أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
15562 12048

العودة   {منتديات كل السلفيين} > المنابر العامة > منبر الفقه وأصوله

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-10-2018, 02:51 AM
ابوعبد المليك ابوعبد المليك غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 4,144
افتراضي تجربتي في دِّراسة الزاد للحجاوي(1) = الشيخ .ا.د. احمد بن مسفر العتيبي


كان كِتابُ الزاد – وما زال – سميري وأنيسي في حِلِّي وتَرحالي ، لسببين : الأول : أنه كتاب مبارك صنَّفه مؤلِّفه الحجَّاوي (ت: 968هـ)رحمه الله تعالى قبل حوالي خمسمئة سنة ، فكم حفظه من طالب ؟وكم شرحه من عالم ؟ وكم أفاد منه من ضليع في الفقه والحديث ؟ وكم ترقَّى في العلم بسببه صغير في نفسه كبيرٌ عند جُلسائه ؟ .

الثاني : أنه كثير المعاني والمباحث والدلالات ، ففيه مهمات الفقه ، وفيه جميع مسائل أصول الفقه ، فقد جمع مصنِّفه فيه بين الفقه وأُصوله ، لأن مصنَّفه كان مُفتياً وعمدة في معرفة المذهب الحنبلي ، وهذه منقبة لا توجد في كثير من المصنفات المختصرة ، ولهذا أقول : لا يستغني عن الزاد عالمٌ ضليع ولا تلميذٌ رفيع ، ومن جرَّب عرف .

وأهل الفقه عقولهم بالحديث والآثار غامرة ، وقلوبهم بما فهموه وعملوا به عامرة ، فهم في سَبر العلم آية ولهم في كل كتاب غاية :
تِلك المكارمُ لا قَعبان من لبنٍ .. شِيبا بماءٍ فعادا بعدُ أبوالا

وهذه التجربة المتواضعة سياحة علمية ماتعة ليست أربعة أشهر ، بل أربعة الآف يوم ولله الحمد والمنة ، قضيتها في رحاب كتاب الزاد ،وهو كتاب مختصر على قول واحد للحنابلة .
وتسمية الكتاب بالزاد ليست من تحرير الحجَّاوي رحمه الله تعالى ، فهو لم يُسمِّه ( الزاد ) بل سماَّه المختصر من المقنع ، فتسميته الزاد من الشراح أو النُّساخ .

والناس اليوم ليسوا بحاجة إلى كثرة الشروح والمؤلَّفات ، فقد كُفوا هذه المؤونة ، إنما هم بحاجة إلى من يُقرِّب لهم العلم ويحبِّبهم في مباحثه ومسائله ، ويهديهم تجاربه وما فيها من دُّربه وممارسة وخبرة لنيل فوائده، وهذا ما أزعم أنني أدركتُه بلطف الله وكرمه ،لا بحولي وقوتي .
وهذه سلسلة مباركة إن شاء الله تعالى تنتظم في عشرة دروس هذا أولها ، أُقيِّد فيها تجربتي في دراسة كتاب مختصر المقنع ( الزاد ) حتى يستفيد منها من لا يعرف هذا المتن المتين الذي أضحى عُمدة للطالبين ومُنية للراغبين .

ويجب على الطالب أن يتعلَّم من موسى عليه وعلى نبينا محمد أتم الصلاة السلام : الصبر لنيل المنى كما في قول الله تعالى : ” لا أبرحُ حتى أبلُغَ مجمع البحرين أو أمضيَ حُقبا ” ( الكهف : 60) . فالمطالب العالية لا تُنال إلا بالأثمان الغالية .

(أ‌) لماذا دراسة الزاد ؟
الزاد مليٌء بالعلم ، ففيه ستة الآف مسألة من المنطوق والمفهوم ، وسوف أُعرِّج على هذه المسألة لاحقاً . وهو مفتاح ضروري لمن رام دراسة الفقه المقارن ، فكتاب الزاد خُلاصة المغني لابن قدامة (ت: 620هـ)رحمه الله تعالى ، لأن المقنع خلاصة المغني ، والزاد خُلاصة المقنع ، فيكون الزاد خُلاصة الخلاصة بهذا الإعتبار .

ولأن الهِمم قد قَصُرت والأشغال قد كثرت ، فيكون فهم الزاد مطلباً مُلِّحاً اليوم على كل هُمام.
ومن اللطائف التي استللتُها من الزاد أن الحجاوي ردَّ على أبي حنيفة رحمه الله تعالى تلميحاً في قوله بوجوب الوِتر كما هو مذهب الأحناف ،وقد نقله السرخسي (ت: 490هـ) عن الإمام في كتابه المبسوط. فالجمهور لا يقولون بوجوب الوِتر لكن أبا حنيفة يقول بوجوبه .
فقد أورد الحجاوي في الزاد بعد مباحث صفة الصلاة وواجباتها وأركانها وسجود السهو ، أورد ما يجبر نقص الصلاة وعدَّد أربع صلوات تطوعية آخرها التراويح والوتر، فدلَّ بالاستصحاب الأصولي على عدم وجوبه لأنه ألحقه بالتراويح ، والتراويح سنة مؤكدة ،لم يُصلِّها رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى ثلاث ليال ، والتراويح تُشرع لها الجماعة ، والوتر لا تُشرع له الجماعة ، فدلَّ على عدم وجوبه . ولا يتفطَّن لهذا إلا من شرَّق وغرَّب في مباحث الزاد وقلَّب صفحاته ليله ونهاره .

وحجة أبي حنيفة رحمه الله تعالى على وجوب الوتر هو الحديث المرفوع : ” إن الله زادكم صلاةً وهي الوتر “أخرجه أحمد بإسناد صحيح . لكنه مُعارض بما في الصحيحين كما في حديث الأعرابي : ” هل عليَّ غيرُها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ، إلا أن تطوَّع ” . والمسألة واسعة تُراجع في الكتب المطوَّلة .

والزاد بشروحه من المصادر السيَّالة التي تسيل بالفقه والحديث واللغة والمعاني ، تجعل الطالب يزيد رسوخاً وقوة في علمه واستدلاله . فكأن الحجاَّوي يقول لا تكتفي بالفقه بل اعتني بكل ما يجمِّل الفقه ويُعينك عليه .

ففيه دعوة لفهم مراتب الأدلة والإجماع وكيفية التعليل والراجح من المرجوح .
وهناك فائدة لمن أجد من نبَّه عليها رغم أهميتها وهي : تصوُّر المسائل .
فالزاد لم يختصره الحجَّاوي للترجيح فقط ، إنما أراد منه أن يكون مفتاحاً لتصور مباحث الفقه بالمنطوق والمفهوم وكيفية تعليل المسائل .

فمثلاً مسألة شروط صحة الصلاة لم يُوردها الحجَّاوي في الزاد ، إنما أورد شروط الوجوب . وغايته من هذا أن العبادة لا يمكن تصوُّرها من كافر أو مجنون أو غير مكلَّف .
فمناط الصحة للعبادة على شروط الصحة ، وبهذا ينبِّه على أهمية الحكم الوضعي وهو مبحث مهم في علم أصول الفقه قلَّ من يحسن الإستدلال عليه من المتعلِّمين ، ومنهم من يُخطىء في تطبيقه عند إرادة العمل به .

ومثال آخر مسألة ستر العورة التي يقول بعض أهل العلم إنها لا تجب في الصلاة ،بل تُستحبُ لأن الدليل لم ينص عليها ،! أو هل هي شرط وجوب أم شرط صحة ؟ .
قال الحجاوي في الزاد : ” ومنها ستر العورة فيجب .. ” .

من أين جاء الوجوب ؟! جاء من الإجماع : ولهذا قال عِلِيش الفقيه المالكي رحمه الله تعالى(ت: 1299هـ):
” الإجماع حُجة لا بدَّ له من مُستند قد يُعرف وقد لا يعرف ” .

فانظر إلى قوله : ” قد يُعرف وقد لا يُعرف ” ففيه درس تربوي مفاده أنه يجب التروِّي في الفهم وعدم تخطئة العلماء في استدلالاتهم وتخريجاتهم .

ولو راجعت كتابي الإجماع لابن المنذر (ت: 318هـ) والإجماع لابن حزم (ت: 456هـ)رحمهما الله تعالى لوجدتَ النص على هذه المسألة في كتابيهما لإلتباسها على من لم يتصور المسائل الخفية .
وكذلك من الأمثلة على ضرورة تصور المسألة : مسألة الذهب الملبوس هل تجب فيه الزكاة ؟

هذه المسألة أوردها الحجَّاوي في الزاد قبل حوالي خمسمئة سنة ، لكنه أفاد بأهم منها وهي : مسألة بيع بعض النساء لشي من ذهبها الملبوس لتنفقَ من ثمنه على نفسها فهنا الذهب : فيه زكاة . وكذلك مسألة شراء النِّساء للذهب الذي فيه ذوات أرواح فهذا : فيه زكاة ، وقد أشار إلى هذا بقوله : ” ولا زكاة في حُلِّيهما المعدِّ للاستعمال أو العارية ، وإن أُعد للكِرى أو النفقة أو كان محرَّماً ففيه الزكاة ” .
وقصد الحجَّاوي هنا هو تنبيههُ على أن ما صار عروض تجارة من الذهب : ففيه زكاة ، وما كان للاستعمال : فلا زكاة فيه تيسيرا ًعلى المكلَّف. والله أعلم .

(ب): التحضير لدراسة الزاد :
قبل دراسة الزاد يجب أن تعلم أن مسائل الفقه فيها الراجح والمرجوح . والعمل بالراجح واجبٌ، سواء في الزاد أو في غيره من الكتب التي أقل منه مرتبة . وارتياح النفس لقول عالمٍ لا يكون حجة للانتصار لقول في مسألة من المسائل . فمقالة من قلَّد عالما ًلقي الله سالماً لا تصح مطلقاً، إلا إذا كان الدليل قوياً وعمل به الفقهاء واتفق عليه الجمهور في الجملة .

والعاميُّ إذا أخذ بالقول المرجوح لقلة علمه فلا إثم عليه لكنه مأمور بالسُّؤال ، حتى يعلم بيقين ويكون على بينِّة من أمره . والترجيح لا يكون واجباً دائماً ، فيمكن تصور المسألة بالجمع بين الأدلة ، فتكون الأقوال كلها صحيحة ويمكن العمل بها دون ردِّها ودون تنازع أو عصبية .
من الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أن يعتقد صحة مسألة ثم يستدلُّ لها ، والصحيح أن يستدل ثم يعتقد . فلا بد من التجرد للحق والورع عن الفتوى حتى يمكن تصور المسألة بالهيئة الصحيحة الموافقة للشرع .

بعض الكتب الفقهية تُورد القول المرجوح تمريناً أو مذاكرة وتُحيل على القول الراجح في المطوَّلات أو لا تحيل عليه ، لكن يُعرف من طريقة المصنِّف في كتابه ، فليس كل قول ورد في الكتب أو المتون هو الحق المبين ، ولو كان الأمر كذلك لاستغنى الناسُ عن العلماء وأهل الفتوى ، فافهم هذا فإنه نفيسٌ جداً .

هناك مسائل فقهية هي محلُّ نظر واجتهاد فتتعدَّد الأقوال والترجيحات فيها لضعف الدليل وامكانية تأويله أو لعدم جريان العمل والفتوى عليه .

وفي الزاد مسائل من ذلك بلغت ثلاثين مسألة بعد حذف المكرر، فمن استدرك على الزاد أو غلَّطه ، إنما قصده أن الأكمل كذا أو العمل والفتوى ليست على القول الفلاني أو أن العرف لا يوافقه ونحو ذلك ، فتكون اختيارات الزاد صحيحة من وجه ، واختيارات من استدرك عليه صحيحة من وجه آخر ، وهذا لا يعرفه إلا من طالع أصول الفقه وأكثر النظر فيه .

وحتى يستريح القلبُ فالدليل الصريح المعمول به هو الذي عليه المعوَّل في الترجيح غالباً ، فليس كل دليل صحيح يُعمل به وليس كل دليل يُفتى به . فإن لم يوجد دليل فينظر إلى ما أجمع عليه أهل العلم ، فإن إجماعهم ببينة ٍ.
وفي ما تقدَّم تمرينٌ لقارىء الزاد أن ما جرى عليه العمل ملحظ مهم في الترجيح سواء تفطَّن إليه أو لم يتفطن إليه .فأبو حنيفة مثلاً كان يقضي بما اشتهر في العراق من القضاء والفتوى ولم يعارضه دليل ، ومثله الشافعي كان يحتج بعمل أهل مكة ، ومالك أيضا كان يحتج بعمل أهل المدينة .

القول الراجح في الكتب الفقهية يُعدلُ عنه أحيانا مراعاة لمصلحة راجحة أو مراعاة لِعرف البلد أو تحقيقاً لمصلحة شرعية دلَّ عليها دليل آخر ، أو مراعاة للمآل أو مراعاة للإحتياط أو مراعاة لعموم البلوى ، أو لما جرى عليه العمل في زمان ومكان معين ، أو لتحقيق قول الجمهور أو لحكم قضى به قاضي البلد .
فهذه قاعدة يجب اعمالها في فهم الزاد وغيره من المتون الفقهية وغيرها من كتب أهل العلم

والعدول عن القول الراجح يجب أن يكون مبنياً على أصل شرعيِّ من دليل أو تعليلٍ أو قول عالم مشهود له برسوخ العلم والتقوى .

مثال ذلك أن الراجح عند الإمام أحمد (ت: 241هـ )رحمه الله تعالى هو تضعيف إسناد حديث : ” العرب بعضهم لبعض أكفاء إلا حائكاً أو حجاماً ” لأن في إسناده مقالاً . فلا اعتبار للصناعة الدنيئة في الكفاءة في النكاح ، لكنه عدل عن الراجح في المسألة فأفتى باعتبار ذلك في الكفاءة مراعاة لعرف الناس وعاداتهم .

ومثال آخر : صلاة الجمعة تجوز قبل الزوال ، لكن ابن قدامة (ت: 620هـ) رحمه الله تعالى وغيره من الحنابلة ، عدلوا عن القول الراجح خروجا ًمن الخلاف ومراعاة لقول الجمهور القائلين إن وقت الجمعة بعد الزوال .

ومثال آخر : تكبيرات صلاة الجنازة تجوز إلى ست تكبيرات ، لكن ابن قدامة رحمه الله تعالى وغيره من العلماءعدلوا عن هذا القول مراعاة لقول الجمهور وخروجا ًمن الخلاف . فاحفظ هذا الأصل فإنه نفيس جداً .

وقبل أن أختم الجزء الأول من هذه السلسلة المباركة أودُّ أن أنبِّه إلى أن المباحث الفقهية تحتاج إلى صبر وعزيمة لا تلين ، لأن النصيب والظَّفر مُعلَّق بالصبر ، كما قال ابن مظفر الصِّقلي(ت: 565هـ ) رحمه الله تعالى : ومن قلَّ فيما يتقيه اصطبارهُ ..فقد قلَّ فيما يرتجيه نَصيبهُ .
كان البخاري (ت: 256هـ )رحمه الله تعالى يُسرجُ في الليلة حوالي عشرين مرة يكتب التعليق أو الفائدة ثم يستلقي ، هكذا حتى يمضي عليه أكثرُ ليلِه .

ومع دراستنا للزاد سوف نقتدي بالبخاري في منهجه لفهم الدُّروس ، وهو منهج مهجور للأسف لضعف الهِمم .

فالمطلوب الآن منك أن تقرأ في النُّسخة المحقَّقة من الزاد عشرين ورقة ، واليوم الثاني لا تقرأ فيه شيئاً ، إنما تربط بين المسائل وتُلاحظ الفروق بينها وتتأمل الوجوه وأحكام التكاليف ، وفي اليوم الثالث قرآءة عشرين ورقة جديدة ، ثم اليوم التالي ربطٌ جديد ، وهكذا لمدة شهر كامل ، فتكون قد فرغتَ من جرد الزاد كُّله جرداً مسحياً في خمسة عشر يوما ً ، وتصوَّرته في عقلك في خمسة عشر يوما ً، وتبقى المعاني والمستغلقات مرقومة بقلمك لفهمها في وقت مستقل ، وسيأتي بيان ذلك في درس قادم من هذه السلسلة إن شاء الله تعالى .

هذه الطريقة تستفيد منها أمرين : الأول : معرفة مباحث الزاد وحفظ ما يمكن حفظه من المسائل ، والثاني : التدريب على طريقة الحجَّاوي في استخراج الحكم وتقعيده للمسألة واختصاره للأحكام.

على سبيل المثال قول الحجَّاوي في الزاد : ” ويُسنُّ تعجيل فِطرٍ ” العبارة واضحة لكن المعنى عند التأمل فيه استغلاق ، وجوابه : أنه ليس من السُّنة الفطر بعد الغروب ، بل السُّنة الفِطر عند الغروب وهذا يكون بغلبة الظن ، ولا يؤكِّده إلا أذان المؤذِّنُ إن كان يسمعه ، أو كونه يعرف وقت الأذان إن كان خارج البلد .

فالمسألة السابقة فيها حكم وضعي وهو السبب : تعلُّق دخول الوقت بالعلامة الكونية أو بالاعلام الشرعي برفع الأذان ، وفيها حكم تكليفي وهو المندوب .
وخُلاصة الحكم أن تعجيل الفطر بالعلامة الشرعية المعروفة بالسبب بقسميه الكوني والشرعي : سنة وطاعة وقربة يُؤجر عليها المسلم . والله أعلم .

مثال آخر : من سكن مكة وليس من أهلها من أين يحج ؟الجواب : يحرم من مكة لحديث : ” حتى أهلُ مكة يهُلُّون من مكة ” .متفق عليه .
فمن سكن مكة ولو من غير أهلها يسمى مكياً ، فيحرم بالحج من مكانه ، أما العمرة فيلزم الخروج إلى أدنى الحِلِّ .

وقد أشار الحجاوي إلى المسألة في قوله : ” ومن حج من أهل مكة فمنها ، وعُمرتُه من الحِلِّ ” فقوله ” من مكة ” لا يُقصد أن هذا مقيَّد بأهلها الأصلييِّن ، إنما قصده من كان فيها ولو من غير أهلها . فهذا تدريبٌ منه على استخراج الحكم بالرجوع إلى نصِّ الحديث كما تقدَّم .

والمسألة فيها تدريب على لفظ العموم عند الأصوليين ، ف(من) تفيد العموم كما هو مقرر عند أهل الصنعة ، كقول الله تعالى : ” نحنُ أعلمُ بمَن فيها ” ( العنكبوت : 32) . والله أعلم .

تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني إن شاء الله تعالى .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات .
1439/9/23
__________________
أموت ويبقى ما كتبته ** فيا ليت من قرا دعاليا
عسى الإله أن يعفو عني ** ويغفر لي سوء فعاليا

قال ابن عون:
"ذكر الناس داء،وذكر الله دواء"

قال الإمام الذهبي:"إي والله،فالعجب منَّا ومن جهلنا كيف ندع الدواء ونقتحم الداءقال تعالى :
(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)
ولكن لا يتهيأ ذلك إلا بتوفيق الله ومن أدمن الدعاءولازم قَرْع الباب فتح له"

السير6 /369

قال العلامة السعدي:"وليحذرمن الاشتغال بالناس والتفتيش عن أحوالهم والعيب لهم
فإن ذلك إثم حاضر والمعصية من أهل العلم أعظم منها من غيرهم
ولأن غيرهم يقتدي بهم. ولأن الاشتغال بالناس يضيع المصالح النافعة
والوقت النفيس ويذهب بهجة العلم ونوره"

الفتاوى السعدية 461

https://twitter.com/mourad_22_
قناتي على اليوتيوب
https://www.youtube.com/channel/UCoNyEnUkCvtnk10j1ElI4Lg
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 06-24-2018, 12:56 AM
ابوعبد المليك ابوعبد المليك غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 4,144
افتراضي

تجربتي في دِّراسة الزاد (2)

في الدرس الأول تناولتُ أهمَّ المسائِل التي يجبُ أن يلحظها الطالبُ عند دراسة الزاد ، سواء في باب النظر وجَرد المسائل ، أو في باب الترجيح ، أو في باب تقرير الأحكام . وفي هذا الدرس الثاني تكملة لما تقدَّم من مباحث.

وهنا تنبيه لطيفٌ قبل أن أدلف إلى المبحث التالي وهو : أن بعض الطلبة أو المتفقِّهين يدرس مسألة معينة من الزاد قبل أن يمرَّ على مسائل الزاد من أول الباب.

وهذا غلط من وجهين .

الأول : أن مسائل الزاد مترابطة لا يمكن فصل بعضها عن بعض .

الثاني : أن بعض معاني المسائل المتأخِّرة تأتي في أول الباب أو الفصل ، فيفوتُ فهمها بتفويت المرور عليها من أول محلِّ سردها ، وهذا لأجل اعمال قاعدة : وجود الأعيان قبل وجود الأذهان ، وهي قاعدة صحيحة أشار إليها الغزالي (ت: 505هـ) رحمه الله تعالى في مِعيار العلم ، فلتراجع .

مثال ذلك ما أورد الحجَّاوي رحمه الله تعالى في كتاب الظِّهار : ” ولا يُجزُىء من البُّرِ أقلُّ من مُدٍّ ولا من غيره أقل من مُدَّين ” .

هذه المسألة متعلِّقة بالزكاة في مسائل الظِّهار ، فالأكمل دراسة باب الزكاة قبل النظر فيها .
فلا يستقيم دراسة مسألة حُكم قضاء زكاة الفِطر قبل مسألة كراهة اخراج زكاة الفطر بعد صلاة العيد ، ودراسة مسألة حكم أخذ مال المشرك دون قتل ، قبل مسألة حكم الغنائم ، ودراسة مسألة حكم الاختلاف في ردِّ العارية قبل مسألة ضمان العارية ، وقس على هذا .

(ج) : منهج تصوُّر المسائل :
قبل البدء في تصوُّر مسائل الزاد يجب أن يكون الطالب والمتفقِّه على دِّراية بمسائل الفقه ، وأن يكون قد قطع شوطاً لا بأس به في بحث المسائل الفقهية ، إما حفظاً وفهماً أو تأملاً ومطالعةً . هذا قيدٌ ضروريٌّ لا مناص منه .

بعد جرد مسائل الزاد وتأملها يأتي ما يسمى بتصوُّر مسائل الزاد .

ويقصد به : تحليل المفردات ومعرفة القيود وربطها بالأحكام التكليفية والوضعية ، وهذا من أهمِّ مراحل الفهم .

ومقيِّد هذه السُّطور ينصح بكثرة النظر في علم أُصول الفقه ، فإنه العلم الذي يَقضي ولا يُقضى عليه ، ومن لا يُحكمه فلن ينال الفقه ولو عُمِّر مئة سنة .
والأحكام الوضعية مهمة للغاية عند مطالعة الزاد ، لأنها تختصر نصف مسافة فهم الزاد ، بعكس من لم يُحط بها .

مثال ذلك قول الحجَّاوي عن وليمة العرس:
” تُسنُّ ولو بشاة فأقلَّ ” .

قوله : تُسنُّ ، فهم أصولي للمسألة ، لأن الأمر في الحديث : ” أولم ولو بشاةٍ ” مصروف عن الوجوب إلى الندب بالقياس، لأنه طعامٌ لسرور حادث ، فأشبه سائر الأطعمة .
والقرينة عند الأصوليين : قد تكون نصاً أو إجماعاً أو قياساً أو مفهوماً أو مصلحةً أو ضرورة أو سياق كلام .

وهذا متقرر فلا بد من فهمه واعماله في كل مسائل الفقه ، لاستخراج الحكم الصحيح الذي يوافق الشرع .

قد تكون في المسألة الفقهية أقوالٌ عديدة أخرى ، لكن هذا هو الأصل الصحيح للبدء بتصور المسائل ومعرفة مناط الحكم المراد.

ومن باب المذاكرة فقد قال ابن قدامة (ت: 620هـ) رحمه الله تعالى في المغني : ” لا خلاف بين العلماء أن وليمة العرس سنة ” .

والفهم يبدأ بحفظ المسألة أو تكرارها ثم تأمُّلها وتقليب صورها في الذِّهن ، وإن أمكن الرجوع إلى كتب الأحكام فهو أنفع ، فإن لم يتيسر ذلك فحبذا الرجوع إلى كتب الفتاوى الموثوقة .
• المسائل في الزاد على ثلاثة أقسام :

القسم الأول : مسائل واضحة
القسم الثاني : مسائل خفية
القسم الثالث : مسائل مركَّبة من القسمين .

المسائل الواضحة مثل قول الحجَّاوي : ” لا تجب صلاة الجمعة على مسافر ” .
فهذه يتضح الحكم فيها من خلال المسألة نفسها بلا عُسر .

والمسائل المبهمة مثل قول الحجاوي : ” ولا يرِثُ النساءُ بالولاء إلا من أعتقن ، أو أعتقه من أعتقن ” .

ومعناها : ليس للنِّساء إرثٌ بالولاء إلا من باشرن عتقه بأنفسهن ، أو أعتقه من أعتقن . فلو مات معتق له ابنٌ وبنتٌ فالميراث لابنه.
هذه المسألة الصعبة سأل عنها الإمام مالك (ت: 179هـ) رحمه الله تعالى ، تسعين قاضياً في العراق فأخطأوا فيها .

وتوضيحها : ذكرٌ وأنثى اشتريا أباهما ثم عُتق عليهما ، ثم ان الأب اشترى عبداً فأعتقه ، فيرثان أباهما ميراث نسب ، لأن النسب مقدَّم .
فلو كانت البنتٌ بذلت في قيمة والدها عشرين ألفا ً ، والابن بذل عشرة الآف ، فللذَّكر مِثلُ حظ الأُنثيين ، وعتيق الأب إذا مات يرثه الابن .

هذا اختصار جواب المسألة . والله أعلم .

أما المسائل المركَّبة من القسمين : فهي ما يكون حُكمها واضحاً من أول وهلة لكن فيه خفاء .
مثال ذلك قول الحجَّاوي : ” وإن بنى في الأرض أو غرس لزمه القلعُ وأرش نقصها ” .

ومعناها : لو أن رجلاً غصبَ أرضاً، فبنى أو زرع فيها ، فإنه يلزمه القلع وتسوية الأرض واصلاحها ودفع قيمة النقص الحاصل من العبث فيها ، حسب تقدير أهل الخِبرة . والله أعلم .
ما أهمية تصوُّر المسائل ؟

الجواب : الوقوف على مطابقة الحكم لمراد الشارع الحكيم .
فعلى سبيل المثال : في باب الآنية قال الحجاَّوي : ” تُباح آنية الكفار ..” .

هذه المسألة فيها ثلاثة مباحث : الإباحة والآنية والكفار .
فالإباحة حكم تكليفي أصولي يُراد منه أن الفعل والترك سواء .ويسمى حلالاً وجائزا ً. من أين وردت إباحة أواني الكفار ؟

الجواب : وردت الإباحة من دليلين : دليل الشرع ودليل العقل .
فدليل الشرع النص الوارد في كتب الصِّحاح ، ودليل الشرع هو البراءة الأصلية أو ما يسمى استصحاب العدم الأصلي ، أي أن الأصلَ في الأشياء الطهارة حتى يتعيَّن ناقل يُغيِّر الحكم العقلي .

ولهذا تجد في عبارات الفقهاء قول : ” انتفاء دليل التحريم دليل على عدم التحريم . وقد كرَّرها ابن تيمية (ت: 728هـ )رحمه الله تعالى في القواعد النُّورانية ، وهو كتاب مهم كُّله نور .
هنا مسألة مهمة وهي لو أنه لم يرد دليل من الشرع على إباحة أواني الكفار فهل يجوز لنا الاستدلال بالإباحة العقلية ؟

الجواب : أننا لا نستدل بالبراءة الأصلية حتى نفتش عن دليل من أدلة الشرع بعد الكتاب والسنة والإجماع وقول الصحابي ، فإن لم نجد فتكون البراءة الأصلية هي المعوَّل عليه في الإحتجاج .

ولهذا تجد من يقول في الكتب أو في القنوات : الأصل في الأشياء الإباحة . لا بد أن يقيد ذلك بعدم وجود دليل ، لأنه لا يتصور أن يباح شي بلا أصل من الشرع لأنه الحاكم لأفعال المكلفين .
نعود للمسألة : الآنية : المقصود بها ما يوضع فيه الطعام والشراب كالقدر والكأس والطست ونحوها .

الكفار المقصود بهم : أهل الكتاب ، ويلحق بهم غيرهم ممن ليسوا بأهل كتاب ممن لا تحلُّ ذبائحهم . فيكون حكم المسألة : جواز استعمال آنية الكفار .

لكن بقي هنا قَيدٌ قد لا يتنبَّه له البعض ، وهو إذا كان في الإناء نجاسة كبقية عَرق خنزير أو دُهن لحمه ، فإن الآنية هنا لا تكون جائزة لوجود ما يُفسد حالها الأصلي الذي خلقه الله عليها وهي الطهارة ، فهنا يجب غَسلها وتطهيرها ليمكن استعمالها .

من الأمثلة أيضا في الزاد التي من خلالها يمكن تنوير فهم المتأمِّل في تصور المسائل : مسألة لبس الخاتم الفضة للرجل .

هذه المسألة خاض الناسُ فيها كثيراً بين مانع وقانع .

فالمانع يقول إنه خاص بالسُّلطان والحاكم وأهل الولاية ممن يحتاجون إلى كتابة الاسم والتوقيع به ، والقانع أي المجيز يقول إنه كان من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، وليس هذا موضع مناقشة القولين .

لكن الصحيح والراجح : أن خاتم الفضة للرجل مباحٌ وليس بسنة ، فلا يجوز الخلط بين الحكمين التكليفيين .

فالمباح هو الجائز الذي فِعلهُ وتركه سواء. لكن السنة هي هي المندوب والمستحب .
ولا يوجد في أحاديث خاتم الفضة قرينة تؤكِّد أنه مسنون .

ولهذا قال الحجَّاوي رحمه الله تعالى في الزاد : ” ويباح للذَّكر من الفضة الخاتم ” .
فقوله : ” يباح ” تنبيه على ضرورة تصور الحكم التكليفي ، حتى لا يختلط بغيره من الأحكام التكليفية الأخرى .

ومن قال باستحبابِ لبسِ خاتمِ الفضةِ يلزمهُ القول بأن لبسَ الرداءِ والإزارِ مستحبٌ ، وهو الأفضلُ لكلِ أحدٍ أن يرتدي ويأتزر ولو مع القميصِ ، وكذلك لبسُ العمامةِ والنعالِ السبتيةِ .

فالرسول صلى اللهُ عليه وسلم لم يقصد القربةَ في هذهِ الأفعالِ ، فيحمل لبُسه صلى اللهُ عليه وسلم للخاتمِ على الإباحةِ في حقِّهِ وحقِ أمتهِ.

وقد أسَّس المرداوي رحمه الله تعالى لهذا الفهم في الإنصاف( 3/142 ) فليراجع لأهمِّيته .

ومن الأمثلة التي تُقرِّب تصوير المسائل : حكم اطالة المصلي للسُّجود أكثر من الركوع أو أكثر من الرفع من الركوع.

هذه المسألة الأصل فيها السنة النبوية وليس ما يشتهيه الإمام ، إن كان المصلِّي يُصلِّي خلف إمامه.

فيجوز للمنفرد أن يُطيل ما يشاء من الأركان والواجبات لاستجلاب الخشوع والتلذذ بالطاعة .
لكن الأكمل للمنفرد وللإمام الإقتداء ، لقول أنس رض الله عنه : ” ما صليتُ خلف أحدٍ أوجز صلاة ولا أتمَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أخرجه مسلم في صحيحه .

وعن ابن أبي ليلى، عن البراء، قال: ” كان ركوع النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع، ما خلا القيام والقعود، قريباً من السواء ” متفق عليه .

فهذان النصان يُفيدان أن الصلاة يُسنُّ أن تكون موجزة – ما عدا القيام – ولا يزيد بعضها عن بعض في حال صلاة الإمام بالمأموميين .

وقد أوردها الحجاوي في الزاد حيث قال : ” ويُسنُّ لإمام التخفيف مع الإتمام ” .

• وهناك طرق ميسرة تُساعد على تصور المسائل ومنها :

1- البحث عن تعليل حكم المسألة إما بالسؤال أو بمطالعة كلام العلماء . قال الحجاوي عن زكاة الفطر : ” ولا يمنعها الدَّين إلا بطلبه ”
تعليل المسألة : أنها ليست متعلقة بالمال بل متعلِّقة بالذِّمة .

2- النظر في الفروق الشرعية للأسماء ، لأن الاختلاف في الغالب يوجب المغايرة . قال الحجاوي : ” ولا يصح إلا في مسجد ” يعني أن الإعتكاف لا يصح في المصلَّيات لاختلاف مدلولها وماهيتها ، فهي ليست دائمة بل مؤقتة، والعبادة في المكان المؤقت لا يستقيم أثرها في النفس ، في الغالب .

3- الحكم بالظن الراجح في الأمر الذي لا دليل عليه .
قال الحجاوي : ” لا حيض قبل تسع سنين ” .فنحنُ نحكم على بنت ثمان سنين بعدم التكليف لظنَّنا أنها لم تبلغ ، فلا تُعاقب على فعل شرعيِّ أوجبه عليها الشارع الحكيم .

4- لا تصح المفاضلة بين أمرين إلا بدليل : قال الحجَّاوي : ” صلاة الليل أفضل من صلاة النهار ”
هذا التفضيل أصله الحديث المرفوع :
” أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل ” أخرجه مسلم .

فمن فضَّل صلاة الضُّحى على صلاة الليل فَيُردُّ عليه بهذا الحديث .

5- براءة الذِّمة ترتفع بالعجز : قال الحجَّاوي : ” الزوج لا يلزمه كفن امرأته ” .
يعني لو كان مُوسراً فمن مكارم الاخلاق شراء كفنها ، وقد يلزمه وجوباً لأنه محرمها ، وإن كان معسراً فإن الكفن لا يلزمه .

وقد أخطأ بعضُ الشراح للزاد حين قالوا : لا يجب كفن الزوجة على الزوج لأن الاستمتاع فات محلُّه ! ، وهو تعليل سقيم . فليته يُصحَّح .

6- إذا استهلَّت المسألة بحكم تكليفي فلا بد أن يكون الحكم قطعياً في الغالب : قال الحجاوي : ” تُكره صلاة العيد في الجامع ” .

ووجه الكراهة لأن صلاة العيد صلاَّها الرسول صلى الله عليه وسلم في المصلَّى .
ويستثى من ذلك حالتان: أهل مكة يُصلُّون في الحرم ، ومن أصابه مطر أو ريح ونحوهما .

7-الرضا لا يكون مُطِّردا دائماً . قال الحجَّاوي : “فإن رضيت المرأة الكبيرة مجبوبا أوعنِّينا لم تُمنع ، بل من مجنون ومجذوم وأبرص ” .
فرضاها قُبل في الأولى ورُدَّ في الثانية .

8- الحكم بالظاهر من أدلة الشرع : قال الحجاوي : ” وما وجد مع اللقيط فهو له ” . يعني متاعه وماله ونحو ذلك .

9- التركيز على النُّعوت والأوصاف في المسائل : قال الحجاوي في الزاد :
” وإن خرج أهل الذِّمة منفردين عن المسلمين لا بيوم لم يُمنعوا ” .

هذه المسألة في حكم خروج أهل الذِّمة لصلاة الاستسقاء ، وقد قيَّد خروجهم بكونهم منفردين في مكان خروجهم لا في يومه ، فلا يختلطوا بالمسلمين .
والعِلة أنه ربما نزل مَطرٌ في يوم خروج أهل الذِّمة فَيفتتن بهم الناس .

فالوصف والنعت الوارد في المسألة أفاد التخصيص فأوجب حُكماً مغايراً مما يساعد على فهم المسألة . وقِس على هذا بقية النُّعوت والأوصاف التي تأتي في المسائل .

10- تتبُّع الجزئيات : قال الحجَّاوي : ” أكثر مدة الحمل أربع سنين ” . هذا عرف بالاستقراء والتتبع . وهو حجة ظنية غالبة ، ومن أهل العلم من يقول بوجوبه . والله أعلم .

تم الدرس الثاني ، ويليه الدرس الثالث إن شاء الله تعالى .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات .
1439/9/28
__________________
أموت ويبقى ما كتبته ** فيا ليت من قرا دعاليا
عسى الإله أن يعفو عني ** ويغفر لي سوء فعاليا

قال ابن عون:
"ذكر الناس داء،وذكر الله دواء"

قال الإمام الذهبي:"إي والله،فالعجب منَّا ومن جهلنا كيف ندع الدواء ونقتحم الداءقال تعالى :
(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)
ولكن لا يتهيأ ذلك إلا بتوفيق الله ومن أدمن الدعاءولازم قَرْع الباب فتح له"

السير6 /369

قال العلامة السعدي:"وليحذرمن الاشتغال بالناس والتفتيش عن أحوالهم والعيب لهم
فإن ذلك إثم حاضر والمعصية من أهل العلم أعظم منها من غيرهم
ولأن غيرهم يقتدي بهم. ولأن الاشتغال بالناس يضيع المصالح النافعة
والوقت النفيس ويذهب بهجة العلم ونوره"

الفتاوى السعدية 461

https://twitter.com/mourad_22_
قناتي على اليوتيوب
https://www.youtube.com/channel/UCoNyEnUkCvtnk10j1ElI4Lg
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 06-26-2018, 02:30 PM
ابوعبد المليك ابوعبد المليك غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 4,144
افتراضي

تجربتي في دِّراسة الزاد (3)

في الدرس الثاني تناولتُ بشي ٍمن التفصيل مسألة تصور المسائل في الزاد ، وأشرتُ إلى ضرورة ترتيب المسائل في الذِّهن كما نبَّه عليها الغزالي (ت: 505هـ)رحمه الله تعالى ، وأردفتُ ذلك بطرق تصور المسائل مع التمثيل والمدارسة لكثير من الأحكام الفقهية على حسب ما يقتضيه المقام .

(د) : تحرير محلِّ النِّزاع :
بعد تصوُّر جميع المسائل في الزاد ندلف إلى تحرير محل النِّزاع .
المقصود بتحرير محلِّ النِّزاع : بيان سبب الخِلاف وتعيِّين المتفق عليه والمختلف فيه ، ثم تلخيص الجواب المناسب.
والغاية من تحرير محل النِّزاع : معرفة مقاصد الحكم والزام الخصم بمناط الصواب في المسألة ، وتجنب الاستطراد فيما لا صِّلة له بأصل البحث.

وليس المقصود هو غلبة الخصم أو الطرف الآخر ، إنما المقصود تقوية الدُّربة على كيفية المقارنة بين الأدلة ومعرفة مناط الحكم فيها واستخراج الأقوى والأحكم على حسب قواعد الشريعة ، وهذا لا يأتي دفعة واحدة إنما يأتي مع الأيام والليالي .

طُّرق تحرير محلِّ النِّزاع كثيرة منها : استقراء نوع الخِلاف هل هو لفظي أم معنوي ؟ ، توضيح المصطلحات المختلف فيها ، بيان الدليل ونوعه وقوته وتخريجه . ويمكن مطالعة كتب أصول الفقه للتوسُّع في ذلك .

وتحرير محل النِّزاع مهم ، لأن به يمكن معرفة الحجج الشرعية ودفع الشُّبه وقوادح الأدلة ومعرفة البراهين .

فالخلاف عند التأمُّل ضيق يفضي إلى سعة ، وفيه تربية للنفس على بذل الإخلاص والعلم ومعرفة أقدار العلماء ومناقبهم.

وهنا يجب التوضيح والتنوير أن التحرير معناه زيادة البحث وتقليب الحجة ومراجعة الجواب قبل الحكم ، ومحاولة فهم عبارات العلماء في استنباطاتهم وتخريجاتهم .

فحروف مثل : لو ، حتى ، إن ، ترد كثيراً في الزاد ، ويُقصد بها أن في المسألة خلاف يجب مراعاته . فلو للخلاف القوي ، وحتى للخلاف المتوسط ، وإن للخلاف الضعيف .
فمن طالع في الزاد لاحظ هذا كثيراً في مسائله :

كقول الحجاوي رحمه الله تعالى : ” وتعجيلها أفضل ، ولو صلَّى وحده ” ، ” ويحرم تطوع بغيرها حتى ما له سبب ” ، ” فإن استويا في إذن أو عدمه فالثانية باطلة” ، ” وكذا لو أذن ولو في غير وقته ” ، ” وله السُّؤال عند آية رحمة ولو في فرض” ، ” حتى في نكاح فاسد فيه خلاف” ، ” وانتظار داخل إن لم يشق على مأموم ” .

وغيرها كثير في مواضع متفرقة في الزاد ، قصد منها الحجاوي تقوية المَلكة عند البحث والمطالعة للمسائل.

وهنا أقيد الأمثلة من الزاد على كيفية تحرير محلِّ النِّزاع بإيجاز ، لكن يجب التنبيه أن الأمثلة هنا للتقريب ، لأن تحرير النِّزاع يحتاج إلى نفس طويل وصفحات طويلة لكل مثال يُقصد توضيحه ، وليس هذا محلُّه ، ومن أراد التوسع فليراجع الكتب المخصصة لذلك وهي مذكورة في أسفل المقال . والله الموفِّق.

(1) قال الحجَّاوي رحمه الله تعالى : ” ومن مَسح في سفر ثم أقام ، أو عكس أو شك في ابتدائه : فمَسحُ مقيم ” .

حُجة الحنابلة في كونه يمسح مسح مقيم في الحالات الثلاث ، هو التغليب لأحد طرفيها وهو الحضر أي الإقامة ، فالسفر طارىٌء ، وكل مسافر سيصل ويقيم ، والأغلب على الناس هو إقامتهم ، وسفرهم ليس بدائم . وبهذا قال الإمام الشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى وكثير من فقهاء الإسلام.

أما الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى فقد خالف في المسألة وقال الصحيح إنه يمسح مسح مسافر للحديث المشهور : ” يمسحُ المسافر ثلاثة أيام بلياليهن ” أخرجه الترمذي بإسناد صحيح ، ووجه استشهاد أبي حنيفة أن الحكم مُتعلِّق بالوقت فيعتبر فيه آخره.

وقد قال بهذا الرأي أيضا الإمام أحمد رحمه الله تعالى في إحدى الروايتين عنه في المسألة .
أما الجواب عن تعليل الرواية الثانية عند الإمام أحمد : أن السبب الذي يَستبيح به المدة قد وجد ، فيمسح مسح مسافر.

وقد تحصَّل من هذا أن الخلاف في المسألة يسيرٌ جداً ، ولكل حجته وتعليله كما سبق ، ولا ثمرة لهذا الخلاف ولله الحمد ، فيكون مرفوعاً حُكماً ، لأن العبادة وقعت بمقتضى الدليل لكن اختلف في كيفيتها .

(2) قال الحجاوي رحمه الله تعالى : ” سجود التلاوة صلاةٌ يسنُّ للقارىء والمستمع دون السامع ” .
الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال في سجود التلاوة إنه سنة مؤكدة والإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى قال إنه واجب .

دليل الإمام أحمد ما في جاء في الصحيحين أن زيد بن ثابت رضي الله عنه ” قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النَّجم ولم يسجد فيها ” ، فلو كان السجود واجباً لما أقرَّه صلى الله عليه وسلم على فعله ولأمره بالسجود .

ودليل الإمام أبي حنيفة على وجوب السُّجود هو مطلق الأمر في وجوب السجود لحديث : ” أُمر ابني آدم بالسُّجود فسجد فله الجنة ” أخرجه مسلم ، ولمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على السُّجود ، ولرواية ابن عمر رضي الله عنهما : ” السجدة على من سمعها أو قرأها ” أخرجه ابن أبي شيبة موقوفا .

وقد قد تحصَّل من هذا الخلاف أن الإمام أحمد وازن بين الأحاديث فلم يستدل بالأقوى من فعله صلى الله عليه وسلم ، بل أخذ بما اشتهر عنه ، ففهم منه سُنيَّة السجود لا وجوبه .
بينما الإمامُ أبي حنيفة أعمل قاعدة الإحتياط ، لأن السُّجود جزء من الصلاة أصلاً ، وبسبب تعارض الأحاديث فقد قدَّم الأحوط حماية للركن الثاني من أركان الصلاة ، وتعظيماً لكلام الله تعالى وإجلالاً له .

(3) قال الحجاوي رحمه الله تعالى : ” ولا يُقطع أحدٌ من الزوجين بسرقته من مال الآخر ” .
الإمام أحمد قال بعدم قطع أحد الزوجين إذا سَرق أحدهما من الآخر من مال مشترك بينهما .لكن إن كان المال خاصاً بأحدهما وسَرق منه الآخر، فقد قال الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه بعدم القطع ، وقد خالفه في ذلك الإمامين مالك والشافعي رحمهما الله تعالى .

دليل الإمام أحمد : أن غلام الحضرمي سرق مرآة زوجته ، فقال عمر رض الله عنه : ” لا قَطع عليه ، خادمكم أخذ متاعكم ” . أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح .

وحجة بقية الائمة أنه مال محترم وآية السرقة عامة تشمل الزوجين وغير الزوجين ، لأن ذلك حدٌّ من حدود الله يجب تعظيمه وعدم تضييعه .
ولم يرد عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم تفريق بين مال الزوجين ومال غيرهما في استيفاء الحدود .

والصحيح قول الإمام أحمد لأن الحدود تُدرأ بالشبهات ، والقطع من أجل سرقة أحد الزوجين فيه شُّبهة كما لا يخفى .
فقول الحجاوي : ” لا يقطع ” نفي وجزم للقطع هذه المسألة وهو مأخوذ من الاستقراء لنصوص السنة وتمحيص الأدلة .

وقول بقية الأئمة بالقطع يبدو أنه للزجر ، لأن القطع بأمر الإمام لا بفتوى القاضي ، ولا يصح مخالفة الدليل رغبةً في موافقة قول المذهب كما هو متقرر في قواعد الفقه .
وحتى يتمكن دارس الزاد من تحرير النِّزاع في المسائل ، يجب عليه أن يقوِّي مَلكته في مسائل التحرير للأدلة والأحكام مثل :

حكم التعليل مع القياس ، وحكم العِلة القاصرة والمتعدية ، حكم الترك القادح وغير القادح ، حكم تقديم الإباحة على التحريم ، متى تقدم المفسدة على المصلحة ؟ ، حكم الاستقصاء في اتِّباع السٌّنة ، حكم فعل ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ، حكم فعل السنة التي لم تتبين ، حكم العمل بمشقة زائدة ، كيف نُرجِّح عند تعارض الأدلة ؟ ، حكم تخصيص الإباحة ، حكم التوقف عند الشُّبهة .

وهناك قواعد تفيد في تحرير محلِّ النِّزاع مثل :
إذا اجتمع الحلال والحرام غُلِّب الحرام ، والخروج من الخلاف مستحب ، وما لا يباح عند الضرورة لا يجوز فيه التحرِّي ، ودرء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح ، وإذا اختلف أهل اللغة في مسمَّى ولا مرجِّح تعيَّن الإحتياط ، وباب الحرمة مبني على الاحتياط فيجوز اثباته مع الاحتمال ، والشُّبهة تقوم مقام الحقيقة فيما يُبنى على الاحتياط .

ومما يفيد في تحرير مسائل النِّزاع : أن قول الصحابي مردودٌ الى السنة ، وشرع من قبلنا مردود الى القرآن إذا قصَّه الله تعالى من غير انكار ولم يرد في الشرع ما يخالفه ، والاستصحاب مرجعه في الغالب الى القرآن وأحياناً الى السُّنة ، وتارة الى القواعد الفقهية ومقاصد الشريعة والمناسبة العقلية .

وإذا تكافأت الأدلة أو تقاربت قوتها أو لم تنضبط عِللُها وأسبابها أو دار الفعل بين حكمين من أحكام التكليف ، كالوجوب والندب والتحريم والكراهة ، فحينئذ يجب الاحتياط كقاعدة شرعية يركن إليها أهل العلم لإبراء الذِّمة ، لأنه إذا إذا تعارض مانعٌ ومبيحٌ قُدِّم المانع لأنه أحوط للترجيح كما نص عليه كثير من العلماء .

وهناك أمرٌ مهم لم أر من نبَّه عليه في مثل هذه المباحث، وهو يعين كثيرا في تحرير محل النِّزاع ، وهو مطالعة أبواب الأحاديث في كتب السٌّنن والصِّحاح ، فهي مفتاح لكثير من المسائل المستغلقة التي قد تخفى على كثيرٍ من الخواص والعوام .

وقد ذكر لي بعض مشايخي أنه في شعبان سنة 1391هجرية ، حدث لغطٌ وجدل بين بعض العلماء ، حول مسألة توحيد مطالع الأهلة لشهر رمضان ، في جميع البلاد الإسلامية ، فاقترح كثير منهم أن توحَّد المطالع ، حتى يكون صوم الناس جميعاً في كل البلاد الإسلامية وفطرهم جميعا.

وكان من أبرز من عارض ذلك العلامة عبد الله بن محمد بن حُميد (ت: 1402هـ )رحمه الله تعالى ، فانظر كيف ردَّ على العلماء وكيف وهَّن تلك الفتوى ، حيث استدل بما في صحيح مسلم عن كريب : أنَّ أمُّ الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام ، قال : فقدمتُ الشام فقضيتُ حاجتها ، واستهل عليَّ رمضانُ وأنا بالشام ، فرأيتُ الهلال ليلة الجمعة ، ثم قدمتُ المدينة في آخر الشهر ، فسألني عبد الله بن عباس رضي الله عنه ، ثم ذكر الهلال فقال : متى رأيتم الهلال ؟ فقلت رأيناه ليلة الجمعة ، فقال أنتَ رأيته ؟ ، فقلت : نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية ، فقال : لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نُكمل ثلاثين أو نراه ، فقلت: أو لا نكتفي برؤية معاوية وصيامه ، فقال : لا ، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .أهـ .

فهذا الأثر فيه فوائد منها : أن لكل بلدٍ رؤيتهم ، وقول ابن عباس: هكذا أمرنا رسول اله صلى الله عليه وسلم ، يدلُّ وجوباً على أن لكل بلد مطلع ، ومنها أن ابن عباس لم يرد خَبر كريب بناء على أنه خبر واحد .

وقد ترجم مسلم في صحيحه لهذا الأثر بقوله : باب بيان أن لكل بلد ٍرؤيتهم ، ومثله أبو داود في سُّننه ، ومثله الترمذي في جامعه.

ومن الفوائد أيضاً أن الحكم الوضعي في هذه المسألة معتبر ، لأن الصوم والإفطار متعلِّقان بالسبب الذي هو الرؤية كل بلد بحسبه.
ولو رجعنا إلى كتاب الزاد للحجاوي لرأينا أنه أورد هذه المسألة عند قوله : ” وإذا رآه أهل بلدٍ لزم الناس كلهم الصوم ” .

ومعناه : لو رؤي في مكة ، للزم من حولها من المدن الصوم ، كالطائف وجدة وينبع حتى آخر مكان تختلف فيه المطالع .

والعلامة البهوتي (ت: 1051هـ)رحمه الله تعالى عندما شرح هذا الموضع في الروض قال إنه عامٌّ للأمة كلها ، وهذه زلٌّة منه عفى الله تعالى عنه ، لأن البلدان البعيدة لها مطالع مختلفة بحسب درجة الشمس عندهم ، فكل حركة للشمس لها مطلع في بلد بحسب تقدير الله في الكون ، تارة تكون بطلوع الفجر في بلد وتارة بعكسه حتى يروا الهلال .

(4): هذا المثال من خارج الزاد ولم يورده الحجاوي في مختصره : هل يصح الحج بمال حرام ؟. عند الحنفية والشافعية ورواية عند المالكية ، أن المال في الحج شرط للوجوب وليس شرطاً للصحة ، فلا تلازم بين أعمال الحج وبين نفقته ، لكنه يأثم على الحج بمال حرام ، ولهذا قال الونشريسي (ت:914هـ) رحمه الله تعالى : ” إذا حجَّ بمال مغصوب ضَمِنه وأجزأه حجُّه ، وهذا قول الجمهور ” ، وقد رجَّح القرافي صحة الحج بمال حرام خلافاً لأحمد .

أما الحنابلة فقالوا بعدم الإجزاء وعدم برآءة الذِّمة ، لأن النفقة في الحج شرطٌ من شروط صحة الحج ، لا شرطاً من شروط الأداء والوجوب .
والراجح عند العلماء أن الحج بمالٍ حرام صحيح مع الإثم ،وقد قال المحقِّقون هنا : إن الحج صحيح قياساً على من صام ولم يَسلم لسانُه من الغيبة ، فصيامه صحيح مع الإثم وأجره ناقصٌ.

وقالوا أيضاً مثل ذلك : إن الصلاة في الأرض المغصوبة صحيحةٌ مع الإثم ، لكن تبرءُ الذِّمة بأداء الفريضة .

أما دليل : ” وتزوَّدوا فإن خير الزاد التقوى ” ( البقرة:197 ) ، فليس نصاً في المسألة لعمومه ولعدم قطعيته في المسألة بعينها كما حرَّره العلماء ، فلا يكفي للاحتجاج به ، وأما الأحاديث فأكثرها ضعيف في هذه المسألة ، والصحيح منها يُحمل على الزجر والوعيد لا لردِّ القبول وعدم الصحة . والله أعلم.

أما الكتب التي تُساعد على تحرير محلِّ النِّزاع فهي كثيرةٌ جداً ، منها:
المغني لابن قدامة ، والمجموع للنووي ، والمبسوط للسرخسي والإحكام لابن حزم ، والموافقات للشاطبي ، ورفع الملام عن الأئمة الأعلام لا بن تيمية ، والاستذكار لابن عبد البر، والتقرير والتحرير لابن أمير الحاج ، وحاشية ابن عابدين ، والمنخول للغزالي ، وحاشية ابن قاسم على الروض ، وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم للأشقر . ونحوها من الكتب المهمة المحرَّرة المجودة.

وفي خاتمة هذا الدرس أودُّ أن أنبِّه إلى أن التخطيط الجيد لفهم المسائل، أمرٌ يحتاج إلى دُّربة وعناية لاختصار الوقت والجهد والصحة ، وقد يحتاج أحياناً إلى الحيلة الشرعية التي تأتي بطريق البناء العقلي.

ومن اللطائف التي تُروى عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، أنه احتاج الى الماء في طريق الحج فساوم أعرابياً قِربة ماء فلم يبعه إلا بخمسة دراهم ، فاشتراه بها ثم قال له : كيف أنت بالسويق ؟ ، فقال أريده ، فوضعه بين يديه فأكل ما أراد وعطش فطلب الماء ، فلم يُعطه حتى اشترى منه شَربة بخمسة دراهم .أهـ .

ظهرت في الآونة الأخيرة ما يسمى بمبادىء التفكير الإبداعي ، وهي نظريات مستقاة من الغرب تم غربلتها ووضع مسحة إسلامية شرعية لها ، وقد تم الترويج لها بهالة إعلامية مثل : القبعة البيضاء ويقصد بها الموضوعية ، والقبعة الحمراء ويقصد بها العاطفية في البحث ، والقبعة السوداء ويقصد بها السلبية في البحث ، والقبعة الصفراء ويقصد بها التغيير الإيجابي ، والقبعة الخضراء ويقصد بها الإبتكار ، والقبعة الزرقاء ويقصد بها التحكم في التفكير .
فمثل هذه الطُّرق الإبداعية هي مضيعة للوقت في دراسة الفقه تحديداً ، ولا يمكن أن تخرِّج فقيهاً ولا عالماً ، ولا باحثاً ضليعاً .

والبديل عنها هو : الإفادة من استراتيجيات التعلُّم التي لا تتعارض مع مبادىء البحث الإسلامي ، كالتفكير بالمقلوب ، والتفكير بالدمج ، والتفكير غير المألوف ، والتفكير خارج الصندوق . وهي مشروحةٌ ومفصَّلة في كتب التفكير الإبداعي .

ويمكن أن نستعين بالخرائط الذهنية في تحرير محلِّ النِّزاع ، لكن لا بد من جعل الكتب والبحث فيها ومراجعتها أصلاً لا يحيد عنه طالب الفقه الإسلامي قيد أنملة .
حدثني بعضُ طلبة العلم في المغرب أن مشايخهم يكرِّسون حياتهم في الجمع بين خُلاصة العلم ولبِّه وبين تصوُّر المسائل ورصد الحجج والكليات ، سواء كانت جنساً أو نوعاً أو فصلاً أو خاصةً أو عرضاً ، مع العناية بالحدِّ والرسمِ والمثال ، وهذه الطريقة منطقية ومفيدة في فهم المباحث وتعليل المسائل . والله أعلم .

انتهى الدرس الثالث ويليه الدرس الرابع إن شاء الله تعالى .

هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
1439/10/7
__________________
أموت ويبقى ما كتبته ** فيا ليت من قرا دعاليا
عسى الإله أن يعفو عني ** ويغفر لي سوء فعاليا

قال ابن عون:
"ذكر الناس داء،وذكر الله دواء"

قال الإمام الذهبي:"إي والله،فالعجب منَّا ومن جهلنا كيف ندع الدواء ونقتحم الداءقال تعالى :
(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)
ولكن لا يتهيأ ذلك إلا بتوفيق الله ومن أدمن الدعاءولازم قَرْع الباب فتح له"

السير6 /369

قال العلامة السعدي:"وليحذرمن الاشتغال بالناس والتفتيش عن أحوالهم والعيب لهم
فإن ذلك إثم حاضر والمعصية من أهل العلم أعظم منها من غيرهم
ولأن غيرهم يقتدي بهم. ولأن الاشتغال بالناس يضيع المصالح النافعة
والوقت النفيس ويذهب بهجة العلم ونوره"

الفتاوى السعدية 461

https://twitter.com/mourad_22_
قناتي على اليوتيوب
https://www.youtube.com/channel/UCoNyEnUkCvtnk10j1ElI4Lg
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 07-08-2018, 02:27 AM
ابوعبد المليك ابوعبد المليك غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 4,144
افتراضي


تجربتي في دِّراسة الزاد (4)

في الدرس الثالث تناولتُ بشي ٍمن التفصيل مسألة تحرير محل النِّزاع والطُّرق المعينة على ذلك ، وأشرتُ إلى أن الخِلاف قد يكون قوياً وقد يكون متوسِّطاً وقد يكون ضعيفاً ، وبينَّتُ علاماتِ ذلك بالأمثلة من الزاد نفسه ، وأردفتُ ذلك ببعض الأُصول والقواعد المساعدة على فهم تحرير الخِلاف بحسب ما يقتضيه المقام .

(هـ) : المسائِل المشكِلة في الزاد :

المسائل المُشكلة في الزاد تختلف باختلاف مراتبها ، وليس هذا موضع بسطها وتحليل عباراتها وأمثلتها .
وسوف أعرض هنا جميع المسائل التي يمكن أن تكون محلَّ إشكال وخلاف وتأمل ، لمريد مطالعة الزاد وفهم مسائله ، كي يستفيد منها من لا يعرف المواضع المختلف في رواياتها أو في حكمها ، وحتى تتقوى مَلَكتُه في فهم مناط الأحكام ونقد الأدلة الضعيفة والأقوال المهجورة والشاذة.
والاختلاف في المذهب يكون بين روايات الإمام أو تخريج الأصحاب أو تفسير الرواية الواحدة .
ويمكن الترجيح برد قول الفقيه إلى الدليل أو بالاجتهاد على أصول المذهب ، وهذه المرتبة تحتاج إلى صبر ومكابدة لا يتأهَّل لها كُّل متعلِّم .

ومن أراد تحليل المسائل بشيٍ من التفصيل ، فيلزمه مراجعة مصادر الفقه المقارن حتى يتصور المباحث كما وضَّحها العلماء ، وكما قيل يكفي من القلادة ما أحاط بالعُنق .
وأنبِّه أن من أحاط بفهم هذه المسائل ، فيكون قد قطع شوطاً طويلاً ومهماً في فهم مسائل الزاد ، والله المستعان .
وقد سردتُ المسائل هنا سرداً على حسب ترتيب الزاد من الطهارة إلى الإقرار،وبالله التوفيق.

1- الاختلاف في حُكم استعمال ماء تطهَّر به مسلم قَبل قاصد له.
2- الاختلاف في ضابط الماء الكثير .
3- الاختلاف في تقدير الرِّطل العراقي .
4- الاختلاف في حُكم الماء الكثير الذي سقطت فيه عُذرة أو بول ولم يتغيَّر .

5- حكم الماء الطهور الذي اختلط بنجاسةٍ ولم يمكن تطهير النجس منه .
6- حكم آنية وثياب الكفار التي يُعلم حالها وأنها غير طاهرة .
7- هل يُعيد الصلاة من صلَّى ولم يجد ماءاً ولا ترابا ؟
8- الاختلاف في حكم صلاة الجنازة في المقبرة .

9- الاختلاف في حكم الصلاة داخل الكعبة .
10-الاختلاف في حكم نية الإئتمام للمنفرد .
11-الإختلاف في حكم من صلَّى ولم ير إمامه .
12-الإختلاف حول حكم من صلَّى بحضرة طعام يشتهيه.

13-هل ردُّ المارِّ بين يدي المصلي مباح أم سنة ، وهل يشمل مكة أم لا؟.
14-هل يجب على المأموم تصحيح إمامه إذا أخطأ في الفاتحة ؟
15-الخلاف حول حكم التسليمة الواحدة في الصلاة .
16-هل سؤال الله المغفرة واجب في الصلاة أم سنة ؟

17-الخلاف حول بطلان صلاة الإمام والمأموم إذا سهى الإمام في صلاته ، فسبَّح به ثقتان ولم يجزم بصواب نفسه .
18-الخلاف حول بُطلان الأكل اليسير في صلاة الفريضة.
19-الإختلاف في محلِّ القنوت في صلاة الوتر .
20-الخلاف في ثبوت لفظة : ” ولا يعزُّ من عاديتَ” في دعاء القنوت.

21- الخلاف في الأفضلية في صلاة الجماعة بين المسجد العتيق والأكثر جماعة .
22-الخلاف حول حكم من أمَّ في مسجد مع حضور إمامه الراتب.
23-الخلاف حول سقوط الاستفتاح والتعوُّذ عن المأموم عند قرآءة إمامه .
24-الخلاف حول اشتراط رؤية المأموم لإمامه عند الإقتداء به .

25-الخلاف حول الريح الشديدة هل تُسقط حضور الجماعة .
26-الخلاف حول اشتراط النية للترخُّص برخص السفر .
27-الخلاف حول وجوب الجمعة على من كان مسافراً وحضرته الصلاة وهو في داخل البلد .
28-الخلاف حول من صلى الجمعة بعد آخر وقتها .
29-الخلاف حول مدة العزاء على الميِّت .

30-الخلاف حول زكاة الحبِّ والثمر اللذان نبتا في الأرض بدون قصد ٍمن صاحبها .
31-الخلاف حول وجوب زكاة الفطر للأجير الذي استأجره إنسانٌ ليعمل عنده كمرضعة أو خادمة.
32- الخلاف حول وجوب زكاة الفطر على الزوج قبل الدخول بزوجته .
33-الخلاف حول تعجيل زكاة المال من الوليِّ للمولى عليه .
34-الخلاف حول صفة السيد المطاع في عشيرته ومتى تُدفع له الزكاة
؟
35-الخلاف حول وجوب صوم رمضان إن حال دون رؤية هلاله غيمٌ أو قترٌ .
36-الخلاف حول وجوب الإمساك بالصيام على المسافر الذي قدم مفطراً .
37-الخلاف حول وجوب الإطعام على الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما ، هل الإطعام عليهما أم على الزوج ؟ .
38-الخلاف حول كراهة ذوق الطعام للصائم لحاجة ولغير حاجة.
39-الخلاف حول الجهر بقول : ” إنِّي صائم ” إذا شتمه أحد .
40-الخلاف حول نذر الاعتكاف في مسجد غير الثلاثة المعروفة ، هل يلزمه أن يكون الاعتكاف في جامع ؟.

41-الخلاف حول شروط دم التمتع دون القارن .
42-الخلاف حول فِدية من غطَّى رأسه بغير ملاصق .
43-الخلاف حول فدية الطيور التي صادها المحرم ولا مِثل لها .
44-الخلاف حول صيد البحري في الحرم وجزائه .
45-الخلاف حول حكم صلاة ركعتين عند المقام للمحرم .

46-الخلاف حول صفة السعي الشديد بين الصفا والمروة عند العلم الأول للمحرم بالحج أو العمرة .
47-الخلاف حول حكم الموالاة بين أجزاء السعي بين الصفا والمروة .
48-الخلاف حول مكان الإحرام بالحج لأهل مكة .
49-الخلاف حول إقامة الحاج بنمرة في طريقه إلى عرفه.
50-الخلاف حول الفِدية على الحاج الذي وقف بعرفة نهاراً ودفع قبل الغروب .
51-الخلاف حول طواف القدوم للقارن والمفرد .

52-الخلاف حول طواف الوداع للمعتمر دون الحاج.
53-الخلاف حول تأخير طواف القدوم إلى آخر الخروج من مكة .
54-الخلاف حول تحلُّل الحاج بعمرة إذا فاته الوقوف بعرفة .
55- الخلاف حول كفارة ضياع هدي الحاج .
56-الخلاف حول الهدي والأضحية مقطوعة الذَّنب أو الأُذن أو القَرن هل تجزىء ؟

57-الخلاف حول نقل ملكية الهدي أو الأضحية بعد تعييِّنها .
58- الخلاف حول الأكل من الفدية الواجبة بنذر .
59-الخلاف حول بيع جلد العقيقة ورأسها وسواقطها .
60-هل يستأذن مريد الجهاد من أبويه الرقيقين ؟.
61-الخلاف حول تصرُّف السفيه في البيع .

62-الخلاف حول الصيد بِسِباع البهائم .
63-الخلاف حول بيع المصحف .
64-الخلاف حول حكم البيع قبل النِّداء الثاني وبعده يوم الجمعة .
65-الخلاف حول جواز بيع المسلم على المسلم إذا كان في مدة الخيار .
66-الخلاف حول حكم عكس مسألة بيع العينة .
67-الخلاف حول حكم الزيادة في البيع والخيار فيها .

68-الخلاف حول حكم الشرط بعد العقد .
69-الخلاف حول التصرف في عتق المشتري .
70-الخلاف حول خِيار التدليس في تسويد شعر الجارية.
71-الخلاف حول خيار العيب في الرقيق .
72-الخِلاف حول الصُّور الأربع في الخِيار وهي : التولية والشركة والمرابحة والمواضعة .
73-الخلاف حول الغبن في الشراء بثمن مُؤجَّل ولم يتبين ذلك إلا بعد العقد .

74-الخلاف بين المتعاقدين حول الشرط والأجل .
75-الخلاف بين المتعاقدين حول عين المبيع .
76-الخلاف حول بيع الجزاف في الكيل والوزن ، والخلاف حول التصرف فيه.
77-الخلاف حول بيع المكيل والموزون قبل قبضه وضمان ذلك.
78-الخلاف حول بيع الثمر قبل بُدوِّ صلاحه لمالك الأصل.

79-الخلاف حول صحة شراء شيءٍ مخلوط بغيره من غير قصد .
80-الخلاف حول سقي الثمرة التي بيعت قبل بُدوِّ صلاحها .
81-الخلاف حول صلاح بعض أنواع الثمرة دون بعضها عند البيع.

82-الخلاف حول ردِّ القرض بأفضل منه عدداً من غير شرط بين المقترضين.
83-الخلاف حول الضمان عند المقبوض بسوم .
84-الخلاف حول صحة بيع مال المحجور عليه لضرورة أو نفقة .
85-الخلاف حول صحة بيع الوكيل بزيادة أو بنقص مع الضرر .

86-الخلاف حول جواز قبض الوكيل للثمن نيابةً عن الموكل .
87-الخلاف حول اشتراط البذر والغرس على صاحب الأرض عند عقد المزارعة بين المتعاقدين .
88-الخلاف حول فسخ إجارة الوقف .
89-الخلاف حول فسخ الإجارة بموت الراكب .

90-الخلاف حول ضمان ما تتلفه البهيمة .
91- الخلاف حول سقوط الشُّفعة بالرهن .
92-الخلاف حول لزوم الوصية وسقوط الشُّفعة .
93-الخلاف حول حفظ الوديعة عند الحاكم أو ثقة ، عند سفر المودع عنده الوديعة أو خوفه .
94-الخلاف حول إحياء الكافر للأرض الميتة المنفكَّة .

95-الخلاف حول من سَبق لمكان وطالت إقامته فيه .
96-الخلاف حول حدود الجعالة التي تصح .
97-الخلاف حول تملُّك اللقطة بعد تعريفها تمام الحول.
98-الخلاف حول دِّيانة اللقيط الطفل إن وُجد ببلاد الكفار .

99-الخلاف حول تعريف اللقيط بعد سنِّ التمييز .
100-الخلاف حول اقرار اللقيط الرِّق على نفسه .
101-الخلاف حول حكم وقف المشاع .

102-الخلاف حول التعديل في العطية مع الأقارب الوارثين .
103-الخلاف حول تبرع المريض إذا تبرَّع لوارث .
104-الخلاف حول الوصية بالثلث لتكون وقفاً على بعض ورثة الميِّت .
105-الخلاف حول ثبوت ملكية الوصية للموصى له قبل الموت .
106-الخلاف حول صحة الوصية لغير المعين .

107-الخلاف حول مقدار استحقاق الموصى له إن كان الموصي لا يعلم بوفاة أحد الموصيين .
108-الخلاف حول استحقاق الوصية للموصى له بالاسم العرفي .
109-الخلاف حول ميراث الكافر إذا أسلم قبل قسمة المال.
110-الخلاف حول ميراث المرتد إذا أسلم قبل قِسمة المال .

111-الخلاف حول الصِّناعة وقِلة ذات اليد ، هل تقدحان في الكفاءة في الزواج؟.
112-الخلاف حول نكاح امرأة كافرة أبواها كتابيان .
113-الخلاف حول نكاح الأمة المسلمة إن لم يجد مهراً للحرة .
114-الخلاف حول صحة نكاح الشِّغار إن كان بمهر قليل للحِيلة.
115-الخلاف حول متعة المطلقة غير المدخول بها .

116-الخلاف حول فسخ النكاح بسبب العسر بالمهر الحالِّ قبل الدخول أو بعده .
117- الخلاف حول افطار المتنفِّل عند حضوره وليمة العرس .
118-الخلاف حول اجبار الزوج لزوجته الذمية على غسل الجنابة.
119-الخلاف حول طلاق الزوج زوجته حال حيضها عند طلبها ذلك .
120-الخلاف حول طلاق العبد زوجته طلقتين ثم عُتق فكم يبق له ؟.
121-الخلاف حول طلاق الزوج زوجته بلفظ : روحكِ طالق .

122-الخلاف حول استثناء الطلقات بالقلب .
123-الخلاف حول وقوع الطلاق إذا طلق أجنبية فكانت زوجته .
124-الخلاف حول دعوى الزوجين انقضاء العِدَّة .
125-الخلاف حول صحة الظهار من الأجنبية .
126-الخلاف حول تشبيه المحرَّمة إلى أمد في الظِّهار .
127-الخلاف حول الظِّهار من الأجنبية .

128-الخلاف حول الرقيق مقطوع الخنصر والبنصر من رِّجله هل يجزىء في كفارة العتق .
129-الخلاف حول اشتراط اجتماع الزوجين عند اللِّعان.
130-الخلاف حول العِدَّة على المرأة إذا استدخلت الزوجة ماء زوجها في فرجها .
131-الخلاف حول العِدة إذا كان الزوج مقطوع الذَّكر والأُنثيين .

132-الخلاف حول تجديد عقد النِّكاح للمفقود الذي عاد من غيبته بعد زواج زوجته .
133-الخلاف حول المرأة التي درَّ لبنها من غير حمل فأرضعت طفلا.
134-الخلاف حول الحضانة للطفل إذا كان السفر بعيداً لحاجة .
135-الخلاف في قصاص الشريكين في جناية قتل العمد والخطأ .
136-الخلاف في قصاص الأب إذا قتل ولده من الزنا .

137- الخلاف حول سراية الجناية إلى النفس بعد العفو عن الجاني.
138-الخلاف حول الدِّية فيمن ربط إنساناً وتركه في العراء حتى مات بسبب خارجي .
139-الخلاف حول دِّية جراح الرقيق .
140-الخلاف حول الأرش إذا كان أكثر من قيمته في خطأ جناية الرقيق .

141-الخلاف حول وجوب الكفارة للقتل شِّبه العمد .
142-الخلاف حول شرط اللوث في القسامة .
143-الخلاف حول دعوى القتل بدون عداوة سابقة .
144-الخلاف حول إقامة السيِّد حدَّ الجلد على عبده .
145-الخلاف حول اشتراط نية الجلد عند إقامة الحدِّ .

146- الخلاف في الحدِّ إذا قذف الوالد ولده .
147-الخلاف حول حدِّ القطع لمن جَحد العارية أو الوديعة.
148-الخلاف حول حدِّ القطع لمن سَرق من مال سيِّده .
149-الخلاف حول حد َّالصَّلب لقُطَّاع الطريق .
150-الخلاف حول استيفاء القَوَد في الطرف في جناية قطاع الطريق .

151-الخلاف حول حكم اضطرار شرب المحرَّم في السفر المحرم .
152-الخلاف حول حكم ذبيحة من كان أحد أبويه غير كتابي .
153-الخلاف حول حكم ذبيحة المميَّز الذي لم يبلغ .
154-الخلاف حول انعقاد يمين المميَّز الذي لم يبلغ .
155-الخلاف حول انعقاد اليمين على المستحيل .

156-الخلاف حول قبول البيِّنة من المدِّعي بعد قوله ليس لي بيِّنة .
157-الخلاف حول عدد الشُّهود في البينة .
158-الخلاف حول سماع الدعوى على من ليس حاضراً في مجلس القاضي .
159-الخلاف حول الحكم على الغائب في حقوق الله تعالى .
160-الخلاف حول شهادة الكافر على وصية المسلم أو الكافر في السفر إذا لم يوجد غيره .
161-الخلاف حول قبول شهادة من يُصلِّي الفرائض وحدها .

162-الخلاف حول شهادة الفرع أو غيره بدون أن يسترعيه الأصل .
163-الخلاف حول قبول إقرار السفيه .
164-الحكم حول صحة إقرار المرأة في النِّكاح ولم يدَّعه اثنان أو العكس.

انتهى الدرس الرابع ويليه الدرس الخامس إن شاء الله تعالى .
هذا ما تيسر تحريره والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

1439/10/22
__________________
أموت ويبقى ما كتبته ** فيا ليت من قرا دعاليا
عسى الإله أن يعفو عني ** ويغفر لي سوء فعاليا

قال ابن عون:
"ذكر الناس داء،وذكر الله دواء"

قال الإمام الذهبي:"إي والله،فالعجب منَّا ومن جهلنا كيف ندع الدواء ونقتحم الداءقال تعالى :
(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)
ولكن لا يتهيأ ذلك إلا بتوفيق الله ومن أدمن الدعاءولازم قَرْع الباب فتح له"

السير6 /369

قال العلامة السعدي:"وليحذرمن الاشتغال بالناس والتفتيش عن أحوالهم والعيب لهم
فإن ذلك إثم حاضر والمعصية من أهل العلم أعظم منها من غيرهم
ولأن غيرهم يقتدي بهم. ولأن الاشتغال بالناس يضيع المصالح النافعة
والوقت النفيس ويذهب بهجة العلم ونوره"

الفتاوى السعدية 461

https://twitter.com/mourad_22_
قناتي على اليوتيوب
https://www.youtube.com/channel/UCoNyEnUkCvtnk10j1ElI4Lg
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 07-20-2018, 02:58 AM
ابوعبد المليك ابوعبد المليك غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 4,144
افتراضي


تجربتي في دِّراسة الزاد (5)

في الدرس الرابع تناولتُ بشي من التفصيل مبحث المسائِل المشكلة في الزاد من كتاب الطهارة إلى كتاب الإقرار ، وبيَّنتُ أن الاختلاف في المذهب يكون بين روايات الإمام أو تخريج الأصحاب أو تفسير الرواية الواحدة .

ويمكن الترجيح بردِّ قول الفقيه إلى الدليل أو بالاجتهاد على أصول المذهب ، وهذه المرتبة تحتاج إلى صبر ومكابدة لا يتأهَّل لها كُّل متعلِّم .
ويستطيع الطالب أو المتفقِّه أن يتأهَّل بتوفيق الله تعالى ثم بكثرة النظر في كتب الفقه المقارن التي تُغذِّي الملكة وترقِّيها مع الأيام والليالي .

(و) : فهم المسائل الأصولية في الزاد :

دراسة الزاد بدون تأمُّل أصول الفقه كالزرع الذي يسقى بماء آسن .
فلن ينتفع الطالب بالزاد إلا باستحضار المسائل الأصولية وربطها بالقواعد والأحكام المعتبرة الصحيحة ، وهذا فنٌّ لها معلِّموه وطُّلابه ومحبُّوه .

وبعلم الأصول نقف على طرق الاستنباط للأحكام والحوادث ، وبه نعرف مأخذ الحكم وعِلته ، والعارف بالحكم ودليله أعظم أجراً من الذي يعلم الحكم بدون عِلته .

ولهذا تجد كثيراً في سؤالات الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم السؤال عن العِلة أو الحكم ، وكذلك في إجابات الرسول صلى الله عليه وسلم وردوده عليهم بيان العلة ودلالات الحكم وربط المقدِّمات بالنتائج كما شرع الله وفرضَ وحَكم .

وهذه أمثلة مختصرة من الزاد للدلالة على ما تقدَّم :
• المثال الأول : ” يا أُنيس اغدُ إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ” .
متفق عليه .
فهذا نصٌّ في وجوب حدِّ الزنا على المحص بشرط إقراره .

وقد نبَّه الحجاوي رحمه الله تعالى على هذا الشرط في باب حدِّ الزنا بقول : ” إذا زنى المحصن رُجم حتى يموت ” .
فانظر كيف علَّق الجزاء على الشرط اقتباساً من النص النبوي السابق .

• المثال الثاني : ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً :
” مَطلُ الغنِّي ظلم فإذا أُتبع أحدكم على مليٍء فليتَبع “.

ومن فقه الحجاوي رحمه الله تعالى في الزاد أنه لم يقطع بالحكم بقوله يجب أو يندب أن يحتال المدين لأخذ حقه ! ، بل أطلق الحكم ليتمرن الطالب على الفائدة الأصولية في الحكم ، لأن النص يحتمل الوجوب والندب على حدٍّ سواء بحسب الحال والقرينة .

فقوله : ” فليتبع ” فيه الأمر بنقل الدَّين من ذمة إلى ذمة .
لكن لفظ الأمر هنا هل هو للوجوب أم للندب أم للإباحة ؟ .

مالك وأبو حنيفة والشافعي والأكثرون يرون أن الأمر في الحديث مصروف إلى الوجوب ، وقال الخطابي وابن الهمام بالإباحة والجمهور يرون أنه للندب والحنابلة يرون أنه للوجوب .
قال الخرقي : ” من أُحيل بحقِّه على مليءٍ فواجب عليه أن يحتال ” .

• المثال الثالث : قال الحجاوي :
” يُسنُّ دخول مكة من أعلاها” .
هل يمكن أن نقيس على هذا أن ندخل المدينة من أعلاها ؟!
الجواب : لا يمكن ، لكنه لا يحرم ، لأن دخول مكة من أعلاها جاء بالنص وليس بالقياس ، كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها .
ومن أعلاها يعني من جهة الجنوب ، من الحجون إن تيسر ذلك .

فيكون حكم المسألة من جهة الحكم الفقهي : يُسنُّ ويستحب دخول مكة من أعلاها .
والحكم الأصولي : دخول مكة من من أعلاها أمرٌ مندوب ، وهذا الأمر فيه كلفة لكن فعله أفضل للمكلَّف ، وتركه فيه تفريط بالثواب ، لأن ذلك خِلافُ فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن دخل المدينة من أعلاها فلا ثواب له ، لكنه لا يأثم ، لعدم ورود الإقتداء به صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فلا فرق هنا بين الفعل والترك لكون ذلك من المباحات. والقياس في المسألة ممتنع ، لأنه لا قياس في أفعاله صلى الله عليه وسلم .

ودخول مكة من أعلاها مثل حكم الاضطجاع بعد الفجر والنزول بالأبطح والمبيت بذي طوى ، فهذه أفعال فَعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتبيَّن هل هي على وجه العادة أم على وجه القربة ؟ .

• المثال الرابع : ورد في الزاد في مواضع كثيرة ومنها أول مسائل الطهارة :
” إن تغير الماء بغير ممازج ” و” إن تغير بِمُكثه “و” ان استعمل في طهارة مستحبة ..” ، فهذه مسائل معلَّقة بشرطها وهي تفيد العموم إن حصل تحقُّق الشرط تأكد حكمها .
ومثل ذلك أداوت الاستفهام والجمع المعرف بأل بشرط أن لا تكون عهدية ، وغيرها من الأساليب المقررة عند أهل الأصول .

• المثال الخامس : ورد في الزاد قول الحجاوي :
” ولا يصح الأذان إلا مرتباً ” وقوله : ” ولا تصح الصلاة في مقبرة ” وقوله : ” ولا تصح الصلاة بقرآءة خارجة عن مصحف عثمان رضي الله عنه “وقوله : ” ويصح الفرض على الراحلة ” وقوله : ” ولا تصح صلاته قاعدا في السفينة ” وقوله : ” ويصح بيع الباقِّلاء في قِشره ” .
ففي هذه المسائل تنبيه من الحجاوي على أهمية الالتفات للحكم الوضعي وهو هنا الصحة والفساد .

وهذان ليسا حكمان تكليفيان ، لأن التكليف فيه اقتضاء وتخيِّير، والصحة والفساد لا يوجد بهما اقتضاء ولا تخيِّير ، فلا تُفهم الصحة والفساد من ذلك ، بل من أمر خارجي وهو الحكم الوضعي .
والفاسد والباطل مترادفان ، والصحة في العبادات هي ما وافق الأمر وأجزأ وأسقط القضاء .والصحة في المعاملات ترتُّب أحكامها المقصودة عليها ، لأن العقد لا يصح إلا إذا صح مقصوده .

وقد يقول قائل من قُرَّاء الزاد : هل أدرس الأُصول على طريقة الحنفية أم على طريقة الجمهور أم على الجمع بينهما ، أم على طريقة تخريج الفروع على الأصول أم على طريقة فهم المقاصد ؟ .

والجواب أن كل هذه الطرق نافعة جداً ، وكل مصادرها متينة ومحررة ، لكن الأنسب طريقة الجمهور ، لأنها تنمِّي الملكة وتفتق الذهن حسب ما جرَّبنا وجرَّب غيرنا من أهل العلم .
فيمكن مطالعة العدة لأبي يعلى أو التمهيد لأبي الخطاب ، أو الواضح لابن عقيل أو روضة الناضر لابن قدامة أو الإحكام لابن حزم ، رحمهم الله تعالى .

وهذه الكتب الخمسة هي أنفع الكتب الأصولية وأقربها لفهم الدليل وتتبع المدلول الشرعي بأوجز عبارة وأحكم إشارة .

ومن كان عنده ضعف في الهِمَّة لتأمل الكتب المذكورة أعلاه ، فليطالع المختصرات الأُصولية حتى تقوى همته مع الأيام والليالي .

والكتب المشار إليها سواء مختصرات أو مُطوَّلات ، تُكرَّر حتى تُفهم إن كان للطالب مَلكة وعزيمة صلبة ، أو تُشرح على يد شيخ مُلمّ بهذا العلم ومسائله وفروعه ، وهذا هو الأكمل.

• وهذه أهم المسائل الأصولية التي يجب على طالب الزاد أن يستوعبها عند بحثه للمسائل والأحكام :

أنواع الحكم التكليفي والوضعي ، الفرق بين الفرض والواجب، أساليب الواجب ، أقسام الواجب ، أنواع الواجب المقيد ، تقسيم الواجب باعتبار المكلَّف نفسه ، تقسيم الواجب باعتبار تعيُّنه ، تقسيم الواجب من جهة المقدار المطلوب منه ، الفرق بين التعجيل والأداء والقضاء والإعادة ، ما يتوقف عليه الواجب ، أقسام المندوب ، هل المندوب مأمور به ؟، هل المندوب من الحكم التكليفي ، الصِّيغ الدالة على حرمة الفعل ، أنواع الحرام ، الفرق بين المكروه تحريماً والمكروه تنزيهاً .

صِّيغ الكراهة ، الصِّيغ التي تدلُّ على كون الفعل مباحاً ، هل المباح مأمور به ؟ ، هل للمباح وجود في الشرع ؟ ، هل يدخل المباح في الفعل التكليفي .

الفرق بين العزيمة والرخصة ، أقسام الرخصة ، أسباب الرخصة ، أنواع الرخصة ، أنواع الحكم الوضعي ، أنواع السبب ، الفرق بين السبب المشروع والسبب الممنوع ، الفرق بين الشَّرط والركن ، أنواع الشروط من حيث ارتباطه بالسبب والمسبِّب ، أنواع الشرط باعتبار مصدره ، المانع وأقسامه ، الصحة والبطلان والفساد وأقسامها ، شروط صحة التكليف بالفعل ، أقسام المحكوم فيه ، الفرق بين أهلية الوجوب وأهلية الأداء .

عوارض الأهلية ، العوارض السماوية والعوارض المكتسبة ، الإكراه وأنواعه ، حكم العمل بأخبار الآحاد ، أركان الإجماع وحجيته وأنواعه ، أركان القياس وحكمه وشروطه وأنواعه ، معنى العِلَّة واطلاقاتها وأقسامها ، الفرق بين العِلة والحكمة .

الفرق بين المناسب المؤثِّر والمناسب الملائم ، حكم التعليل بالحكمة ، الطرق الموصلة إلى العِلة ، السبر والتقسيم ، تنقيح المناط ، تحقيق المناط ، ربط الحكم بالمشتق ، ما لا يجري فيه القياس ، الاستحسان وأنواعه ، المصلحة المرسلة وشروط العمل بها ، العرف وشروط العمل به وأقسامه ، الاستصحاب وأنواعه وحجيته ، شرع من قبلنا وحكم العمل به ، قول الصحابي وحكم العمل به ، سدُّ الذرائع وأنواعها وحجيتها .

دلالة عبارة النص ، دلالة إشارة النص ، دلالة الإقتضاء ، مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة ، مفهوم النص ، مفهوم الشَّرط ، مفهوم الشرط ، مفهوم الغاية ، مفهوم العدد ، مفهوم اللقب ، مفهوم النص الشرعي ، المحكم والمفسر ، تعارض الظاهر والنص ، التأويل ، المشكل والمجمل والمتشابه والمشترك ، دلالة العام ، ألفاظ العموم ، تخصيص العام ، دليل التخصيص ، دلالة الخاص ، أنواع الخاص ، دلالة الأمر ، هل يدل الأمر على تكرار المأمور به ، هل يدل الأمر على فعل المأمور به على الفور ، دلالة النهي ، النسخ وأنواعه ، التعارض والترجيح ، شروط التعارض ، حكم التعارض ، التعارض بين القياسين ، المقاصد العامة ، أنواع الاجتهاد ، الفرق بين الاجتهاد والقياس ، شروط الاجتهاد وحكمه ، تجزئة الاجتهاد ، التقليد .

وأُنبِّه أن المسائل الأُصولية قد تختلف بعض مصطلحاتها من مذهب لآخر ، أو حسب شروح تلك الكتب بسبب اختلاف المترادفات ومعانيها وفهمها على حسب الضوابط المذهبية .

أما طريقة الإفادة من هذه المسائل فتكون بالحفظ أو تكرارها مع تصوُّر المسائل وتطبيقها على الأحكام ، مع كثرة المراجعة الدائمة لمعرفة الأدلة والأصول التي يمكن تخريج المسائل عليها .
وهنا أُقيِّد مثالين لتوضيح المطلوب :

• الأول : الوضوء من ماء البحر مع وجود الماء العذب هل يُكره أم لا ؟.
الجواب لا يُكره لأن الدليل الأصولي : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، لنصِّ الرسول صلى الله عليه وسلم على عموم ذلك من غير تقييِّد بزمان أو مكان .

• الثاني : قال الحجاوي عن اللقيط : ” طفل لا يُعرف نسبه ولا رِّقه نُبذ أو ضل ، وأخذه فرض كفاية ” .
فيمكن بناء المسألة على قاعدة الاستصحاب فنستصحب أصل الحرية لهذا اللقيط ، فيتم رعايته لاستصحاب سلامته لابقاء ما كان على مكان ،وهو بذل الخير وطلب العافية للخلق أجمعين ، حتى يثبت دليل يُغيِّر حاله .
ودليل الاستصحاب مختلف فيه من حيث الحجية ، لكن لا بد من الاستدلال له لفهم المسائل .

انتهى الدرس الخامس ويليه الدرس السادس إن شاء الله تعالى .
هذا ما تيسر تحريره والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
1439/11/5
__________________
أموت ويبقى ما كتبته ** فيا ليت من قرا دعاليا
عسى الإله أن يعفو عني ** ويغفر لي سوء فعاليا

قال ابن عون:
"ذكر الناس داء،وذكر الله دواء"

قال الإمام الذهبي:"إي والله،فالعجب منَّا ومن جهلنا كيف ندع الدواء ونقتحم الداءقال تعالى :
(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)
ولكن لا يتهيأ ذلك إلا بتوفيق الله ومن أدمن الدعاءولازم قَرْع الباب فتح له"

السير6 /369

قال العلامة السعدي:"وليحذرمن الاشتغال بالناس والتفتيش عن أحوالهم والعيب لهم
فإن ذلك إثم حاضر والمعصية من أهل العلم أعظم منها من غيرهم
ولأن غيرهم يقتدي بهم. ولأن الاشتغال بالناس يضيع المصالح النافعة
والوقت النفيس ويذهب بهجة العلم ونوره"

الفتاوى السعدية 461

https://twitter.com/mourad_22_
قناتي على اليوتيوب
https://www.youtube.com/channel/UCoNyEnUkCvtnk10j1ElI4Lg
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 07-28-2018, 04:33 PM
ابوعبد المليك ابوعبد المليك غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 4,144
افتراضي


تجربة في دِّراسة الزاد ( 6)

في الدرس الخامس تناولتُ بشي من التفصيل أهمية وضرورة فهم المسائل الأصولية في الزاد ، وأن الطالبَ لن ينتفع بالزاد إلا باستحضار المسائل الأصولية وربطها بالقواعد والأحكام المعتبرة الصحيحة .
وقد ضربتُ خمسة أمثلة أصولية لتطبيقها تطبيقا عملياً على مسائل الزاد ، وقد أردفتُ ذلك كُّله بأهم المسائل الأصولية التي يجب الاطِّلاعُ عليها وفهمها ،ولو على سبيل الإجمال ،كي يتهيأ القلبُ لاستيعاب الأحكام بالطُّرق الصحيحة.

(ز) : الفقه المقارن في الزاد :
المقصود بالفقه المقارن في الزاد المسائل التي انفرد بها الإمام أحمد (ت: 241هـ)رحمه الله تعالى عن غيره من الأئمة الثلاثة ، أو ما انفرد به االإمام الشافعيُّ ( ت: 204هـ) عن الأئمة الثلاثة رحمهم الله جميعاً ، وقِس على هذا بقية المذاهب المعتبرة .
وفائدة الفقه المقارن هو معرفة طرق المذهب في الاستنباط والتعليل والتقعيد .

وقد قال الإمام النووي (ت: 676هـ )رحمه الله تعالى في مقدمة كتاب المجموع: ” وَاعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ مَذَاهِبِ السَّلَفِ بِأَدِلَّتِهَا مِنْ أَهَمِّ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِي الْفُرُوعِ رَحْمَةٌ وَبِذِكْرِ مَذَاهِبِهِمْ بِأَدِلَّتِهَا يَعْرِفُ الْمُتَمَكِّنُ الْمَذَاهِبَ عَلَى وَجْهِهَا وَالرَّاجِحَ مِنْ الْمَرْجُوحِ وَيَتَّضِحُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ الْمُشْكِلَاتُ: وَتَظْهَرُ الْفَوَائِدُ النَّفِيسَاتُ: وَيَتَدَرَّبُ النَّاظِرُ فِيهَا بِالسُّؤَالِ والجواب: ويفتح ذِهْنُهُ وَيَتَمَيَّزُ عِنْدَ ذَوِي الْبَصَائِرِ وَالْأَلْبَابِ: وَيَعْرِفُ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ مِنْ الضَّعِيفَةِ وَالدَّلَائِلَ الرَّاجِحَةَ مِنْ الْمَرْجُوحَةِ وَيَقُومُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَعَارِضَاتِ وَالْمَعْمُولِ بظاهرها من المؤولات وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ إلَّا أَفْرَادٌ مِنْ النَّادِرِ”. (المجموع شرح المهذب 1/ 5) .

وهذه الطُّرق يمكن مراجعة أصول المذاهب فيها ، للوقوف عليها عند كل إمام ، وهي مفيدة لمن أراد الغوص في الفقه المقارن .
• وهذه مجموعة من الأمثلة المختصرة للفقه المقارن من الزاد ، تعُينُ على شحذ الهِمَّة للمطالع ، ومن أراد التوسُّع فليراجع المطولات .

(1) : حكم استئجار الأرض بجزء مما تُخرجه :
الفقهاء في هذا على قولين :
أ‌- يجوز استئجار الأرض ببعض ما تُخرجه كالثلث والربع ، وقد نصَّ أحمد على ذلك ، وهو قول أكثر الأصحاب ، واختار أبو الخطاب أنها لا تصح ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى .
الدليل أنها كالمزارعة لحديث ابن عمر رضي الله عنهما : “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع ” متفق عليه . ولأن الأصل في المعاملات الحِل ، والحاجة داعية إليها .
ب-لا يجوز استئجار الأرض ببعض ما تُخرجه ، وهو قول جمهور الفقهاء . وتعليلهم خشية الغرر والغش والتدليس .

(2) : شروط الرضاع المحرِّم :
اختلف الجمهور في شروط الرضاع المحرم للزواج .
وهذا سرد لها مع اختلاف بعضهم عن بعض حسب قواعدهم:
الأول : أن يكون لبنُ آدمية : فلا عبرة للبن الصناعي أو شاة ، واشترط الشافعية خلافاً للجمهور أن تكون المرأة حيَّةً حال انفصال اللبن منها ، وبلغت تسع سنوات قمرية .
الثاني :وهو شرط عند الحنفية دون غيرهم ، وهو أن يتحقَّق من وصول اللبن إلى معدة الرضيع ، سواء بالامتصاص أو بالإناء .
الثالث : أن يحصل الإرضاع بطريق الفم أو الأنف . وهذا شرط عند الجمهور .
الرابع : أن لا يُخلط اللبن بغيره ، وهو شرط عند الحنفية والمالكية فقط .
الخامس : أن يكون الرضاع في حال الصِّغر اتفاقا : فلا يحرم رضاع الكبير وهو من تجاوز الستين.
السادس : أن يكون الرضاع خمس رضعات متفرقات ، عملاً بالعرف وهو رأي الشافعية والحنابلة فقط . أما عند الحنفية والمالكية فيكون بالقليل والكثير ، استدلالاً بقول الله تعالى : ” وأُمهاتكم اللائِي أرضعنكم ” ( النساء : 23) .
فيلاحظ من المثال المتقدِّم اختلاف الشروط لاختلاف الدليل ودرجته ومرتبته ، على حسب كُّل مذهب .

(3) : مدة الحمل :
أقل الحمل ستة أشهر . وأكثر مدة الحمل في رأي المالكية : خمس سنوات ، وفي رأي الشافعية والحنابلة : أربع سنوات ، وفي رأي الحنفية: سنتان ، وفي رأي الظاهرية : تسعة أشهر .
وسبب الاختلاف هو الاستقراء لطبيعة النساء وأحوالهن ، حسب البلدان والأعراق وعِلل الأبدان ونحو ذلك .

(4) : السفر يوم الجمعة قبل الزوال :
اتفق الجمهور على كراهة السفر يوم الجمعة بعد الزوال ما عدا أبي حنيفة . وسبب خلاف بعضهم عدم ثبوت الحديث الوارد في المسألة : ” من سافر يوم الجمعة دعت عليه الملائكة..” أخرجه ابن النجار وفي إسناده مقال . وقالوا من تعيَّن عليه وجوب الفرض لا يجوز له تركه أو ابطاله لغير ضرورة .

(5) : القَسم بين الزوجات :
يجب العدل بين الزوجات ، لكن الشافعية لم يُوجبوا القَسم على الرجل ،لأن القسم لحقِّه فجاز له تركه ، لكن قالوا باستحبابه .
والحنفية والمالكية لم يوجبوا على الرجل القسم في السفر.
والحنفية قالوا إن قسم الزوجة الجديدة كالقديمة سواء بسواء ، فلا تختص واحدة منهما بشي عن الأخرى .ُّ
وسبب الخلاف حول الوجوب أو الاستحباب في القَسم هو خلافهم حول فهم النُّصوص الواردة في المسألة .

فمثلاً الحنفية لا يقبلون خبر الآحاد مُطلقاً عند الاستدلال بنصِّ نبوي ، لوجود شبهة اتصال ، ويقولون إن الأمة لم تتلقَّاه بالقبول ، وقد ناقش الإمام الشافعي (ت: 204هـ)رحمه الله تعالى وردَّ على الحنفية في هذا وأنكر عليهم غُلوهم في ردِّ خبر الآحاد .
وكان من شروط الإمام أبي حنيفة (ت: 150هـ )رحمه الله تعالى لقبول خبر الآحاد ، أن لا يَعمل الراوي بخلاف ما يرويه ، فإن عملَ بخلاف ما يرويه فإنَّ خبره غيرُ مقبول ولا يُحتجُّ به.

ومن الشُّروط عندهم أن لا يكون موضوع الحديث مما تعم به البلوى، كحديث : ” إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يده حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة وإذا كبَّر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع ” أخرجه مسلم .

ومن شروطهم أيضاً أن لا يكون الحديثُ مخالفاً للقياس والأصول العامة إذا كان راويه غير فقيه ، كحديث المصراة الشهير : ” لا تصروا الإبل والغنم ” متفق عليه .

ووجه المخالفة أن الحديث خالف قاعدة : الخَراج بالضمان ، وقاعدة المثلي يضمن بمثله والقيمي بقيمته . وكذلك المذاهبُ الأخرى لها أصول وقواعد تتمسك بها يجب مراعاتها عند الفهم للمسائل والترجيح بينها .

والمقصود مما تقدَّم أن يقارن طالب الزاد بين أجوبة المسائل للأحكام ، ليعرف مصدر الاستنباط والفتوى سواء بالرجوع إلى أدلة المذهب أو لتعليل العلماء للحكم أو بالوقوف على قواعدهم .
ولو أخذ طالب الزاد متناً في مذهب آخر لمعرفة كيفية استدلال مؤلِّفه أو شارحه ، وقارنه بغيره لحصَّل خيراً كثيرا .ِّ

* وهذه أمثله مختصرة كنتُ قد دوَّنتها على نسختي من متن أبي شجاع ( الغاية والتقريب ) ، ويمكن للطالب أن ينتفعَ بها عند مطالعته للزاد ، ليعرف زُبدة المسائل عند المذاهب الأربعة ومناط الأحكام فيها .

1-مسألة الإستياك بالأصبع: لم يُوردها أبو شجاع في المتن ، وهي من مسائل الشافعية .فمذهب الشافعي لا يصح الإستياك بإصبع نفسه المتصلة حتى ولو كانت خشنة، وهذا القول هو قول الإمام أحمد في رواية عنه . والأحناف والمالكية يرون الجواز عند عدم وجود غيرها. وقد صحَّح الإمام النووي جواز الإستياك بالإصبع الخشنة. وهو قول لبعض الشافعية أيضاً .وحُجة الإمام النووي في الجواز ما روي عن عليِّ رضي الله عنه أنه كان يستاك بأُصبعه . وإسناده صحيح. والخلاف في المسألة ضعيف عندي ولا قيمة له، والله أعلم

2-مسألة أكل لحم الجزور : لم يُوردها أبو شجاع في المتن . ومذهب الإمام الشافعي في الجديد لا ينتقض الوضوء بلحم الجزور . وقد صحَّح الإمام النووي أن لحم الجزور ناقض للوضوء . وعند الحنفية والمالكية وجمهور الشافعية والأرجح عند الحنابلة أن لحم الجزور لا ينقض الوضوء . والدليل حديث جابر :”كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ” أخرجه أبو داود بإسناد صحيح .وسبب الخلاف في المسألة ترددهم في الحكم على بعض أحاديث الوضوء بالنسخ أم لا ؟ . والله أعلم.

3-مسألة التنشيف بعد الوضوء : لم يُوردها في المتن . وعند الشافعية يُسنُّ ترك التنشيف ولا يُكره فعله . وذهب الأحناف إلى أن التنشيف أدب لكن لا يُبالغ فيه . وقال المالكية والحنابلة بإباحته بلا كراهة . واختار النووي أنه مباح ،لتكافؤ الأدلة المبيحة والمقرِّرة في المسألة .

وسبب الخِلاف في المسألة تنازعهم في حديث ميمونة هل هو مطلق أم مقيد ؟ . والله أعلم .
4-مسألة مدة المسح على الخفين: جمهور الفقهاء من الأحناف والشافعية والحنابلة وقَّتوا مدة المسح على الخفين بيوم وليلة في الحَضر وثلاثة أيام للمسافر. والشافعية والحنابلة يرون أن المسافر سفر معصية يمسح يوماً وليلة فقط ، لأن ما زاد رخصة للمسافر والرخص لا تُناط بالمعاصي .

وقد خالفهم المالكية في ذلك فرأوا جواز الترخُّص . والشافعية قرَّروا في مذهبهم أن مدة المسح يوماً وليلة للمقيم وثلاثاً للمسافر ، تبدأ من الحدث بعد لبُس . وقد اختار النووي أن المدة تبدأ من المسح وليس من الحدث.

5-مسألة نزع الخُفين حال الطهارة في المسح : لم يوردها في المتن .ومذهب الشافعي في الجديد وهو الراجح عند الشافعية ، أن من نزع خفيه وهو بطهر المسح لم ينتقض وضوؤه وإنما يلزمه غسل رجليه . وقد إختار النووي أنه لا يلزمه لا الوضوء ولا غسل قدميه . واختار الإمام أحمد أنه يغسل قدميه فقط ، وهو مذهب الأحناف والشافعية . ورجَّح الإمام أحمد وجوب إستئناف الوضوء .وسبب الإختلاف في المسألة هو حُكم الموالاة في الوضوء عند الفريقين.

6-مسألة إستقبال الشمس والقمر عند قضاء الحاجة: أشار إلى المسألة في الحكم ولم يُوضِّحها . وللشافعي في المسألة قولان : الكراهة للإستقبال فقط ، والثاني الكراهة للإستقبال والإستدبار . واختار النووي عدم الكراهة مطلقاً . والمالكية قالوا إنه خِلاف الأولى ، والشافعية والأحناف قالوا بالكراهة مطلقاً . وكَره ذلك الإمام أحمد ، لأن النَّيرين فيهما نور الله تعالى.

7-مسألة ماء الميازيب : لم يشر إليها في المتن. وقالت الشافعية إنه يُحتمل نجاسة مياه الميازيب ، فالواجب عندهم الإحتراز . واختار الإمام النووي أنه طاهر ، لأن بعضه يُطهِّر بعضاً عند نزوله . وسبب الإختلاف هل مياه الميازيب على أصل الماء النازل أم لا ؟ والله أعلم .

8-مسألة البول في الماء القليل :لم يشر إليها في المتن . ومذهب الإمام الشافعي لا يُحرِّم البول في الماء القليل لإمكان تطهيره بالمكاثرة ، وعندهم أن الأولى أن لا يَحرم في الماء الكثير . وقد اختار النووي حُرمة البول في الماء القليل مطلقاً . والحنابلة قالوا بالتحريم للقليل والكثير كما في كشاف القناع . وسبب اختلافهم هو هل النهي الوارد في الحديث للتحريم أم للتنزيه ؟ .

9-مسألة غسل الإناء من سؤر الخنزير : المعتمد عند الشافعي أن الخنزير كالكلب يُغسل الإناء من ولوغه سبع مرات إحداهن بالتراب . واختار النووي أنه يُغسل مرة واحدة . والأحناف قالوا يجوز غسل إناء الخنزير ثلاثا ً وجوباً ، أو خمساً أو سبعاً ندباً.

10-مسألة الإستمتاع بالحائض : مذهب الشافعي يحرم مباشرة الحائض فيما بين سُرتها وركبتها . والمذاهب الثلاثة ما عدا الأحناف ، حرَّموا إستمتاع الزوج بزوجته الحائض . واختار النووي الإباحة . وسبب إختلافهم المعنى المراد في الحديث المرفوع : ” ما فوق الإزار ” لما سأله معاذ ما يحلُّ للرجل من امرأته وهي حائض . والحديث أخرجه أبو داود بإسناد ضعيف .

11-مسألة هل يكفي في التيمم مسح الكفين فقط ؟ : مذهب الشافعية يجب عند التيمم إيصال التراب إلى المِرفقين ولا يكفي الإقتصار على مسح الكفين . وعند الأحناف والشافعية أن التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة للمرفقين . والمالكية والحنابلة قالوا يمسح اليدين إلى الكوعين وهو اختيار النووي .
وسبب خلافهم هو هل فعل النبي صلى الله عليه وسلم بتيمُّمه في وجهه ويديه ، كان للتعليم أم لقصد الفعل ؟ لأنه ورد في الصحيحين الإقتصار على الكفين فقط بلا زيادة . ومن الأسباب أيضاً أن آية التيمم مجملة وليست مبينة .وفي المسألة خلاف قوي يُنظر توضيحه في أضواء البيان للشنقيطي .

12-مسألة قضاء الصلاة التي وقع فيها الخلل : لم يُشر إليها في المتن .ومذهب الشافعية أنها لا تُقضى ، لكن هناك أحوال تُقضى فيها عندهم ، كمن تيمَّم في الحَضَر لعدم الماء فعليه الإعادة. وفي المسألة تفصيل يُنظر في شرح البهجة.
والحنابلة قالوا في فاقد الطهورين يُصلِّي الفرض فقط على حسب حاله ولا يقضي ، كما حكاه الحجاوي في الإقناع .

13-مسألة دخول وقت أذان الفجر : مذهب الشافعي أن أذان الفجر يدخل من نصف الليل.واختار النووي أن أذان الفجر يدخل من السَّحَر وليس من نصف الليل . وقد منع الأحناف أذان الفجر قبل وقته وقالوا بالإعادة لمن أذَّن قبل وقته الشرعي . والأحناف قالوا بالجواز من بعد نصف الليل .

14-مسألة تأخير وقت العشاء : مذهب الشافعي ومالك أن صلاة العشاء في أول وقتها أفضل ، لكن النووي إختار أن تأخيرها إلى ثُلث الليل أو نصفه أفضل . وإلى هذا ذهب الأحناف والحنابلة . وسبب الخلاف في المسألة هل الأفضل التعجيل أم التأخير ؟ لأن ظاهر الأحاديث توهم التعارض . والله أعلم .

15-مسألة من صلَّى وفي ثوبه نجاسة ناسياً لها : للشافعي في هذه المسألة قولان . ففي المذهب الجديد قال بوجوب القضاء . واختار النووي عدم وجوب القضاء. وسبب الإختلاف تنازعهم في تأويل نزع الرسول صلى الله عليه وسلم لنعاله وهو يصلي . والله أعلم .

16-مسألة العمل الكثير في الصلاة سهواً :لم يُشر إليها في المتن .وقد إختار النووي عدم البطلان ، بينما قال الشافعي ببطلانها في العمد والنِّسيان . وسبب الإختلاف تأولهم لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم في صلاته .

17-مسألة إستحضار نية الصلاة : الجمهور قالوا إنه لا يجب مقارنة النية للتكبير وإنما يجوز أن تتقدم النية على تكبيرة الإحرام بيسير عُرفاً . واختار النووي أن نية إستحضار الصلاة تكفي بأن لا يغفل عنها وقت أدائها.

18-مسألة تطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين: لم يُشر إليها في المتن .والاعتدال والجلوس ركنان قصيران يبطل الصلاة تطويلهما.وهذا رأي للأحناف أيضاً. واختار النووي جواز تطويل الاعتدال عن الركوع لحديث : ” ثم قام طويلاً قريباً مما ركع ” أخرجه مسلم . ورأيه موافق لرأي المالكية والحنابلة . وسبب الإختلاف تنازعهم في الحكم على حديث عطاء ابن السائب في المسألة .

19-مسألة وضع الأنف حال السُّجود : لم يُشر إليها في المتن . ومذهب الشافعي لا يجب وضع الأنف بمحلِّ السجود . يعني أنه سُنَّة كما هو اختيار النووي . وذهب إلى عدم الوجوب الأحناف أيضا والمالكية . بينما قال الحنابلة بالوجوب . والخلاف في هذه المسألة مشهور عند الأصوليين بمسألة تعرُّض النص مع الإشارة .

20-مسألة المراد بآل النبي: لم يُشر إليها في المتن . وقد ذهب الإمام الشافعي إلى أن آل النبي صلى الله عليه وسلم المأمور بالصلاة والسلام عليهم هم بنو هاشم وبنو عبد المطلب . بينما ذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد إلى أنهم جميع أمة الإجابة . وهذا هو إختيار النووي رحمه الله تعالى، كما في شرحه على مسلم . وسبب النِّزاع بينهم هو هل المقصود بالآل من تحرم عليهم الزكاة أم من سواهم ؟ ، لأنهم اختلفوا في الآل لغة مع القِياس على من حرمت عليه الزكاة شرعاً .

21-مسألة تغميض العينين في الصلاة : مذهب الشافعي أنه يُكره تغميض المصلِّي عينيه حال الصلاة . وهذا رأي مالك وأبو حنيفة وأحمد وبعض الشافعية . وقد إختار النووي عدم الكراهة . وسبب الإختلاف تنازعهم في الحكم على حديث المسألة .

22–مسألة القنوت في الوتر : مذهب الشافعي أن القنوت في الوتر يُستحب في النِّصف الأخير من رمضان فحسب . ويُكره أن يقنت في غير هذا النِّصف ، وإن تعمَّد الإطالة في غير النِّصف بطلت صلاته . وقالت المالكية إن القنوت في الوتر مكروه . وقال أبو حنيفة القنوت في الوتر في السَّنة كلها واجب . وعند أحمد إنه سُّنة .واختار النووي إستحبابه . وسبب الإختلاف في المسألة تعارض الأحاديث بين مطلقة ومقيدة .وفي ثبُوتها من عدمه .

23–صلاة التسبيح : ذهب الشافعي إلى أن صلاة التسبيح يُسنُّ فعلها ، لأن حديثها حسن لكثرة طرقه . ورأى الجمهور أنها أيضاً سُنة . وسبب النِّزاع في فعلها من عدمه ، ضعف الحديث في فضلها عند العلماء، وهل يُعمل بالحديث الضعيف أم لا ؟ واختار النووي عدم إستحبابها ، كما يُفهم من كلامه . وعندي أن النووي متوقِّف في المسألة ولم يترجِّح له فيها شي ، فليُحرَّر.

24-مسألة تطويل الجلوس بين السجدتين في صلاتي الكسوف والخسوف : لم يُشر إليها في المتن .ومذهب الشافعي أنه لا يُسنُّ تطويل الجلوس بين السجدتين في صلاة الكسوف والخسوف . ورأى الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة أنه لا يُسنُّ تطويل الجلوس بين السجدتين . واختار النووي عدم الإطالة . وسبب الخِلاف عندهم اختلافهم في إسناد حديث عبد الله بن عمرو الذي يفيد الإطالة .

25-مسألة الإضطجاع بين سنة الصبح وفرضها :لم يشر إليها في المتن . ولا يلزم عند الشافعي الإضطجاع بل يقوم غيره مقامه ،كتحوله من مكانه أو تحدثه مع غيره . وقد أوجب ابن حزم الإضطجاع بين السنة والفرض في الفجر . بينما قال الإمام مالك إنه بدعة . وقال أبو حنيفة إنه سُنة . وعند الحنابلة أن الكلام بعد سنة الفجر مكروه كما حكاه صاحب الإنصاف . واختار النووي أن الإضطجاع ليس بلازم فيكفي التحول من المكان والتحدُّث ونحوه . وسبب الخلاف هل الإضطجاع مقصود بعينه أو لا ؟ وهل وصل صلاة بصلاة من غير كلام جائز أم لا ؟.

26-مسألة نية الصلاة المعادة : لم يشر إليها في المتن . وعند الشافعي أنه ينوي عند إعادة الصلاة نية الفرضية . وعند الأحناف يجب تعيين نية الفرض ، ونية التعيين .وعند المالكية والحنابلة أنه لا تجب نية الفرضية أصلاً . واختار النووي عدم التعرض لنية الفرضية في الصلاة المعتادة . وسبب التنازع عندهم هو اختلافهم في المقصود من الإعادة.

27-مسألة حكم تخطي رقاب الناس :لم يشر إليها في المتن . ومذهب الشافعي كراهة تخطي الرقاب . أما أبو حنيفة فأجاز التخطي بشرطين : أن لا يؤذي أحدا ، وأن يكون قبل بداية الخطبة ، وإلا فيحرم . والمالكية قالوا بالجواز مع الكراهة . وعند أحمد أيضا الكراهة مطلقاً إلا أن يكون إماماً . وقد إختار النووي حرمة التخطي مطلقاً . وسبب الخلاف هل العبرة بالإيذاء أم هو نهي عن الإيذاء وقت الخطبة ؟.

28-مسألة الجمع بعذر المرض : مذهب الشافعي لا يجوز الجمع بعذر المرض ، وكذلك قال الأحناف . أما الحنابلة والمالكية فقالوا بالجواز . واختار النووي الجواز خلافا للشافعية . وسبب إختلافهم تنازعهم في حديث ابن عباس : ” جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر ” أخرجه مسلم.

29-مسألة القيام للجنازة : لم يشر إليها في المتن . مذهب الشافعي يكره القيام للجنازة إذا مرت ، لأن الأمر بالقيام لها منسوخ . وهذا رأي الجمهور . واختار النووي إستحباب القيام لها ، ولا يقعد حتى توضع .وسبب اختلافهم تنازعهم في نسخ حديث : ” إذا رأيتم الجنازة فقوموا ” متفق عليه.ولابن القيم تحقيق نفيس حول هذا الاختلاف في حاشيته على سنن أبي داود.

30-مسألة وصول ثواب قراءة القرآن للميت: لم يشر إليها في المتن .وعند الشافعي أن قراءة القرآن لا يصل ثوابها للميت . لكن الجمهور قالوا بوصول ثوابها للميت . واختار النووي أنه يصل ثوابها للميت كما حكاه في كتاب الأذكار . وسبب اختلافهم تنازعهم في صحة الأحاديث وهل هي باقية على خصوصها أم عامة ، وهل تقاس القراءة على الصدقة والحج ؟ .

هذه أمثلة مختصرة ، ومن أراد الإستزادة فليراجع تعليقاتي على متن أبي شجاع .
انتهى الدرس السادس ويليه الدرس السابع إن شاء الله تعالى .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
1439/11/14
__________________
أموت ويبقى ما كتبته ** فيا ليت من قرا دعاليا
عسى الإله أن يعفو عني ** ويغفر لي سوء فعاليا

قال ابن عون:
"ذكر الناس داء،وذكر الله دواء"

قال الإمام الذهبي:"إي والله،فالعجب منَّا ومن جهلنا كيف ندع الدواء ونقتحم الداءقال تعالى :
(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)
ولكن لا يتهيأ ذلك إلا بتوفيق الله ومن أدمن الدعاءولازم قَرْع الباب فتح له"

السير6 /369

قال العلامة السعدي:"وليحذرمن الاشتغال بالناس والتفتيش عن أحوالهم والعيب لهم
فإن ذلك إثم حاضر والمعصية من أهل العلم أعظم منها من غيرهم
ولأن غيرهم يقتدي بهم. ولأن الاشتغال بالناس يضيع المصالح النافعة
والوقت النفيس ويذهب بهجة العلم ونوره"

الفتاوى السعدية 461

https://twitter.com/mourad_22_
قناتي على اليوتيوب
https://www.youtube.com/channel/UCoNyEnUkCvtnk10j1ElI4Lg
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 08-06-2018, 01:22 PM
ابوعبد المليك ابوعبد المليك غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 4,144
افتراضي

تجربتي في دِّراسة الزاد (7)

في الدرس السادسِ تناولتُ بشي ٍمن التفصيل مسائل الفِقه المقارن في الزاد وفي خارج الزاد ، وقد ناقشتُ باختصار بعض الأمثلة التي تُوضِّح المراد ومنها ضرورة الإلتفات للأحكام والقواعد والأُصول ، عند دِّراسة الفِقه المقارن.

(ح) : طرق الاستدل لمسائِل الزاد :
هذا المبحث مهم جداً لمن أراد تأصيل نفسه فقهياً وأصولياً ، لأن الاستدلال للمسألة والتخطيط لها ، جزء من فهمها والجواب عنها .

ويجب ملاحظة أنه لا تكفي الدراسة النظرية لِطُّرق الاستدلال ، فلا بد من التطبيق العملي بالقلم على المسائل ، مع الفهم والادراك .، والتصحيح على عالم أو معلِّم .
ولأهميَّة معرفة طُّرق الاستدلال أضرب ثلاثة أمثلة من الزاد لتقريب المراد.

• المثال الأول :
إنسان يريد شراء بئر في قرية بعيدة أو مكان لا تملكه الدولة ، فهل يجوز ذلك ؟ .
هناك جوابان :
الأول لا يجوز ، لحديث : ” المسلمون شركاءُ في ثلاثة : الكلأ والماء والنار ” أخرجه أحمد بإسناد صحيح .
الثاني : يجوز ، لأن عثمان اشترى بئر رومة .أخرجه البخاري تعليقاً .

فمن استدلَّ بنصِّ الحديث الأول يكون قد أخطأ في تصور المسألة وفهمها ، ومن استدل بنصِّ الحديث الثاني يكون قد أخطأ في تصور المسألة وفهمها ، حيث لم يفصِّل الجواب والمعنى .
الجواب الصحيح : لا بد من البيان ، فهناك فرق بين شراء البئر وشراء نقيع البئر .
فلا يصح بيع نقيع البئر ، لكن يصح شراء البئر نفسها ، وهي الركية التي حُفرت ووضع لها سور وحدود أو عليها غطاء ، ونحو ذلك .
والنقيع هو النبع الذي يتفجر من أسفل البئر ، فهذا حرام بيعه ، أما نفس البئر بدون اعتبار مائِها فلا حرج من شرائها أو بيعها .
(خلاصة الاستدلال : توظيف المعنى الأُصولي التطبيقي لفهم لفظ البئر ) .

• المثال الثاني :
من طاف حول الكعبة بلا نية للطواف ، بل بحثاً عن شخص أو علاجاً لمرض في بدنه هل يُؤجر على ذلك ؟ .
الجواب إن كانت نيته الطواف ثم البحث عن شخص أو علاج بدنه ، فطوافه صحيح ، وإن كانت النية مُنصرفةٌ إلى شيٍ آخر غير الطواف فلا أجر له ، لأن ركن الطواف النية للتعبد ، وهو هنا نوى العلاج أو البحث عن رفيقه .
(خلاصة الاستدلال : توظيف القاعدة الفقهية النطبيقية لفهم مقصد الطواف ) .

• المثال الثالث :
ما حكم حمل النجاسة أثناء الصلاة في الجيب أو على الظهر في حقيبة ،كما يفعل طلبة الطب أحيانا ؟ .
الجواب : الصلاة باطلة ، فمن حمل في جيبه سائلا نجساً ، أو قِطع صخور نجسة أو حفظ في حقيبته جلدا نجساً ، أو فضلات نجسة لغرض دراستها طبياً أو مخبرياً نحو ذلك ، فيجب عليه اعادة الصلاة .
(خلاصة الاستدلال : توظيف الحكم الوضعي لفهم شرط الصلاة ) .

نستفيد مما سبق أن تصور المسألة مطلب مُلحٌ وضروري لاستخراج الجواب الصحيح . أما كيفية تصور المسألة فله شرطان لا ينفكَّان :
أ‌- شرح العالم لها في درس أو كتاب على ضوء الأدلة .
ب- تخيلُّها في الذِّهن وربط معانيها باتقان ، مع التصحيح .

فلو تخيَّلها في الذِّهن بدون شرح العالم فلن يستفد ، وإن شرحها له عالم ولم يتخيلها وصوَّرها في ذهنه ، ويربط معانيها بدلالاتها فلن يستفد أيضاً.

وحتى يتبيَّن لنا معنى هذين الشرطين أُورد مثالاً من الزاد لتوضيحها:

• قال الحجاوي رحمه الله تعالى : ” وإن بلغ قلتين .. ويُشقُّ نزحه كمصانع مكة ” .
مصانع مكة المذكورة في عبارة الحجاوي ليست مصانع فيها مكائن أو الآت ، إنما هي أحواض كبيرة يشرب منها الحجاج والمسافرون ويغتسلون .
كيف ظهر المعنى الصحيح للمصانع ؟
ظهر بالرواية والتصوُّر في الذِّهن بصورة صحيحة كما وصفها الفقهاء والعلماء الذين عاصروا زبيدة بنت جعفر (ت: 216هـ )رحمها الله تعالى ، التي أمرت ببناء هذه المصانع وحفرها ، وهذا الوصف حفظه العلماء وعلَّموه لطلابهم إلى يومنا هذا .
وأنت إذا طالعتَ كتب القياس وكتب نقد الخلاف تلحظ أهمية العناية بمدارك العلم ، التي تقوم على التصوُّر الصحيح للمسائِل على ميزان الشرع .
وقد جمع الناظم مدارك العلم في بيتين لطيفين هما :
مدارك العلوم في العِيان
محصورةٌ في الحدِّ والبُرهان
وقال أيضاً :
وقال قومٌ عند أصحاب النظر
حِس وإخبار صحيحٌ والنَّظر .

فالحجج النقلية والعقلية وأدواتهما من أهم الأسباب المعينة على الاحاطة بمدارك المسائل العلمية . وهي مبثوثة في كتب التفسير وأصول الجدل .
ويجب أن يتنبَّه الباحثُ في مدارك العلم- إن أراد الوصول إلى الحق – أن الواقع العلمي لا يخلو من مقلِّدين جامدين لا يفقهون دليلاً ولا نصاً،وعُبَّاد ٍتغلب عليهم الجهالة معنىً وحساً، وأهل حديث متبعين للدليل حقا وصدقًا، ومتوسطين في الأخذ بالموروث الفقهي ديانة وطبعاً، وحداثيين علمانيين لا يعظِّمون الدين شرعًا ولا وزنًا .

وقد عاتب الرسول صلى الله عليه وسلم عديَّ بن حاتم رضي الله عنه ووصفه بقلة الفطنة لتفريطه في استيعاب مدارك العلم بقوله :” إنك لعريضُ الوِساد ” حين فهم من قول الله تعالى : ” حتى يتبيَن لكم الخيطُ الابيضِ من الخيطِ الاسودِ من الفجر” ( البقرة : 187 ) أن المقصود: الِحبال البيض والسُّود ! .
وقد صحَّح له الرسول صلى الله عليه وسلم حدَّ المسألة وبرهانها فقال : ” إنما هو بياض النهار وسواد الليل ” . أخرجه الشيخان .
وهذا الحديث يُستنبط منه خمس فوائد :

الاولى : لا يجوز الحكم على المسألة قبل تصورها .
الثانية : تصور المسألة يجب أن يكون على وصف الوحيين .
الثالثة : العادات والأعراف تُرُّد إذا كانت خلاف الأصل الشرعي .
الرابعة : التعقيب على الغلط النادر لا يصح، إلا إذا خالف أصلا ثابتاً .
الخامسة : ضوابط الأدلة الشرعية من لوازم العلم .

وقد كانت أُم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تربِّي الصحابة على ادراك المسائل وتُصحِّح لهم ما قد يكون وقع منهم خلاف الدليل الذي يخالف الاصل ، كما في قولها لامرأة أبي اسحاق السبيعي : ” أبلغي زيد بن ارقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أن يتوب ” ! . أخرجه الدارقطني باسناد حسن .

وهذا الاستدراك من أم المؤمنين رضي الله عنها له قصة ، وهي أن امرأة أبي إسحاق، قالت: دخلتُ على عائشة في نسوة، فقالت: ما حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم محبة, فقالت: يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم, قالت: فإني بِعتُه جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء, وإنه أراد أن يبيعها فابتعتها بستمائة درهم نقداً. فأقبلت عليها وهي غضبى، فقالت: بئس ما شريتِ وبئس ما اشتريت، أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا أن يتوب . أخرجه الامام أحمد في المسند باسناد حسن . وهذا الأثر المرسل يستنبط منه فائدتان :
الأولى : فهم أُم المؤمنين لتحريم بيع العِينة كان بسبب ادراكها لجزئيات مسائل الرِّبا .
الثانية : النص الحديثي بمفرده لا يكفي لانتزاع الحكم الشرعي .

• أما طرق الاستدلال فهي كثيرة :

-النظر في الأدلة المعتبرة وهي أربعة : الكتاب والسنة والاجماع والقياس، ويمكن أن يستفاد في هذا من أدلة كتب الأحكام وهي كثيرة ومشهورة .
-تقسيم الأدلة إلى نقلية وعقلية ، ليسهل فهم المعنى على وجهه الصحيح .
-العناية بكل دليل من السنة فيه تقرير للرسول صلى الله عليه وسلم،
وقد اعتنى بهذا الباب ابن القيِّم (ت: 751 هـ)رحمه الله تعالى في زاد المعاد .

– العناية بأفعاله صلى الله عليه وسلم إذا وردت بدليل صحيح .
– العناية بالسنة التركية له صلى الله عليه وسلم .
– لا يحتج بالأحاديث الضعيفة في الأحكام ، وهذا ما قرَّره الإمام ابن تيمية (ت: 728هـ) رحمه الله تعالى ، في مجموع الفتاوى .

-العناية باجماع العلماء من خلال مصنفاتهم في الأحكام الفقهية .
– العناية بالقياس الجلي والخفي ، وهو مهم جداً لفهم المسائل التي لا نص فيها ولا اجماع لكن بشروطه المعتبرة .
– العناية بتعليل الاحكام .
– العناية بالاستصحاب وهو البراءة الأصلية مع فهم أنواعه .
– العناية بقول الصحابي بالشروط المعتبرة شرعاً .
-العناية بالاستحسان عند الفقهاء والأصوليين .
-العناية بفهم مقاصد الشرع .
-العناية بسدِّ الذرائع .
-الاستدلال بالقواعد الفقهية والأصولية .
وهناك مسائل في الزاد يمكن الاستدلال لها بكل الأدلة أو اغلبها ، لأنها تندرج تحت كل الأدلة سواء كانت نقلية أو عقلية .
وهنا ثلاثة أمثلة توضِّح ذلك :

• المثال الأول :
قال الحجاوي رحمه الله تعالى : ” ويُسنُّ تعجيلها ” أي صلاة المغرب .
هذه المسألة باتفاق الأئمة الأربعة ، وهي من أفعاله صلى الله عليه وسلم ، وفيها تطبيق عملي لمقاصد الشريعة ، وفيها استحسان بالنص النبوي الفعلي ، وفيها دليل صحابي لقول رافع رضي الله عنه : ” كنا نصلِّي المغرب.. فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نَبله ” متفق عليه .

• المثال الثاني :
قال الحجاوي رحمه الله تعالى : ” ثم يخرُّ مكبِّراً ” يعني للسجود .
ولم يورد هنا رفع اليدين ، بعكس التكبير والرفع لليدين عند الركوع .
الدليل هنا هو السنة التركية منه صلى الله عليه وسلم للرفع في هذا الموضع ، وأيضا قول الصحابي رضي الله عنه : ” وكان لا يفعل ذلك في السُّجود ” متفق عليه .
ويمكن الاستدلال لها بالاستحسان المتقوٍّي بالسنة التركية .

• المثال الثالث :
قال الحجاوي رحمه الله تعالى : ” والضرورة إلى غروبها ”
هذه المسألة قد تخفى على بعض طلبة العلم ، وهي أن العصر يمكن أن تُصلِّى إلى قبيل غروب الشمس عند الضرورة ، وبهذا يكون المسلم قد قضى صلاة العصر في وقتها الأخير .
الدليل هنا اهو السنة القولية : ” من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ” . متفق عليه .

ويمكن الاستدلال بدليل الاستصحاب لوقت صلاة العصر ما دام أن الشمس لم تغرب حقيقة ، ومعروف أن الاستدلال أضعف الأدلة .
وهذه المسألة لا تحتمل إلا دليلين فقط كما هو ظاهر ، فلا يجوز الاستدلال لها بالاستحسان ولا بقول الصحابي ولا بالقياس .

وختاماً فإنني أنصح من أراد أن يتقوَّى في طرق الاستدلال أن يفرِّغ وقته ستة أشهر لمطالعة وبحث المسائل في كتاب : ” السيل الجرَّار المتدفِّق على حدائق الأزهار ” ، للإمام الشوكاني (ت: 1250هـ)رحمه الله تعالى ، فهذا الكتاب مرجعٌ مهم في تقوية ملكة الاستدلال . والله الموفِّق .

انتهى الدرس السابع ويليه الدرس الثامن إن شاء الله تعالى .
هذا ما تيسر تحريره والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

1439/11/23
__________________
أموت ويبقى ما كتبته ** فيا ليت من قرا دعاليا
عسى الإله أن يعفو عني ** ويغفر لي سوء فعاليا

قال ابن عون:
"ذكر الناس داء،وذكر الله دواء"

قال الإمام الذهبي:"إي والله،فالعجب منَّا ومن جهلنا كيف ندع الدواء ونقتحم الداءقال تعالى :
(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)
ولكن لا يتهيأ ذلك إلا بتوفيق الله ومن أدمن الدعاءولازم قَرْع الباب فتح له"

السير6 /369

قال العلامة السعدي:"وليحذرمن الاشتغال بالناس والتفتيش عن أحوالهم والعيب لهم
فإن ذلك إثم حاضر والمعصية من أهل العلم أعظم منها من غيرهم
ولأن غيرهم يقتدي بهم. ولأن الاشتغال بالناس يضيع المصالح النافعة
والوقت النفيس ويذهب بهجة العلم ونوره"

الفتاوى السعدية 461

https://twitter.com/mourad_22_
قناتي على اليوتيوب
https://www.youtube.com/channel/UCoNyEnUkCvtnk10j1ElI4Lg
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 08-16-2018, 01:39 AM
ابوعبد المليك ابوعبد المليك غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 4,144
افتراضي

تجربتي في دِّراسة الزاد (8)

في الدرس السابِع تناولتُ بشي من التفصيل طُّرق الإستدلال لمسائِل الزاد ، وقد بيَّنتُ ذلك بالشرح والتمثيل والبيان ، سواء بالأدلة النقلية أو الأدلة العقلية.

(ط) : الإفادة من الصنعة الفقهية للبهوتي :
العلامة منصور البهوتي (ت: 1051هـ)رحمه الله تعالى له قدم راسخة في المذهب الحنبلي ، حتى إن علماء نجد والشام ومصر كانوا يراجعونه المسائل ، لتضلُّعه في الفقه وأصوله .
وقد ذكر المترجمون له أنه رحمه الله تعالى كان صارفاً أوقاته في تحرير المسائل الفقهية ، ومن كان هذا حاله فلا غرابة من رسوخ قدمه في الفقه والأصول ، لأن من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة .

والبهوتي فهم معنى كلام الإمام الشافعي (ت: 204هـ)رحمه الله تعالى عندما رغَّب في العلم في قوله : “العلم بطيء الِّلزام، بعيد المرام، لا يدرك بالسِّهام، ولا يُرى في المنام، ولا يورث عن الأباء والأعمام ، إنما هو شجرة لا تصلح إلا بالغرس، ولا تُغرس إلا في النفس، ولا تُسقى إلا بالدرس، ولا مُحصِّل إلا لمن أنفق العينين وجثا على الركبتين، ولا يُحصَّل إلا بالاستناد إلى الحجر، وافتراش المدر وقلة النوم، وصلة الليل باليوم، انظر إلى من شغل نهاره بالجمع وليله بالجماع، أيخرج من ذلك فقيهاً؟ .
كلا والله حتى يعتضد الدفاتر، ويستحصل المحابر ويقطع القِفار، ولا يفصل في الطلب بين الليل والنهار ” .

وقد أفدتُ كثيراً من علم البهوتي عند تحضير رسالتي للدكتوراه : ” الملَكة الُأصولية وتطبيقاتها في كتاب الروض المربع ” ، ووجدتُ أن عنده صنعة فقهية أتقنها ومَهر فيها ، وهي فضل من الله تعالى علَّمه إياها .

وهذه الصنعة الفقهية ضمَّنها في كتبه المشهورة ” الروض المربع “و ” كشاف القِناع ” و” دقائق أُولي النُّهى ” ، ولم أُلاحظها عند غيره من الفقهاء ، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء .
فهو يراجع المسألة ويحيط بجزئياتها ثم يُقرِّبها بأسلوب بلاغي لطيف على أصول مذهب الإمام أحمد (ت: 241هـ)رحمه الله تعالى ، ويزيد عليها تعليل الحكم .

وأصول أحمد هي : النُّصوص ، وما أفتى به الصحابة ، والمرسل أو الحديث الحسن ، والقياس .
والنصوص نص من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والنص النبوي قد يكون الاستدلال به من قوله أو من فعله ، ولها تفصيل تقدَّمت في الدروس السابقة في مسائل أصول الفقه وتطبيقاتها.

والتعليل : بيان الوجه الشرعي لصفة الحكم وسببه .
ومن تتبَّع الروض المربع من أوله إلى آخره يلحظ أن البهوتي في كل صفحة في غالب أحواله لا يكاد يخرج عن هذه الأُصول .

فهو يُقرِّر المسألة بالآية أو الحديث ، وإن لم يجد يستشهد بقول صحابي ، فإن لم يجد استشهد بالضعيف ، أو بالقياس ، وأردف ذلك بالتعليل.

والاستشهاد بالسنة عنده يكون على حسب المرتبة المناسبة للمسألة :
السنة القولية أو الفعلية أو التقريرية .
ومن منهجيته توقيره لفتاوى الإمام أحمد رحمه الله تعالى ، وتعظيمه لجهاده في الله ، وتعليم طلاب العلم أهمية فقه الإمام أحمد وجودة مذهبه .

ففي فصل جزاء الصيد عند قول الحجاوي : ” في الضبع كبش ” قال البهوتي : ” قال الإمام : حَكَم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبش ” ، فهذا يدلُّ على عنايته بعلم الإمام أحمد وثقته بأُصوله وتأدُّبه بأدب طلاب العلم . ومثله كثير في ثنايا الروض المربع .

وهذه المنهجية لها فائدة مهمة لا يعرفها كثير من القراء ، وهي ترسيخ الملكة الفقهية والأصولية في ذهن الباحث أو المطالع في المسألة ، فلا يحتاج بعدها إلى شرح أو تفصيل من كتاب آخر .

ولهذا لما شرح البهوتي رحمه الله تعالى شروط الصلاة ومنها: ( الوقت ) أورد في بيان دليله قول عمر رصي الله عنه : ” الصلاة لها وقتٌ شرطه الله لها لا تصح إلا به ” .
فاستدل للفظ الشرط من كلام عمر رضي الله عنه، واستدل لمعناه من حديث جبريل عليه الصلاة والسلام المشهور في المسألة ، من رواية ابن عباس رضي الله عنهما .
وبيَّن البهوتي أن الوقت حكم وضعي وضعه الله تعالى لبيان حال الصلاة .

وبسبب هذ الملَكة القوية قال الشيخ عثمان الناصري رحمه الله تعالى : ” كُّل ما وضعه الحنابلة من الحواشي على أولئك المتون ليس عليه معوَّل، إلا ما وضعه الشيخ منصور، لأنه هو المحقِّق لذلك ” .
والتحقيق المقصود هو : ضبط أصول الإمام أحمد والحرص على تعليل المسائل ، مع اختصار العبارة ليستوعب السامع والقارىء الجواب .

ولا يأتي الفقه إلا بهذه المنهجية ، أما المطالعة المجردة فتضر ولا تنفع ، لأنها تُلبِّس على المطالع المسائل فلا يعرف لها وجهاً ، فتتغيَّر الأحكام عنده بسبب سوء فهمه .
وأوصي بإلحاح من أراد الترقِّي في الصنعة الفقية والأُصولية وترسيخ الملكة أن يقرأ في الروض المربع كثيراً ويطيل النظر فيه ، ومن جرَّب عرف.

وهذه ثلاثة أمثلة مختصرة من الروض المربع لتوضيح أسلوب الصنعة الفقهية عند العلامة البهوتي رحمه الله تعالى :

• المثال الأول : قال البهوتي : ” ويُكره أيضا تغميض عينيه ، لأنه من فعل اليهود ” .
لم يستدل البهوتي للمسألة من الوحيين ، لأنه لا نص للمسألة من كتاب الله ، ومن السنة لم يثبت حديثها الذي عند الطبراني : ” إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض عينيه ” .
أورد البهوتي التعليل بدلاً من الدليل ، لعدم ثبوت النص .
قد يقول قائل : كيف وردت الكراهة ولا دليل في المسألة ؟

الكراهة ليست من البهوتي إنما هي اجتهاد من الحجاوي رحمه الله تعالى في الزاد ، أو ابن قدامة في المقنع ، وقد بناها ابن قدامة على استصحاب حكم نظر المسلم إلى مكان قبلته وهو يصلِّي ، وهذا لا يكون حال تغميض العينيين ، إنما يكون حال الإبصار ، أو أن الحكم بالكراهة على التسليم بثبوت الحديث أو تحسينه .

فيلاحظ أن جواب السؤال عند البهوتي وعند ابن قدامة أو الحجاوي يعود عند التحرير إلى أصول الإمام أحمد ، فتنبَّه لهذا فإنه مفيد جداً .

• المثال الثاني : قال البهوتي : ” وتُسنُّ عيادةُ المريض ، ويأخذ بيده ويقول : لا بأس طهورٌ إن شاء الله تعالى ، لفعله صلى الله عليه وسلم ” .

ففي هذا المثال لم يستدل البهوتي بحديث : ” حقُّ المسلم على المسلم خمس ” متفق عليه ، إنما استدل بالسنة الفعلية له صلى الله عليه وسلم ، لأن الاستدلال بها أقوى وأنفع للقارىء والمطالع ، وفيها تعليم منه إلى وجوب زيارة المريض إن لم يكن عنده من يزوره ويتفقَّد حاله .

• المثال الثالث :
(أ‌) : قال البهوتي : ” ومن عرف العربية لم يصح لِعانه بغيرها ، لمخالفته النص ” .
(ب‌) :وقال أيضا : ” واستبراء الآيسة والصغيرة بمضي شهر ، لقيام الشهر مقام حيضة في العدة ” .
(ج) : وقال أيضاً : ” ولا تجبُ نفقة الغريب من رأس مال التجارة ، ولا من ثمن ملك ولا من آلة صنعة ، لحصول الضرر بوجوب الاتفاق من ذلك ” .
فالعبارات التي فوق الخط هي التعليل الشرعي للحكم ، وهي عند الُأصوليين مرتبطة ارتباطًا وثيقا بالوصف المناسب .

والوصف المناسب أربعة أقسام : مؤثِّر وملائم وغريب ومرسل .
المؤثر : ما دلَّ الدليل فيه على اعتبار عين الوصف في عين الحكم ، كتعليل ولاية المال بالصغر.

والملائم : ما دلَّ الدليل على اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم ، كتأثير القتل بالمثقَّل في القصاص .
والغريب : ما دلَّ الدليل على عدم اعتبار هذا الوصف في الحكم ، ويسمى المصلحة الملغاة .
والمرسل : ما لم يقم دليل خاص على اعتبار مناسبته إو إهدارها ، ويسمى المصلحة المرسلة .

فهذا ميزان شرعي نستطيع به ضبط العِلل الشرعية للأحكام .
والبهوتي رحمه الله تعالى يعتني بأصل المفردات سواء من جهة التركيب أو من جهة المعنى ، وقد استعان بكثير من المصنفات اللغوية لتوضيح المفردات وبيان معانيها .

ولم يقتصر على ذلك بل وضَّح معاني الحروف التي لها علاقة بفقه العبارة الفقهية .
ومن أكثر الحروف التي تتكرر في الروض هي حروف الخلاف، وهي ثلاثة: إنْ، حتى، لو.

وحرف الكاف يرد كثيراً في الروض حتى لا تكاد تخلو صفحة منه، وتأتي لأحد معنيين: تمثيلية أو تنظيرية.
والضابط في كيفية معرفة حال الكاف أن ننظر إلى ما بعد الكاف، فإن كان ما بعدها من جنس ما قبلها ويدخل فيه ، فهي تمثيلية.
مثال ذلك: قول الفقهاء: ” الماء الطهور هو الماء الباقي على خلقته كمياه الأمطار ، وكمياه الآبار وكمياه الأنهار” .

وأما الكاف التنظيرية فصفتها أن يأتي المصنف بحكم ثم يأتي بنظير ومساوي له ، لكن لا يدخل فيه بل هو مستقل عنه، مثال ذلك قول أهل العلم : “الزكاة ركن من أركان الإسلام كالصلاة” .
فالصلاة ليست من جنس الزكاة، وإنما نظيرها في الحكم ومساوي لها، إذ كلا الحكمين ركن.

والبهوتي يعطف الأحكام بعضها بحرف الواو مرة، وبـ(كذا) أخرى، فما الفرق بينهما؟
الجواب : بأن الحكم المنصوص عليه والمعطوف عليه إذا كانا متساوييين في كل شيء فهذا يُعطف عليه بالواو، أما كان إذا المعطوف لا يشابه المعطوف عليه من كل الأمثلة ، وإنما من بعض الوجوه ويفارقه من بعض الوجوه فيُعطف بـ(كذا)، وهذه متكررة كثيراً في الروض المربع.

ومنهج العلامة البهوتي رحمه الله تعالى : الإطلاق بعد التقييِّد، فقد تكون عبارة صاحب الزاد مطلقة، فيأتي صاحب الروض فيقيِّدها، مثال ذلك قول الزاد: “ومن انكشف بعض عورته (في الصلاة) وفحش …”، وضَّح البهوتي في الروض وقيَّده فقال: “ومن انكشف بعض عورته (في الصلاة) وفحش (عرفاً وطال الزمن) … أعاد” .

ومن منهجه أيضا ًالتفريع بعد التأصيل ، فقد يأتي نص الزاد أصلاً، ثم يأتي صاحب الروض ويفرِّع عليه مسائل إما بذكر شروط أو قيود أو غيرها.

ومن منهجه أنه قد يورد الزاد أو الروض في بعض المسائل ما أورده واشترطه بعض أهل العلم، فيأتي بصيغة تدل على أن هذا ليس بشرط وليس بلازم في هذه المسائل من باب المخالفة والتصويب، كقول صاحب الزاد:

“وإن اشتبه طهور بنجس حَرُم استعمالهما، ولا يشترط إراقتهما ولا خلطهما”، الشاهد : (ولا يشترط)، فلا يشترط لصحة التيمم الإراقة أو الخلط.
يشير الحجاوي في الزاد إلى أن هناك من أهل العلم من اشترط ذلك، فأتى هنا وقرَّر عدم الاشتراط .

قد يلاحظ الباحث بعض أسماء المصنفات في أثناء شرح البهوتي للروض، والمقصود أن الحجاوي قد خالف المذهب المعتمد عند المتأخرين في مسائل كثيرة، أشرتُ لها في أول الدروس، ثم يأتي البهوتي في أثناء الشرح فيبِّين المخالفة في المسألة، ولكن بأدب ولطف، وذلك أنه يبِّين للقارئ أن هذا القول المخالف -الذي قاله صاحب الزاد- ليس بدعاً من القول، بل قال به بعض علماء المذهب، فيورد بعض أسماء كتبهم التي ذكروا فيها هذا الحكم.

مثال ذلك قول الحجاوي: “وإن طلب السلطان امرأة لكشف حق الله أو استعدى عليها رجل بالشُرطِ في دعوى له، فأسقطت، ضمنه السلطانُ والمستعدي، ولو ماتت فزعاً لم يضمنا” .
وضح البهوتي فقال: “جزم به في الوجيز وقدَّمه في المحرر والكافي، وعنه -أي أحمد- أنهما ضامنان لها ، كجنينها لهلاكها بسببهما وهو المذهب كما في الإنصاف وغيره، وقطع به في المنتهى وغيره” .

ما يورده البهوتي في شرحه هكذا : “قاله في المبدع” أو “قاله في الإنصاف أو الفروع”، فإنه يريد به العزو فقط ، لا الإشارة إلى المخالفة في المذهب كما سبق قوله، وكيفية التفريق أنه إن عزا ثم لم يذكر وجها آخر للمسألة بعد ذلك فهو مجرد عزو، وإذا أورد وجهاً آخر كأن يقول: “وعنه….”، فهذا هو المقصود بما تقدَّم .

والعلامة البهوتي رحمه الله تعالى إذا وجد في المسألة خِلافاً فإنه يجتهد في جوابها أو ينقل اجتهاد غيره من الأئمة رحمهم الله تعالى ، وفي كل فصل من فصول الروض يُلاحظ ذلك ، وانظره جلياً في آخر مسائل الحج ، وفي مسائل الحضانة ومسائل العِتق . والله أعلم .

هذه أهم معالم الصنعة الفقهية عند العلامة البهوتي رحمه الله تعالى ، وعندي فوائد كثيرة أخرى في منهجيته لا يتسع المقام لسردها هنا ، اسأل الله أن يُعين على نشرها لاحقاً .

انتهى الدرس الثامن ويليه الدرس التاسع إن شاء الله تعالى .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

1439/12/4
__________________
أموت ويبقى ما كتبته ** فيا ليت من قرا دعاليا
عسى الإله أن يعفو عني ** ويغفر لي سوء فعاليا

قال ابن عون:
"ذكر الناس داء،وذكر الله دواء"

قال الإمام الذهبي:"إي والله،فالعجب منَّا ومن جهلنا كيف ندع الدواء ونقتحم الداءقال تعالى :
(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)
ولكن لا يتهيأ ذلك إلا بتوفيق الله ومن أدمن الدعاءولازم قَرْع الباب فتح له"

السير6 /369

قال العلامة السعدي:"وليحذرمن الاشتغال بالناس والتفتيش عن أحوالهم والعيب لهم
فإن ذلك إثم حاضر والمعصية من أهل العلم أعظم منها من غيرهم
ولأن غيرهم يقتدي بهم. ولأن الاشتغال بالناس يضيع المصالح النافعة
والوقت النفيس ويذهب بهجة العلم ونوره"

الفتاوى السعدية 461

https://twitter.com/mourad_22_
قناتي على اليوتيوب
https://www.youtube.com/channel/UCoNyEnUkCvtnk10j1ElI4Lg
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 08-31-2018, 01:40 PM
ابوعبد المليك ابوعبد المليك غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 4,144
افتراضي


تجربتي في دِّراسة الزاد (9)

في الدرس الثامن تناولتُ بشي من التفصيل ، طُّرق الإفادة من الصناعة الفقهية للبهوتي ، ووضَّحتُ بالأمثلة كيف مهر العلَّامة البهوتي في الصِّناعة الفقهية ، وكيف وظَّف المعاني لفهم النُّصوص والدلالات .

(ي) : منهج مذاكرة مسائِل الزاد :
لا يُمكن فهم هذا الدرس واستيعابه إلا بالرجوع إلى الدروس الثمانية السابقة وهي : التحضير لدراسة الزاد ، منهج تصور المسائل ، تحرير محلِّ النزاع ، المسائل المشكلة في الزاد ، فهم المسائل الأصولية في الزاد ، الفقه المقارن في الزاد ، طرق الاستدلال لمسائل الزاد ، الإفادة من الصناعة الفقهية للبهوتي .

منهج المذاكرة ينقسم إلى أربعة أقسام :
• الأول : المذاكرة المسحيَّة :

أُسلوب المذاكرة هذه الهدف منها ، المرور على متن الزاد كاملاً في يوم واحد أو يومين ، بشرط التفرُّغ التام لهذه الغاية .
يكون الطالب قبلها قد وقف على جميع المسائل أو أغلبها وتصوَّرها في ذهنه ، فيستعد في هذه المرحلة لمراجعة الزاد وتكرار مسائله وتفريعاته للمسائل في مدة قصيرة ، مُمسكاً القلم ليضع خطوطًا على المسائل المهمة التي تحتاج مراجعة أو تأصيلاً عند الحاجة إليها لاحقاً .
فلو بدأ الطالب بعد صلاة الفجر بهمَّة وعزيمة وقرأ بعينه وقلبه مع الجدِّ والحرص على الوقت ، سينتهي من الزاد في يوم كامل أو يومين .
هذه الطريقة للجادِّين المثابرين أولي العزم ، وقليل من يوفَّق إليها .

• الثاني : مذاكرة مسألة واحدة فردية :

وتكون بتحرير مسألة فقهية واحدة معينة في الزاد من خلال مراجعة مصنفات الفقه المفرد والفقه المقارن وفتاوى العلماء .
فمثلاً حكم مسألة التورق مذكورة في الزاد في مسألة شِّراء سلعة باعها رجل بثمن مُؤجَّل ، وهي محلُّ خلاف بين العلماء .
قال في الزاد : ” وإن اشتراه بغير جِنسه أو بعد قبض ثمنه، أو بعد تغيُّر صفته أو من غير مشتريه أو اشتراه أبوه أو ابنه جاز ” .
فالمسألة السابقة لها أقسام :

أ – شراء السِّلعة بثمن من غير جنس الثمن الذي باعها به مؤجَّلا ، والحكم الجواز .
ب- إذا اشترى السِّلعة بعد قبض ثمنها المؤجَّل .وحكمه الجواز .
ج- إذا اشترى السِّلعة بعد تغيُّر صفتها عند بيعه لها بأنقص من قيمتها . وحكمه الجواز .
د-إذا اشترى السِّلعة قريبٌ للبائع ، وحكمه الجواز .
هـ- إذا اشتراها البائع الأول من غير مشتريها منه . وهذه محلُّ خلاف ، ولهذا مال الإمام أحمد في رواية عنه إلى التحريم ، واختاره ابن تيمية وقوَّاه ابن القيِّم ، وقال به عمر بن عبد العزيز ومحمد بن عبد الوهاب رحمهم الله جميعاً . والمشهور الجواز .

ولهذا الحنفية والمالكية كرهوا التورُّق لأن المشتري للسِّلعة قصد الحاجة الى الدراهم ولم يقصد السلعة نفسها ، ودليهم الحديث : ” نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطَّر ” أخرجه أبو داود ، وفي إسناده مقال ، وقوَّاه ابن تيمية بشاهدٍ آخر كما في فتاويه .
وعلى نسق هذا المثال يمكن دراسة مسائل الزاد كُّلها لمن وفَّقه الله وأعانه . ويمكن ذلك في خلال سنة كاملة، لمن فرَّغ نفسه لهذا الكتاب .

• الثالث : مذاكرة فصل أو باب من أبواب الزاد :

أسلوب هذه المذاكرة هو تحديد بداية فصل ونهايته من الزاد ، ثم مطالعته كاملاً بفهم وتدبُّر ، ثم مراجعة جزئياته وتفريعاته وتدوينها في دفتر أو كرَّاس ، مع تدوين فهرسٍ له بفوائده ومسائله . ثم الانتقال إلى فصل آخر ثم ما بعده ، وهكذا في جميع فصول الزاد .
وهذه الطريقة أسلوب المحقِّقين والراسخين في العلم ، وهي نافعةٌ جداً ولها ثمرات يانعة في التأصيِّل الفقهي.

على سبيل المثال : باب القرض في الزاد اشتمل على عشرين مسألة ، وباب الصُّلح اشتمل على احدى عشرة مسألة ، وباب الجَعالة اشتمل على أربع عشرة مسألة .
فحصر مسائل الفصل أو الباب تساعد على فهمه وتتبُّع فوائده لمعرفة الاستدراكات عليه.

• الرابع : المذاكرة الجماعية :

أُسلوب المذاكرة هنا هو اشتراك اثنين فأكثر في التحضير لمناقشة مسألة أو استذكار فصل أو مراجعة أحكام باب من أبواب الزاد، بعد الاستعداد لذلك والعناية به . وهذه الطريقة مهمة ونافعة للغاية بشرط الحرص على عدم تضيِّيع الوقت فيما لا طائِل من ورائه .
بعد الفراغ من تحصيِّل نوع معين من المذاكرة وهضم مباحثه ، يحسُن بالطالب أن يراجع كتاباً في الفقه المقارن ليعرف الراجح من المرجوح ، والفروع وما يُبنى عليها من تخريجات ، وأقوال العلماء واستنباطاتهم فتكون المذاكرة كاملة غير منقوصة.

وكنتُ سابقاً قد درستُ مع طُّلابي كتاب بداية المجتهد لابن رشد (ت: 595هـ)رحمه الله تعالى ، وحرَّرتُ عليه فوائد مهمة أفادتني في مذاكرة الزاد ودراسته لاحقاً.
وها هي المسائِل التي يمكن مطابقتها على مباحث الزاد :

1–مسألة مسح الأُذنين في الوضوء : ذكر ابن رشد الخِلاف في المسألة ولم يُفصِّل أو يرجِّح . والراجح المسح وليس الغسل ، لحديث: ” الأذنان من الرأس “أخرجه الترمذي بإسناد صحيح. وغسل باطن الأذنين لم يثبت مرفوعاً .

2–مسألة مسح باطن الخفين : ذكر ابن رشد أقوال العلماء ولم يُفصِّل أو يُرجِّح . والراجح مسح ظاهر الخفين دون باطنهما . وهو الثابث من حديث المغيرة رضي الله عنه .
-3-مسألة طهارة الخُفّ عند لبسه لمن أراد المسح: سرد ابن رشد أقوال العلماء وبيَّن ضعف قول من قال بأنه لا تُشترط الطهارة عند لبسه ، وأشار إلى أن بعض العلماء حملوا الطهارة في حديث المغيرة على الطهارة اللغوية ، لكنه لم يرجِّح. والراجح أن الطهارة الحسية شرط عند لبس الخُفِّ لمن أراد المسح .

-4-مسألة طهارة ماء البحر : أشار إلى أن بعض السلف قالوا إن ماء البحر غير طهور، ولم يفصِّل، وبعض السلف هم ابن عُمر وابن عمرو وأبي هريرة وسعيد ابن المسيِّب وأبي العالية رضي الله عنهم ورحمهم . وبعض أهل العلم لا يُصحِّح حديث البحر : ” هو الطهور ماؤه الحل ميتته ” . قالوا لأن تحت البحر ناراً ،فكرهوا التطهر به .
5–مسألة الماء المتغيِّر بمكثه : أشار إلى أن بعض أهل العلم كابن سيرين منعوا التطهر بالماء المتغير بمكثه، ولم يرجِّح . والراجح جواز التطهر به .

6–مسألة نجاسة الماء المستعمل : أشار ابن رشد إلى مسألة الماء الباقي في الإناء وأن بعض العلماء قال بنجاسته ، ولم يفصل ولم يرجح. وهذا القول مروي عن أحمد والشافعي وأبي يوسف . والراجح خلافه . لحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صبِّ على جابر وعلى أبيه من وضوئه . والحديث في الصحيحين . وفي البخاري أن الصحابة كانوا يقتتلون على وضوئه .

7–مسألة إنتقاض الوضوء بالضحك : أشار ابن رشد إلى أن بعض السلف قالوا به ولم يُفصِّل ولم يرجح. وهو قول الحسن البصري والنخعي ورواية عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى . وحجتهم رواية أخرجها الدارقطني أن رجلاً ضريرا سقط في حفرة فضحك بعض الصحابة ، فأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالوضوء وإعادة الصلاة . والحديث في إسناده مقال .

8–مسألة وجوب الوضوء لمن حمل ميتاً : أشار ابن رشد إلى أن بعض أهل العلم قال به ولم يُفصِّل ولم يرجح. ويقصد بهم الظاهرية ومن وافقهم . والراجح عدم الوجوب وعدم الإستحباب لإنكار عائشة رضي الله عنها لمن قال بالوجوب كما في رواية الأثرم .

9–مسألة صلاة الجنازة بلا طهارة : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل ولم يرجح . وهذا قول الإمام الشعبي ، ودليله أن صلاة الجنازة دعاء واستغفار فلا يشترط لها وضوء . وعموم الأدلة الموجبة لإشتراط الطهارة لكل صلاة تردُّ قوله . وقد ناقشه الإمام ابن عبد البر ، فقال هل تصح إلى غير القبلة ؟ ! ، فتبيَّن بطلان قول الشعبي . فيكون قوله مرجوحاً ولا يجوز العمل به .

10- -مسألة سجود التلاوة بغير طهارة : أشار ابن رشد لهذه المسألة ولم يفصل ولم يرجح ، وهو يميل إلى قول الظاهرية القائلين بوجوب الطهارة لسجود التلاوة . والصحيح أن سجود التلاوة لا تُشترط له الطهارة ، وهو الراجح عند ابن تيمية والمحققين من أهل العلم. لحديث سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنجم وسجد معه المسلمون والجن والإنس .أخرجه البخاري .

11–مسألة إشتراط الوضوء قبل الغسل : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل ولم يرجِّح . والصحيح أن الوضوء قبل الغسل سنة وليس بواجب لما جاء في صحيح مسلم : ” إنما يكفي أحدكم أن يَحفن على رأسه ثلاث حفنات ” وهذا حصر يفيد القطع في المسألة .

12–مسألة إشتراط النية في التيمم : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل ولم يرجح . والصحيح أن النية شرط في صحة التيمم لحديث: ” إنما الأعمال بالنيات ” وأدة الحصر تفيد الحجية والقطع .

13–مسألة الواجب في التيمم هل هو مسح اليدين إلى المنكبين ؟ : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل ولم يرجح . والصحيح أن الواجب هو مسح الكفين لحديث عمار مرفوعاً : ” إنما يكفيك أن تضرب بيدك الأرض فتمسح به وجهك وكفيك ” متفق عليه . وهذا حصر يفيد القطع والحجية في المسألة .

14- -مسألة العفو عن النجاسة اليسيرة : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يُفصِّل ولم يُرجِّح . لكنه يميل إلى قول الحنابلة القائلين بأنه يُعفى عن الدم القليل ولا يعفى عن سائر النجاسات . والذي عليه المحققون هو عدم تحديد ذلك بكفِّ أو بمقدار الُّلمعة ، والتحرُّز هو الواجب ، واليسير معفي عنه ، وهو ما سكت عنه الشارع الحكيم .

-15-مسألة الإستجمار بالنجس : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يُفصِّل ولم يُرجِّح ، لكنه نسب هذا القول إلى الإمام الطبري رحمه الله تعالى ، وهو قول منسوب لابن حزم كما في المُحلِّى . والظاهر أنه مأخوذ عن أبي حنيفة لقوله بالقياس ، لأنه عندهم مكروه وليس بمحرم . والصحيح أنه لا يصح الإستنجاء بما هو نجس . والإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى أجاز الإستجمار بالروث لأنه يرى طهارته ، ولم يجز الإستنجاء بكل نجس ، فليحرر فإنه مهم . والحجة على المخالفين حديث ابن مسعود لمَّا جاء للرسول صلى الله عليه وسلم بحجرين وروثة يستجم بها ، فأخذ الحجرين وألقى الروثة ، وقال : ” هذا ركس” .

16- -مسألة صلاة الظهر قبل الزوال : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل ولم يرجح ، لكنه حكى قولاً ضعيفاً لابن عباس ، وهو قول ضعيف في جوازها قبل الزوال . والصواب : أن صلاة الظهر لا تجوز قبل الزوال لحديث أبي برزة رضي الله عنه في الصحيحين ، وهو نصٌ في المسألة.

-17-مسألة صحة صلاة من صلى قبل الوقت : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل ولم يرجح ، لكن ألمح إلى قولٍ ضعيف يجيز ذلك وهو منسوب إلى ابن عباس رضي الله عنه والإمام الشعبي رحمه الله تعالى ، ودليلهم القياس على من صلى لغير القبلة، فصلاته عندهم صحيحة . ويستدل لإبطال حجة المخالفين بحديث بريدة رضي الله عنه في صحيح مسلم في تحديد أوقات الصلوات .

-18-مسألة حكم من صلى وليس على عاتقه شي : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل ولم يرجح . لكنه ألمح إلى أن بعض الفقهاء كالظاهرية وبعض الحنابلة والمالكية يرونه شرطاً لصحة الصلاة ، والصحيح أنه يجب ستر العاتق بشي ،لنهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن مخالفة ذلك ، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . والقول بأنه شرط فيه تكلُّف لأن العاتق ليس بعورة أصلاً . وقد قرر الإمام ابن عبد البر في كتابه التمهيد الإستحباب في هذه المسألة .

-19-مسألة من تكلم في صلاته عامداً لضرورة : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل ولم يرجح . لكنه ألمح إلى أن هذا القول قال به الأوزاعي والحكم هو البناء على ما تبقى لا إعادة الصلاة ، وللإمام أحمد رواية قريبة من قول الأوزاعي . والصحيح بُطلان الصلاة وتجب الإعادة من جديد . لما جاء في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه: ” فأُمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام ” وهو حجة فاصلة في هذه المسألة ، والخلاف فيها قوي .

20- -مسألة عدم وجوب تكبيرة الإحرام : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل أو يرجح . والظاهر أنه يقصد أن الإمام الزهري قال بأن تكبيرة الإحرام سنة . والصواب وجوب تكبيرة الإحرام لحديث المسيىء في صلاته ، وقد رواه الجماعة .

-21- مسألة الجلسة الوسطى : المقصود بالجلسة الوسطى: جلسة المصلي بعد إنهائه للركعة الثانية في الصلاة الثلاثية والرباعية . وقد أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل أو يرجح . لكنه وهم في أن حكمها مسنون كما يظهر من فحوى كلامه . والصحيح أنها واجبة لحديث ابن بُحينة رضي الله عنه كما في الصحيحين .والخلاف في المسألة قوي ، والأئمة الأربعة لم يتفقوا على حكم واحد فيها .

22–مسألة الجلسة الأخيرة : وهي الجلسة التي قبل السلام . أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل أو يرجح . لكن يفهم من كلامه أنه يميل للقول بالوجوب ، وهو الصحيح . وهو مذهب السلف والخلف . لقوله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود رضي الله عنه : ” إذا قلتَ هذا أو فعلتَ هذا فقد تمَّت صلاتك ” . أخرجه الترمذي بإسناد صحيح . ويوجد قول لبعض السلف يفيد أنها سنة لكنه مرجوح ، نقله النووي في المجموع .

-23-مسألة إمامة المرأة في الصلاة للرجال : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل أو يرجح . لكنه ألمح إلى ضعف من قال بجواز ذلك كأبي ثور وابن جرير الطبري والمزني . ودليل المخالفين حديث أم ورقة حين أذِن لها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تؤم أهل بيتها . أخرجه أبو داود بإسناد فيه مقال . والحديث حجة عليهم لأن في بعض ألفاظه : ” تؤمُّ نساء أهل دارها”. فيكون الراجح جوازها للمحارم أو النساء فحسب .

-24- مسألة حكم صلاة الجمعة : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة وألمح إلى أن بعض العلماء قالوا إنها سنة وقد أشار إلى ضعف هذا القول ، وهو قول منسوب للإمام مالك رحمه الله تعالى . وحجة المخالفين ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” الجمعة على من سمع النداء ” أخرجه أبو داود بإسناد فيه مقال . والراجح أنها فرض عين ، لعموم أدلتها من السنة وهي مشهورة ومتواترة .

25–مسألة من كان بعيداً عن مكان الجمعة : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل أو يرجح . والصحيح أن الجمعة واجبة على من كان داخل المِصر سمع النداء أو لم يسمع . وتجب الجمعة على من كان خارج المِصر، إذا كان على أقل من ثلاثة أميال ولو لم يسمع النِّداء . أما وجوبها على من كان بينه وبينها مسيرة يوم فلا دليل عليه ، كما نبَّه عليه ابن رشد بعبارة موجزة .وفي مصنف عبد الرزاق بسندٍ صحيح ” كان أنس رضي الله عنه يكون في أرضه وبينه وبين البصرة ثلاثة أميال فيشهد الجمعة بالبصرة “. ( تقريبا ثلاثة كيلومترات ونصف الكيلو ) . أما حديث علي رضي الله عنه الموقوف : ” لا جمعة ولا تشريق إلا على أهل مِصر جامع “فرواه البيهقي وإسناده ضعيف .

26–مسألة قصر الصلاة لغير الخائف : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل . لكن ألمح إلى ضعف قول عائشة رضي الله عنها : “إن القصر إنما هو للخائف” . والصحيح جواز القصر لكل مسافر آمنٍ أو خائف . ويُردُّ على المخالفين بأن المقصود قصر الصفة لا قصر العدد . وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه : ” صحبتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السفر على ركعتين ، وأبو بكر وعمر وعثمان كذلك رضي الله عنهم ” .

27–حكم صلاة الخوف بعد وفاة النبي : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل أو يرجح . لكن ضعَّف قول الأحناف ومن وافقهم في أن صلاة الخوف لا تصح بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بإمام واحد .وهذا القول ينُسب أيضاً للمزني صاحب الشافعي ، ومنهم من قال بنسخها . وقد ردَّ الوزير ابن هبيرة على من قال بالنسخ وأبطل ذلك القول . فتكون صلاة الخوف مشروعة – إذا وجد سببها – إلى قيام الساعة ، للحديث الموفوع : ” صلوا كما رأيتموني أصلي ” متفق عليه . وهو عام في كل صلاة.

28–مسألة سهو المأموم خلف إمامه : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل أو يرجح . لكنه ألمح إلى ضعف قول بعض التابعين إنه يلزمه سجودٌ لسهو نفسه. وهذا منسوب لمكحول وهو قول الظاهرية ، مستدلين بالحديث المرفوع : ” إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين ” أخرجه مسلم .لكن إستدلالهم منقوضٌ بالحديث الآخر : ” الإمام ضامن ” أخرجه الترمذي بإسناد صحيح . ولإجماع الأئمة على أنه لا يُشرع للمأموم سجودٌ للسهو مع إمامه .

29–مسألة صلاة ركعتي الفجر والإمام يصلي : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل أو يرجح . لكنه أشار إلى ضعف من أجاز صلاتها والإمام يصلي .ومن أهل العلم من أجاز صلاتها والإمام يصلي لكن تكون خارج المسجد ، وهو قول الأحناف والمالكية . وبالغ أهل الظاهر فقالوا ببطلان صلاة من تنفَّل عند إقامة الصلاة. وما نُسب إلى عمر رضي الله عنه أنه كان يصليها في غرفة حفصة رضي الله عنها والإمام يصلي، ثم يُصلِّي مع الإمام فقولٌ لم يثبت عنه . بل صح عنه أنه كان يَحصبُ من يتنفل في المسجد بعد إقامة الصلاة .فالراجح عدم صلاتها إلا قبل المكتوبة أو بعدها لا عند الإقامة ،والدليل حديث ابن بحينة وابن سرجس رضي الله عنهما لما أنكر عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم شروعهما في نافلة عند إقامة الصلاة .

30–مسألة حكم النافلة بركعة : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل. لكنه ضعَّف قول من قال بجواز التنفل بواحدة .وهو رواية عند الشافعية وعند الحنابلة .ودليلهم جواز الوتر بركعة واحدة . وهو قول ضعيف ، لأن مطلق التنفل غير الوتر المخصوص بالإفراد . والراجح عدم جواز الإفراد في النافلة ، لعموم فعله صلى الله عليه وسلم في النافلة في أدائها مثنى مثنى.

31–مسألة حكم الصلاة على الأطفال : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يُفصِّل أو يُرجِّح . لكنه ألمح ألى قولٍ ضعيف ينص على أن الأطفال لا يُصلَّى عليهم مطلقا . وهذا القول مرويٌ عن الزبير بن العوام رضي الله عنه ، وسعيد بن جبير رحمه الله تعالى ، وقد ضعَّف النووي هذا القول ونقله أيضا ابن حزم الظاهري. ودليلهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُصلِّ على ابنه إبراهيم .أخرجه أبو داود بإسناد حسن . والثابت خلاف ذلك ، فقد صلَّى عليه كما أثبته البيهقي في دلائل النبوة . والراجح قول الجمهور أنه يُصلَّى على الأطفال لفعله صلى الله عليه وسلم .

32–مسألة الإيمان هو الصديق : أورد ابن رشد هذه المسألة واضطرب كلامه فيها ، ولم يفصل أو يرجِّح . وقد أوردها في مسائل الزكاة عند الحديث عن جحد الزكاة ومنعها . فقد نسب إلى أهل السنة أنهم يقولون إن الإيمان هو التصديق بالقلب والقول باللسان فقط، وقال إن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان وجميع الأعمال الواجبة شرطٌ فيه . فالقول عنده يستلزم أن أهل النفاق مؤمنون لكن مستحقين للوعيد ، والقول الثاني يستلزم تصحيح مذهب الماتريدية وأهل الرأي . والصحيح والراجح أن الإيمان قول وعمل : قول القلب وقول اللسان وعمل القلب وعمل الجوارح . أو هو تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان . فالإيمان ليس التصديق فقط ، فقد فُرِّق بينهما ، كما في المرفوع في الصحيحين : ” تكفَّل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمانٌ بي وتصديق بكلماتي ” . فيكون عمل الجوارح لازمٌ، لقول الله تعالى : ” وما كان الله ليضيع إيمانكم ” ( البقرة : 143 ) . أي صلاتكم. فسمَّى الله الصلاة إيماناً.

-33- مسألة زكاة زيت الزيتون : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل ولم يرجح . لكنه ألمح إلى ضعف قول من قال بوجوب زكاته . ومن قال بوجوب زكاة الزيتون عمر وابن عباس رضي الله عنهما وجماعة من التابعين . وهو مذهب الأحناف والمالكية ورواية قديمة للإمام الشافعي . ودليلهم قول الله تعالى : ” وآتوا حقَّه يوم حصاده ” ( الأنعام : 141) . ومن قال بعدم الوجوب استدل بحديث : ” لا تأخذوا في الصدقة إلا : الشعير والحِنطة والزبيب والتمر ” أخرجه الطبراني بإسناد صحيح . وهذا القول هو الراجح . وهو مذهب أحمد ورواية عن الشافعي.

34–مسألة وجوب زكاة الفطر على البدو واليتيم: أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يُفصِّل أو يُرجِّح . لكنه ألمح إلى ضعف وجوبها على البدو وهو قول الإمام الليث . والراجح وجوبها على البدو والحضر واليتيم لعموم النصوص ، ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنه المشهور في زكاة الفِطر. متفق عليه . ولا يوجد دليل على عدم وجوبها على البدو واليتيم إلا القياس ، وهو ساقط لضعفه مقابل الدليل الصريح .

-35-مسألة من رأى هلال شوال وحده : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل أو يرجح . لكنه ألمح إلى ضعف قول الإمام مالك : من رأى هلال شوال وحده فأفطر فعليه القضاء والكفارة . والصحيح أن من رأى هلال شوال وحده فإنه لا يفطر وهذا ما رجَّحه الإمام أحمد ،ولو أفطر فلا قضاء عليه . واستدلوا بقضاء عمر رضي الله عنه في ذلك كما في رواية أبي قلابة .

36–مسألة شهادة رجل واحد لثبوت شهر شوال : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل أو يرجح . لكنه ألمح إلى أن هذا قول الظاهرية ومنقول عن جماعة من التابعين . وليس العمل عليه في الراجح عند المذاهب الأربعة ، لضعف أدلتهم . فقد أجمع الفقهاء على أنه لا يقبل في ذلك إلا شهادة رجلين لحديث : ” فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا ” أخرجه النسائي بإسناد صحيح . وقبول شهادة الواحد العدل الثقة جائزة ، ولا يجوز ردُّها مطلقاً ، ويحكم بها الإمام إن أجازها .

37–مسألة أول زمن الإمساك : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل أو يرجح . لكنه ضعَّف قول من قال إن أول وقت الإمساك هو الفجر الأحمر الذي يكون بعد الأبيض . والصحيح والراجح أنَّ أول زمن الإمساك هو طلوع الفجر الثاني الأبيض . وهو قول الجمهور، لحديث : ” لا يمنعنكم من سُحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ، ولكن الفجر المستطيل في الأفق ” أخرجه الترمذي بإسنادٍ حسن .أما قول إنه يجوز الأكل والشُّرب بعد الفجر الثاني قبل طلوع الشمس فقول ضعيف ، وليس لهم دليل صحيح صريح لتقويته .

38–مسألة القُبلة للصائم : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل أو يرجح . لكنه أشار إلى ضعف قول من قال إنها تُفطِّر الصائم . والقول الصحيح أنها لا تُفطِّر إذا لم يخرج من الصائم ما يفسد صومه . وهذا قول جماهير أهل العلم . ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: ” أرأيتَ لو تمضمضت من إناء وأنت صائم ؟ ” أخرجه أبو داود بأسناد صحيح . يعني أنها لا تُفطِّر . ومن قال إنها تفطر فقد استدل بحديث : ” سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القُبلة للصائم ، فقال : أفطرا جميعا” أخرجه ابن ماجة بإسناد ضعيف .

-39- مسألة هل النية شرط لصحة الصيام : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصِّل أو يُرجِّح . لكنه ضعَّف قول الإمام زفر بن هذيل ، إن رمضان لا يحتاج إلى نية . ودليل زفر: إن الله تعالى أمر بالصيام ولم يأمر بالنية في قول الله تعالى : ” فمن شهد منكم الشهر فليصمه ” ( البقرة : 185) . والصحيح ما عليه الجمهور أن النية شرطٌ لصحة صيام رمضان . ودليل الجمهور حديث حفصة رضي الله عنها مرفوعاً : ” من لم يُجمِّع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له ” أخرجه الترمذي بإسناد صحيح .

40–مسألة هل الطهارة من الجنابة شرط في صحة الصوم:أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل أو يرجح .لكنه ضعَّف قول من قال إن من أصبح جُنبا من جِماع فلا صوم له . وحجة هؤلاء الحديث المرفوع : ” من أصبح جُنباً من جماع فلا صوم له ” متفق عليه لكنه منسوخ . والصحيح صحة الصوم ولا حرج عليه. وبهذا قال علماء المذاهب الأربعة . وبناءاً عليه فإن من طَهُرت من حيضها قبل الفجر ، فيجب عليها الصوم ، وقد مال ابن رشد إلى هذا الحكم وضعَّف قول المالكية القائلين بخلافه .

41–مسألة من اتصل مرضه برمضان آخر : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يُفصِّل أو يرجح . لكنه ضعَّف قول من قال إنه لا قضاء عليه . واستدل المخالفون بقول الله تعالى : ” وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين ” ( البقرة : 184 ) . لكن الآية منسوخة ، والآية التي بعدها بينَّت الحكم : ” ومن كان مريضًا أو على سفر فعدةٌ من أيام أُخر ” ( البقرة : 185 ) . والصحيح أنه يلزمه القضاء بعد صيام رمضان الثاني . وهذا مذهب الجمهور ، واستدلوا بالآية السابقة .

42–مسألة من أفطر مُتعمِّدا بالجماع : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل أو يرجح . والصحيح أنه يلزمه القضاء والكفارة ، للحديث المرفوع : ” صُم يوماً مكانه ” أخرجه ابو داود بإسناد صحيح . ولحديث : ” خُذا هذا فتصدَّق به ” متفق عليه . وقد اضطرب رأي ابن رشد في المسألة فلم يُحرِّر الخِلاف في الحكم ، وفي فتح الباري ردٌ عليه . فليحرَّر .

43–مسألة غيبة الصائم ورفثه : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصِّل أو يرجِّح . والصحيح أن صومه صحيح إذا اغتاب أو شتم أحداً ، لكنه يأثم . وقد ألمح ابن رشد إلى ضعف قول من قال بأن الغيبة تُفطِّر ، ويقصد الظاهرية وأضرابهم . وأدلة الظاهرية غير صريحة في التفطير بالغيبة ، لأنها ترهيب وزجر ، فلا يُلتفت لها .

44–مسألة الإعتكاف في غير المسجد : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يُفصِّل أو يرجِّح. لكنه ألمح إلى ضعف قول من قاله من المالكية ، وليس عندهم دليل ٌصريح في المسألة . والصحيح أن الإعتكاف لا يصح إلا في المسجد ، لأنه محل العبادة والسجود من لوازمه . قال الله تعالى : ” وأنتم عاكفون في المساجد ” ( البقرة : 187 ) . وقد ثبت قول عائشة رضي الله عنها: ” لا إعتكاف إلا في مسجدٍ جامع ” أخرجه أبو داود بإسناد صحيح.

45–مسألة تمتع المكِّي من غير مكة : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يُفصِّل أو يرجِّح . لكنه ألمح إلى ضعف قول من قال إن عليه الهدي . والصحيح أنه لا لايجب عليه الهدي ، لأن صفة كونه من أهل المسجد الحرام لم تُفارقه حال سفره . وقد رجَّح هذا ابن قدامة في المغني والقرطبي في تفسيره . والدليل منطوق قول الله تعالى : “تلك عشرةٌ كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ” ( البقرة : 196 ) .

46–مسألة جزاء صيد المُحرِم : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل أو يرجح . وقد أورد فيها عدة مسائل مثل جزاء صيد الجرادة على المحرم هو شاة صغيرة . وهو قول ضعيف نبَّه عليه ابن رشد .والخلاف في المسألة قوي . والصحيح أن جزاء الجرادة ما يحكم به عدلان يُقدِّران ما به الجزاء . والآثار التي جاءت في تقدير الجزاء، إما ضعيفة أو محمولة على الترهيب من الصيد للمحرم .أما مسألة قتل الغراب الأبقع للمُحرم فقد نبَّه ابن رشد على ضعفه . والصحيح أنه يقتل كل غُراب مؤذي ، أبقع أو غيره . وهذا قول الجمهور وبه يرتفع الخلاف في حكم صيده للمحرم .
أما مسألة قتل المحرم للفأرة ، فقد نبَّه ابن رشد على ضعف قول الإمام النخعي في منع قتلها ،والصحيح جواز قتلها لفسقها . وقد ردَّ ابن عبد البر على النخعي وبيَّن ضعف حجته في ذلك .

47–مسألة إذن السلطان في الخلع : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل أو يرجح . والراجح جوازه بغير إذن الحاكم . لقول الله تعالى : ” فلا جُناحَ عليهما فيما افتدت به ” ( البقرة : 229) . ولم يرد في السنة ما يدلُّ على وجوب إذن الحاكم في الخلع .

48–مسألة نجاسة الخمر : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يُرجِّح . والصحيح أنها غير نجسة . ودليل عدم نجاستها إراقتها في البيوت وخارجها عند تحريمها ، والأصل في الأشياء الطهارة ، وكانت تُتلف في الأسواق من غير إحتراز من الرسول صلى الله عليه وسلم .

49- -مسألة قتل الرجل بالمرأة : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يفصل أو يرجح . والصحيح جواز قتل كل منهما بالآخر ، لقول الله تعالى : ” ولكم في القِصاص حياة ” ( البقرة : 179 ) فهذا عُموم لا مُخصِّص له. ولفعله صلى الله عليه وسلم في القَوَد بين أهل الدِّماء في عهده ، ولم يثبت ما يخالف ذلك ، فيبقى على الأصل .

50- مسألة إجبار الصغيرة على الزواج : أشار ابن رشد إلى هذه المسألة ولم يُفصِّل أو يرُجِّح . والصحيح جواز إجبارها إذا كان لغرضٍ صحيح ومصلحة راجحة ، والدليل قول عائشة رضي الله عنها : ” تزوجتُ النبي صلى الله عليه وسلم وأنا بنتُ سِّت سنين ، وبنى بي وأنا ابنة تسع ” متفق عليه .
وقد كان الصحابة يُزوِّجون بناتهم وهن صغيرات إذا غلبت المصلحة وحضر الأكفاء ، ولا يُعرَف لهذا مخالف . والله أعلم.

انتهى الدرس التاسع ، ويليه الدرس العاشر والأخير إن شاء الله تعالى .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
1439/12/19
__________________
أموت ويبقى ما كتبته ** فيا ليت من قرا دعاليا
عسى الإله أن يعفو عني ** ويغفر لي سوء فعاليا

قال ابن عون:
"ذكر الناس داء،وذكر الله دواء"

قال الإمام الذهبي:"إي والله،فالعجب منَّا ومن جهلنا كيف ندع الدواء ونقتحم الداءقال تعالى :
(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)
ولكن لا يتهيأ ذلك إلا بتوفيق الله ومن أدمن الدعاءولازم قَرْع الباب فتح له"

السير6 /369

قال العلامة السعدي:"وليحذرمن الاشتغال بالناس والتفتيش عن أحوالهم والعيب لهم
فإن ذلك إثم حاضر والمعصية من أهل العلم أعظم منها من غيرهم
ولأن غيرهم يقتدي بهم. ولأن الاشتغال بالناس يضيع المصالح النافعة
والوقت النفيس ويذهب بهجة العلم ونوره"

الفتاوى السعدية 461

https://twitter.com/mourad_22_
قناتي على اليوتيوب
https://www.youtube.com/channel/UCoNyEnUkCvtnk10j1ElI4Lg
رد مع اقتباس
  #10  
قديم يوم أمس, 04:43 PM
ابوعبد المليك ابوعبد المليك غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 4,144
افتراضي


تجربتي في دِّراسة الزاد ( الدرس الأخير )

في الدرس التاسع تناولتُ بشي من التفصيل منهج مذاكرة مسائِل الزاد ، وقد ضربتُ أمثلة كثيرة على طُّرق مذاكرة الزاد ، ومن خِلال ذلك المنهج يستطيع الطالبُ أو الباحثُ أن يحفظ الزاد ويفهمه ويستظهر مسائِله .

(ك) : نصائح عِلمية مهمة :

أولاً : اصلاح النيَّة وحُسن القصد من أعظم ما يحصِّله المرء في دنياه ، فمن أدركها فليشغل نفسه بتعليمها لغيره فهي أحسن الغنائم في الدنيا ، قال بعض السلف : ” وددتُ أنه لو كان من الفقهاء من ليس له شُغل إلا أن يعلِّم الناس مقاصدهم في أعمالهم ويقعد للتدريس في أعمال النيات ليس إلا ، فإنه ما أُتى على كثير من الناس إلا من تضييِّع ذلك ” ، وصدق القائل:

من طلب العلم احتسابًا وابتغا
رضى الجليل فاز بالذي ابتغى
ومن به نهج المباهاة سَلــك
وظن نفسه على خير هَلك
وذُّم طالب الدُّنا بالقيـس
على مهاجر لأم قَيـس.

ثانياً : عند الحكم على المسائل لا يجوز استخدام ألفاظ العموم بدون استقراء تام لجزئياتها ، مثل كل أهل مِصر فيهم كذا ، وكُّل كتب ابن حجر فيها كذا وكذا ، وكل حديث في الموطأ فيه كذا وكذا ، فلا بد من الاستقراء والتدليل على ذلك أو التوقف والتصريح بلفظ بعض ، أو نحوها من العبارات.

ثالثاً : كل مسألة شرعية لها احترازات ، فلا بد من التعقُّل والفهم :

أ-فيجب- على سبيل المثال – التفريق عند دراسة باب الطهارة بين معنى ارتفاع الحدث وتزكية القلب ، فكلاهما طهارة . ولكل منهما أحكام وآداب لا يصح اغفالها .
ب-وكراهة الكفر وأهله لا تعني حرمة استعمال ما صنعوه الكفار أو أنتجوه ، كالثياب والأواني .فهي جائزة إن لم تُخالطها نجاسة محرَّمة .
ج-وكثير من الناس يظنون أن البدء بالمضمضة قبل غسل الوجه فرض ، وهذا غلط ، بل هو سنة ، لأن الفرض هو غَسل الوجه وما يلحق به يكون تابعاً له .
د-وبعض المسائل فيها خِلافٌ شديد والترجيح فيها غير متيسِّر لكل أحد ، كمسِّ المرأة بشهوة ، والردة عن الإسلام ، وتغسيل الميت ، هل تنقض الوضوء ؟ ، والخروج من الخلاف فيها يكون الوضوء هو الأحسن والأكمل.

رابعاً : يجب الحرص على الدليل وعدم تفويت مسألة بدون معرفة أصلها ، ولهذا تمنَّى عمر رضي الله عنه لو سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاث : الخليفة بعده ، وحكم قتال من مَنع الزكاة ، وعن تفسير الكلالة . أورده ابن كثير في تفسيره ، فليراجع.

خامساً : جرد الكتب والتعليق اللطيف عليها عادةٌ حميدة تُورثُ العلم والفهم ، وهي دليل على محبة الكتب والبذل لها . وقد علَّق بدر الدين الزركشي (ت: 794هـ)رحمه الله تعالى في كتابه ” خبايا الزوايا ” على كتاب فتح العزيز للرافعي ، وروضة الطالبين للنووي رحمهما الله تعالى ، حتى إنه أورد فيه المسائل التي رقماها في غير مظنتها ، وهذا دليل على فهمه وجَلده في البحث،ومعلوم عند العلماء أن إثبات المسألة بدليلها تحقيق، وبدليل آخر تدقيق، والتعبير عنها بفائق العبارة ترقيق، وبمراعاة علم المعاني والبديع في تركيبها تنميق، والسلامة فيها من اعتراض الشرع توفيق.

سادساً : ظاهرة الإسراف في جمع الكتب ظاهرة خطيرة ابتليت بها الأمة ، بسبب فشو تجارة الكتب وكثرة المطابع . فالحذر الحذر ، لا تَقتن إلا الأهم فالمهم ، وقد سمعتُ الشيخ حمد الجاسر (ت: 1421هـ)رحمه الله تعالى يحذِّر من ذلك في إحدى الِّلقاءات التلفزيونية التي أُجريت معه، وقد شوهدت مكتبة العلامة ابن عثيمين (ت: 1421هـ )رحمه الله تعالى بعد وفاته ، فكانت متواضعة جدا تتجاوزها العيون .

سابعاً : التنقُّل بين أكثر من كتاب أو أكثر أو بين فنِّ وآخر دون ضبط الأول ، عائقٌ من عوائق العلوم . وقد قال الشاعر :
وفي ترادف الفنون المنع جا
إذ توأمان اجتمعا لن يخرجا.
فكما أن التوأمان لا يخرجان سوياً لعسر ذلك ، فكذلك يصعب فهم كتابين أو عِلمين في وقت واحد .

ثامناً : ليست القراءة هي الفقه ، ولا الحصول على الجواب أو النتيجة هي الغاية المطلوبة ، بل الفقه هو العمل والاتِّباع للهدي النبوي وكمال العبادة واحتساب الأجر في ذلك ، مع صِّدق النية وسلامة المعتقد .

تاسعاً : تكرار الشرح أو المتن تعدل فوائده مطالعة عشرات الكتب ، وهذه الخاصية لا يعقلُها إلا من جرَّبها ومارسها ، وقد جرَّبها راقم هذه السطور فوجد لها أثراً لا يُوصف ، وقد صح عن العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى ، أنه روى عن ابن سِّعدي (ت: 1375هـ) رحمه الله تعالى ” أن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بابطين (ت: 1270هـ )رحمه الله تعالى ، وهو من أكبر مشايخ نجد ، مفتي الديار النجدية : أنه كان مكبًّا على الروض المربع لا يُطالع إلا إياه ويكرِّره، كل ما خلَّص منه كرَّره؛ لكن يأخذه بالمفهوم والمنطوق والإشارة والعبارة فحصَّل خيراً كثيراً “.

عاشراً : الاطِّلاع على كتب الفروق والنظائر مطلبٌ مهم وبه يختصر الطريق وتنمو الملَكة الفقهية والأُصولية عند الباحث أو الطالب ، وقد قال بعض السلف : ” الفقه جمعٌ وفَرق “.

الحادي عشر : اربط بين المسألة ومتعلَّقاتها من الأصول والقواعد ، حتى يكون للحكم ثمرة علمية وعملية ، ويظهر بوضوح مناط الحكم على الصُّورة الصحيحة المرضية . مثال ذلك قول الحجاوي أو غيره من علماء الفقه : ( ويسقط عن المكلَّف كذا وكذا إن لم يقدر على فعله أو بعضه ) . فهذا الحكم أصله في الكتاب والسنة ، ويُستدلُّ له بالقاعدة الفقهية : الميسور لا يسقط بالمعسور ، ومن قَدر على بعض الشي لزمه . وهكذا في بقية المسائل.

الثاني عشر : من يُصيبه الفتور والمَلل من العلم والكتب والبحث ، فعليه أن يحتال لنفسه بالراحة والاستجمام في الحدائق وعند البِحار، ثم يقرأ في الأدب والشعر حتى تعود الهمة كما كانت وربما أقوى . وقد قال الإمام ابن تيمية (ت: 728هـ)رحمه الله تعالى في علاج الفتور : “ولتكن هِجِّيراه : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، فإنه بها يُحمل الأثقال ، ويكابد الأهوال ، وينال رفيع الأحوال “.

الثالث عشر : عند الحفظ أو الدِّراسة لكتب العلم يجب الاعتناء بسِّياق أوائل الجُمل والعبارات ، فقد كان العلماء قديماً يصوغون معانيها في أول ألفاظها . على سبيل المثال قول الحجاوي رحمه الله تعالى : ” ولا يصح استثناء لم يتصل عادة ، فلو انفصل وأمكن الكلام دونه بَطل ” ، فلا تُفهم هذه العبارة إلا بما قبلها ، وهو حُكم الاستثناء في الطلاق . فتنبَّه.

الرابع عشر : الأخطاء المنهجية في دراسة الفقه كثيرة منها : البدء بالمطوَّلات قبل المختصرات ، عدم العناية بالدليل والتعليل ، اهمال مصطلحات المذاهب وقواعدهم ، عدم تحرير محل النِّزاع ، اهمال الخلاف ، الخروج عن أقوال أئمة العلم . ومن تأمل منهج الظاهرية في البحث والاستدلال تبيَّن له ضرورة سلامة المنهج ومراعاة التجرُّد للحق.

الخامس عشر : حلاوة الفقه والعلم بالبحث في مسائله والرحلة من أجله والجهاد في حلِّ معضلاته ، وأطول رحلة في طلب العلم رحلة العلامة محمد بن إسحاق ابن مندة (ت: 395هـ) رحمه الله تعالى ، فقد رحل خمسةً وأربعين عاما يطلب العلم . وليس المراد اليوم تقليده في رحلته ، إنما المراد عزيمة وهمة كهِمَّته وعزيمته.

السادس عشر : الرجوع عن الرأي أو القول المرجوح سنة مهجورة ، فيجب العدول عن المرجوح إلى الراجح كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد روى أبيض بن حمال رضي الله عنه أنه وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقطعه المِلح فقطع له ، فلما أن ولَّى ، قال رجل من المجلس : أتدري ما قطعت له ؟ إنما قطعت له الماء العِدّ ، فانتزعه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم منه ” .أخرجه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح.

السابع عشر : ليس المرغوبُ طلب العلم ومسائله فحسب ،بل طلب ما ينقصه أو يكمِّله من الفقه وعلومه عند أهله ، وليجوِّد ذلك ، وقد قال الشافعي (ت: 204هـ) رحمه الله تعالى: ” من تعلَّم علماً فليدقِّق، لكيلا يضيع دقيق العلم “.

الثامن عشر : يجب على الباحث أن يطلب الهدى والتوفيق من الله تعالى في كل وقت ٍوحين ، ومما يُساعد على ذلك ويُعين عليه : الكفُّ عن الخطايا والموبقات ، وقد ذكر الله تعالى آية النُّور المعروفة عقب آيات غضِّ البصر ، كما هو واضح لمن تأمل الآيات في سورة النُّور ، ومعنى ذلك أن الفتح من الله نتيجة لطاعته واتبِّاع شَرعه ، وفي هذا عِبرةٌ لمن اعتبر .

التاسع عشر : ضرورة المراقبة وحِراسة الخواطر عند الحِكم على الناس أو العلماء ، أو عند الاستدلال على المسائل ، وهذا من التقوى التي هي عِماد العلم ، فكم من أهل العلم من يجرِّح غيره ويفسِّق ويصنِّف وهو غافل عن نفسه . وقد صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: “استمعوا عِلم العلماء ولا تصدِّقوا بعضهم على بعض ، فوالذي نفسي بيده لهم أشدُّ تغايراً من التيوس في زُرُبِهَا ” .

العشرون : تعليل الأحكام من مهمَّات الفقه ، ومن ضيَّع التعليل ففِعله غير جميل ، على سبيل المثال : لا يجوز منع المرأة المحدَّة من لُبس الأبيض ، سواء كان فستاناً أو تنورة أو نحو ذلك ، والعِلة أن الأبيض هو أصل الثياب ولا يهيِّج الغريزة ولا يلفت النظر . وقد أورد المسألة كثير من الفقهاء ومنهم الحجاوي في الزاد . لكن يجب التنبُّه أن التعليل يجب أن يكون له مستند إما بدليل صريح أو اجماع أو قاعدة فقهية لا تنخرِم .

انتهى الدرس العاشر ، وبه اكتملت هذه السِّلسلة المباركة بعون الله وفضله .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

1440/1/13
__________________
أموت ويبقى ما كتبته ** فيا ليت من قرا دعاليا
عسى الإله أن يعفو عني ** ويغفر لي سوء فعاليا

قال ابن عون:
"ذكر الناس داء،وذكر الله دواء"

قال الإمام الذهبي:"إي والله،فالعجب منَّا ومن جهلنا كيف ندع الدواء ونقتحم الداءقال تعالى :
(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)
ولكن لا يتهيأ ذلك إلا بتوفيق الله ومن أدمن الدعاءولازم قَرْع الباب فتح له"

السير6 /369

قال العلامة السعدي:"وليحذرمن الاشتغال بالناس والتفتيش عن أحوالهم والعيب لهم
فإن ذلك إثم حاضر والمعصية من أهل العلم أعظم منها من غيرهم
ولأن غيرهم يقتدي بهم. ولأن الاشتغال بالناس يضيع المصالح النافعة
والوقت النفيس ويذهب بهجة العلم ونوره"

الفتاوى السعدية 461

https://twitter.com/mourad_22_
قناتي على اليوتيوب
https://www.youtube.com/channel/UCoNyEnUkCvtnk10j1ElI4Lg
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:26 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.