أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
20228 39423

العودة   {منتديات كل السلفيين} > منبر الموسوعات العلمية > قسم الأشرطة المفرغة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 03-07-2015, 12:58 AM
عبدالله التيمي عبدالله التيمي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2014
المشاركات: 15
افتراضي أمور لا بد منها في الصدقة للشيخ فالح جبر الظفيري

أمور لا بد منها في الصدقة
أولاً : الإنفاق من جيد المال .
ـ أولاً: الإنفاق من جيد المال:
ينبغي الإنفاق من جيد المال وليس من رديئه, لقوله تعالى : {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ }(1)
فينبغي أن ينفق المسلم من أجود ما يملك ، ولا يكون ذلك إلا بقدرٍ من المال له تأثيٌر على ما يملك.
فلا ينفق الفتات واليسير والذي لا يحبه ولا يتعلق قلبه به ، بل ينبغي أن يكون البذل والصدقة ذات قيمة, وفيها شيء من التعب والكلفة, وأن يكون لها حيزٌ في مال الشخص.
قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله - : " وكثير من الناس اليوم لا يتصدقون إلا بالشيء الذي تعافه أنفسهم ، أو يريدون أن يرموه في المزابل ، مما ذهب نفعه وقلت الرغبة فيه ، وهذا لا يفيدهم شيئاً ، كما قال الله تعالى: { لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ }(2) (3)
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو اْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }(4 )
وعن أنس رضي الله عنه قال : كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل ، وكان أحب أمواله إليه بَيرُحَاء، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ، فلما نزلت هذه الآية " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " (5) قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! إن الله تبارك وتعالى يقول " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون "(1) , وإن أحب أموالي إلي بيرحاء, وإنها صدقة لله, أرجو برها وذخرها عند الله ، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" بخ ذاك مال رابح ، ذلك مال رابح, وقد سمعت ما قلت, وإني ارى أن تجعلها في الأقربين ". فقال أبو طلحة: افعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه(2).
وقد قال بعض العلماء : إن الصدقة سميت بذلك ,لأنها تدل على صدق فاعلها, حيث يخرج ماله الذي يعز عليه, فهذا دليل على صدقه مع الله عز وجل ، وجاء في الحديث: " والصدقة برهان"(3).
فلا ينبغي للمسلم الغني ذي المال الكثير أن يتعمد إخراج ما ليس له قيمة في نفسه وقد جاء عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال : "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد علق رجل قِنَاء أو قِنْوَا , وبيده عصا, فجعل يطعن بذلك يدقدق في ذلك القنو ،ويقول: " لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها، إن رب هذه الصدقة يأكل الحشف يوم القيامة "(4) القنو : العذق بما فيه ، والحشف : أردأ التمر ,وهو الذي يجف من غير نضج ولا إدراك .(5)

وسئل أحد السلف فقيل له : أي الصدقة أفضل ؟ قال : أكثرها فأكثرها ، ثم قرأ قوله تعالى : " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " ) (6)(7).
قال ابن القيم في تفسير قوله تعالى : " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ".(1) نهى سبحانه عن قصد إخراج الرديء كما هو عادة أكثر النفوس , تمسك الجيد لها ، وتخرج الرديء للفقير .
ونهيه سبحانه عن قصد ذلك وتيممه ؛ فيه ما يشبه العذر لمن فعل ذلك ، لا عن قصد وتيمم ، بل عن اتفاق ، إذا كان هو الحاضر إذ ذاك ، أو كان ماله من جنسه ، فإن هذا لم يتيمم الخبيث ؛ بل تيمم إخراج بعض ما منَّ الله عليه .
وموقع قوله :" منه تنفقون " موقع الحال ، لا تقصدوه منفقين منه .
ثم قال :" ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه " (2)أي : لو كنتم أنتم المستحقين له ، وبذل لكم ؛ لم تأخذوه في حقوقكم إلا بأن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه ، من قولهم : أغمض فلان عن بعض حقه . ويقال للبائع : أغمض , أي : لا تستقص كأنك لا تبصر . وحقيقته من إغماض الجفن ، فكأن الرائي لكراهته له لا يملأ عينه منه ؛ بل يغمض من بصره ,ويغمض عنه بعض نظره بغضاً .
ومنه قول الشاعر :
لم يفتنا بالوتر قوم وللضيــم رجال يرضون بالإغماض
وفيه معنيان : أحدهما : كيف تبذلون لله وتهدون له ما لا ترضون ببذله لكم ولا يرضى أحدكم من صاحبه أن يهديه له ، والله أحق من يخير له خيار الأشياء وأنْفَسِها ؟
الثاني : كيف تجعلون له ما تكرهون لأنفسكم, وهو سبحانه طيب لا يقبل إلا طيباً ؟
ثم ختم [سبحانه وتعالى] الآيتين بصفتين يقتضيهما سياقهما فقال : " واعلموا أن الله غني حميد " (3), فغناه وحمده يأبى قبول الرديء ، فإن قابل الرديء الخبيث : إما أن يقبله لحاجته إليه ، وإما أن نفسه لا تأباه لعدم كمالها وشرفها ، وأما الغني عنه ، الشريف القدر ، الكامل الأوصاف ؛ فإنه لا يقبله )(4).
قال النووي(1): "يكره تعمد الصدقة بالرديء ، قال تعالى :" ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون "(2) ويستحب تعمد أجود ماله وأحبه إليه ، قال تعالى :" لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون "(3) وفي المسألة أحاديث صحيحة . قال أصحابنا:تكره الصدقة بما فيه شبهة ، ويستحب أن يختار أجل ماله وأبعده من الحرام ، والشبهة لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب – فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى يكون مثل الجبل"(4).
ثانياً : عدم المنِّ بالصدقة .
أن لا يصاحب النفقة والصدقة منَّ تبطل به ، ولا أذى يلحق المحتاج ، فإن ذلك يحبط الأجر ، بل ويلحق صاحبه الوعيد الشديد ، لأن المن والأذى بعد الصدقة من كبائر الذنوب (5)قال الرسول صلى الله عليه وسلم : "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم... المسبل,والمنان , والمنفق سلعته بالحلف الكاذب "(6)
والمن والأذى درجات كثيرة ، بعضه من كبائر الذنوب, وبعضه ذنوب دون الكبائر, فالمن :" هو أن يعدد نعمته على الآخذ ,أو يذكرها لمن لا يحب الآخذ اطلاعه عليه . وقيل : هو أن يرى أن لنفسه مزية على المتصدق عليه بإحسانه إليه ... والأذى هو أن ينهره أو يعيره أو يشتمه ، فهذا كالمن مسقط لثوابه وأجره"(7)
فإذا كانت نظرة المتصدق إلى المحتاج نظرة استحقار أو فيها نوع إذلال ، فذلك من أنواع المن والأذى ، وقد كان السلف يبالغون في الحذر من ذلك ، فإذا رأوا أن المحتاج ـ الذي أحسنوا إليه وتصدقوا عليه ـ يقوم من المجلس ويبالغ في السلام عليهم, نهوه عن ذلك ، بل إن بعضهم يمنع طلب الدعاء منه, ويقول : الدعاء في مقابل الإحسان وبالتالي يسقط الأجر .
فإذا كان المن والأذى بعد البذل محرم ومن الكبائر ؛ فما بالك إذا كان لا يعطي القريب المحتاج إلا من أجل أن يمن عليه يوماً ما ، ومن أجل أن يذله ويذكره بهذه العطية ويخبر الناس للتفاخر بذلك ؟!
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية " ومن الناس من يحسن إلى غيره ليمن عليه, أو يرد الإحسان له بطاعته وتعظيمه أو نفع آخر, وقد يمن عليه فيقول أنا فعلت بك كذا, فهذا لم يعبد الله ولم يستعنه ولا عمل لله ولا عمل بالله فهو المرائي..)(1)
وسواءٌ كان هذا المن والأذى بعد الصدقة مباشرةً, أو تراخى عنها مدة طويلة, فكل ذلك يبطل الصدقة ، والشيطان حريص على إبطال أجرها ولو بعد حين ، فاحرص على أجرك أشد الحرص ولا تضيعه ، وتأمل كلام ابن القيم عند تفسير قوله تعالى :" ثم لا يتبعون ما أنفقوا منَّا ولا أذى"(2) قال رحمه الله :"على أن المن والأذى – ولو تراخى عن الصدقة وطال زمنه – ضر بصاحبه ، ولم يحصل له مقصود الإنفاق ، ولو أتى بالواو وقال :( ولا يتبعون ما أنفقوا منّا ولا أذى) ؛ لأوهمت تقييد ذلك بالحال ، وإذا كان المن والأذى المتراخي مبطلاً لأثر الإنفاق ، مانعاً من الثواب ؛ فالمقارن أولى وأحرى ) (3).
وقال أيضاً:"... فالمنٌّ نوعان : أحدهما : منّ بقلبه من غير أن يصرح به بلسانه ، وهذا إن لم يبطل الصدقة فهو من نقصان شهود منة الله عليه في إعطائه المال وحرمان غيره ، وتوفيقه للبذل ومنع غيره منه ، فلله المنة عليه من كل وجه ، فكيف يشهد قلبه منه لغيره ؟
والنوع الثاني : أن يمن عليه بلسانه ؛ فيعتدي على من أحسن إليه بإحسانه ، ويريه أنه اصطنعه ، وأنه أوجب عليه حقاً وطوقه منه في عنقه, فيقول : أما أعطيتك كذا وكذا ؟ ويعدد أياديه عنده . قال سفيان : "يقول أعطيتك فما شكرت" .
وقال عبد الرحمن بن زياد : كان أبي يقول :" إذا أعطيت رجلاً شيئاً ، ورأيت أن سلامك يثقل عليه ، فكف سلامك عنه" . وكانوا يقولون : إذا اصطنعتم صنيعة فانسوها ، وإذا أسديت إليكم صنيعة فلا تنسوها . وفي ذلك قيل :
وإن امرءاً أهدى إلي صنيعة وذكرنيها مرة لبخيل
وقيل : صنوان : من منح سائله ومنّ ، ومن منع نائله وضن .
وحظر الله على عباده المن بالصنيعة, واختص به صفة لنفسه ، لأن منّ العباد : تكدير وتعيير, ومنّ الله سبحانه وتعالى إفضال وتذكير .
وأيضاً : فإنه هو المنعم في نفس الأمر, والعباد وسائط ، فهو المنعم على عبده في الحقيقة .
وأيضاً : فالامتنان استعباد وكسر وإذلال لمن يمن عليه . ولا تصلح العبودية والذل إلا لله .
وأيضاً : فالمنة أن يشهد المعطي : أنه هو رب الفضل والإنعام ، وأنه ولي النعمة ومسديها وليس ذلك في الحقيقة إلا الله .
وأيضاً : فالمانُّ بعطائه يشهد نفسه : مترفعاً على الآخذ ، مستعلياً عليه ، غنياً عنه ، عزيزاً ويشهد ذل الآخذ ، وحاجته إليه ، وفاقته ، ولا ينبغي ذلك للعبد .
وأيضاً : فإن المعطي قد تولى الله ثوابه ، ورد عليه أضعاف ما أعطى ؛ فبقي عوض ما أعطي عند الله . فأي حق بقي له قبل الآخذ ؟ فإذا امتن عليه ؛ فقد ظلمه ظلماً بيناً ، وادعى أن حقه في قلبه . ومن هنا – والله أعلم – بطلت صدقته بالمن ؛ فإنه لما كانت معاوضته ومعاملته مع الله ، وعوض تلك الصدقة عنده ، فلم يرض به ، ولا حظ العوض من الآخذ والمعاملة عنده فمنَّ عليه بما أعطاه ؛ أبطل معاوضته مع الله ومعاملته له .
فتأمل هذه النصائح من الله لعباده ، ودلالته على ربوبيته وإلهيته وحده ، وأنه يبطل عمل من نازعه في شيء من ربوبيته وإلهيته ، لا إله غيره ولا رب سواه)(1) .

ثالثاً : الحذر من الرياء والسمعة في الصدقة .
أن يحذر من الرياء والسُّمعة في الصَدقة, فمن حرص على مدح الناس وأراد ثناءهم عليه ولم يرغب في ثواب الآخرة ؛ فليس له أجر من وراء هذه الصدقة ، قال الله تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }(1).
قال ابن القيم : ( وقوله " فمثله " أي مثل هذا المنفق الذي قد بطل ثواب نفقته " كمثل صفوان " وهو الحجر الأملس " عليه تراب فأصابه وابل " وهو المطر الشديد " فتركه صلدا " وهو الأملس الذي لا شيء عليه

من نبات ولا غيره ، وهذا من أبلغ الأمثال وأحسنها ، فإنه يتضمن تشبيه قلب هذا المنفق المرائي والذي لم يصدر انفاقه عن إيمان بالله واليوم الآخر ، بالحجر لشدته وصلابته وعدم الانتفاع به )(2).
ثم ذكر رحمه الله من حاله بخلاف الأول وهو الذي ينفق أمواله ابتغاء وجه الله ، فذكر قوله تعالى : " ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير "(3) . هذا مثل الذي مصدر نفقته عن الإخلاص والصدق ، فإن ابتغاء مرضاته سبحانه هو الإخلاص ، والتثبيت من النفس هو الصدق في البذل .
فإن المنفق يعترضه عند إنفاقه آفتان إن نجا منهما كان مثله ما ذكره في هذه الآية , إحداهما طلبه بنفقته محمَّدة أو ثناء أو غرضاً من أغراضه الدنيوية ، وهذا حال أكثر المنفقين .
والآفة الثانية ضعف نفسه وتقاعسها وترددها : هل يفعل ، أم لا ؟ فالآفة الأولى تزول بابتغاء مرضاة الله ، والآفة الثانية تزول بالتثبيت, فإن تثبيت النفس تشجيعها وتقويتها والإقدام بها على البذل, وهذا هو صدقها . وطلب مرضاة الله إرادة وجهة وحده وهذا إخلاصها .
فإذا كان مصدر الإنفاق عن ذلك, كان مثله كجنة – وهي البستان الكثير الأشجار – فهو متجنّ بها أي مستقر ليس قاعاً فارغاً . والجنة بربوة – وهو المكان المرتفع – فإنها أكمل من الجنة التي بالوهاد والحضيض ، لأنها إذا ارتفعت كانت بمدرجة الأهوية والرياح ، وكانت ضاحية للشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها ، فكانت أنضج ثمراً وأطيبه وأحسنه وأكثره ، فإن الثمار تزداد طيباً وزكاء بالرياح والشمس ، بخلاف الثمار التي تنشأ في الظلال .
وإذا كانت الجنة بمكان مرتفع لم يخش عليها إلا من قلة الماء والشراب فقال تعالى : " بربوة أصابها وابل " وهو المطر الشديد العظيم القدر فأدت ثمرتها وأعطت بركتها, فأخرجت ثمرتها ضعفي ما يثمر غيرها أو ضعفي ما كانت تثمر بسبب ذلك الوابل ، فهذا حال السابقين المقربين .
" فإن لم يصبها وابل فَطَلٌ " هو دون الوابل ، فهو يكفيها لكرم منبتها وطيب مغرسها فتكتفي في إخراج بركتها بالطِّلِّ ، هذا حال الأبرار المقتصدين في النفقة.
وهم درجات عند الله ، فأصحاب (الوابل) أعلاهم درجة ، وهم الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة .
وأصحاب (الطِّلَّ) مقتصدوهم .
فمثّل حال القسمين وأعمالهم بالجنة على الربوة ونفقتهم الكثيرة بالوابل والطل ، وكما أن كل واحد من المطرين يوجب زكاء ثمر الجنة ونحوه بالأضعاف, فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة, بعد أن صدرت عن ابتغاء مرضاة الله والتثبيت من نفوسهم ، فهي زاكية عند الله نامية مضاعفة)(1).
رابعاً : التعجيل بالصدقة .
ينبغي للمسلم المتصدق المنفق ، أن يحرص على التعجيل بهذه الصدقة ،وللأسف, فإن بعض المتصدقين لا يتفطن لهذا الأمر ، فيتأخر كثيراً بصدقته أو قرضه على المحتاج, و ربما واعده أياماً ، مع أن المحتاج على أحر من الجمر انتظاراً لهذا المال , فيثقل الأمرُ على الفقير ويجعله يعيش أياماً في انتظار وقلق ,وهذا الغني لايدري عنه ولا يعبأ به .
قال أحد السلف : لا يتم المعروف إلا بتعجيله وتصغيره وستره .
قال ابن القيم عند تفسير قوله تعالى :" الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم "(1) : ( فإن الفاء الداخلة على خبر المبتدأ الموصول أو الموصوف ؛ تفهم : معنى الشرط والجزاء ، وأنه مستحق بما تضمنه المبتدأ من الصلة أو الصفة .
فلما كان هنا (2)يقتضي بيان حصر المستحق للجزاء دون غيره ؛ جرد الخبر عن الفاء فإن المعنى : (إن الذي ينفق ماله لله ، ولا يمن ولا يؤذي ,هو الذي يستحق الأجر المذكور ، لا الذي ينفق لغير الله ، ويمن ويؤذي بنفقته) . فليس المقام مقام شرط وجزاء ؛ بل مقام بيان للمستحق دون غيره .
وفي الآية الأخرى ذكر الإنفاق بالليل والنهار سراً وعلانية ، فذكر عموم الأوقات وعموم الأحوال ، فأتى بالفاء في الخبر ؛ ليدل على أن الإنفاق في أي وقت وجد من ليل أو نهار ، وعلى أي حالة وجد من سر و علانية ؛ فإنه سبب للجزاء على كل حال .
فليبادر إليه العبد ولا ينتظر به غير وقته وحاله ، ولا يؤخر نفقة الليل إذا حضر إلى النهار, ولا نفقة النهار إلى الليل ، ولا ينتظر بنفقة العلانية وقت السر ، ولا بنفقة السر وقت العلانية ، فإن نفقته في أي وقت وعلى أي حال وجدت ؛ سبب لأجره وثوابه .
فتدبر هذه الأسرار في القرآن, فلعلك لا تظفر بها ... في التفاسير ، والمنة والفضل لله وحده لاشريك له "(3).
خامساً : دفع الصدقة بطيب نفس .
وينبغي أن يدفع الصدقة "ببشاشة وطيب نفس لما فيه من تكثير الأجر وجبر القلب " (4)مع توقير المحتاج واحترامه غاية الاحترام ، والبعض – في هذه الأيام – يعطي الصدقة ولكن بجفاء ونوع من الغلظة ، فيعرف السائل أنه مترفع عنه !
قال أحد العارفين :" لو عرفتَ ما يحمله لك السائل من الخير ,لحملتَه في فؤادك لا على رأسك "(1)
وكان سفيان الثوري ينشرح إذا رأى سائلاً على بابه ويقول :" مرحباً بمن جاء يغسل ذنوبي "(2)
وقال الفضيل بن عياض :" نعم السائلون ، يحملون أزوادنا إلى الآخرة ، بغير أجرة حتى يضعوها في الميزان بين يدي الله تعالى"(3)
وكان أحد الصالحين إذا جاءه فقير يقول:" : مرحباً بمن جاء يحمل زادنا إلى ربنا"(4) .
وكان الليث بن سعد يقول :" من أخذ مني صدقة أو هدية فحقه علي أعظم من حقي عليه ؛ لأنه يقبل ما يقربني إلى الله عز وجل "(5).
وكان علي بن الحسن – رحمه الله- إذا ناول الصدقة للسائل قبّله ثم ناوله(6).
وقال أحد العلماء : من فقه الرجل أن يرى أنه أحوج للصدقة من السائل للصدقة.
بل قال الإمام الشعبي : من لم ير نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته ، فقد أبطل صدقته وضرب بها وجهه.
وليُعلم أن السؤال للمحتاج الفقير الذي ليس له معيل ولا كسب جائز شرعاً .
قال النووي - رحمه الله - : ( وأما السؤال للمحتاج العاجز عن الكسب فليس بحرام ولا مكروه ، وصرح به الماوردي ، وهذا ظاهر والله تعالى أعلم ) .(7)
وقال ابن حزم : ( .. فالمضطر فرض عليه أن يسأل ما يقوته هو وأهله مما لا بد منه ، من أكل وسكنى وكسوة ومعونة ، فإن لم يفعل فهو ظالم ، فإن مات في تلك الحال فهو قاتل نفسه).(8)

من كتاب فضل البذل والعطاء انظر 89-102 للشيخ فالح جبر الظفيري







رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:03 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.