوقيرِهم لهم .
إنَّ السّلفيِّين معروفٌ عنْهم سَيرُهم عَلى طرِيقَةِ سِلَفِهم في تَوقِيرِعُلمائهم وأئمَّتِهم إذ إنّ الكَلامَ فِيهم والطّعنَ عليْهم لا يكونُ إلا بِقَصدِ الطّعنِ في المنهج النَّبويِّ الذِي تَبنَّوه!
وعلى النّقيضِ مِنْ ذَلك فإنَّ التّكفيريِّين ممثَّلين بِرُمُوزِهِم قَد اشتُهر عَنهم الطّعنُ والسبُّ والانتقاصُ لِعلماءِ الدَّعوةِ السَّلفيّة؛ فَهذَا أبُو محمَّدٍ المقدسيِّ يصِف في مَقاله (زلّ حمار العِلْم في الطِّين!!) أهْلَ العِلم أعضاءِ هَيئة كبارِ العُلماء وعَلَى رأسْهم سماحةُ الشّيخِ عبدِ العزيزِ بنِ بازٍ , وسماحةُ الشّيخ محمّد بنِ صالح العثيمين, وسَماحةُ الشّيخ عبدِ العزيز بنِ عبد الله آل الشيخ وغيرِهم من أصحابِ الفضيلةِ بأنّهم : (حمير العلم), (علماء الضلالة), (ازدَادُوا عماية وطغياناً.. وانحرافاً عن الحق وانسلاخاً عن التَّوْحيد، وانحيازاً إلى الطّواغيت وإلى الشِّرك والتَّنْديد.. ) ... إلخ .
ويصِفُ الظّواهري المشايخَ السَّلفيِّين: (ابن باز , وأبو بكر الجزائري , وغيرهما) بأنّهم (أسماءٌ رنّانةٌ جَوفاءُ تمادَتْ في نِفاقِ الطَّواغيتِ...), وأنّهم (مخرِّبون ومدمّرون لِعقائدِ الشّبابِ(!) ومبرِّرون لكُفرالطّاغوت، ومعادونَ للأمْر بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكر...) و (أنَّ ابنَ بازٍ وطائفتَه هُمْ علماءُ السّلطان الذين يَبيعونَنا لأعْدائنا في مقابل راتبٍ أو مَنْصِبٍ، وإن غضِبَ مَنْ غَضِبَ،ورَضيَ مَنْ رَضِي).
فهذَا الطّعنُ مِنَ التَّكفيريّين في العُلماء السلفيِّين لا يَكونُ سبُبه شخصِيًّا, وإنّما دافعُه الخلافُ العقديّ المنهجيّ بينَ السَّلفيَّينَ والتَّكفيريِّين الخوارجِ المعاصرِينِ .

الفرقُ السّادس : السّلفيةُ دَعوة الإسلام الحقّ، والعِبرة بالموَافقَةِ له وَالتَّطبيق لأحكامه, لا بِمُجرّد الانتسابِ الظَّاهر.
يرى السَّلفيُّونَ أنّه لا فرقَ بينَ الإسْلام الحقِّ الذي جاءَ به النَّبيُّ–صلّى اللهُ عليْه وسلّم- وامتثَله الصّحابةُ الكِرام في مختلف مجالات الدِّين : عِلْماً وعَمَلًا , دعوةً وبلاغًا , إصلاحًا وجِهَادًا, وبين الدَّعوةِ السَّلفيّة البيضاءِ النَّقيةِ؛ فَعلَى قَدْر قِيامِ السَّلَفِيِّ بِما شَرعَه الله– في مختلفِ المجالات- , يكونُ كمالُ التزِامه بالمنْهَجِ السّلفيِّ،وَعلى قَدْر تَفْريطِه يَكونُ ابْتعاده عن السّلفيّة الحقّة؛ فالمسلِمُ الحقّ هو السّلفيّ الحقّ،والعَكس كذلك ؛ فلِهذا لا يميّزُ السّلفيون أنفسَهم عنْ غَيرهِم بِقَيدٍ مِنْ (عِلمٍ , أوْ دَعوةٍ , أوْإصلاحٍ , أو جِهادٍ) لأنّ كلَّ هذِه الأمورَ مطلوبةٌ شرعًا, وكلٌّ مِنها بحسبه وشرْطه وضَوابِطه .
وأمّا التكفِيريّون فَقد أدْركوا مفارقتَهم للدَّعوةِ السَّلفيّةِ البيضاءِ النّقيّةِ في أمورٍ عِدّةٍ سَيأتي بيانُ أهمِّها.
وأدْرَكُوا -أيْضًا- أنَّ هذه النّسبةَ المطْلَقةَ قدْ تمثّلتْ في أذْهانِ العامّة والخاصّة مِنَ المسلمين بأهْل العِلْمِ السَّلفيِّين الأكابر كأمثالِ: (الألبانيّ وابن باز وابن عثيمين) وغيرِهم ممّن يضللونهم ويذمّونهم .
فلِهذا هُمْ يعدِلون عن الانْتساب إلى السَّلفيّة -بإطْلاقٍ- لإدْراكهم مآلَ هذه النِّسبةِ؛ فلهذا يُقيِّدُونَ نِسبتَهم إلى السَّلفيّة بقيْدٍ بَعيدٍ عن حَالهم وهُو (الجِهاد)؛ فيصِفُون أنفُسَهم بـ(السَّلفيّة الجهاديّة), وهم عندَ التَّحقيقِ -كما سَيأتي- لَيسُوا على طريقَةِ السَّلفِ المتقدِّمِين, ولا علماءِ السَّلفيّةِ المتأخِّرين, بل يتاجِرون باسمِ ( الجِهاد) بغيةَ اسْتِدْراجِ عَواطفِ المسْلِمينَ المطمئنِّين لمَنهجِ سَلَفِنَا الصَّالِحِ؛ لذلك تجدُهم يُلْصِقون (الجهادَ) باسْمِ (السَّلفيّة) لِتَمْريرِ شُبهاتهم، وتحقيقِ مصالحِهم الحزبيّة!!

المبحث الرابع:
بينَ اخْتياراتِ علماءِ الدّعوة السَّلفية ومُنَظِّري التّكْفيريِّين.

كَما أنّ موْقفَ السَّلفِ مِنَ الخَوارجِ معلومٌ مشهورٌ في مسائلِ (الإيمانِ والتَّكفير وَوِلايةِ الأمْرِ) فَكذلك موقفُ أئمّةِ الدَّعوةِ السَّلفيّة المعاصرين مِنَ التَّكفيريِّين وُطروحاتِهم في هذِه المسائِل معروفٌ مشهورٌ, بل إنّنا لنقطعُ– يَقينًا- أنّه لا يوجدُ توجُّهٌ إسلاميٌّ معاصرٌ وقَف في وجِهِ المنهجِ التّكفيريِّ أكثر مِنَ السّلفيِّين؛ الذينَ صدَر عن كبارِ علمائهِم ومشايخِهم, المئات من الفتاوى والمقالات والخطب والمؤلّفات المبيّنة لضَلال النَّهج التّكفيريِّ المنتسبِ زورًا للسَّلفيّة.
وبَيانُ هذَا الموْقِفِ –على جهَةِ الاخْتصار والتَّقْرِيبِ- يتَّضِح مِنْ عَرْضِ المحاوِرِ التّالية :

المحورُ الأوّل: يَرى السّلفيّون أنَّ (الحكمَ بغيرِ مَا أنْزلَ الله) فِعلٌ محرّم موجبٌ لِكُفْرِ المتلبِّس بِه كفرًا أصغرَ لايخرِجُه عن مِلّة الإسلام إلّا إذا اقترَن مَعه اسْتِحْلالٌ أو اعْتقادُ الأفْضليّةِ أو التخيِّيرِ , وهو شاملٌ للحاكم والمحكوم.
بينمَا التَّكفيريّون يرَون أنَّ (الحُكمَ بغيْر ما أنزل الله) موجبٌ لردّةِ الحاكِم وخروجِه عنْ مِلّةِ الإسْلام , ويخصونه بالحكام دون المحكومين !

المحور الثاني : يرى السّلفيّون مُوالاةَ الكُفّار على مراتِب: مِنْهَا مَا هُو كفرٌ أكبرُ , ومِنها ما هو أصغرُ بِحسَب نَوعِ الموَالاة واعتقادِ الموالي .
بينما التكفيريّون يَرونَ: أنَّ مُوالاةَ الكُفّار مرتَبةٌ واحدةٌ وهي مَرتبة الكفرِ الأكبرِ الموجبِ للإخْراج عن ملّةِ الإسْلام بغضّ النَّظر عن سلامَة مُعتقَدِ الموالي .

المحور الثالث : يرى السَّلفيّون أنّ الاستعانةَ بالكفّار في الحربِ عَلى أعداءِ المسلمين -وفق ضوابط وشروط - عَلى مَراتب تبعًا لاخْتلاف صورِ الاستعانة؛ فقَد تكون كفرًا , وقَدْ تَكونُ فِسْقًا, وقدْ تَكُونُ مَعْصيةً, وقَدْ تكُون جائزةً بِحَسب نَوع الاسْتعانة وظروفها وتجاذبِ المصالِحِ والمفاسدِ .
بينما التكفيريّون يرون : أنَّ الاستعانةَ بالكفّار في بابِ الحربِ مِنْ قَبيل المظاهرةِ لهم الموجبةِ لكفر المستَعين وإخْراجِه عنَ الملّةِ دونَ مُراعاةِ الخلافِ المعتَبر .

المحور الرابع : يرى السّلفيون أنّ المصرَّ على فِعل كبيرةٍ أو ترك طاعةٍ واجبةٍ -كمَنْ أصرَّ على تَركِ الزّكاة أوْ أكْلِ الرِّبَا-فاسقٌ غيرُ كافرٍ مستحقٌّ للوَعيدِ في الآخرةِ ابتداءً ولِدُخولِ الجنّة انتهاءً .
بينما التكفيريون يرون : أنَّ المصرَّ –وإن لم يستحلّ!- كافرٌ مرتدٌ خارجٌ عن مِلّة الإسْلامِ, مستحقٌّ للوَعيدِ والخلودِ في النَّار في الآخِرة .

المحور الخامس : يرى السَّلفيّون أنَّ الوَاقعَ في الشِّرك والكُفرِ الأكبرِ لا يحكُمُ عليْه بِالكفرِ إلا العلماءُ الرَّاسِخُون, والقُضاةُ الشَّرْعِيّون, ويحرُمُ على غيْرهِم التَّصدِّي لإصدارِ أَحْكامِ التَّكفير العيْنيِّ؛ لأنَّ الحكمَ بالتَّكفيرِ مِنْ مسائل الاجتهادِ المتعلّقةِ بِتحقيق المناطِ والنّظر في الموانع والشُّروطِ, وَهذا لا يَتأتّى إلا للمؤهلين مِنَ العُلماءِ والمتَخَصِّصِينَ؛ فَهم يُفرِّقون بينَ فعلِ الكُفرِ وتَكفيرِ الفَاعل.
بينما التَّكفِيريّون يَرَون : أنَّ مَنْ وَقع في الكُفرالأكْبر الظّاهر أو الشِّرك الأكبر وجبَ على آحادِ المسْلمينَ تكفيرُه بعيْنِه مِنْ غَيرِ تَفريقٍ بينَ الفِعل والفَاعل, بَل بعضُهم كفَّرمَنْ لم يكفّر هذَا الصِّنف على قاعدة (مَنْ لم يكفّر الكافرَ فَهو كافرٌ)!!

المحور السّادس : يَرى السَّلفيّون أنّ المجتمعاتِ المعاصرةَ المنتسبَ أفرادُها للإسلام على ما فيها مِنْ مخالفاتٍ شَرعيّة ومعاصٍ هِيَ مجتمعاتٌ إسْلاميّةٌ متفاوتةٌ في الكَمال بِحَسَب التزامِها بتعاليم الشرع، وَمتفاوِتةٌ في النَّقص بحَسبِ مخالفَتِها للشَّرْعِ .
بينما التكفيريّون يَروْنَ أنّ المجتمعات الإسلاميّة المعاصرة هي مجتمعات جاهليّة, بل بعضُهم حكَم عليْها أنّها مجتمعاتٌ كُفْرية .

المحور السّابع: يَرى السّلفيون أنَّ المسلمينَ مِنْ حُكّام بلادِ المسْلمِين القَائمين الآن مِنْ مُلوكٍ وُأمراءَ ورُؤساءَ و وزراءَ وُلاةُ أمرٍ يجبُ السّمع والطّاعة لهم في المعْرُوفِ, وَلا سَمْعَ ولا طاعةَ لهم في معصيةِ الله .
بينما التّكفيريون : يرون أنّ وُلاة الأمورالقائمين عَلى بلاد المسلمِين هم -جميعًا- كفارٌ مرتدّون فلا سمعَ لهم ولا طَاعة!!

المحور الثامن : يَرى السّلفيُون أنّ أفراد الأجهزةِ الأمنيّة الموجودةِ في بِلاد المسلمين من (جيشٍ وشُرَطة، ودرك , ورجال أمن) مسلمُون؛ لهُم مَا لِلمسلمين وعليْهم ما على المسلميَن.
بينما التكفيريّون يَرون أنّ عناصرَ الأجهزة الأمنيّة جميعَهم كُفّارٌ مرتدّون خارجُون عن ملّة الإسلام!!

المحور التّاسع : يرَى السّلفيُونَ حُرمةَ الخروجِ على وُلاة الأمور المسلمينَ سواءٌ كانَ الخروجُ باليدِ أو بِاللّسان أو بِالقلَم, وأمّا غير المسلمِين مِنهم فإنَّ الخروجَ عَليهم مقيّد بضوابطَ وشروطٍ، ولا يفْصل فيها إلا العلماءُ المختصون.
بينما التكفيريّون : يرون أنَّ الخروجَ على ولاة الأمر القائمين على بِلاد المسلمين مِنْ أعظمِ صُوَر الجهادِ في سبيل الله تعالى!! سواءٌ كانَ باليدِ إنْ أمكنَ أو باللِّسان أو بِالقلَم .

المحور العاشر : يَرى السّلفيّون أنَّ أوطانَ المسلمين التي يعيشُ فيها المسلمون, وتحكَم مِنْ قِبل أولياءِ الأمُور المسلِمين هي بِلاد إسلامية ؛ تحرم الهجرةُ مِنها إلى بلادِ الكُفْر .
بينَما التكفيريّون : يَرون أنَّ بلادَ المسْلِمينَ هي دارُ كفرٍ وردّةٍ , ولهذَا يجيزُون الهجرةَ مِنها للإقامة في بلادِ الكفّار؛ بَلْ دارُ الكفرِ الأصليِّ خيرٌ -عندهم!- مِن دارِ الردّة والتي هِيَ -في نظرهم!- بلادُ المسْلمين!!

المحور الحادي عشر : يرَى السّلفيون أنَّ الكفّار الأصْليّين المعاصِرين على أربعة أصناف : ذمّيين، وحربيّين، ومعاهدِين، ومستأمَنين.
بينما التّكفيريون : يَرون أنَّ الكفار المعاصرين صنفٌ واحدٌ فقط وهم : (الحربيّون)؛ فلِهذا لا يروْنَ أنَّ لهم عهدًا ولا أمَانًا ولَا ذمّةً .

المحور الثاني عشر : يرَى السّلفيّون أنَّ أموالَ المسلِمينَ محرّمٌ أخذُها إلا بِوجهٍ شرعيٍّ, وكذا أموال غيرِهم لا تُباحُ إلّا في حَال كَوْنِهم حربيِّين .
بينما التّكفيريّون : يَرون أنَّ أموالَ الكُفّار, وأمْوال منْ حَكَمُوا بِردّتهم مِنَ المسلمين مباحةٌ لهم؛ بَل يَعتبرونها مِن قَبيل الغنائم.

المحور الثالث عشر : يَرى السّلفيّون أنَّ مَن يجبُ قِتالهم اليَوم هُم الكفّار الحربيّون , ومَنْ بَغى مِنَ المسْلمين .
بينما التكفيريون : يرون أنَّ الواجبَ قتالُ الكفّار، وكَذَا مَنْ حكَمُوا برِدّتهم مِنَ المسلمِين!!

المحور الرابع عشر : يرى السَّلفيون أنَّ الجهاد إذَا وجبَ فَإنّما يكونُ تحتَ رايةِ وليِّ الأمْرِ المسلِمِ.
بينما التَّكفيريون : يرون أنَّ القِتالَ تحْتَ رايةِ وُلاة الأمور في بُلدانهم غيرُمشروعٍ لأنّهم – في نظرهم!- كفارٌ مرتدّون, وأنَّ القتالَ تحت رايتِهم–ولو لصدِّ عدوانِ الكَافرين- هو مِنْ قَبيل قتال الجاهليّةِ , بَل يذهبون إلى أنَّ هذِه الحربَ لا تَعْنيهم لأنّها قتالٌ بين كُفّار أصليّين ومرتدّين!!

المحور الخامس عشر : يرى السّلفيّون أنَّ أعظمَ الجهادِ المشروعِ في سبيلِ الله تعالى هُو ما كان–أصالةً- بينَ المسلِمين والكفّار الحربيّين .
بينما التّكفيريون : يرون أنَّ أعظمَ الجهادِ في سبيل الله هو جهادُهم ضدَّ حُكّام بلاد المسلمين وأجهزتِهم الأمنيّة؛ لأنّهم يرون أن جهادَ المرتدِّ أفْضلُ عندَ الله مِنْ جهادِ الكافِرِ الأصليِّ!!

المحور السادس عشر : يرى السّلفيون عصمةَ دماءِ المسلمِين مُطْلقًا وسائرِ مَن عصمتْ الشّريعةُ دماءَهم مِن الكفّار الذميّين والمستأمنين والمعاهِدِين؛ فَلا يجوز إراقتها بأيِّ حالٍ مِن الأحوال – وحتى عند الجهادِ الشّرعيِّ إلا عِند الاضطرار-.
بينما التكفيريون : يروْن أنَّ دماءَ المسلمين وغيرِهم من معصومي الدّم يجوزُ إراقتُها– في غير حال الاضطرار- فلهذا تراهم يتوسَّعون في عمليات قتلِ المسلِمين بالجملةِ مستخدِمين التّفجيرَ والتّدمير!!

المحور السابع عشر : يرَى السّلفيّون حرمةَ دِماءِ مخالِفيهم مِن المفكّرين والعَلمانيين والقوميّين , والمفْسدين مِنَ الإعلاميين حتّى وإن تبنّوا أفكارًا كفرية, لأنَّ الحكمَ بِتَكْفيرِهم مردّه للقضاء الشّرعيِّ , وإقامَةَ الحدود مِنْ خصوصيات أولياءِ الأمور .
بينما التكفيريون : يرَون أنّ هؤلاء جميعَهم مفسدُون يجب أن تُقطعَ رؤُوسُهم ، ويعدّون هذا الفعل جهادًا, يقول أبو قتادة الفلسطينيّ في المقال (رقم /44) من سلسلته (بين منهجين) : « خلال مرحلة الجهاد: ستطهّر الأرض من غربان الشّرّ، وأبوام الرَّذيلة، ستلاحق هذه المسوخ التي تسمّى كذبًا، وزورًا بالمفكّرين، وسيصفّى الرّتل تلو الرّتل: العلمانيّون، والشّيوعيّون، والبعثيّون، والقوميّون، وتجّار الأفكار الوافدة، نعم نحن نعرف أنّنا لن نصلَ حتّى نعبِّد الطّريقَ بجماجم هؤلاء النَّوْكى، وليقل العالم أنّنا برابرة .... , خلال مرحلة الجهاد: ستقطف رؤوس الصّحفيّين المفسدين في الأرضِ، فَنحن لَسْنا بحاجة إلى سحرة فرعون، وليسمِّينا النّاس أعداء الفكر والرّأي، فنحن رأينا من حرّيّة قوانينهم ما تشيب منه العثانين».
المحور الثامن عشر : يرَى السَّلفيّون حرمةَ التَّفجيرات التي تستهدفُ الدماءَ والأموالَ المعصومةَ.
بَينما التكفيريون يرون : أنَّ هذه التّفجيراتِ في بلادِ المسلمين وغيرِها مِنْ الجهادِ في سبيل الله تعالى!!

المحور التاسع عشر : يرَى السّلفيون حرمةَ العمليات الانتحارية بأيٍّ وجه كانتْ ؛ لأنّ الانتحارَ محرّم بنصوص الشّرع وإجماع العُلماء .
بينما التكفيريّون : يَرونَ أنَّ العملياتِ الانْتحاريةَ مِنْ قَبيل الاسْتشهاد المشْروع، وأنَّ القيامَ بها صورةٌ مِنْ صُور الجهادِ في سَبيل الله تعالى!!

المحور العشرون : يَرى السَّلفيّون حُرمةَ المظاهراتِ والثّوراتِ الشَّعبيّة لأنّها مِنَ الوَسائلِ البِدْعيّة في التَّغيير،فضلًا عمّا تشتمِل عليه مِنْ مخالفاتٍ شرْعيّة عدّةٍ؛ كالاخْتلاط، والنّهب، وسِفْك الدِّماءِ .
بينما التكفيريّون : يرَون أنَّها منَ الوَسائل الشَّرعية في التَّغيير، بل مِنْ جِنس الجِهادِ في سَبيل الله تعالى .

المحور الحادي والعشرون : يَرى السَّلفيون مشروعيةَ المشاركةِ في الانتخاباتِ المحليّة أو النّيابية – بقيود وضوابطٍ معلومة- ؛ لاختيارِ الأنفعِ للمُسْلمينَ، ومَنْ مَنعها مِنْ عُلمائهم -وهم الأقلّ- لم يجعل سببَ المنع كفرَ وردّةَ المشَاركين .
بينما التكفيريون : يَرون أنَّ المجالسَ النّيابية مجالس كفريّةٌ تشرّع القوانين مِنْ دون الله, وأنَّ اختيارَ أحدِ النّوابِ بمثابةِ اختيارِ النّاخبِ لمشرِّعٍ مِنْ دُون الله , فيكفر الاثنان!!!

المحور الثاني والعشرون : يَرى السَّلفيون حُرمة العَمل التَّنظيمي الحزبيّ ؛ لأنه مِنَ الوَسائل البِدعية الحادِثة التي تقتِضي البيعةَ لغيرِ وَليِّ أمرِ المسلِمِين، والعصبيةَ لجماعة الحزب، وموالاة أفراده دون سائرِ المسلمين .
بينَما التَّكفيريّون : يرون أنَّ العملَ التَّنظيميّ الحزبيّ مِنْ صورِ الإعدادِ للجهادِ في سَبيل الله تعالى, فترَاهم يوجبُون السّمعَ والطّاعةَ لأمرائِهم وقادَاتهم؛ معتبرِينَهم أمراءَ شرعيِّين، وتُعقد لهم البيْعة التي لا تكون إلا لوُلّاة الأمور!!!

المحور الثالث والعشرون : يَرى السَّلفِيُّونَ مشروعيّةَ الدِّراسةِ الأكَاديميّةِ بُغيةَ الارتقاءِ بالمستَوى التعليميِّ والثَّقافيِّ لِلْأفرادِ والمجْتَمعاتِ مَعَ لُزومِ الابْتعادِ عن المخَالَفات الشّرعيّة التي قدْ تستلزِمها هذِه الدّراسة، وضبْطِها -ما أمكن- بالضوابطِ الشَّرعيّة.
بينما التّكفيريون : يرَوْن أنَّ مِنْ صُور الإعدادِ للجِهاد الابتعادَ عن الدّراسةِ الأكاديميّة لأنّها تسبّب إفسادًا لعقولِ النَّاشئةِ، وأنّها تعارضُ العقيدةَ والتّوحيدَ والشّرع, وتصرِفهم عن مَطْلوبِهم الأعظم وهو إعداد (القادة الفوارس), وقد قرّر هذا المعنى شيخُ التَّكفيريِّين (أبو محمّد المقدسيّ) في كتابه :«إعدادُ القادة الفوَارس بهجران فسادِ المدارس!!!!» .



المبحث الخامس:
أوجُه الشّبه بينَ الخوارج والتَّكفيريين .
وبعدَ أن استعرضَنا أبرزَ أوجهِ الفرْقِ بينَ دعوةِ السَّلفيِّين النقيّة وبين التَّكفيريين ودعوتهم الخارجية, لا بدَّ لنا مِنْ تسليطِ الضّوءِ على أبرزِ أوجهِ الشَّبه بينَ طروحات (الخوارج المتقدِّمين) و(التَّكفيريين المعاصرينَ) للتَّأكيدِ على أنَّ هؤلاء منْ أولئك؛ وأنّهم –هم- (خوارجُ هذا العَصر) ؛ فنقول وبالله التوفيق:

الشّبه الأول : إنَّ الخوارجَ يكفّرون المسلمين بما لا يوجِبُ التَّكفيرَ شرعًا؛ كتكفيرِهم مرتكبَ الكبيرةِ. وكَذلك التَّكفيريون المعاصرون يكفِّرون فاعلَ الكبيرةِ وتاركَ الواجبِ كما تقدَّم بيانَه!
الشبه الثاني : إنَّ الخوارجَ يجعلون الحكمَ بالتَّكفير واجبًا عينيًّا على كلّ مسلمٍ مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى النّظر في الشّروط وانتفاءِ الموَانعِ، ولا تركِ هذا الأمر –مع خُطورتِه -للمختَصِّين من أهل العلم والقضاة الشرعيِّين. وَالتَّكفيريّون -كذلك- يجعلونَ الأمْر لكلِّ من هبَّ ودبَّ؛ بل ويكفِّرونَ مَنْ لم يكفِّرْ الكافرَ في سلسةٍ تكفيريّة لا تنتهِي!!!

الشبه الثالث : الخوارجُ يرون أنَّ وُلّاة الأمور المخالفين لهم كفّارٌ مرتدّون والسّببُ أنّهم يحكمٌون بغير مَا أنزل الله، ومِنْ هذا المنطلقِ كفّرُوا عليًّا -رضي الله عنه- ومعاويةَ في حادثةِ التَّحكيمِ, ورفعوا شعار (لا حكمَ إلا لله)!!والتّكفيريّون -أيضًا- يكفِّرون الحكّامَ بالجُمْلةِ لنفسِ السّببِ!

الشبه الرابع : إنَّ بعضَ فرقِ الخوارج يرون كفرَ أعوانِ الحاكِمِ مِن الوزراءِ والشّرطة والجند. وهو فعلُ التّكفيريّين المعاصرين الذين كفَّروا الحكومات، وعناصرَ الأجهزةِ الأمنيّةِ في البُلدان الإسلامية، بل كفّروا أئمّة المساجدِ ولا يصلّون خلفَهم لأنهم تابعون لوزارة الأوقاف!!

الشبه الخامس : يرى الخوارج وجوبَ قتالِ وُلاة الأمورِ وأنه مِنَ الجهاد في سبيل الله, ويقدِّمونه عَلى قتالِ الكُفّار المحاربِين .
ووافَقَ التَّكفيريّون أسلافَهم الخوارجَ في ذَلك كَما سبق بيانه في المحاور!

الشبه السادس : إنّ الخوارج يرون أنَّ اغتيالِ مخالِفيهم مِنَ المسلمين -ممن حكمُوا برِدَّتِهم- مِنْ صورِ الجهادِ في سبيل الله تعالى؛ فَلِذلك قتلوا عليًّا–رضي الله عنه- اغتيالًا, وحاولُوا قتلَ معاويةَ وعَمرو بن العاص–رضي الله عن الجميع- بنَفْسِ الطّريقة. والتّكفيريّون باغتيالاتهم المتكرّرة والمتعدّدةِ للمسلمين دليلٌ على موافَقَتِهم للخَوارج!!

الشبه السابع : يرى الخوارجُ أنَّ إيمانَ المسلم لا يصحُّ إلا بالبراءِ ممّن حكَموا عليه بِالكُفْر والرِّدّة؛ وبِهذَا الاعتبارِ حَكَمُوا بكُفر الصَّحابة الذِين وَالَوْا عثمان وعليًّا ومعاويةَ؛ فرَفَعُوا شعارَ (لا ولاءَ إلا ببرَاء).
وكذلك التَّكفيريون المعاصرُون : يرَونَ أنَّ إيمان العبدِ لا يصحُّ إلا بالبراءَةِ مِنْ وُلّاة الأمورِ الذِينَ حكَموا بكُفرهم ورِدَّتِهم .

الشبه الثامن : يَرى بعضُ فرقِ الخوارجِ أنَّ بلادَ المسْلمين المخالفين لهم هي دارُ كفرٍ ورِدّةٍ؛ وهو معتقدُ التَّكفيريِّين المعاصرين؛ فَلِذلك تجدُ غلاتَهم يفضِّلون السّكنَ والإقامةَ في أوروبا وغيرها مِنْ البلادِ غير الإسْلامية لا سيما دولةُ بريطانيا(!).

الشبه التاسع : استحْلال الخوارجِ لِدِماء وأموالِ المسْلمين المخالِفين لهم , وقتْلهم بالجملة؛ والتكفيريّون بتفجِيراتِهم المنتشرةِ في كلِّ مكانٍ والتي أدّتْ إلى قتلِ الآلاف من المسلمين الآمنين لخيرُ دليلٍ على هذِه المشَابهة.

الشبه العاشر : يعطّل الخوارجُ الجهادَ الشرعيَّ مع وُلّاة الأمور؛ وكذلك التكفيريون المعاصرون والسّببُ عند الفِرقَتين الكُفرُ والرِّدّة!!!
فهل بعدَ هذِه المشابهةِ الدَّقيقة مِنْهُم للخوارجِ يَستطيع أن ينكرَ منكرٌ خلافَ ذلك؟!!!



المبحث السادس:
(الخوارج) أقلُّ شرًّا من(التكفيريين)

إنَّ الخوارجَ المتقَدِّمين كانوا في بعضِ الوُجُوه دونَ التكفيريين (= خوارج العصر) في الشرِّ؛ نذكرُ مِنْ ذلك :

أوّلًا : إنّ الخوارج المتقدّمين صنّفُوا الكفّار إلى (حربيين , وأهل ذمّة , ومستأمنين) , ويرتبّون الحقوق وَفق هذا التقسيم. بينما الخوارج المعاصرون (= التكفيريّون) جعلوا الكفّار مرتبةً واحدةً وهي مرتبة (الكفار الحربيين)؛ فلا حقوقَ لهم؛ بل ولا يصحّ أن يُعقد لهم عهْدٌ ولا أمانٌ ولا ذمّةٌ!!

ثانيًا : إنّ الخوارجَ المتقدّمين حرَّموا نقضَ العهودِ, بَلْ يعتبرُون هذا الفعلَ موجِبًا للكفرِ والرِّدّة .
بينما الخوارج المعاصرون : يرَوْن وجوبَ نقضِ العهود , لأنَّ الكافرَ لا عهدَ له ولا أمانَ ولا ذِمّة!!

ثالثًا : إنّ الخوارجَ المتقدِّمين يحرِّمون أكلَ أموالِ أهلِ الذمّة مِنَ غير المسلمين بالباطلِ . بينما الخوارجُ المعاصرون : يرون مشروعيةَ سرقةِ أموالهم وغصْبِها, ويجعلُونها مِنْ بابِ الغَنائم المأخوذةِ مِنَ الكُفّار الحربيِّين .

رابعًا : يرى الخوارج المتقدِّمون أنَّ الانتحارَ محرّم في كلِّ حالٍ, ويكفِّرون المنتحرَ ويوجِبُون له الخلودَ في النار!
بينما الخوارج المعاصرون يجيزُون الانتحارَ في مقابلةِ قتلِ المئات من المسلمين الآمنين والكفّار المعاهدين والذمّيِّين, بَل يصِفُون هذا المنتحرَ بالشهيدِ!!
ومِن استعراضِنا لهذه الفُروقاتِ يتبيّن لَنا أنَّ حالَ الخوارجِ المتقدِّمين خيرٌ مِنْ حالِ (الخوارج المعاصرين)؛ وهو مَا صرَّح به غيرُ واحدٍ مِنْ أهلِ العِلم, مِنْهم الشيخُ صالح الفوزان الذي قال في كتاب «الإجابات المهمة» (ص\79) -جوابًا على السؤال التالي :«هل يقال في من قامُوا بالتفجيرات في هذه البلاد أنّه من الخوارج ؟» -:
«هذا إفسادٌ في الأرض، هذَا إفسادٌ في الأرضِ وإهلاكٌ للحَرثِ والنَّسل، واعتداءٌ على الدّماء البريئة، وترويعٌ للمسلمين فهو من أشدّ أفعال الخوارج، فالخوارجُ مَا فعلوا مثل هذَا، الخوارج يبرزون في المعارك يُقاتلون ، أمّا هؤلاء فيجيئون النَّاس وهم نَائمون وآمِنون وينسفون المنازل بما فيها، هَل هذَا فعلُ الخوارج ؟!
لا! هذَا أشبهُ شيءٍ بفعل القرامطةِ ، أما الخوارج فهم يَتَنَزَّهُونَ عن هذا الغدر وهذه الخيانة».


الخاتمة:
يتّضح مما سَبق بيانه عن حَقيقةِ التّكفيرييّن وأوجهِ الشّبه بينهم وبين (الخوارج) أن السّلفيّين ليسوا إلّا أصحابَ منهجٍ يدْعُو إلى الرّجوعِ إلى الكتابِ والسّنّة بفَهْمِ سَلَفِ الأمّة؛ ليسَ لهم حزبٌ ولا مُنَظِّرونَ؛ فَضْلًا عنْ أن يكونوا أعضاءً!!، وأنّهم لَـمَّا سَارعُوا إلى التبرّؤ منَ (الغُلوّ في التّكفير) و(التكفيريين) أفعالًا وأفْرادًا: كان مِنْ بابِ اتباع سُنّةِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم في التّبرّؤ الظاهرِ مِنَ الأعْمالِ التي تُغْضِبُ اللهَ -سبحانه وتعالى-؛ لأنّ اللهَ تعالى -كما في الحديثِ الصّحيحِ- قَدْ يُعاقِبُ المسلمَ على عدم الإنكارِ الفعليِّ مَع وجودِ القُدْرةِ؛ يقولُ النّبيّ صلى الله علَيه وسلم:« إنَّ النّاسَ إذَا رَأوْا منكرًا فَلَمْ يغيّروه يُوشَك أنْ يَعمَّهم اللهُ بعِقَابِه»؛ فَإعلانُ البرَاءَةِ هو نَوْعٌ مِنْ أنْواعِ إنْكارِ المنكرِ كما بيّنَه النبيُّ صلى الله عليه وسلّم في الحديثِ الآخر :«مَنْ رأى مِنكُم مُنكرًا فَلْيغيِّره بيدِه فإنْ لم يَستطِع فَبِلِسانِه فإنْ لم يستطِع فَبِقَلْبه وذلك أضعفُ الإيمانِ»؛ فهؤلاء التّكفيريون واقِعُون في بِدْعةٍ عظيمَة بِتَكْفيرِهِم لِلْمسلمين، ومقاتلَتِهم في دِيَارِهم ودَعوتهم المستمرّةِ للْخروج على وُلاة الأمورِ، مُستعملينَ شَتى أنْواع الغَدر والخِيانة والكَذِب؛ فَالبراءة مِنْهم ومِنْ أَفْعالهم هو نوعُ عِقَابٍ حتى يتميّزَ الحقّ من الباطلِ، والواجبُ -في هَذَا المقامِ- على كلِّ مُسلِمٌ يعتزُّ بالكتابِ والسُّنّة، ويسْتَمْسك بما كانَ عليه سلفُنَا الصالحُ: أن يُظهرَ البراءةَ مِنْ مِثلِ هذِه الأفْعالِ ومِنَ الفَاعِلينَ بقَدْرِ اسْتطاعته، وَ(لا يُكلِّفُ اللهُ نفسًا إلا وُسْعَهَا).

وصلَّى اللهُ وسَلَّمَ على نبيِّنا محمّدٍ وعَلى آله وصَحْبِه.

أبو عبد الرحمان
05-05-2011, 03:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم ،

الحمد لله ، وأشهد أن لا إله إلّا الله ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، صلّى الله عليه وآله وسلّم ،

أمّا بعد ،

فجزى الله الإخوة المشرفين خيرًا على هذا المقال الماتع ، وليسمحوا لي بإضافةٍ (صغيرة) :

هناك فرق آخر بين الخوارج (المتقدمين) والتكفيريين (المعاصرين) ، وهو : أن الخوارج (القدماء) كانوا يرون الكذب كبيرةً يخلد صاحبها في النار ، بينما تجد التكفيريين (المعاصرين) يكذبون ويبترون النصوص لتوافق أهواءهم .

ومن ذلك ما نقله أحد كبار (منظّريهم) في تفسير آية : {ومن لم يحكم بما أنزل الله} ، قال : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال : (هي به كفر) ، مستدلًّا على أنّ ذلك كفر أكبر ، وتاركًا لبقيّة العبارة التي فيها : (وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله) !! ، وتاركًا الروايات الأخرى التي أوردها ابن جرير !!!

وللأسف ، فقد انخدع كثير من الشباب بأمثال هذا الاستدلال الذي يجدونه في (الشبكة) ، فظنّوه الحق الأبلج ، وهذا من تدليس القوم وخداعهم ، ومَن تكلّم مع أفرادهم وجد عندهم الكثير من هذه الشُّبَه ، والله المستعان .

أحمد غدير
05-06-2011, 09:21 AM
أحسن الله إليكم، فقد أبنتم عن الوجه الحقيقي لهؤلاء الخوارج، وإن زعموا بأنهم يجاهدون الكفار.
فهم من أبعد الناس عن منهج السلف، وهم أشد حربا لأعلام السلف في هذا الزمان، وفي المقابل يمجدون رؤوس التكفير والتفجير.
وكما قال الشيخ الألباني في جماعة الإخوان: "ليس صوابا أن يقال إن الإخوان المسلمين هم من أهل السُنة؛ لأنهم يحاربون السُنة" فكيف الحال بهؤلاء الغلاة؟!! .

عبدالفتاح الرنتيسي
05-08-2011, 04:30 AM
بحث طيب بوركتم وبوركت أعمالكم.

فتح الرحمن احمد
05-31-2011, 11:05 PM
بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا
بحث قيم وهام

أبو عبد العزيز الأثري
05-31-2011, 11:45 PM
جزاكم الله خير

وليد الفلاح
06-01-2011, 09:20 AM
جزاكم الله خيرا وأحسن إليكم
مقال مهم ومفيـــد، ومن حقه أن يثبت إلى الأبد فلسنا منهم ولا هم منا؛
بـل هم أمتداد لأول الفـرق المنتسبه إلى الاسلام،
وقــد كـان الأوائـل لايكذبون لأنهم يرونه سببا في الخلود في النــار
أما المعــاصرين فـلا أمــانه عندهم.
بارك الله فيكم أيهــا الأفاضل