أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
26643 38723

العودة   {منتديات كل السلفيين} > المنابر العامة > منبر الأئمة و الخطباء > خطب نصية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 03-25-2017, 08:00 PM
ابوعبد المليك ابوعبد المليك غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 4,251
افتراضي الثَّباتُ هو دواءُ الفتَن وعلاجُها /د. صالح بن حميد


إن العبدَ لا يستغنِي عن تثبيتِ الله له طرفةَ عينٍ، ولقد قال اللهُ لنبيِّه محمدٍ – صلى الله عليه وآله وسلم -: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 74].

فالثَّباتُ هو دواءُ الفتَن وعلاجُها، الثَّباتُ هو الانتِصارُ، والانتِصارُ هو الثَّباتُ. الثَّباتُ فوزٌ عظيمٌ، ونصرٌ كبيرٌ حين تعلُو النفوسُ على الخوفِ والجُبن والتردُّد، وتتسامَى على نوازِع النفسِ والشهوةِ وإرجافِ المُرجِفِين.

موضُوعٌ يحتاجُه كلُّ مُسلمٍ، كما تحتاجُه جميعُ الأمةِ في كلِّ حِينٍ وآنٍ، وفي كل زمانٍ ومكانٍ، والحاجةُ إليه في أوقاتِ الفتَنِ أشد، وفي حالِ العوادِي والمِحَن أعظَم.

هو كنزٌ عظيمٌ مَن وُفِّق لكَسبِه، وأحسنَ توظِيفَه، واستمسَكَ به، فقد غنِمَ وسلِم، ومَن حُرِمَه فقد حُرِم؛ ذلكُم – عباد الله – أن المُؤمنين وهم يتعرَّضُون لأنواعِ الابتِلاءاتِ، ويُقابِلُون المُواجهاتِ مع أعداءِ الله، إنهم لأحوَجُ ما يكونُون إلى ها الكَنز العظيم، فالصِّراعُ بين الحقِّ والباطِلِ، والخيرِ والشرِّ قائِمٌ في هذه الدنيا كما اقتَضَت سُنَّةُ الله – جلَّ وعلا -، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251].

هذا الكَنزُ – حفِظَكم الله – هو الثَّباتُ، ومُلازمةُ الاستِقامة على الدِّين الحقِّ، ولُزومُ التقوَى والصراطِ المُستقيم من غير عِوَجٍ ولا انحِرافٍ، واجتِنابُ صواِف الشيطان والهوَى ونوازِع النفسِ، مع مُداومةِ التوبَةِ والأَوبَةِ والاستِغفار.

قِيل للإمامِ أحمد – رحمه الله -، قِيل له أيامَ مِحنة خلقِ القُرآن: يا أبا عبد الله! ألا ترى الحقَّ كيف ظهرَ عليه الباطِلُ؟! فأجابَ: “كلا، إن ظهورَ الباطِلِ على الحقِّ أن تنتَقِلَ القلوبُ مِن الهُدى إلى الضلالِ، وقلوبُنا بعدُ – أي: لا تزالُ – لازِمةَ الحقِّ”.

نعم ومَن عجزَ عن نفسِه فهو عما سِواها أعجَز، ومَن أحكَمَها فهو على غيرِها أحكَم، وثباتُ القلبِ أصلُ ثباتِ القدَم. كيف؟ وقد عدَّ الله – سبحانه وتعالى – خروجَ نبيِّه محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – مُستخفِيًا في الهِجرة، عدَّه نصرًا وانتِصارًا، فقال – عزَّ شأنُه -: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40].

ولقد وعدَ الله بالنصرِ والتثبيتِ لمَن ينصُرُه ويستقِيمُ على أمرِه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]، هذا هو الشرطُ، وهذا هو الجزاءُ.
التمسُّكُ بدينِ الله، والإيمانُ برسولِه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: 40].

إن نصرَ الله مُدَّخرٌ لمَن يستحِقُّه، ولا يستحِقُّه إلا الثابِتُون في السرَّاء والضرَّاء والبأسَاء، الصامِدُون في الزلازِل، المُوقِنُون ألا نصرَ إلا نصرُ الله، وهو آتٍ لا محالةَ متى شاءَ وكيف شاءَ.

والثَّباتُ يكونُ في القلبِ، وفي النفسِ، وفي العقلِ، وفي اللِّسانِ، وفي الأقدامِ، كما يكونُ في الحياةِ الدنيا، وعند المماتِ، وفي القَبر، وفي البرزَخ، وفي الآخرة، وفي القِيامة، وعلى الصِّراط، ويكونُ الثَّباتُ على الدينِ، والطاعة، والحقِّ، والحُجَّة، ومواطِن القِتال.

كما يكونُ الثَّباتُ في فِتنِ الشُّبُهات، والشَّهوَات، والمصائِبِ، والجاهِ، والمناصِبِ، والمالِ، والأولاد؛ فهم المجبَنةُ، المبخَلَةُ، المَحزَنَةُ.
ويكونُ الثَّباتُ في فتنِ الظُّلم، والاضطِهاد، والطُّغيان، وفي فِتَنِ إقبالِ الدنيا وإدبارِها، والاستِيحاشِ مِن مسالِكِ الاستِقامة، وتوالِي النِّعَم على المُقصِّرِين، والرَّغبةِ في المتاعِ، والسُّلطان، والدَّعةِ، والاطمِئنانِ.
ويكونُ الثَّباتُ أيضًا في فتنةِ النَّظر في أحوالِ ضَعفِ الأمةِ وتفرُّقها، وإساءَة الظنِّ بأحوال الصالِحين، ومواقِفِ أهل العلمِ والخير والصلاح.

ويُحصِّنُ الثَّباتَ ويحفَظُه حُسنُ الظنِّ بالله والثِّقةُ به، والاعتِمادُ عليه، والتوكُّلُ عليه، وكمالُ الإنابةِ إليه، واستِشعارُ معيَّتِه، والرَّغبةُ فيما عنده، وخشيَتُه والخوفُ منه، ودوامُ مُراقبتِه، وحُسن النيَّة والإخلاص، والإقبالُ على الله، ودوامُ الطاعةِ.

ومَن كان أثبتَ قَولًا كان أثبتَ قلبًا، والقولُ الثابِتُ هو القولُ الحقُّ والصِّدقُ، وضِدُّه الكذبُ والباطِلُ، وأثبضتُ القولِ كلمةُ التوحيدِ بلوازِمِها ومُقتضيَاتها؛ فهي أعظمُ ما يُثبِّتُ اللهُ به عبدَه في الدنيا والآخرة.

وتكالِيفُ الشرع وأحكامها وآدابُها كلُّها مُثبِّتات، ومَن كان أحسنَ عملًا كان أعظمَ ثباتًا، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 66- 68].

ومِن أعظم دلائِلِ الثَّبات – عباد الله -: المُثابرةُ على العملِ الصالِحِ، والمُدوامةُ عليه؛ فأحبُّ الدينِ إلى نبيِّكم محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – ما داوَمَ عليه صاحِبُه، «مَن ثابَرَ على ثِنتَي عشرة ركعة وجَبَت له الجنة»؛ رواه الترمذي، وقال: “حديثٌ حسنٌ صحيحٌ”.

وفي الحديثِ القُدسيِّ: «ولا يزالُ عبدِي يتقرَّبُ إلَيَّ بالنوافِلِ حتى أُحِبَّه»؛ أخرجه البخاري.
ومِن أعظم وسائِلِ الثَّبات: الدعوةُ إلى الله بالحكمة ، ومُحاسبةُ النَّفسِ، والأمرُ بالمعروفِ، والنهيُ عن المُنكَر، مع استِجماعِ مكارِمِ الأخلاقِ، من الصَّبر، والرِّفق، والتحمُّل، والتجمُّل، واليقين بأن مهمة المُسلم – ولا سيَّما طالِب العلم والداعِي إلى الله – مهمَّتُه هي الاستِمرارُ والمُداومةُ، أما النتائِجُ فهي إلى الله – سبحانه -، ينصُرُ مَن يشاءُ، وكيف شاء، ومتى شاء، ويُضِلُّ الله الظالِمِين ويخذُلُهم ويمكُرُ بهم كيف شاء، ومتى شاء.

وإن الثِّقةَ بنصرِ الله وظهورِ الحقِّ وأهلِه لا يعنِي أن ترَى ذلك بنفسِك، ولكن علي أن تُوقِنَ بأن ذلك كلَّه آتٍ وأنك تكونُ بابًا مِن أبوابِه، ومُمهِّدًا في سبيلِه وطريقًا إليه، وهذا مِن أعظم مِنَن الله عليك.
ومِن أعظم الآفاتِ – نسألُ الله السلامة -: القابِليَّةُ للإرجافِ والهزَّات، وكأنَّ المُسلم لا يحمِلُ دينًا حقًّا قِيَمًا مُستقيمًا، كلُّه ثوابِتُ تنفِي الزَّيفَ، وتحفَظُ النافِعَ الزاكِي، وليس أشدَّ على نفسِ المُؤمن من السَّماعِ للباطِلِ المُتقلِّب بين الأقوالِ والآراء.

ينسَى الحقَّ الذي عرَفَه مُقابِلَ شُبهةٍ مُرجِفةٍ بثَّها عدُوٌّ، أو كلمةٍ أطلقَها مُغرِضٌ، أو صُورةٍ بثَّها مُتصيِّدٌ. فكَم مِن كلمةٍ قِيلَت، أو حديثٍ نُشِر فأقامَ وأقعَد، وأحدثَ في الناسِ اضطِرابًا، وأشاعَ بلبلاتٍ في هَمزةِ مِفتاحِ حاسُوبٍ، او زِرِّ جوَّالٍ ينقُلُ أو يستقبِلُ مِن الحقِّ والباطِلِ، والخير والأوزارِ ما يُوجِبُ النَّظرَ والاعتِبارَ.

يقولُ عُمرُ بن عبد العزيز – رحمه الله -: “مَن جعلَ دينَه غرضًا للخُصومات أكثرَ التنقُّل”.
وتأمَّل حفِظَك الله صُورةَ الثَّباتِ العظيمةِ في صِيغةِ البَيعَةِ؛ فهي بَيعةٌ على السَّمعِ والطاعةِ في العُسر واليُسر، والمنشَطِ والمكرَهِ، وعلى أثَرةٍ علينا، وألا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه، وعلى أن نقولَ بالعدلِ أين كُنَّا لا نخافُ في الله لَومةَ لائِمٍ.

بل تأمَّل قولَ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – وهو يرتَجِزُ في غَزوةِ الأحزابِ، ورَبطِه بين الفتنةِ والثَّباتِ، فهُو يقولُ:«فأنزِلَن سَكينةً علينا، وثبِّتِ الأقدامَ إن لاقَينَا ..»، ثم قال: «وإن أرادُوا فِتنةً أبَينَا».
ومِثلُ ذلك – عباد الله – الرَّبطُ العَجيبُ بين الثَّباتِ والعزيمةِ؛ فقد جاء في الدعاء النبويِّ: «اللهم إني أسألُك الثَّباتَ في الأمرِ، والعزيمةَ على الرُّشدِ».

وهاتانِ الكلِمتان هما جِماعُ الفلاحِ، وما أُوتِيَ العبدُ إلا مِن تضيِيعِها أو تضيِيعِ إحداهما، ومَن أُيِّدَ بالعَزمِ والثَّباتِ فقد أُيِّدَ بالمَعُونةِ والتوفِيقِ، وقد قال أهلُ الحِكمة: “إن آفةَ الثَّباتِ الفَوتُ؛ فمتى اقتَرَنَ الثَّباتُ بالحَزمِ والعَزمِ نجَا صاحِبُه – بإذن الله -، وتمَّ له أمرُه”.

وهل أعظمُ مِن اللُّجوءِ إلى الله في الثَّباتِ حين يقولُ العبدُ: “حسبُنا الله ونِعمَ الوَكِيل”، وقد قالَها نبيُّكم محمدٌ – صلى الله عليه وسلم – وأصحابُه – رِضوانُ الله عليهم -، كما ذكرَ اللهُ – عزَّ وجل -: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 173، 174].

وما أجملَ أن يتأمَّل المُسلمُ هذه المُقارَنَة: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: 27]، وفي المُقابِل: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: 12].

مهما كان العددُ قِلَّةً وكثرةً، ومهما كانت العُدَّة قُوَّةً وضَعفًا، ومهما كان المَكرُ خُطَّةً ومَكِيدةً، فإن الله مع المُؤمنين، ومُوهِنُ كَيدِ الكافِرِين. والمُؤمِنُون يظنُّ بعضُهم ببعضٍ خيرًا، فإن معهم من الإيمانِ الراسِخِ ما يدفَعُ كلَّ إفكٍ وينفِي كلَّ باطِلٍ.

تأمًّل هذا التَّثبيتَ الإيمانِيَّ حينما نزلَت بائِقةُ الإفكِ، يقولُ – عزَّ شأنُه -: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: 12]، وفي آيةٍ أُخرى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249].
إن ثباتَ قُلوبِ المُؤمنين وقُوَّةَ نفوسِهم في أوقاتِ الشدائِدِ وطرءِ المِحَن هُدًى قُرآنيٌّ عظيم، يُفيدُ منه أهلُ العلم والإيمان والنُّهَى عبرَ القُرون والأجيالِ.

فالثَّباتُ نعمةٌ مِن الله عظيمة، يهَبُها عبدَه فلا يزِلُّ في مواطِنِ الزَّلَل ومواطِنِ الشَّهواتِ والشُّبَه ، فمَن مسَّهُ ضُرٌّ في فتنةٍ، أو نالَه بأساءُ في ابتِلاءٍ فليَثبُت، وليَستيقِن رحمةَ الله وعَونَه، وليَثِق بكَشفِ الضرَّاء وإيمانِه بالعِوَض والجَزاء.

فاثبُتُوا – رحِمَكم الله -، ولا يستخِفَّنَّكم الذين لا يُوقِنُون، وتثبَّتُوا ولا تحمِلُوا أوزارَكم وأوزارًا مع أوزارِكم، وثبِّتُوا الناسَ على الحقِّ وحُسن الظنِّ بالله، وحُسن العاقِبة؛ فهذا هو مِيراثُ النبُوَّة.
أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27].

وأهلُ الثَّباتِ والرُّسُوخ هم أصبَرُ الناسِ على البلاء، وأقوَاهم في الشدائِد، وأرضَاهم نفسًا في المُلِمَّات، وليس أضَرَّ على الثَّباتِ مِن اليأسِ بنَصرِ الله، وسُوء الظنِّ بالله، وأنه خاذِلٌ دينَه وتارِكٌ أولياءَه. حاشَا وكلا! ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 139- 141]، ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: 104].

ومِن أجل هذا – حفِظَكم الله – فإنه يقتَرِنُ بالثَّباتِ التَّثبِيتُ، بل إن الذي يحفَظُ الثَّباتَ هو التثبيتُ، وهذه وظيفةُ أهل العلم والإيمان والحِكمة، وهذه وظِيفتُهم، فهم لا ينشُرون الباطِلَ ولا يُردِّدُونَه، ولا يُخذِّلُون، بل يُثبِّتُون الناسَ، ويُدخِلُون الطُّمأنينةَ إلى قلوبِهم، ويُزيلُون مخاوِفَهم «لَن تُراعُوا»!.
إن على أهل العلمِ والعقلِ أن يُثبِّتُوا الناسَ في أزمانِ الفِتَن والأزماتِ، وأن يملأُوا قلوبَهم يقينًا وثباتًا وفَأْلًا.

وتأمَّل خبَرَ نبيِّنا – عليه الصلاة والسلام -، وهو يُثبُّتُ صاحِبَه الصدِّيق – رضي الله عنه – في مواقِف مِن أحلَكِ المواقِفِ، ويُؤكِّدُ له معِيَّةَ الله – عزَّ شأنُه -، كما قال الله – عزَّ وجل – عنهما: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[التوبة: 40].

ولما طلبَ الصحابةُ – رِضوانُ الله عليهم – مِن رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم -، الاستِنصارَ لهم، والدعاءَ لما رَأَوه مِن التعذيبِ والأذَى، فقالوا: ألا تستَنصِر لنا! ألا تدعُو لنا! فقال – عليه الصلاة والسلام – هذه المقالَةَ العظيمةَ المُثبِّتةَ الرَّاسِمةَ للسُّنَّة الإلهيَّة في الابتِلاء.

قال – عليه الصلاة والسلام -: «كان الرَّجُلُ فيمَن قبلَكم يُحفَرُ له في الأرض فيُجعَلُ فيها، فيُجاءُ بالمِنشارِ فيُوضَعُ على رأسِه، فيُشقُّ اثنتَين، وما يصُدُّه ذلك عن دينِه، ويُمشَّطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دُون لحمِه مِن عظمٍ أو عصَبٍ وما يصُدُّه ذلك عن دينِه، والله ليتمَّنَّ هذا الأمرُ حتى يسيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنعاء إلى حَضر موتٍ لا يخافُ إلا اللهَ أو الذئبَ على غنَمِه، ولكنكم تستَعجِلُون»؛ رواه البخاري.
وفي الأحزابِ وزلزالها، وحين ظنَّ الظانُّون الظُّنونَا، وأهلُ الخندقِ محصُورون يُحيطُ بهم الأعداءُ كما يُحيطُ بهم الجُوعُ والكَربُ، في كَربٍ عظيمٍ، فإذا رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – يكسِرُ الصخرةَ المعنويَّةَ قبل الحسِّيَّة، فيعِدُهم ويُبشِّرُهم ويُثبِّتُهم ويقول: «والذي نفسِي بيدِه؛ ليُفرجَنَّ عنكم ما ترَونَ مِن شِدَّةٍ، وإني لأرجُو أن أطُوفَ بالبَيتِ العَتِيقِ آمِنًا، وأن يدفَعَ الله – عزَّ وجل – إلَيَّ مفاتِيحَ الكعبة، وليهلِكَنَّ أمرُ كِيرى وقيصَر، ولتُنفقَنَّ كنوزُهما في سبيلِ الله»؛ رواه البيهقيُّ في “دلائل النبُوَّة”.
فصدَّقَ الصحابةُ وآمنوا، وأما المُنافِقُون والذين في قلوبِهم مرضٌ مِمَّن زاغَت قلوبُهم وأبصارُهم فقالوا: نحن نُخندِقُ على أنفسِنا وهو يعِدُنا قُصورَ فارِس والرُّوم! وقالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12].

وأُولو العلمِ مُثبِّتُون أوتادٌ راسِخة، تدفَعُ إرجافَ المُرجِفين، وتُمزِّقُ نسيجَ المُبطِلين، وتُبدِّدُ إشاعاتِ المُخذِّلين، وأعظمُ الناس عِلمًا، وأرجَحُهم عَقلًا أشدُّهم للناسِ تثبِيتًا رِجالًا ونِساءً.

وانظُروا حالَ أمِّنا أم المؤمنين خديجة – رضي الله عنها – في مقولَتها التثبيتيَّة العجِيبَة المُحكَمة: “كلا والله لا يُخزِيكَ الله أبدًا؛ إنك لتَصِلُ الرَّحِم، وتحمِلُ الكَلَّ، وتكسِبُ المعدُومَ، وتَقرِي الضَّيفَ، وتُعينُ على نوائِبِ الحقِّ”، ثم دلَّتْه على بِطانةٍ صالِحةٍ عاقِلةٍ عالِمةٍ “ورقةِ بن نَوفَل”.
فكان ما كان، حتى قال ورقةُ: “هذا النامُوسُ الذي أُنزِلَ على مُوسَى، يا ليتَني فيها جَذع، ليتَني أكونُ حيًّا إذ يُخرِجُك قومُك”، قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «أَومُخرِجِيَّ هُم؟!»، قال: “نعم، لَم يأتِ رجُلٌ قطُّ بمثلِ ما جِئتَ به إلا عُودِي، وإن يُدرِكنِي يومُك أنصُركَ نَصرًا مُؤزَّرًا”؛ أخرج ذلك صاحِبُ “الصحيح”.

ويقولُ الحافظُ ابنُ القيِّم عن شيخِه شيخِ الإسلام ابن تيمية – رحِمَهما الله ورحِمَ علماءَ المُسلمين أجمعين -، يقولُ ابنُ القيِّم: “وكنَّا إذا اشتَدَّ بِنا الخَوفُ، وساءَت بِنا الظُّنُون، وضاقَت الأرضُ، فما هو إلا أن نراهُ ونسمَعُ كلامَه فيذهَبُ ذلك كلُّه، وينقلِبُ انشِراحًا وقوةً ويقينًا وطُمأنينةً”.
——————–
د. صالح بن حميد
__________________
أموت ويبقى ما كتبته ** فيا ليت من قرا دعاليا
عسى الإله أن يعفو عني ** ويغفر لي سوء فعاليا

قال ابن عون:
"ذكر الناس داء،وذكر الله دواء"

قال الإمام الذهبي:"إي والله،فالعجب منَّا ومن جهلنا كيف ندع الدواء ونقتحم الداءقال تعالى :
(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)
ولكن لا يتهيأ ذلك إلا بتوفيق الله ومن أدمن الدعاءولازم قَرْع الباب فتح له"

السير6 /369

قال العلامة السعدي:"وليحذرمن الاشتغال بالناس والتفتيش عن أحوالهم والعيب لهم
فإن ذلك إثم حاضر والمعصية من أهل العلم أعظم منها من غيرهم
ولأن غيرهم يقتدي بهم. ولأن الاشتغال بالناس يضيع المصالح النافعة
والوقت النفيس ويذهب بهجة العلم ونوره"

الفتاوى السعدية 461

https://twitter.com/mourad_22_
قناتي على اليوتيوب
https://www.youtube.com/channel/UCoNyEnUkCvtnk10j1ElI4Lg
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:50 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.