أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
7568 42626

العودة   {منتديات كل السلفيين} > منبر الموسوعات العلمية > قسم الأشرطة المفرغة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 03-23-2012, 12:13 PM
خالد بن إبراهيم آل كاملة خالد بن إبراهيم آل كاملة غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 5,683
افتراضي مجموعة كبيرة من فتاوى فضيلة الشيخ مشهور، ويحتوي الملف على إجابات لـ 495 سؤالا

مجموعة من الفتاوى: تم تفريغ مجموعة كبيرة من الفتاوى لفضيلة شيخنا، ويحتوي الملف على إجابات لـ 495 سؤال ( جديد )

http://ia600806.us.archive.org/21/it...7/m-fatawa.zip

ملاحظة: لحفظ الملف، يرجى الضغط بزر الفأرة اليمين على الدسك،
واختيار ( ...Save Target As )
( ..
To save the lessons, right-click on the disk, and choose: ( Save Target As
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.


To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 03-23-2012, 02:09 PM
عدنانزروق عدنانزروق غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 363
افتراضي طلب

بارك الله فيك أخي الكريم
الرابط لا يعمل عندي لأن الموقع أصلا لا يعمل في المغرب ولا أدري لماذا؟
فالمرجو منك إعداة إرساله عبر موقع الأرشيف أو فورشريد
وجزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 03-23-2012, 02:19 PM
خالد بن إبراهيم آل كاملة خالد بن إبراهيم آل كاملة غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 5,683
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عدنانزروق مشاهدة المشاركة
بارك الله فيك أخي الكريم
الرابط لا يعمل عندي لأن الموقع أصلا لا يعمل في المغرب ولا أدري لماذا؟
فالمرجو منك إعداة إرساله عبر موقع الأرشيف أو فورشريد
وجزاكم الله خيرا
تفضل الرابط على أرشيف
http://ia600806.us.archive.org/21/it...7/m-fatawa.zip


و هذه صفحة الملف على ارشيف
http://archive.org/details/kulalsalafiyeen.com_997
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.


To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 03-23-2012, 02:21 PM
عمارالفهداوي عمارالفهداوي غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: May 2010
الدولة: العراق
المشاركات: 975
افتراضي

حفظ الله الشيخ مشهور وأطال في عمره هو واخوانه من المشايخ الفضلاء
__________________
قال شيخنا أبو عبد الله فتحي بن عبد الله الموصلي- حفظه الله ومتَّع به-:
«متى يظهر شيطان الخوارج؟
إذا تزوَّجتْ بِدعةُ التَّكفير بِبدعَةِ الخُروج على جَماعَةِ المُسلِمين وإمامِهِم, واشتَغَلَ العَروسَانِ بالعُرْس, وبَدَأَ الخَوالِفُ في إدارة مَجامِع الفِتَن؛ طاف طائِفٌ بَينَهُم؛ لِيُقدِّم للمَدعُوِّين - الحَماسِيِّين - أَلوانَاً مِن الانحِراف عن العَقيدَة والمَنهَج بحُلية التَّصحيح والبَيان، وعلى طبقٍ مُزَخرَفٍ ظاهِرُهُ الزُّهدُ والوَرع، وباطِنُه الخَرابُ والدَّمار؛ وقَد نُصِبَت الخِيام، وتَزاوَر الخِلَّان، وتَحزَّبَ الأَقران، وبُذِلَت الأَموال، وَوُزِّعَت الأَدوارُ ظنَّاً مِنهُم أَنَّها صَولَةُ الجِهاد!!».
[[ ينظر: ((منهج شيخ الاسلام في كشف بدعة الخوارج)) للشيخ: فتحي الموصلي/ صـ 19]].
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 03-23-2012, 03:38 PM
محمد نوفل محمد نوفل غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 324
افتراضي

وكذلك في مِصر: موقع الشيخ مشهور -سلّمه الله- لا يعمل؛ تظهر لي هذه الرسالة:

Forbidden

You don't have permission to access / on this server.

Additionally, a 404 Not Found error was encountered while trying to use an ErrorDocument to handle the request.

ليتكم تخبرون القائمين على الموقع لينظروا الأمر.. وفقكم الله..
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 03-23-2012, 03:58 PM
خالد بن إبراهيم آل كاملة خالد بن إبراهيم آل كاملة غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 5,683
افتراضي

السؤال الأول : هل حديث {إن لله تسعة وتسعين اسماً} صحيح ؟
الجواب: هذا الحديث وارد عن جمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يثبت إلا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وأخرج ذلك الشيخان إماما الدنيا محمد بن اسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري، وقد ورد أيضاً عن علي وسلمان وابن عباس وابن عمر رضي الله عن الجميع، أخرج ذلك أبو نعيم في جزئه الخاص في "التسع والتسعين اسم من أسماء الله تعالى" ولكن أسانيد ذلك ضعيفة ، فهذا حديث ثابت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولم يثبت إلا عنه، وقد ادعى ابن عطية الأندلسي في تفسيره "المحرر الوجير" أنه قد تواتر عن أبي هريرة رضي الله عنه، وليس الأمر كذلك عند التحقيق ، فقد رواه ثلاثة عشر نفساً عن أبي هريرة ست أو سبع منها ضعيفة والباقي آحاد غريبة ، فالحديث ثابت صحيح وليس بمتواتر ، وأما سرد الأسماء فقد وقع عند الترمذي وفيه إدراج ، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى الحديث إن لله تسعة وتسعون اسماً من أحصاها حفظاً وعملاً ؛ أي من حفظ أسماء الله تعالى وعمل بمقتضاها في هذه الحياة كانت له الجنة .

السؤال الثاني: رجل أوصى لابن ابنه وصية ، ثم سحب الوصية في حياة الجميع هل يجوز سحب هذه الوصية ؟

الجواب : ثبت في الصحيحن من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله {العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه إلا الوالد لولده} فلا يجوز لمن أعطى غيره عطية أو هبة أن يرجع فيها إلا الوالد لولده ومن يفعل يكون حاله والعياذ بالله كالكلب يعود في قيئه ، فالكلب هو الذي يجتر ويعود ويأكل ما أجتره وهذه صورة قبيحة جداً والعطية لا تجب بمجرد الوعد، والعطية يجوز الرجوع فيها ما لم يقبضها الموهوب له ، والقبض أن يتملكها وأن يثبت عليها، فلو أن رجلاً وعد آخر بهبة، أو عطية ، فلا يجب على الموهوب له أن يلزم الواهب ، ولكن من باب المروئات والأخلاق ومن باب المحافظة على الوعد ينبغي للمؤمن أن يفي بوعده .
ولكن متى لا يجوز للمؤمن أن يعود في هبته؟ إن قبضها من وهبت له وأثاب عليها، وكيف يثيب عليها؟ بقوله " جزاك الله خيراً" أو بالابتسامة أو بالدعاء ، فلو أن رجلاً أعطى زوجته شيئاً فابتسمت بوجهه أو شكرته فهذا الآن خرج من ملكه إليها ولا يجوز له أن يرجع عما أعطى . أما الوالد فله أن يعطي [ويرجع] – فالسائل يقول : رجل أوصى – وهذه الوصية هبة لابن ابنه والجد أب ، كما قال ابن عباس كما في صحيح بخاري واعتمد على قول الله تعالى عن يوسف: {واتبعت ملة آبائي ابراهيم واسحق ويعقوب} فجعل ابراهيم واسحق من آبائه وهما جدان له ، فالجد أب ويجوز للجد أن يرجع في هبته ، فكيف وإن كانت هذه الوصية لم تقبض بعد؟ فله أن يرجع ، ولا حرج في هذا الرجوع.
وهنا استطرد فأقول : لو أن رجلاً توفى وترك أولاداً ثم مات أبوه؛ أي والد هذا المتوفى ، فهل أولاد هذا الرجل يرثون من جدهم ؟ فهذه مسألة وقع فيها خلاف بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمذهب المعمول به في المحاكم الشرعية في بلادنا ، هو مذهب أبي حنيفة وممن قال بهذا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه – فإنهم يورثون ولد الولد ، من الجد عند وفاة الأب في حياة الجد نصيب الأب ما لم يزد عن الثلث فإن زاد عن الثلث فإنهم لا يعطونه إلا ثلثاً ، وقالوا لأنهم [أي الأولاد] يرثون وصية واجبة ، والوصية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد : {الثلث والثلث كثير } فلا يجوز لأحد أن يوصي للورثة ، ولا يجوز لصاحب مال أن يوصي بأكثر من الثلث فأبو حنيفة وهذا مذهب أبي بكر رضي الله عنه ، يرثون أولاد المتوفى من جدهم نصيب أبيهم مالم يزد عن الثلث،وهل بالإمكان أن يزيد نصيب أبيهم عن الثلث؟ نعم ، كأن يكون مثلاً لا يوجد ورثة إلا هؤلاء الأولاد وعم واحد لهم فإن وجد عمان فإنهم يأخذون نصيب الأب وكذلك إن وجد عم وعمتان وهكذا والله أعلم .

السؤال الثالث : رجل نذر أن ينفق على عائلة فقيرة ولكن بعد حين رزق الله هذه العائلة من يكفيها حاجتها ، فهل على هذا الناذر شيء؟

الجواب : الواجب على من نذر نذراً أن يفي به ، وإن رأى غيره خيراً ، فالعلماء علماء القواعد يفرقون بين النذر واليمين من حيثيات ، ومن بين هذه الحيثيات يقولون أن من حلف على شيء يميناً فرأى غيرها خيراً منها ، فليأت التي حلف وليكفر عن يمينه . أو فليكفر عن يمينه وليأت التي حلف ، وهذان لفظان في الصحيح ، فمن حلف على شيء ورأى غيره خيراً منه فله أن يأت الذي رآه خيراً ثم يكفر عن يمينه ، وله أولاً أن يكفر عن يمينه ثم يأت الذي حلف ، أما الناذر فلا يجوز له أن يتحول إلى شيء يراه خيراً من الذي قد نذره إلا إن نذر شيئاً لا يستطيعه . أو إن نذر شيئاً فيه حرام . فمثلاً رجل قال يا رب إن فعلت لي كذا وكذا لله علي أن أذبح مئة من الإبل وهو لا يحلم في يوم من الأيام أن يملك عشراً منها ، فضلاً عن أن يملك مئة منها فهذا ماذا عليه؟ هنا يأتي حديث النبي صلى الله عليه وسلم {النذر يمين ، وكفارته كفارة يمين } فنقول له : كفر عن يمينك أما رجل نذر أن يعطي عائلة فقيرة كما في السؤال نصيباً من المال فجاء آخر فأعطاها وما زالوا فقراء فهذا الرجل يجب عليه أن يفي بنذره فالنذر طاعة واجبة يدخلها الإنسان على نفسه فيجب الوفاء بها وقد مدح الله عز وجل أقواماً بوفائهم بالنذر فقال { يوفون بالنذر } فيجب على من نذر شيئاً أن يحفظه وأن يفي به إلا إن لم يقدر أو نذر شيئاً محرماً فحينئذ ينقلب إلى كفارة اليمين على خلاف في الشيء المحرم ، والله أعلم

السؤال الرابع : ما حكم إتيان الرجل امرأته في دبرها؟ وما كفارة ذلك ؟ وما السبيل في الخلاص من هذه العادة ؟

الجواب : هذه عادة قبيحة لم تعرفها العرب ، وإتيان الرجل امرأته في دبرها كبيرة من الكبائر ، فيحرم على الرجل أن يأتي وأن يتمتع بزوجته من جهة الدبر ، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله " ملعون من أتى امرأته في دبرها"، فإن كان إتيان المرأة في موضع الحرث مع وجود النجاسة العارضة الطارئة ، وهي الحيض ، حرام، فما بالكم في إتيان ذاك المكان المكروه الذي فيه النجاسة الدائمة ، وليست النجاسة الطارئة فإتيان المرأة في دبرها حرام ، ويحرم على المرأة أن تطاوع زوجها في ذلك ، أما هل لهذا العمل من كفارة ؟ لا ، فهذا العمل أعظم من أن يكفر ، فالكفارات تكون في الشرع في الأشياء المشروعة بأصلها ، الممنوعة بوصفها ، فمثلاً : أن يأتي الرجل زوجته حلال ، لكن ان أتى الرجل زوجته في نهار رمضان ، فهذا أمر مشروع بأصله ممنوع بوصفه ، فيحرم على الرجل أن يأتي زوجته وهي صائم في نهار رمضان وهو صائم ، فهل هذا عليه كفارة ؟ نعم وكفارته صيام شهرين متتابعين أما رجل زنا في شهر رمضان فهذا الوصف ممنوع بالأصل ، فلا كفارة على من أتى امرأة بزنا في نهار رمضان – والعياذ بالله- لأنه أتى بشيء أعظم من أن يكفر ، فأمره إلى الله ، ومن حلف يميناً وعقد قلبه عليها فقد فعل شيئاً مشروعاً ، ويجب عليه أن يحفظ اليمين ، فإن رأى غيرها خيراً منها يأتي التي حلف ويكفر عن يمينه ، اما رجل حلف بالله كاذبأ وهو يعلم أنه كاذب في يمينه ، فهل عليه كفارة اليمين؟ لا كفارة عليه ، لأنه أتى بشيء ليس بمشروع بالأصل ولا بالوصف ، فهذا أتى بشيء أعظم من أن يكفر ، فما هي كفارته ؟ كفارته التوبة ، فالعبد يتوجه إلى الرب بنفس منكسرة ويتوب إلى الله وإن شاء السيد أن يقبل قبل ، وإن شاء أن يرد التوبة رد حتى يبقى العبد في هذه الحياة يشعر بالعبودية ويشعر بذل المعصية فيما بينه وبين الله جل في علاه وكذلك إتيان المرأة في الحيض ، مشروع بأصله ممنوع بوصفه فمن أتى زوجته وهي حائض فعليه كفارة وهي أن يتصدق بدينار او بنصف دينار ، قال الإمام أحمد " إن أتاها في أوج الحيض يتصدق بدينار وإن أتاها في آخر الحيض يتصدق بنصف دينار ، والمراد بالدينار دينار ذهب ، ودينار الذهب يساوي مثقال ، والمثقال يساوي أربع غرامات وأربع وعشرون بالمئة من الغرام في الذهب الخالص ، أما من أتى زوجته من الدبر فقد فعل فعلاً ليس بمشروع لا بالأصل ولا بالوصف ، فعليه التوبة إلى الله ، فلا كفارة عليه إلا أن يتوب إلى الله عز وجل ، أما ماهو السبيل إلى الخلاص من ذلك ؟ الخلاص أن يشعر الرجل لما يأتي أهله بأنه يفعل طاعة ، فقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { وإن أحدكم ليأتي شهوته ويكتب له بها أجره} وما منع الله الوطء في كتابه ثم أحله إلا ولفت النظر إلى ابتغاء الولد ، ولذا يسن للرجل لما يأتي أهله أن يقول " بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا " فيستحضر الولد الصالح ليكتب له الأجر ، فسبيل الخلاص أن يعلم أن الله قد ركب الشهوة في الإنسان من أجل بقاء نوع هذا الإنسان ، وأن يأتي أهله ابتغاء الولد وأن يذكر الله ومن سبل الخلاص من هذا أن يعلم الحرمة ، وأن يعلم أنه ملعون وأن زوجته التي تطاوعه ملعونة فيقلع عن هذا احتساباً ومن سبل الخلاص أن تيئس المرأة زوجها من هذا المكان ولا تمكنه منه فإن طاوعته فهي ملعونة أيضاً ، وقد ألف أبو العباس القرطبي والذهبي وابن الجوزي وغيرهم كتباً خاصة في تحريم هذا المحل .

السؤال الخامس : ما حكم رجل أتى زوجته وهو صائم صيام نافلة ؟

الجواب : من أتى زوجته وهو صائم صيام نافلة ، كمن صام نافلة ، فأكل، وحكمه فيه خلاف بين الفقهاء ، فذهب المالكية والحنفية إلى وجوب القضاء ، قالوا من تلبس بطاعة فأفسدها فيجب عليه أن يقضيها ، فيقضي يوماً مكانه ، ودليلهم على ذلك قالوا : الأدلة كثيرة منها قوله تعالى : {ولا تبطلوا أعمالكم} فهذا أبطل عمله ، ومنها قوله الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن الإسلام وذكر له صيام شهر رمضان ، فقال : هل علي غيره ؟ قال { لا ، إلا أن تطوع} فقالوا : إن إلا هنا موصولة وليست مقطوعة ، فإن تطوعت ، فأصبح التطوع في حقك واجباً ، والصواب في هذه المسألة مذهب أحمد والشافعي ، ومذهبهم من أفسد صوماً تلبس به ، وكان هذا الصوم نافلة ، لا شيء عليه ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح الذي جاء في المسند ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء أتم وإن شاء أفطر } فإن أفطر فلا شيء عليه وهي كذلك ، إن كانت صائمة تفطر ولا شيء عليها .

السؤال السادس : هل يلزم من الشيء المحرم أن يكون نجساً ؟

الجواب : لا يلزم من الشيء المحرم أن يكون نجساً ، فأكل الشيء الضار مثل الطين حرام لكنه ليس بنجس ، والدخان حرام فمن صلى وفي جيبه علبة سجائر صلاته ليست باطلة ، لأن الدخان ليس بنجس ، ولو كان الدخان نجساً لكان كل من صلى وفي جيبه علبة سجائر صلاته باطلة ، فلا يلزم من التحريم التنجيس ، حتى أن الحشيشة والخمر ، على أرجح الأقوال ليستا بنجستين ، مع حرمتهما فلا يلزم من تحريم الشيء أن يكون نجساً .

السؤال السابع : لي مبلغ من المال عند شخص ، وعندما أذهب إليه مطالباً بحقي من المال أشرب عنده القهوة ، هل يدخل هذا في الربا ؟

الجواب : هذا سؤال يذكر عن أبي حنيفة أنه لما كان يذهب يتقاضى دينه من تاجر فكان لا يجلس في ظل بيته ، فلما سئل عن ذلك قال: "كل قرض جر نفعاً فهو ربا" فلا أريد قرضي أن يجر هذا النفع ، لكن هذا ليس بحديث ، وإنما هذه قاعدة فقهية صحيحة ، قال بها جمع من التابعين وعلى رأسهم قتادة ، وأسند ذلك عنه عبد الرزاق في المصنف في الثامن منه ، فكل قرض جر نفعاً فهو باطل وحرام ، فالقرض لا يجر النفع ، لأن القرض طاعة وعبادة ، ولمن أقرض غيره قرضاً حسناً كما ثبت في صحيح ابن حبان ، له نصف ثواب الصدقة ، فرجل أقرض رجلاً مئة دينار ، ثم أرجع له المئة دينار ، فللرجل الذي قد أقرض ثواب التصدق بخمسين ديناراً ، فثواب القرض الحسن نصف ثواب الصدقة ، لذا لا يجوز أن يبتغي من وراء قرضه أجراً .
وهنا السائل يقول : أنا أشرب عنده فنجان قهوة ، وأنا أزيد فأقول : يرسل إلي بهدية ، فهل هذا جائز ؟ إن كانت الهدية من أجل القرض فهي غير جائزة ، أما لو كانت علاقة بينك وبين هذا الشخص الذي أقرضته فتذهب إليه ، ويضيفك ويعطيك من غير القرض ، فقبول الهدية أمر جائز ، وضيافة فنجان القهوة لا أثر لها على القرض هذه الأيام ، فهذه الضيافة عرفية ، فلو جئته وأنت لست مقرضاً له ، فستشرب هذا الفنجان فلا حرج ولا حرمة فيه ، فالحرمة في أن تعطى شيئاً زيادة على القرض من أجل القرض . أما رجل أقرض رجلاً شيئاً ، فرد إليه قرضه ، فحفظ المقترض لمقرضه هذا الجميل ، فأراد بعد أن رد إليه قرضه أن يكرمه فهل في هذا حرج ؟ لا حرج في هذا ن فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : {من صنع إليكم معروفاً فكافئوه} وأقل المكافئة الشكر فيجب على من صنع معه معروف أن يكافىء من صنع معه معروفاً ، وأقلها أن تقول له : جزاك الله خيراً ، بارك الله فيك ، وماشابه ، فهذا أمر واجب ، فلو أنك زودت على الشكر هدية فلا حرج ، لكن إن كنت هذه الهدية تؤخذ بالتلميح أو بالتصريح ، وفيها شرط ضمني مع القرض ، تصبح هذه الهدية ربا .

السؤال الثامن : من فاته الركوع الأول من صلاة الكسوف أو الخسوف ، هل تفوته تلك الركعة ؟ أم يعتد بها ؟ وهل الخطبة بعد الصلاة سنة أم لا ؟

الجواب : أصبحت صلاة الخسوف ، ولله الحمد ، سنة مشهورة ، وشاعت وذاعت في الفترة الأخيرة ، بسبب الإقبال على العلم الشرعي فإنهم الطلبة يقومون بما يتعلمون ويظهرونه ، وأحسن سبيل للتعليم ، أن يظهر في الواقع ، فالقلة الذين يضبطون الأمور في التصور والذهن ، والكثرة يتعلمون بالتطبيق والعمل .
فكما حصل الكسوف من قريب ، ومن أشراط الساعة كثرة الخسوف والكسوف ، وقد أصبح كثيراً في الفترة الأخيرة .
وصلاة الخسوف والكسوف ركعتان ، في كل ركعة ركوعان ، نركع ثم نقوم ونقرأ الفاتحة وما تيسر ثم نركع ثم التسميع والتحميد ثم السجود فالسائل يسأل : رجل جاء ولم يدرك الركوع الأول من الركعة الأولى وأدرك الركوع الثاني من الركعة الأولى ، فهل يعتبر هذه الركعة أم لا ؟ فالمسألة مما وقع فيه خلاف بين أهل العلم ، وهي مذكورة في المبسوطات من كتب الفقهاء ، فقال الإمام ابن قدامة في المغني "إذا أدرك المأموم الإمام في الركوع الثاني ، احتمل أن تفوته ركعة "
قلت : وهذا الخلاف على الرواية التي تقول أنه يركع ركوعين وبعض الفقهاء يرون أن صلاة الخسوف تكون ثلاث ركعات في الركعة الواحدة ،فمن أدرك ركوعين من الثلاثة يعتد بها ركعة ، قال شارح المغني : " فأما على الرواية التي يركع أكثر من ركوعين ، فإنه يكون مدركاً للركعة ، إذا فاته ركوع واحد ، لإدراكه معظم الرك2عة وقال حكاه ابن عقيل : والصواب أن صلاة الخسوف في كل ركعة ركوعان ،والصواب أنه لا يعتد المسبوق بالركعة التي فاته فيها الركوع الأول ، بل يجب عليه بعد أن يسلم الإمام أن يأتي بركعة كاملة ، ويركع في هذه الركعة ركوعين ، لأن صلاة الكسوف عبادة والعبادة توقيفية ، فيقتصر فيها على ما يثبت من كيفيتها وفق النصوص الصريحة ، وهذا مذهب غير واحد من المحققين من أهل العلم .
أما الخطبة ، فعلى أرجح الأقوال إنها سنة ، فقد استحبها الإمام الشافعي واسحق ابن راهويه وابن المنذر وعامة أصحاب الحديث كما قال ابن حجر في الفتح ، وقد ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت بعد أن ذكرت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الركعتين ، قالت ثم قام فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال هما آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ، وترجم الإمام البخاري على هذا الحديث : باب خطبة الإمام في الكسوف ، وعلق فقال : وقالت عائشة وأسماء، خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبخاري إذا علق شيئاً في صحيحه ، وجزم به يكون صحيحاً عنده ، ولكنه ليس على شرطه ، والله أعلم ..

السؤال التاسع : ما حكم لبس الساعات والنظارات المذهبة للرجال ؟

الجواب : لون الذهب ليس كالذهب ،ولذا النظارة أو الساعة المطلية بالذهب ليست ذهباً ، فهي ليست حراماً على الرجال ولكن لا أرى ذلك حسناً لسببين : الأول : في ذلك ترفه أو تشبه بالمترفين والثاني : في ذلك مظنة للقدح في الدين ، فهذا كلما جلس في مجلس يقول : يا إخواني هذه الساعة ليست ذهباً ، وإنما هي لون ذهب ومطلية بالذهب حتى لا يتهم هذا الإنسان في دينه ، فإن أعز شيء على الإنسان دينه لذا قال العلماء من أتى المسجد والجماعة انتهت يصلي في المسجد منفرد وهذه الصلاة في المسجد منفرد أحب عند الله من الصلاة منفرد في البيت ، قالوا لماذا؟ قالوا : حتى لا يتهم بقلة الدين ، والاتهام بقلة الدين قديماً كانت سبباً لأن لا يزوج الإنسان ولا يباع منه ولا يشترى وهذا لما كان الدين عزيزاً ، فالإنسان عليه أن يبتعد عن أي سبب يجعل الناس يقدمون في دينه ،والموفق من وفقه الله .

السؤال العاشر : كيف كانت صفة زواج الصحابة رضي الله عنهم ، وكيف نستطيع أن نعمل عرساً على طريقتهم في هذه الأيام ؟

الجواب : الصحابة رضي الله عنهم أقل الناس كلفة وهم بعيدون كل البعد عن التكلف فكان الواحد منهم إن طلب امرأة هو الذي يحدد مهرها ، فمن السنة أن يحدد المهر الزوج وليس ولي أمرها وعلى ولي الأمر أن يتأكد من دينه وخلقه وإن كان ولي الأمر أراد أن يبيع ابنته فليطلب هو المهر، وأما إن كان يريد أن يشتري الرجال ، فيقول : أنا قبلتك لدينك ولخلقك وأنت الذي تحدد المهر ثم بعد ذلك الرجال لا يعرفون الغناء ولا يعرفون الرقص ، وهذا للنساء فمن السنة أن يحصل الغناء عند النساء من غير ان يسمع الرجال ومن غير خلطة الرجال بل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء الأنصار لما زفت امرأة إلى رجل منهم فقال : { هل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني } قالت عائشة : تقول ماذا ؟ قال : { تقول :
أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم
لولا الذهب الأحمر ماحلت بواديكم
لولا الحنطة السمراء ما سمنت غداريكم
فالنبي صلى الله عليه وسلم علم النساء كيف يغنين ، فالنساء يغنين فيما بينهن ولا حرج ، لكن يغنين بكلمات لا تتنافى مع الحشمة والخلق ، بخلاف كلام الفسقة والفجرة ، مما يلقى ويذاع عبر وسائل الإعلام ، أما الرجال فلا يعرفون الاجتماع في أعراسهم إلا على الوليمة فالمسلم إن فرح وأراد أن يظهر فرحه يطعم من يحب ، وقال الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة : "لم يكن رجال السلف الصالح يجتمعون في أعراسهم إلا على الوليمة فلم يكونوا يعرفون ضرب الكف بالكف ولا ضرب الكف بالدف ولا يفعله إلا المخنثون من الرجال " ومن السنة أن يكون الاجتماع على الطعام بعد أن تزف العروس إلى عريسها وليس قبل ، فبعد أن يحصل الاجتماع بين العروسين يدعي الزوج أو ولي أمره الناس على طعامه وفي هذا الطعام ، ومعنى تقديم الطعام الحبور ، وتمام السرور في قبول هذه الزوجة وأنها على خلق وأنها على خير .
هذا باختصار حال السلف الصالح في زواجهم ، بعيداً عن الكلفة والتعقيد ، لأنهم يعلمون أن الزواج هو سترة على الزوجة ، كما أنه سترة على الزوج ، وحقيقة إن لم نهتدي بهديهم ونقتدي بما يفعلون في زواجهم ، فإن العنوسة كما نرى اليوم ستكون لا يكاد يخلو منها بيت ، فالسعيد من يسر ، فأكثر النساء بركة أقلهن مهراً ، ففرق بين أن ينظر الزوج إلى زوجته ويتذكر سهولة والدها ويسره فيهنأ بهذه الزوجة ، ففرق بين هذا وبين من كلما نظر إليها تذكر ديونه وهمومه ، فهذا لا بد أن ينعكس على الزوجة فالصورة الأولى كريمة وتكون البركة في حياتها أما الثانية مظهرية كذابة جوفاء ، كما هو شعار كثير من الناس إلا من رحم الله التي هي مظاهر دون حقائق ودون أخلاق ودون ديانة نسأل الله العفو والعافية .

السؤال 11 : ما رأيكم في كتاب فخر الدين الرازي " مفاتيح الغيب "؟

الجواب : كتاب مفاتيح الغيب تفسير الرازي ، فسر فيه القرآن ، خرج فيه عن منهج السلف في الأسماء والصفات فأول ، واختار مذهب الأشاعرة بقوة ، ورد كثيراً من الآيات والأحاديث ، واستطرد في ذكر الشبه ، حتى أنهم قالوا فيه : يذكر الشبهة نقداً ، ويجيب عليها نسيئة ، يذكر الشبهة ويفصل فيها ، ثم يقول الجواب عن هذه الشبهة يأتي فيما بعد ، وقد يأتي بعد عشرة أجزاء ، فتعلق الشبهة في النفس والجواب لا يبقى على البال ، وقد يفصل كثيراً في الشبهة ويردها بكلام موجز ، لا يسمن ولا يغني من جوع ، استطرد كثيراً في العلوم العقلية ، حتى قيل في تفسيره أنه حوى كل شيء إلا التفسير ، فبإيجاز هو نافع لطالب علم شبعان ريان من علم الشريعة يعرف الأصيل من الدخيل ، ويعرف الجيد من الرديء ، ويعرف الصحيح من السقيم ، أما أن ينشأ عليه طالب العلم المبتدىء في التفسير فلا ، والله أعلم ..

السؤال 12 : استأذنت زوجي ، وهو في أمريكا ، على الهاتف ، في صيام نافلة فلم يأذن لي ، فهل لي ان أصوم ؟

الجواب : نعم ،يجوز للمرأة أن تصوم صيام النفل ، وزوجها غير حاضر وإن لم يأذن وقد صح في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : {لا تصوم امرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه } فإن لم يأذن الزوج وهو غير حاضر وغير شاهد فلا عبرة بإذنه فهذه المرأة استأذنت زوجها وهو غائب، ليس شاهد وهو لم يأذن لأن الإذن لحقه ولحضوره وجوده فإن كان موجوداً فلا تصوم النفل إلا بإذنه ، فإن كان حاضراً وعلى المرأة صيام واجب ، كالقضاء وكفارة اليمين والنذر ، فلا عبرة بإذن الزوج في الصيام الواجب .

السؤال 13 : ما حكم غيبة النصارى ؟

الجواب : الأحكام الشرعية لا تتعلق بالذوات وإنما تتعلق بالأفعال ،فالغيبة مذمومة في حق المسلم وفي حق النصراني ، ولكن غيبة المسلم أشد لأن للمسلم على المسلم حقوقاً ، لكن غيبة النصراني حرام ، فالسرقة مثلاً حرام من المسلم ومن النصراني ، فكما لا تجوز سرقة النصراني كذلك لا تجوز غيبته ، لأن الأحكام الشرعية كما قلنا ، تتعلق بالأفعال لا بالذوات ، وقد سئل ابن وهب تلميذ الإمام مالك عن غيبة النصارى فقال : أوليسوا هم من الناس ؟ قال السائل : بلى ، قال : فإن الله تعالى يقول { وقولوا للناس حسناً } فربنا قال {قولوا للناس} ولم يقل للمسلمين والناس تشمل مسلمهم وكافرهم وكتابيهم ، ويجب أيضاً على المسلم أن يحفظ لسانه من الغيبة فإن طال لسانه في الكتابي والكافر فسيجره ذلك لأن يطول في المسلم فإن طال في المسلم البعيد فسينتقل ذلك للمسلم القريب ، وقد ينتقل للرحم أيضاً ، بل ينبغي للمسلم أن يحفظ لسانه من الإيذاء ومن الشتم ، والسب حتى للحيوان ، فقد كان تقي الدين السبكي يوماً يمشي مع ابنه فنبحهم كلب فقال الابن ، وهو صغير : اخرس يا كلب يا ابن الكلب ، فغضب الأب وقال : لا تقل هكذا ، احفظ لسانك يا بني ، فإنك إن عودت لسانك على هذا الكلام فإنه سيخرج منك دون إرادتك ، فهذه تربية الإمام السبكي لابنه ، والذي أصبح يوماً علماً من أعلام الشافعية وكبرائهم ، فإن الإنسان لا يوضع له القبول في الأرض ولاينتفع الناس منه ، لا سيما إن كان طالب علم ، إلا إن عد أنفاسه ، وقبل أن يتكلم بكلمة يتأنى فيها ،وما ندم ساكت قط ، والكلمة كما قال بعض السلف : كالنور يخرج من الجحر ،فإن خرج لا يعود ، فعلى المسلم أن يحفظ لسانه من الغيبة والنميمة والكذب والإيذاء على الكافر والكتابي لأن الشرع حرم ذلك ، بغض النظر أنت تنم من أو تغتاب من ..

السؤال 14 : ولدي يصاحب رفقاء سوء ، فما نصيحتكم له ؟

الجواب : نصيحتي له ولغيره أن لا يصاحب إلا مؤمناً ، فربنا عز وجل يخبرنا عن أهل النار أول ما يقذف بهم في النار فإن الواحد منهم يبحث عن صاحبه ، لأنه لا يصل إلى النار إلا من خلال الصاحب السيء فقال تعالى { وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين } وهم القرناء ، ولذا القرين لا ينفع صاحبه يوم القيامة إلا إن كان مؤمناً ، قال تعالى { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } فالأصحاب بعضهم لبعض عدو يوم القيامة إلا المتقين ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم {لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي } ويقول الإمام الأوزاعي : "صاحبك رقعتك فيك" فالصاحب يرقع والصاحب التقي يجر صاحبه إلى الخير ، وقد قالت العرب : الصاحب ساحب ، وقال بعض الفلاسفة : قل من صاحبك أقل لك من أنت ، وقد قال الشاعر :
عن القرين لا تسل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
وصاحب أولي التقوى تنل من تقاهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
ويقول الخوارزمي :
لا تصحب الكسلان في حاجاته كم صالح بفاسد آخر يفسد
عدوى البليد إلى الجليد سريعة والجمر يوضع في الرماد فيخمد
وكان سفيان بن عينة – رحمه الله - يتمثل قول الشاعر :
لكل امرىء شكل يقر بعينه وقرة عين الفسد أن يصحب الفسد
فالعاقل في هذه الحياة يصحب إنساناً ينفعه يوم الدين ، فقد ثبت في صحيح قوله صلى الله عليه وسلم أن إنساناً يؤمر به في النار ويكون له أخ في الدنيا ، فيذهب إلى الله عز وجل ويبقى يطلب من الله ويلح على الله في الدعاء والسؤال ، ويقول : يا رب ؛ إن فلاناً أخي ، كنا نصلي معاً، ونصوم معاً ، ونفطر معاً ، وأدخلتني الجنة وأدخلته النار ، فيقول الله له : اذهب وخذ أخاك وأدخله الجنة ، فقد يدخل الإنسان الجنة بأخ يصاحبه في الدنيا ، فاحرص على أن لا تصاحب إلا من هو أعلى منك ديانة وعلماً ، فإن قصرت فلعل الله ينفعك به .

السؤال 15 : ما صحة حديث { من عرفني وعصاني سلطت عليه من لا يعرفني } ؟

الجواب : هذا ليس بحديث قدسي ، وإن شاع وذاع لكن قال ابراهيم بن محمد البيهقي المحدث ، قال في كتابه " المحاسن والمساوىء" في صفحة 500 منه ، قال : روي عن عبد الله بن سلام أنه قال : "قرأت في الكتب : قال الله تبارك وتعالى { من عرفني وعصاني سلطت عليه من لا يعرفني } فهذه حكمة ومعناها حسن ، وهي مليحة ، فالله جل وعلا سلط علينا نحن معشر المسلمين ، ونحن نعرفه وعصيناه ، من لا يعرفه من اليهود والكفار" فهذه حكمة قرأها عبدالله بن سلام في كتب قد نزلت على بعض الأنبياء سابقاً ..

السؤال 16 : ما صحة حديث { الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة } ؟

الجواب : هذا حديث شاع على ألسنة العوام هذه الأيام ، ويقول المحدثون : هذا حديث لا أصل له، فيحرم على الرجل أن يقول قال صلى الله عليه وسلم ويذكر الحديث ، فهذا حديث لا وجود له بإسناد في كتب الحديث ، وقال الإمام السيوطي في كتابه " الدر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة" بعد أن قرر أنه لا أصل له ، قال : ويغني عنه قوله صلى الله عليه وسلم { لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة } ولو أن الإمام السيوطي رحمه الله ، قال : يغني عن هذا الحديث ما أخرجه الإمام أحمد في المسند، من حديث أنس من قوله صلى الله عليه وسلم {أمتي كالمطر ، لا يدرى ، الخير في أوله أم في آخره } لكان أقرب إلى { الخير في وفي أمتي...} من {لا تزال طائفة ...} والله أعلم ...

السؤال 17 : ما صحة قصة تلك المرأة التي لا تتكلم إلا بالقرآن ؟

الجواب : هذه قصة طويلة وجدتها مسندة عند ابن حبان في كتابه "روضة العقلاء" صفحة 49 ، وإسنادها واهٍ جداً ، فيه رجل اسمه محمد بن زكريا الغلابي ، وهذا الرجل قال عنه الدارقطني : متهم بالوضع ، وقال ابن حبان عنه : يروى عن المجاهيل ، وهذه القصة رواها عن بعض المجاهيل ، والقصة طويلة ، يرددها بعض الوعاظ والخطباء ،ويرددها بعض الناس في مجالسهم،أما نص القصة فهو : قال الإمام ابن حبان : أنبأنا عمرو بن محمد الأنصاري ، حدثنا الغلابي ، حدثنا ابرهيم بن عمرو بن حبيب ، حدثنا الأصمعي قال : بينا أنا أطوف بالبادية إذا بأعرابية تمشي وحدها على بعير لها ، فقلت : يأ أمة الجبار ، من تطلبين ؟ فقالت: {من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له}. قال: فعلمت أنها قد أضلت أصحابها، فقلت لها: كأنك قد أضللت أصحابك؟ فقالت: {ففهمناها سليمان وكلا أتينا حكماً وعلماً} فقلت لها: يا هذه، من أين أنت؟ قالت: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} فعلمت أنها مقدسية ، فقلت لها: كيف لا تتكلمين؟ قالت: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} فقال أحد أصحابي: ينبغي أن تكون هذه من الخوارج! فقالت: { ولا تقف ماليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولائك كان عنه مسؤولاً} فبينما نحن نماشيها، إذ رفعت لنا قباب وخيم، فقالت: {وعلامات وبالنجم هم يهتدون} قال: فلم أفطن لقولها، فقلت: ما تقولين؟ فقالت: {وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام} قلت: بمن أصوت وبمن أدعو؟ قالت: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة}{يا زكريا إنا نبشرك}{يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض}، قال فإذا نحن بثلاثة إخوة كاللآلىء، فقالوا: أمنا ورب الكعبة، أضللناها منذ ثلاث، فقالت: {الحمد لله الذي ذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور} فأومأت إلى أحدهم فقالت: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه} فقلت: إنها أمرتهم أن يزودونا، فجاؤوا بخبز وكعك، فقلت: لا حاجة لنا في ذلك، فقلت للفتية: من هذه منكم؟ قالوا: هذه أمنا، ماتكلمت منذ أربعين سنة إلا من كتاب الله، مخافة الكذب، فدنوت منها، فقلت: يا أمة الله أوصني، فقالت: {ما أسألكم عليه أجرأً إلا المودة في القربى}، فعلمت أنها شيعية، فانصرفت .أ.هـ ، يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وقد أومأ إلى هذه القصة في الشرح الممتنع، في آخر السادس منه، يقول: يحرم جعل القرآن بدلاً من الكلام، وأنا رأيت زمن الطلب قصة في جواهر الأدب، عن امرأة لا تتكلم إلا بالقرآن، وتعجب الناس الذين يخاطبونها، وقالوا لها: أربعون سنة لا تتكلم إلا بالقرآن، مخافة أن تزل، ويغضب عليها الرحمن، نقول هي زلت، فالقرآن لا يجعل بدلاً من الكلام، لكن لا بأس للإنسان أن يستشهد بالآية على قضية وقعت .أ.هـ، فحتى لو أنها صحت ، فلا يجوز للإنسان أن يترك الكلام ، لأن أورع الناس وأتقاهم محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه ، وما فعلوا هذا ، ولو كان خيراً لفعلوه ، فالقصة ركبها الغلابي هذا ، فكذب فيها على الأصمعي .

السؤال 18 : ما أبرز ما قيل في كعب الأحبار، من حيث عدالته؟ علماً أن البعض يقول : إنه مجروح يروي الإسرائيليات؟

الجواب: الكلام عن كعب طويل جداً ، وكعب كان يهودياً فأسلم، ولم يعرف عن أحد أنه قدح فيه، وقد علم المزي في تهذيب الكمال له علامة الشيخين، البخاري ومسلم ، والصواب أن أصحاب الصحيحين ذكروه عرضاً، ولم يسندا شيئاً من طريقه، ولا نعرف له رواية يحتاج إليها أهل العلم.
وكذب على كعب كثيراً ، وكعب روى عن بني إسرائيل فأكثر، وكان بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم ينقل بعض ما روى، وكانوا يفحصون أخباره، وقد كانت له مهارة متميزة في تفسير الأخبار التي قد وردت عن أهل الكتاب، وصوابه في إنزال الأخبار، إن ثبت عنه ، أكثر من خطأه، ولكن الذي يصح عنه قليل، فرأى كثير من الرواة الكذابين والمطعون بهم مجالاً لأن يعلقوا ترهاتهم وأكاذيبهم على كعب، وإن لم يصح عن كعب أنه كذب، لكن كذبه في بعض الأخبار، فبعض الأخبار التي قصها لم تقبل منه، وإنما ردت عليه، فكل ما قيل في كذبه يحمل على تكذيب الرواية التي قالها وليس على أنه يختلق الكذب، هذا أعدل الأقوال فيه، ومن رامَ التفصيل، فقد تكلم عليه بكلام بديع طويل، فيه تحرير وتدقيق، ذهبي هذا العصر: الشيخ المعلمي اليماني، في كتابه "الأنوار الكاشفة" صفحة 105 ، وما بعد ، هذا باختصار، والكلام يحتاج إلى إطناب وليس هذا محله .

السؤال 19 : كتاب القول الثبت في صيام يوم السبت لابن حجر، هل هو مذكور في الفتح، وما هي كتب التراجم التي نرجع إليها لمعرفة كتب ابن حجر؟

الجواب : أحسن كتاب عن حياة الحافظ ابن حجر العسقلاني، أمير المؤمنين في الحديث هو "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر} لتلميذه المختص به السخاوي رحمه الله، وطبع حديثاً في ثلاث مجلدات وذكر السخاوي هذا الكتاب في الجواهر والدرر، في الجزء الثاني منه ص 664، وذكره السيوطي أيضاً في " نظم" ص 47، والكتاتي في فهرس الفهارس في الأول منه ص 247، وهذا الكتاب مفقود ، لا نعرف عنه وجوداً .

السؤال العشرون : هل ثبت حديث أو رواية لحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيح ؟

الجواب : لقد كتب في ترجمة الصحابة جمع من العلماء ومن بينهم الحافظ أبو نعيم الأصبهاني له كتاب اسمه "معرفة الصحابة" ومن محاسن هذا الكتاب أنه يذكر لكل صحابي عدد الأحاديث التي له، فقال في ترجمة حمزة رضي الله عنه في الجزء الثاني في صفحة 673 ، قال: أسند عن الرسول صلى الله عليه وسلم حديثين ، فحمزة لم يكثر الرواية بسبب تقدم وفاته ، فإنه قد مات في أحد .

السؤال الحادي والعشرون : هل النافع والضار والعارف والباقي من أسماء الله عز وجل ؟

الجواب : لم يثبت نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأسماء، لذا فلا يجوز لأحد أن يسمى بها، كعبد الباقي وكعبد النافع وكذلك العارف والضار.
والعلماء يمنعون من إطلاق العارف على الله، أو يقول أحد لما يسأل، فبدل أن يقول الله أعلم يقول الله يعرف ، وهذا كلام كفر لا يجوز ، لأنه يوجد فرق في اللغة بين العلم والمعرفة، ذلك أن المعرفة يسبقها جهل والعلم لا يسبقه جهل ، فإذا قلت: يعرف الله، فلازم ذلك أن يكون الله جاهلاً ثم عرف، فيحرم على المسلم أن يقول، الله يعرف ، أو يعرف الله ، وينبغي أن يقال: يعلم الله ، فالعارف ليست من أسماء الله وقد نصص على جمع من أهل العلم منهم : ابن اللحام في كتابه المختصر ص36، فقال: ولا يوصف سبحانه بأنه عارف،وذكره بعضهم إجماعاً، أما من قالها جهلاً فلا يكفر، ويعذر بها بالجهل ، ولكن إن عذر بها بالجهل ، فقد لا يسلم من الإثم .

السؤال 22 : هل نزع الخفين ناقض للوضوء ؟

الجواب: نزع الخف ناقض للمسح، وليس بناقض للوضوء، فمن توضأ ومسح على خفيه، ثم نزعهما يبقى وضوءه صحيحاً، ونزع الخفين ناقض للمسح إن أرجع الخفين إلى رجله دون وضوء بغسل، فهذا ينقض المسح لا الوضوء، لأن نواقض الوضوء توقيفية، ولم يقم دليل شرعي على أن نزع الخفين من القدم ناقض للوضوء، لذا من خلع خفيه بعد المسح أو بدلهما فلا يجوز له أن يمسح على خفيه ويبقى وضوؤه صحيحاً، لأسباب ثلاثة :
الأول : لم يقم دليل على نقضان الوضوء ، والأصل في النواقض التوقيف .
الثاني : أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وغيره: أن أبا بكر وعلياً رضي الله تعالى عنهما توضئا ومسحا ونزعا وصليا، فصلى أبو بكر وعلي بعد مسح وقد خلع كل منهما الخفين.
الثالث : نظائر المسألة؛ أرأيتم إن توضأ رجل ومسح على شعر رأسه، ثم ذهب إلى الحلاق ، فحلق شعر رأسه ، فلا يجب عليه وضوء جديد إذا أراد أن يصلي.
وهذا السبب الثالث دليل عقلي ، وليس أصلاً مسلماً به في المسألة ، وإنما يستأنس به، لأنه يوجد فرق بين شعر الرأس والخف، حيث أن الأول متصل والثاني منفصل، والعلماء يفرقون بين المتصل والمنفصل في أشياء كثيرة، فمثلاً شعر المرأة عورة لا يجوز النظر إليه، لكن إن قصته ورمته في الطريق فلا يحرم النظر إليه ، وكذلك لو قال الرجل لزوجته: يدك طالق فإنها تطلق، أما لو قال لها: ثوبك طالق فلا تطلق، فالخف ليس كالشعر من هذه الحيثية ، ولكن لما ثبت من الأثر وإعمالاً للقاعدة الأصلية من أن الأصل في النواقض التوقيف، ولم يرد نص على أن من نزع خفه الممسوح عليه يبطل وضوءه .

السؤال 23: هل مس العورة ينقض الوضوء؟
الجواب: الخلاف مشهور بين أهل العلم في مسألة مس العورة والواجب أعمال الأدلة كلها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: {من مس ذكره فليتوضأ} وسئل صلى الله عليه وسلم عن مس الذكر، فقال: {هل هو إلا بضعة منك} وقد ذهب شيخ الإسلام وجماهير الفقهاء إلى أنه إن مست العورة على أنها قطعة من الإنسان كما يمس الإنسان يده أو رجله فهذا مس من غير شهوة وإن تقصد مس ذاك المكان عامداً فلا يكون ذلك إلا بشهوة فجماهير أهل العلم يوفقون بين الأدلة كلها إعمالاً لها جميعاً، فيقولون: مس العورة بشهوة ينقض الوضوء، ومس العورة بغير شهوة لا ينقض الوضوء لأن قوله عليه الصلاة والسلام{هل هو إلا بضعة منك} إشارة إلى أن المس ليس بناقض إن كان يمس كما تمس سائر الأعضاء .
فالمرأة التي تغسل لابنها وتمس عورته لا ينتقض وضوئها وكذلك الحال أيضاً إن مست النجاسة فإن مس النجاسة لا ينقض الوضوء، وإنما الواجب غسل المكان الذي أصابته النجاسة .

السؤال 24: هل الاتصال بالهاتف بأحد الأقارب يعتبر من صلة الرحم ؟ وهل يجب على الرجل أن يصل ابنة عمه أو ابنة عمته، خاصة إذا كان هو الأقرب لها؟

الجواب : الواجب على المسلمين أن تكون صلاتهم حسنة مع بعضهم بعضاً ، والرحم قسمان : رحم عام ، ورحم خاص، والمسلم للمسلم رحم ، والرحم الخاص ممن اجتمعت أنت أصولك أو فروعك وإياه في رحم ، فانت تجتمع في رحم الأم مع إخوانك وأخواتك، وأبوك يجتمع مع أعمامك وعماتك في رحم واحد وخالاتك وأخوالك يجتمعون مع أمك في رحم واحد ، أو أن الرحم: من ترثهم ويرثوك، والمطلوب من الإنسان أن يقدم الأقرب فالأقرب والصلة عرفية فما يعد في أعراف الناس قطيعة فهو قطيعة وما يعد وصلاً فهو وصل، وليس الواصل بالمكافىء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فليس الواصل الذي يكافىء الناس إن جاؤوه أتاهم وإن هجروه هجرهم ، وإنما الواصل الذي يصل من قطعه فيجب على الإنسان أن يصل والراجح أن الذكور والإناث من الرحم وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها وعلل ذلك بقوله {إنكم إن فعلتم ذلكم قطعتم أرحامكم} فعمة الزوجة رحم لها ، وكذلك خالتها ، وابنة العم والعمة وابنة الخال والخالة ليستا من الرحم الخاص إلا في صور نادرة كأن تفقد المرأة جميع رحمها ولم يبق لها إلا ابن العم وهو القائم على أمرها وهو الذي تأتي وتشتكي المظلمة من الزوج أو الأهل إليه فحينئذ تلحق بالرحم الخاص ويجب عليه أن يتعاهدها بالشروط الشرعية من عدم المصافحة والخلوة وعدم المحادثة إلا فيما يعود بالنفع أو فيما تكون فيه حاجة والصلة العرفية أن الناس يزورون بعضهم في المناسبات الاجتماعية كالزواج والأفراح والأتراح والتهنئة في المناسبات التي لا مخافة فيها وهكذا والحديث والمرور اليسير هو من الصلة، والحديث بالهاتف نوع من الصلة ولكن لا يجوز الاقتصار عليه، ولكن وجوده خير من عدمه، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الحاكم وغيره قوله {بلوا أرحامكم ولو بالسلام} فالصلة بالهاتف من البلل فهو خير من القطيعة ولكن ليس هو الصلة المطلوبة وهذا الواجب يتفاوت باختلاف أحوال الأشخاص ؛ فالغني الواجب عليه في الصلة أن يتعاهد الفقراء من رحمه ، وقد صح عن أبي داود وغيره من حديث ابن مسعود أن الصدقة على ذي الرحم صدقتان ، والواجب على الجالس غير المقدار الواجب على العالم ، والمرابط على الثغور، فلما تتزاحم الحقوق يقدم الإنسان الأولى فالأولى ، ويجب على الجميع أن يكون واصلاً لرحمه على قدر استطاعته ولقد وجدت أن أصعب فرض في دين الله أن تعطي كل ذي حق حقه ، أن تعطي الزوجة حقها ، والرحم حقوقهم والأولاد حقوقهم والجيران حقوقهم والطلبة حقهم والشيخ حقه والعمل حقه والدنيا حقها وهكذا ، فهذا أصعب واجب والموفق من وفقه الله .

السؤال 25: كيف يتوضأ المريض بسلس البول والمستحاضة ؟ ومن لايستطيع المحافظة على وضوءه لفترة زمنية ؟

الجواب : يجب على كل مسلم الصلاة وإن لم يستطع الوضوء ولا يجوز له أن يقصر فيها ، وبعض الناس لمرض أو لكبر سن لا يستطيع أن يبقى على وضوء، فلعله وهو يتوضأ ينتقض وضوءه، إما بسلس بول أو سلس ريح أو الاستحاضة للمرأة ، فمثل هؤلاء يجب عليهم الوضوء لكل صلاة عند دخول الوقت فعند سماعه الآذان يتوضأ ويصلي بوضوءه هذا ما شاء من النواف ويكون هذا العذر في حقه معفواً عنه وبالآذان الثاني ينتقض وضوءه وهذا من الأحاجي والألغاز التي تذكر في كتب الفقهاء وهو أن هناك ناقض للوضوء وهو الأذان ففي حق من يكون الأذان ناقضاً للوضوء؟ فالأذان ينقض وضوء أصحاب الأعذار ، كالسلس والاستحاضة وما شابه، قول النبي صلى الله عليه وسلم للمستحاضة {توضئي لكل صلاة } أي : لوقت كل صلاة وفي بعض الطرق زيادة {ولو قطر الدم على الحصير قطراً} ونقول لصاحب السلس توضأ لكل صلاة بعد دخول الوقت وصل ولو قطر البول على الحصير قطراً، وإياك أن تترك الصلاة ، وهذا عذر معفو عنه لأنه فوق الإرادة ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها .

السؤال 26 : ما المقصود بقول النبي صلى الله عليه وسلم { حتى يأتي أمر الله } في حديث الطائفة المنصورة ؟

الجواب : حديث الطائفة المنصورة متواتر{لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم} وفي رواية عند أحمد {إلا الأواد تصيبهم} وهو ما يكدر الخاطر لكن لا يستطيع أحد أن يضرهم وأن تقطع شامتهم وأن يزيلهم لأن الزرع الذي زرعه الله لا يستطيع أحد كائن من كان أن يحصده ، فهذا زرع الله وهذه الطائفة باقية إلى يوم القيامة حتى يأتي أمر الله وفي رواية عند مسلم حتى تقوم الساعة ، فأمر الله : قيام الساعة ، فيرسل الله ريحاً تأخذ المؤمنين فلا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق .

السؤال 27: رجل نسي في صلاته السجدة الأولى أو الثانية ، ماذا عليه ، ومتى يكون سجود السهو ، قبل السلام أم بعده ؟

الجواب : سجود السهو على أرجح أقوال أهل العلم أنه واجب ، لأمر النبي به ، فمن أخطأ في صلاته بزيادة أو نقصان فيجب عليه أن يسجد للسهو ، ووقع خلاف بين أهل العلم في مكان سجود السهو ، أهو قبل التسليم أم بعد التسليم ؟ فالشافعية قالوا قبل التسليم بإطلاق ، والحنابلة والمالكية قالوا : ينظر للسبب، فإن كان من زيادة فهو بعد التسليم ، وإن كان من نقصان فهو قبل التسليم وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سجد قبل وسجد بعد ، فسجد قبل التسليم لما قام للثالثة ، ولم يجلس للأوسط ولما صلى خامسة سجد بعد التسليم ، واستقرأ المالكية والحنابلة الأسباب ، فوجدوا قاعدة مطردة : فمتى زاد النبي في الصلاة سجد بعد السلام ومتى أنقص النبي من صلاته سجد قبل السلام ، وهذا أرجح الأقوال أما من فاتته سجدة فيجب عليه أن يأتي بركعة بدلها ويلغي هذه الركعة التي نسي فيها السجدة ، فرجل في صلاة المغرب مثلاً وهو في الركعة الثانية يقرأ الفاتحة ، تذكر أنه ما سجد السجدة الثانية من الركعة الأولى فيلغي الركعة الولى وتصبح الثانية بالنسبة إليه أولى ، فلا يجلس للتشهد ويقوم ويجهر بالتي بعدها إن كان إماماً، أما إن قام للركعة الثانية وقبل أن يبدأ بالفاتحة سبح له المصلون فيجلس ويأتي بسجدة ثانية ويجب عليه سجود السهو لأنه قام قياماً زائداً ، وحسب القاعدة يسجد بعد السلام .

السؤال 28 : كم مسافة القصر للمسافر ؟ وكم مدة القصر ؟ وهل الجمع والقصر في السفر واجب أم مستحب ؟

الجواب : الجمع رخصة باتفاق العلماء وأما القصر فقد وقع فيه خلاف والراجح عند الفقهاء ، وهذا مذهب أبي حنيفة ، أن القصر غريمة ، ولا يحل للمسافر أن يتم ، وإن أتم أثم ، ويجب على المسافر أن يقصر ، لحديث عائشة {فرضت الصلاة ركعتان ركعتان فزيدت في الحضر وأقرت في السفر} فالأصل في القصر أنه غريمة ولا يجوز للمسافر أن يتركه .
أما الجمع فله أن يفعله ، وله أن يتركه ، وهو رخصة فقد ثبت أن النبي جمع في السفر وثبت أنه ترك الجمع ، فقد ثبت أنه قصر في منى ولم يجمع لأنه مستقر بها ، فالمستقر في مكانه لماذا يجمع؟ وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلمأنه كان إذا جد به السير جمع فمتى احتاج المسافر بل متى احتاج الإنسان للجمع جمع ، بالشروط الشرعية .
فالجمع رخصة والقصر غريمة ، فالمسافر إن صلى إماماً أو منفرداً يقصر ، أما إن صلى مأموماً خلف مقيم فإنه يتم ولا يجوز له أن يقصر ، فقد ثبت أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن إتمام المسافر خلف المقيم فقال : يتم ؛ تلك سنة أبي القاسم ، وقول الصحابي تلك سنة أبي القاسم ، لها حكم الرفع كما هو مقرر في علم المصطلح .
أما مسافة القصر فهذا مما وقع فيه خلاف بين أهل العلم وخلاف شهير بينهم لوجود الآثار وقد تضاربت عن الصحابة والتابعين في المسألة ، منهم من طول كأبي حنيفة وقال القصر يكون في مسافة 24 فرسخاً فأكثر ، وجماهير الفقهاء ومنهم الأئمة الثلاثة قالوا : المسافة للقصر تكون 16 فرسخاً ، والفرسخ يساوي خمسة كيلو مترات وأربعين متراً. فتكون مسافة القصر قرابة واحد وثمانين كيلو متراً ، وهذا يكون في الذهاب دون الإياب ، والشيعة يرخصون كثيراً وأرجح الأقوال ومذهب المحققين من العلماء ، أن العبرة في السفر بالعرف ، فما يسمى في أعراف الناس أنه سفر فله أن يقصر ، ويجمع إن احتاج للجمع ،إما جمع تقديم أو جمع تأخير ويفعل الأرفق به .

السؤال 29 : رجل عليه كفارة صيام شهرين متتابعين وأراد السفر فأفطر فهل يتم صومه؟ أم أنه يبدأ من جديد ؟

الجواب : صيام شهرين متتابعين يكون في حق من قتل مؤمناً خطأ أو من جامع زوجته في نهار رمضان أو من ظاهر فمثل هؤلاء عليهم صيام شهرين متتابعين فمن وجب في ذمته صيام شهرين متتابعين وطرأ عليه عذر شرعي ، يجوز له أن يفطر ، بشرط أن لا يتخذ السفر حيلة لأن يفطر فإن دعت حاجة وكان من عادته السفر ولم ينشىء السفر للفطر ، فله أن يفطر وكذلك المريض إن خشي على نفسه بل قد يكون الفطر في حق البعض واجباً فامرأة قتلت ابنها خطأ فوجب عليها صيام شهرين متتابعين فجاءتها العادة الشهرية فيجب عليها أن تفطر ويحرم عليها الصيام ومتى انتهت العادة يجب عليها أن تباشر الصيام وتتابع وكذلك المسافر بمجرد إقامته يجب عليه أن يتابع الصيام ومن أفطر يوماً من غير عذر يجب عليه أن يبدأ الصيام من جديد.
والمعتبر في السفر أن يسافر سفراً مباحاً أو سفر طاعة وسفر الطاعة مثل : الحج ، العمرة ، والجهاد ، وطلب العلم ، وصلة الرحم ، والسفر المباح مثل : سفر التجارة والتنزه الذي في غير معصية ووقع الخلاف بين أهل العلم فيمن سافر سفراً محرماً فهل يجوز له أن القصر والفطر ؟ والراجح عند أهل العلم أن لا يجوز له ذلك وهذا من باب التضييق على أهل المعصية، أما صيام النذر فالأفضل أن يرجئه إذا كان عليه سفر .

السؤال 30: إذا لم يستطع الرجل أن يعق عن ولده الذكر إلا بذبيحة واحدة ، فما عليه؟ وهل يجوز للمستطيع أن يوكل من يعق عنه خارج بلده ، في بلد يكون فيه سعر الذبيحة أقل بكثير من بلادنا ؟ وهل يعق الرجل عن ولده المتوفى قبل موعد العقيقة ؟

الجواب : العقيقة تكون في اليوم السابع فمن رزق مولوداً وعاش سبعة أيام فيجب عليه أن يفك رهنه بأن يذبح عقيقة ، فإن مات قبل السابع فلا شيء عليه .
والعقيقة تكون عن الجارية شاة ، وعن الذكر شاتان ، وفي حديث ابن كرز : عن الذكر شاتان متكافئتان فمن السنة أن تكون الشاتان متكافئتين ، أي متشابهتين، أما من لا يستطيع أن يعق عن الذكر إلا بشاة واحدة فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها ،أما من كان مستطيعاً أن يعق بشاتين ولكن عق بواحدة فقد قصر ، أما هل يجزى ذلك ؟ ففيه نزاع ، فقال الشوكاني في نيل الأوطار: أصل السنة شاة ، وتمامها اثنتان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين بشاة، وهذا كلام فيه نزاع، وأصح الروايات رواية النسائي: {عق النبي عن الحسن والحسين بكبشين كبشين } فوافقت السنة القولية السنة الفعلية ، ولذا الواجب على المستطيع أن يعق عن الغلام شاتين .
ويجوز للعم أو الجد أو القريب بأن يعق عنه لأن الذي عق عن الحسن والحسين جدهما أبو القاسم صلى الله عليه وسلم .
والعقيقة شرعت من أجل إشهار النسب فيذبح الإنسان لذلك ، وله أن يوزعها نيئاً ، وله أن يطهوها ويدعو إليها وله أن يتصدق ويدخر أو أن يهدي فالحكمة أن يشتهر بين الناس أن فلاناً رزق مولوداً .
ومن لم يستطع أن يعق في بلده ، فليس واجباً عليه أن يبحث عن أفقر بلاد المسلمين ، ويوكل رجلاً يذهب هناك ويذبح ولكن لو فعل أجزأه ذلك ، فلا يوجد عندنا دليل أن هذا باطل أو لا يجزىء ولكن السنة العملية عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم كانوا يعقون ويشهرون النسب .
ولا يشترط جنس الذبيحة سواء كان بلدياً أو رومانياً مثلاً أجزأ فالعبرة بنهر الدم .
ولا يشترط في العقيقة شروط الأضحية وإن قال بهذا بعض الفقهاء فلم يقوم دليل عليه والأفضل أن تكون بكبش أصلح كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم ..

السؤال 31: إذا لبث الحاج في مكة حتى الثامن من ذي الحجة ، ثم خرج إلى عرفة مباشرة دون المبيت بمنى ، فهل عليه شيء ؟

الجواب : من السنة أن يبيت الحاج بمنى يوم التروية ولا أعرف أحداً أوجبه ، فهو سنة فمن تركه فاته أجره، وحجه صحيح .

السؤال 32: هل في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم تحريك الأصبع بين السجدتين ؟

الجواب : ذهب إلى تحريك الأصبع بين السجدتين بعض المعاصرين من العلماء وقد ورد في حديث أخرجه عبد الرازق في المصنف برقم 2522 ، ومن طريقه أحمد في المسند في الرابع 317، والطبراني في الكبير في الثاني والعشرين ص 34 ،عن النوري عن عاصم بن كليب عن الشاشي عن أبيه عن وائل بن حجر الحضرمي رضي الله عنه وذكر صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومما فيها {وسجد ووضع يديه حذو أذنيه ثم جلس فافترش رجله اليسرى ، ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ، وذراعه اليمنى على فخذه اليمنى ، ثم أشار بسبابته ثم سجد } هذا الحديث خالف فيه عبدالرزاق جماعات كثيرة من الرواة ، فقد أخرج الحديث وفيه تحريك السبابة ولم يحدد موطن التحريك ولكن السياق يقتضي أن التحريك كان بعد السجدة الثانية وصرح بأن هذا التحريك كان بعد التشهد : ابن عيينة وشعبة وأبو الأحوص وأبو عوانة وزهير بن معاوية وموسى بن ابي كثير ، فالخلاصة أن تحريك السبابة بين السجدتين شاذ ، شذ عبدالرزاق فخالف غيره فلا تشرع الإشارة بالسبابة بين السجدتين وإنما بعد التشهد كما رواها عاصم بن كليب من حديث وائل بن حجر .
وهنا يطرأ سؤال : رجل مقطوع أصابع اليد اليمنى فهل يشرع له أن يشير بالسبابة اليسرى ؟ لا يشرع له ذلك لأنه لا يستطيع أن يفعل لإنعدام هذا المكان ، فلا يجوز له أن ينقل كمن قدمه مقطوعة فلا يشرع له في الوضوء غسل الساق ، والله أعلم ...

السؤال 33 : كيف يكون الخوارج ضلالاً وهم أصحاب نسك وعبادة ؟

الجواب : أما القول بأن الخوارج أصحاب نسك وعبادة ، فنعم ، فقد وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : {سيأتي أقوام يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرأون القرآن لا يتجاوز حلاقيهم} لكن كيف يكون ضلالاً؟ لأن الفساد أصله في أمرين : إما فساد في الإرادة وهذه لما تفسد تقعد صاحبها عن عمل الصالحات ، وقد يقع في المحظورات ، وإما فساد في التصور ، يكون التصور خطأ ، فالإنسان يعبد ويجتهد ويكون تصوره لدين الله خطأ ، وكما أن النقصان من الطاعات معصية ، فإن الزيادة عن الواجب معصية ، وفساد الخوارج الذين كفروا علياً ومن معه فسادهم في التصور وفساد التصور أخطر من فساد الإرادة فمن فهم شيئاً في دين الله خطأ وتعدى على الدين ، وإرادته سليمة ، هذا أخطر على الإسلام والمسلمين ممن فهم الإسلام صواباً ، وإرادته فاسدة وتصوره صحيح ، فصاحب الكبيرة يزني ، يشرب الخمر ، ويعترف بالتقصير ، ويتوب ، أما صاحب البدعة كيف يتوب؟ هو يتصور أنه يعبد الله في هذه البدعة فكيف يتوب منها؟ والخوارج أهل هوى ، والخوارج كانوا ينازعون الأصحاب على الحكم، ولذا كفروا الناس ، وقد ظفرت بأثر للحسن البصري ذكره أبو حيان التوحيدي في كتابه "البصائر والذخائر" في الجزء الأول ص 156، يعطي إشارة على الفساد الموجود عند الخوارج، قال "أتى رجل من الخوارج إلى الحسن البصري ، فقال له : ما تقول في الخوارج؟ قال الحسن : هم أصحاب دنيا، قال : ومن أين قلت أنهم أصحاب ، والواحد منهم يمشي بين الرماح حتى تتكسر فيه، ويخرج من أهله وولده ، قال الحسن : حدثني عن السلطان ! هل منعك من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحج والعمرة ! قال : فأراه إنما منعك الدنيا فقاتلته عليها" أ.هـ. أي أنك قاتلته على أن تكون صاحب رئاسة وصاحب سلطنة، فالخوارج أصحاب دنيا على رأي الحسن البصري والفساد في تصورهم .

السؤال 34 : لقد قمت بحساب صلاة الظهر عملياً باستخدام عود فوجدت أن ظل العود وقت الزوال أطول من طول العود نفسه ، فهل هذا ممكن ؟

الجواب : هذا الأخ لم يحسن ضبط وقت الظهر ، فلو أردنا ضبط وقت الظهر فكيف نضبطه؟ فالشمس كما تعلمون تسير من جهة المشرق وتتحول إلى جهة المغرب ، وتكون قبل وقت الظهر في كبد السماء ، ولو كنا في منطقة خط الاستواء فإن الظل في هذا الوقت يتلاشى بالكلية ، ولكن في بلادنا هذه فإن الظل لن يتلاشى أبداً، لأن الشمس لا تكون عامودية فإذا أردنا ضبط وقت الظهر، نقوم بالآتي : نأتي بشاخص، ويفضل أن يكون مدبب الرأس ، حتى يظهر الظل وطوله وقصره بوضوح من خلال هذا الرأس المدبب ، وهذا الشاخص يثبت في قاعدة والأحسن أن تكون دائرية ويرسم حول هذا الشاخص دوائر منتظمة ومتقاربة بمسافات متساوية وتعرض هذا الشاخص للشمس ، وننظر فيه قبل آذان الظهر بنصف ساعة مثلاً ، فيكون ظل الشاخص الآن في جهة الغرب ،ومع تحول الشمس إلى جهة الغرب فإن الظل ينقص ، ونعرف هذا النقصان من خلال الدوائر الموجودة على القاعدة ، لما يصير النقص في الظل على أكبر حال، ويستوي ويثبت هذا النقصان يكون هذا الوقت الصلاة فيه مكروهة أول زيادة في الطول بعد تمام النقص والتحول إلى جهة الشرق يكون هذا هو وقت آذان الظهر الشرعي .

السؤال 35 : هل يجوز أن تكون عصمة الطلاق بيد المرأة ؟

الجواب : إن الحقوق قسمان : مادية ، ومعنوية ، والحقوق المعنوية المجردة غير الحسية قسمان : شرعية وكسبية ، فالكسبية : التي يكتسبها الإنسان من خلال مهارته ويعرف من خلال العرف العام أنها لفلان دون فلان ، والشرعية هي ما أعطى الله من حق للإنسان ولا يعرف أنها لفلان دون فلان، ومثال الحقوق المعنوية الكسبية التي تكون لفلان دون فلان ويحصل عليها الإنسان بجد واجتهاد وكسب : حق الابتكار والاختراع والماركة المسجلة ، حق التأليف ، الخلوات .
والحقوق المعنوية الشرعية مثل : حق الشفعة ، حق المبيت عند الزوجة فمثل هذه الحقوق لا تكون لفلان دون فلان، بل لكل الناس فهي ليست حقوق كسبية . والحق المعنوي الكسبي يباع ويشترى ، فإن المال عند العلماء ماله قيمة عرفية محترمة ، أي قيمة لا تصادم نصاً؛ فالخنزير والخمر في شرع الله ليسا مالاً.
أم االحقوق المعنوية الشرعية المجردة فلا تباع ولا تشترى ، فلو ان ضرة ساومت ضرتها على ليلتها، مقابل مبلغ من المال ثم لم تعطها فلا يقضى عليها بأن تعطيها لأن هذا حق شرعي لا يباع ولا يشترى .
فالعصمة حق معنوي وقع فيه خلاف بين الفقهاء هل هو شرعي أم كسبي ؟ والراجح أنه شرعي محض، لأنه ليس خاصاً برجل دون رجل ، ولأن الله عز وجل لما قال : {الرجال قوامون على النساء} علل ذلك بأمرين فقال : {بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم } فالرجل هو الذي ينفق على المرأة ، والمرأة إن كانت غنية لا تنفق عليه ، فالتعليل شرعي محض، فالتفضيل بيد الشرع ، والشرع هو الذي بيده أن يأمر من الذي ينفق على من ، فالعصمة حق معنوي شرعي عند جماهير أهل العلم ، وهي عند أبي حنيفة حق كسبي بخلاف الأئمة الثلاثة ، ورأيهم هو الراجح والصواب ، لأن الرجل هو الأصلح لقيادة الأسرة .

السؤال 36: هل الرهان حلال أم حرام ؟

الجواب : الرهان أن كان طرف واحد فهو جعالة ، ولا حرج فيه، فرجل يقول لآخر: أتسابق وإياك ، فإن سبقتني أجعل لك كذا ، وإن سبقتك فلا شيء عليك، وأيضاً لو كانت الجعالة من طرف ثالث فهي حلال ، الرهان يكون من طرفين وجماهير أهل العلم يحرمونه ويعتبرونه قماراً، واستثنى من ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ، وتلميذه ابن القيم ، استثنيا الرهان على ما يوقع الأبدان في الجهاد وعلى ما يفتح الأذهان في العلم .
قال ابن القيم : الفروسية فروسيتان : فروسية بالسيف والسنان، وفروسية بالعلم والبيان، ومن لم يكن من أهل هاتين الفروسيتين ، ولا ردءاً لأهلها، فهو كلٌ على نوع بني الإنسان، فابن القيم وشيخه يجوزان الرهان من الطرفين على مسائل العلم الظاهرة الثابتة في الكتاب والسنة وعلى أصول المسائل وعلى ما يقوي الأبدان في الجهاد، وأدلتهم قوية، فاستدلا على جواز الرهان من الطرفين على ما يوقع ويقوي الأبدان في الجهاد بقصة النبي صلى الله عليه وسلم مع ركانة- وهو رجل قوي لم يكن يستطيع أحد أن يصرعه- فالتقى ذات يوم مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : أتصارعني؟ فقال له النبي : نعم ، أصارعك! قال : من يغلب له شاة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: قبلت، فصارعه النبي صلى الله عليه وسلم فغلبه في المرة الأولى والثانية والثالثة وكان هذا في مكة ، قال أبو حنيفة : هذه المغالبة تجوز في ديار الكفر ولذا اتكأ أبو حنيفة على جواز الربا في ديار الكفر على هذا الحديث، وذهب جماهير الفقهاء إلى أن هذه منسوخة ولا ندري ما الناسخ؟ فابن تيمية وابن القيم رحمهما الله قالا: الرهان من الطرفين على المسائل التي تعين على الجهاد من أمثال : رمي الأهداف الدقيقة ، وما يقوي البدن جائز ، وكذلك المسابقة على المسائل الأصلية الكلية في العلم ،واستدلا على ذلك بمراهنة أبي بكر الصديق رضي الله عنه كفار قريش في أيهما يغلب : الروم أم الفرس! فراهنهم على أن الروم سيغلبون الفرس خلال ثلاث سنوات فلما بلغ الأمر النبي صلى الله عليه وسلم قال له : هلا زودت لأن الله تعالى قال {وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} والبضع من الثلاث إلى التسع، قال أبو حنيفة: هذا في ديار الكفر؛ فالمراهنة والمراباة بين المسلم والكافر في ديار الكفر جائزة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : هذا خطأ فهذا ليس بمنسوخ أولاً وليس في ديار الكفر دون ديار المسلمين ثانياً والحلال حلال في ديار المسلمين وديار الكفر والحرام حرام في ديار الإسلام وديار الكفرلذا من يعتمد على هذا الحديث فيفتي المسلمين في ديار الكفر أن يتعاملوا مع البنوك الربوية فهو مخطىء ولا يجوز الاعتماد على هذا الحديث في مثل ذلك.
وهذا حديث محكم وليس بمنسوخ وتجوز المراهنة من الطرفين على ما يوقع الأبدان وينقح الأذهان في مسائل العلم الكبار وفيما عداه لا تجوز المراهنة من الطرفين والله أعلم ..
ومن باب الفائدة الزائداة أن الإمام ابن القيم قد سجن بسبب هذه المسألة؛ سجنه السبكي عفا الله عنه ، وألف كتاباً كبيراً سماه "الفروسية الكبرى" ذكر فيه مئة دليل على صحة قوله .

السؤال 37: هل تجوز القراءة من المصحف في الصلاة ؟

الجواب : هذا العمل أقل الأقوال فيه الكراهية ، لأنه يخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم العملي وهدي أصحابه.
وفرق بين من يقرأ عن ظهر قلب فيؤثر حفظ القرآن على سمته وهديه ، وبين من يقرأ القرآن عن حاضر، فهذا لا يجعل الإمام أو المصلي صاحب سمت فالناس اليوم في حاجة إلى أخلاق العلماء وسمتهم وهديهم كما هم بحاجة إلى علم العلماء ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {يؤم القوم أقرؤهم} فالقراءة عن حاضر تلغي هذا الحديث ؛ لأن جميع الناس يعرفون القراءة عن حاضر والعلماء مجمعون على وجوب حفظ الفاتحة ، وهذه القراءة تلغي هذا الاجتماع والقراءة من المصحف في الصلاة فيها عدة محاذير منها: أن يتشبع الإنسان بما لم يعط ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول {المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور} فهذا يصلي الناس خلفه وهم يقولون ما أحفظه ما أتقنه ، ما أجوده ، فهو متشبع بما لم يعط وأيضاً فيه حركة زائدة من تقليب الصفحات وما شابه ، والأصل في الصلاة السكون كما ثبت في حديث عبادة في صحيح مسلم {اسكنوا في صلاتكم} وأيضاً فيها مخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في أن يلقي الرجل ببصره إلى مكان سجوده ، فالأصل أن يقرأ الإنسان من حفظه ومن المحاذير أيضاً؛ أن يزهد الأئمة والمسلمين في حفظ القرآن ويخالف في قبض اليمنى على اليسرى ، لكن لو حصل اضطرار، كامرأة في بيتها لا تحفظ من كتاب الله وأرادت أن تصلي الكسوف أو الخسوف وأرادت أن تطيل فلها ذلك ، فقد ثبت أن عائشة رضي الله عنها كان لها مولى يصلي بها قيام رمضان وكان يقرأ من مصحف فهذا جائز للضرورة والله أعلم ..

السؤال 38 : زوجي يفرق بين المعاملة بيني وبين أخوته وأمه ، ودائماً أشعر أن حواجز بيني وبينه، فما حكم معاملته تلك؟

الجواب : أما الرجل فعليه أن يقدم أمه على زوجته يقدم رغبة أمه ، وأن يبرها على زوجته هذا أولاً والأمر الثاني : لا يعني ذلك أن يهمل الرجل زوجته وإن أثقل واجب في دين الله ، أن يعطي الإنسان كل ذي حق حقه، أن يعطي زوجته حقها ، وأمه حقها ، وهكذا....
فالواجب على الرجل أن يحسن معاملة الزوجة والزوجة لا تقاد بالعقل ومخطىء من ناقش زوجته وأراد أن يقودها من خلال الحجة والبرهان قال الله تعالى {أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين} فالمرأة عاطفتها غالية وعقلها مغلوب بالنسبة إلى عاطفتها ولذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام عن النساء أنهن {ناقصات عقل ودين} المراد : أن عواطفهن أغلب من عقولهن ، ولا يمنع أن توجد امرأة عقلها أرجح من عقل الرجال، فقبل نحو مئة وخمسين سنة كان الناس في ليبيا يرجعون إلى امرأة فقيهة بزت الرجال، كانت تسمى "وقاية" وكانوا يقولون في معضلات المسائل: اذهبوا إلى وقاية فإن عصابتها خير من عمائمنا ،
والمرأة تقاد من خلال العاطفة والكلام الطيب فقد قال ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما- في تفسير قوله تعالى{أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين} قال:"يقدر الرجل أن يجعل كل حجة تذكرها المرأة أن يجعلها عليها" لأنها في الخصام غير مبين فهي بحاجة إلى الكلام الطيب وأن تملأ مشاعرها ولذا جوز الشرع أن يكذب عليها فيما لا يضيع لها حقاً ، وهذا هو سر التعامل مع النساء ، أن تحسس المرأة أنك بحاجة إليها ، وأنها سدت ما تريد من أمور منها، فحينئذ لا يوجد من هو أسعد منها، فهذه طبيعة المرأة.
فخطأ من هذا الزوج أن يشعرها بهذا الشعور وأن يهمل مشاعرها لكن مع هذا عليه أن يقدم أمه على زوجته وأن يعطي كل ذي حق حقه ، دون أن يشعرها بهذا الشعور، فلا يشعرها أن لها نداً من أم له أو أخت له، لكن يشعرها أنه لا يستغني عنها ، وأنها هي التي تملأ عواطفه وهي المقدمة عنده .
وأمرنا ربنا أن نحسن معاشرة النساء {وعاشروهن بالمعروف} وقال صلى الله عليه وسلم: {استوصوا بالنساء خير؛ فإنهن عوان عندكم} أي أسيرات محبوسات، فالمرأة أسيرة محبوسة عندك فأحسن إليها، وخيركم خيركم لأهله .
إن أزعجك شيء من المرأة غيبه عن لسانك وغيبه عن مشاعرك وعقلك، أخرج مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا يفرك مؤمن مؤمنة إن لم يرض منها خلق رضي منها آخر} أي لا يبغض، فلا يجعل الشيء الناقص فيها هو وديدنه وبين عينيه وعلى لسانه ، فلن يسعد وتشتد معه الأمور ويبقى النكد يحيط به ، نسأل الله أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى..

السؤال 39: ما حكم الإكرامية التي يأخذها الموظف دون طلب منه وهي خارجة عن راتبه الذي يتقاضاه؟

الجواب: الواجب على العامل أن يتقن عمله {إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه} فإذا أتقنه ولم تستشرف نفسه هذ المال ، ولم يقصر ، ولم يصرح، ولم يلوح، فأعطي بطيب نفس شيئاَ من المال فلا حرج في هذا .
أما إن قصر حتى يعطى هذا المال، وبدأ يلف ويدور ويصرح، ويلمح فهذا حرام ، والله أعلم...

السؤال 40: هل صح في أحاديث الأبدال شيء؟

الجواب: لم يصح شيء في أحاديث الأبدال وعقيدة الأبدال والأقطاب والأوتداد والأغواث عقيدة فاسدة ولعل في بعضها بل في بعضها كفر صريح .
بعض الناس يعتقد أنه يوجد اثنا عشر بدلاً وأربع أغواث والملك لا يرزق أحداً ولا يميته إلا إذا استأذن منهم فهذه كلها خرافات ما أنزل الله بها من سلطان .
وقد ألف الإمام السخاوي كتاباً سماه : نظم الآل في حديث الأبدال}وصرح فيه بأن جميع حديث الأبدال موضوعة أو واهية .
فالأبدال والأقطاب والأوتاد والأغواث عقيدة فاسدة لم يرد فيها حديث .

السؤال 41: أريد الخروج مع زوجي لأداء صلاة الجمعة في المسجد وهو يرفض ذلك ؟

الجواب: النبي صلى الله عليه وسلم يقول {لا تمنعوا إماء الله مساجد الله} فإذا رغبت زوجتك أن تأتي المسجد فلا تمنعها وإن كان ذهابها للمسجد هو الذي يفقهها ولا تستطيع أن تفقهها في بيتك لعدم المقدرة أو لعدم وجود وقت وفقهها فقط يكون في المسجد ، وهذا الفقه يسقط واجباً عينياً عنها كأن تتعلم أحكام صلاتها أو حيضها أو طهارتها وطلبت منك الذهاب فيجب عليك أن تلبي.
أما إن كان هذا العلم الشيء الزائد عن الحد الواجب وطلبت فلك أن تمنع، ولكن تكون خالفت إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم {لا تمنعوا إماء الله مساجد الله}.

السؤال42: هل البدء في صلاة تحية المسجد حال الآذان جائز؟

الجواب: متى استطعنا أن نجمع جميع الطاعات فهذا حسن فإن تزاحمت طاعتان في وقت واحد فالإنسان يفعل الأعلى والأغلى ويترك الأدنى .
فإنسان دخل والآذان يؤذن وأقل وقت بين الأذان والإقامة هو بين المغرب والعشاء خمس دقائق فيبقى واقف ولا يجلس حتى لا يخالف أمرالنبي صلى الله عليه وسلم فيردد مع الأذان ومن ردد مع الأذان ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال {اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمد الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته} وجبت له شفاعة النبي يوم القيامة، فنقول له ردد مع الأذان ثم صل تحية المسجد، اجمع بين الطاعات لكن لو أن رجلاً دخل المسجد والإمام على المنبر والمؤذن يؤذن للجمعة نقول له ابدأ بالصلاة ولا تردد مع الأذان لأن الترداد مع الأذان سنة، والاستماع إلى خطبة الجمعة واجب ، وهو بين أمرين: إما أن يصلي تحية المسجد والإمام يخطب وإما أن يصليها والمؤذن يؤذن ، والخطبة هي الأعلى والأغلى لأنها فريضة والترداد سنة، فمن الشائع عند الكثير من الناس اليوم لما يدخلون والإمام على المنبر والمؤذن يؤذن يبقى واقفاً يردد مع الأذان فلما يبدأ الإمام بالخطبة يصلي تحية المسجد، وهذا خطأ .

السؤال 43: رجل طلق زوجته طلقة واحدة ثم مات قبل انتهاء عدتها، هل ترث منه؟

الجواب: المرأة في العدة زوجة، والمرأة تنفصل عن زوجها تحديداً لما ترتدي ثيابها بعد غسلها من الحيضة الثالثة، فإن دخل عليها وهي تغتسل فله أن يقول لها: أرجعتك ، فإن ارتدت ثيابها بعد غسل الحيضة الثالثة تخرج أجنبية عن زوجها.
فمن مات زوجها وهي في عدتها ترث منه، لأنها زوجة، ففي العدة لها أن تتزين له وأن تتكشف عليه ومتى قبلها بشهوة أو مسها بشهوة أو جامعها انقطعت العدة ورجعت زوجة، فإن صبر ألا يمسها بشهوة ولا يقبلها ولا يجامعها ثلاث حيضات وهي في بيته، حينئذ تصبح أجنبية، فانظروا ما أعظم الشرع، ويحرم على المرأة أن تقضي عدتها خارج بيت زوجها، فأيها الأب لو جاءتك ابنتك وقالت لك: طلقني زوجي، فتجب عليك شرعاً أن تقول لها: اذهبي إلى بيته واعتدي عنده، والمصلحة الشرعية، بل المصلحة الدنيوية – واستغفر الله لهذا- فإن المصلحة الدنيوية هي في المصلحة الشرعية، فمن ظن أن له مصلحة في أمر دنياه بإجابة داعي هواه والخروج عن أمر مولاه فهو آثم ، فالمصلحة في الشرع لك ولهذه المرأة هي أن تقضي العدة في بيت زوجها لا بيت أبيها فإن أبى زوجها فهو آثم .

السؤال 44: من صام تطوعاً ، فأكل أو شرب ناسياً، فماذا عليه ؟

الجواب : بعض الفقهاء كالمالكية يفرقون بين صيام النفل وصيام الفرض، والصواب عند أهل العلم أنه لا فرق بين صيام الفرض وصيام النفل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {من أكل أو شرب ناسياً فإنما أطعمه الله وسقاه فليتم صومه} ولم يقل فرضه فمن أكل أو شرب في صيام الفريضة أو في صيام النافلة يتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه .

السؤال 45: هل يشترط في الآثار والأخبار لا سيما التاريخية منها ما يشترط في الأحاديث النبوية المرفوعة؟

الجواب: بلا شك ، فنحن نعتقد أننا لا نستطيع أن نفهم السنة إلا بفهم الصحابة والتابعين، لذا لا يجوز لنا أن نأخذ عن الصحابة والتابعين إلا ما ثبت .
والتاريخ فيه أعراض للناس ولا يجوز أن تقدح بأعراض الناس باخبار الكذابين وأخبار الضعفاء وأخبار الواهين لذا الواجب في الأخبار التاريخية والآثار السلفية الواردة عن الصحابة والتابعين أن نتثبت من صحتها قبل الاستدلال بها.
والقول بأن الخبر التاريخي والأثر يتوسع فيه ، نقول نعم يتوسع فيه ، لكن التوسع يكون من حيث أننا لا نتشدد فيه كما نتشدد في الحديث، فالحديث المرفوع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيه تهديد ووعيد شديد {من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار} فليس الكذب عليه صلى الله عليه وسلم كالكذب على غيره، فالتشديد فيه من حيث هذه الحيثية ولكن الأصل في الأخبار أن نمحصها وأن نبحث عن صحتها وأي خبر في خبر اختلط صحيحه بواهيه وأنت لا تفليه ولا تبحث عن ناقليه .
ووجدت نقلين لإمامين أحدهما قديم والآخر معاصر فيهما التنصيص على وجوب التثبت من صحة الأخبار، فيقول شيخ الإسلام (في 13/247) "وهذا الأصل ينبغي أن يعرف؛ فإنه أصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي وما ينقل من أقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك} والنقل الآخر لشيخنا في السلسلة الصحيحة في الجزء الخامس ص 331 قال : " وقد يظن بعضهم أن كل ما يروى في كتب التاريخ والسيرة أن ذلك صار جزءاً لا يتجزأ من التاريخ الإسلامي لا يجوز إنكار شيء منه وهذا جهل فاضح وتنكر بالغ للتاريخ الإسلامي الرائع ، الذي تميز عن تاريخ الأمم الأخرى بأنه هو وحده الذي يملك الوسيلة العلمية لتميز ما صح منه مما لم يصح، وهي نفس الوسيلة التي يميز بها الحديث الصحيح من الضعيف، ألا وهي الإسناد الذي قال فيه بعض السلف : لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء ولذلك لما فقدت هذه الأمة هذه الوسيلة العظمى : امتلأ تاريخها بالسخافات والخرافات .
إذن الواجب أن نثبت ، والتاريخ فيه مدح وقدح لأعراض الناس وقد أمرنا ربنا بأن نتثبت، ولا يجوز لنا أن نلصق التهم بالفضلاء ونعتمد على قصص وردت عن الضعفاء أو متروكين أو عن كذابين أو عن مجهولين والله أعلم ...

السؤال 46: ما عدة المرأة المطلقة وماعدة المتوفى عنها زوجها؟

الجواب : أما عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، كما قال الله تعالى {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربع أشهر وعشراً} فمن مات عنها زوجها سواء كانت صغيرة أو كبيرة سواء كان مدخولاً بها أم غير مدخول بها فمن كتبت كتابها ومات عنها زوجها قبل الدخول يجب عليها العدة أربعة أشهر وعشراً، تبقى في بيتها لا تخرج منه إلا عند الضرورة والحاجة ، فأم السنابل رضي الله عنها لما مات زوجها خرجت تستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: {أمكثي في بيتك} وما لامها وما عنفها على خروجها فخروج المرأة المعتدة للفتوى جائز لأنه حاجة وضرورة، وكذلك خروجها لحاجياتها الأساسية لكن لا يجوز لها أن تبيت إلا في بيت زوجها فإن كانت لا تستطيع أن تبيت لمحاذير شرعية، أو لأن الحياة لا تصلح في هذا البيت كأن تكون عروساً مطموعاً بها بينها وبين أسلافها خلوة فتنتقل إلى بيت أبيها أو كأن تكون في بلاد غربة فتنتقل إلى بيت آخر تقضي فيه عدتها ولا تخرج منه إلا للحاجة والضرورة ، وفي العدة لا يجوز أن يصرح للمرأة بالزواج منها لكن التلميح والتلويح لا حرج فيه، لقوله تعالى{ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} وذلك مثل رجل مات ابنه وترك زوجة عروساً ورأى هذه العروس فيها خير، وله ابن آخر مقبل على الزواج فأراد أن تكون زوجة لهذا الولد فيحرم أن يصرح بالنكاح لكن بالتلميح والتلويح ، كأن يقول لها : يا بنية أنت صاحبة خلق ودين فإن شاء الله لن تخرجي من هذا البيت أو نحو هذه العبارة .
والمرأة في العدة يحرم عليها: أن تكتحل تزيناً أما إن احتاجت إلى الكحل تطبباً جاز، ويحرم عليها الخضاب، وتطبباً جائز، ولا يجوز لها أن تتجمل أو أن تلبس المنمق من الثياب ولا يكون الحداد بالسواد، فإنه حداد الأعاجم ، سواء بالعلم على سطح البيت أو لبسه وهذا حداد الأعاجم وهي عادة قبيحة شاعت وذاعت بين المسلمين اليوم فمن فعله فهو متشبه بهم ،وملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فحزننا وفرحنا في داخلنا .
ولا حرج على المرأة في الحداد أن تنتقل من شقة إلى شقة أو إلى سطح البيت فإن خرجت لغير حاجة ثم تابت وعادت لا تبطل عدتها ولا تقضيها.
أما المطلقة فإن كانت غير مدخول بها فلا عدة عليها بنص القرآن {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن...}الآية وأما إن كانت من ذوات الحيض فعدتها ثلاث قروء {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} أي حيضات على الراجح من أقوال الفقهاء .
واما إن كانت يائساً أو صغيرة لم تحض فعدتها ثلاثة أشهر قال تعالى {واللائي يئسن من المحيض من نساءكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} وهذا يدل على أن زواج الصغيرة جائز لأن الله قد جعل لها عدة .
وأما الحامل فأجلها أن تضع حملها {وإن كن أولات حمل فأجلهن أن يضعن حملهن}.
وأما إن كانت متوفى عنها زوجها وحامل فتتربص أبعد الأجلين .

السؤال 47: إذا توفي زوج عن زوجته وليس له فرع وارث مثل ابن أو ابنة كم ترث الزوجة في مثل هذه الحال؟

الجواب : الزوج له حالتان لا ثالث لهما وكذلك المرأة كما ورد في سورة النساء فإن كان للزوج فرع وارث ، ابن أو بنت؛ سواء من هذه المرأة أو من غيرها ومات ، فالزوجة ترث الثمن وإن لم يكن له ولد ، فالزوجة ترث الربع.
والزوجة إن ماتت ولها أولاد وإن كان هؤلاء الأولاد من غير هذا الزوج ، فالزوج يرث الربع وإن لم يكن لها أولاد لا من هذا الزوج ولامن غيره فالزوج له النصف .

السؤال 48: ما حكم تغيير لون الشعر سواء بالأصباغ أو بالحناء؟

الجواب : من السنة أن يختضب الرجل والمرأة بالحناء وخضاب الرجل يكون على الحال الذي استخدم عند الصحابة والتابعين ويكون في اللحية والشعر إن كان فيهما شيب ، أما في اليدين والرجلين فلا يجوز للرجل أن يستخدم الحناء إلا تطبباً ، أما من باب التزيين ففي هذا تشبه بالنساء فلا يحل له أن يحني رجله أو يديه إلا من باب التطبيب أما الشيب في اللحية أو الشعر وإن كان قليلاً فمن السنة أن يحني الشيب فقد صبغ النبي صلى الله عليه وسلم لحيته وشعرات الشيب قليلة .
أما من كان شعره أسوداً لا شيب فيه رجلاً كان أم امرأة فلا يغير ولا يحل ذلك .
وتغيير الشيب يجوز بشرط ألا يكون بالسواد فلما جاء والد أبي بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان شعر رأسه ولحيته أبيضاً أمره النبي بالصبغ وقال {جنبوه السواد} وقد صح عن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {سيأتي أقوام آخر الزمان يصبغون بالسواد كحواصل الحمام لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها} فذهب المحققون من العلماء وهذا مذهب الشافعي إلى حرمة تغيير الشيب بالسواد .

السؤال 49: ما حكم الرقص للنساء ؟

الجواب : قال الإمام النووي في كتابه المنهاج: {ويباح رقص ما لم يكن بتكسر وتثن كهيئة مخنث} فرقص النساء في الأعراس إذا كان فيه تثن وتكسر وفيه هز أرداف كما تفعل الفاجرات فهو حرام ، وأما الرقص الذي فيه ذهاب ومجيء للتعبير عن الفرح كما تفعل الجدات فهذا لا حرج فيه وقد قال إمام الحرمين: "الرقص ليس بمحرم فإنه حركات على استقامة أم اعوجاج ولكن كثرته تخرم المروءة " وهذا الرقص حيث لا يراها الرجال فهذا أمر جائز.
واما رقص الزوجة لزوجها فهو حلال على كل حال ، والله أعلم ...

السؤال 50: هل على سيارة الأجرة (التكسي) زكاة مال ؟

الجواب : الأصول لا زكاة فيها ؛ السيارات ؛ الدور ؛ الأراضي ؛ آلات الصناعة ؛ هذه لا زكاة فيها والزكاة في ريعها فإن تجمع مال وبلغ النصاب وحال عليه الحول وملك ملكاً تاماً فحينئذ تجب عليه الزكاة ، وإلا فلا ، والله أعلم ...
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.


To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 03-23-2012, 03:59 PM
خالد بن إبراهيم آل كاملة خالد بن إبراهيم آل كاملة غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 5,683
افتراضي

السؤال 51: هل يجوز للزوج أن يطلب من زوجته صيام نافلة ، ويجبرها على ذلك ؟
الجواب: لا يجوز للرجل أن يغير حكماً شرعياً، لكن له أن يرغبها، فقد ثبت في صحيح الإمام البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم طرق الباب على علي وكانت ابنته فاطمة تحته، وأمرهما بقيام الليل، فقال علي: أرواحنا بيد الله إن شاء أرسلها وإن شاء ردها، فلم يأمره صلى الله عليه وسلم، وخرج وهو يقرأ {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً} فعلم علي أن أمر رسول الله سواء كان ولي أمر لهما أو كان نبياً فإنه ما أمر أمراً حتماً واجباً لقيام الليل فقيام الليل حكمه سنة ، فيكون هذا من باب الترغيب، فإن أمر الزوج زوجته أن تقوم الليل فأبت فلا يجوز شرعاً أن يقول عنها ناشز ، لأن حكم الشرع أقوى من حكمه، والله أعلم..

السؤال 52: هل كلمة "يسعد الله" الدارجة على ألسنة الناس ، أو شتم الحرم من ألفاظ الكفر؟
الجواب: كلمة "يسعد الله" كلمة قبيحة ، فالله جل في علاه كل شيء بحاجة إليه، وهو ليس بحاجة إلى أحد ، حتى أن عرشه الذي قد استوى عليه سبحانه هو بحاجة إليه ، فالعرش بحاجة إلى الله ، والله ليس بحاجة أحد، فمن يستطيع أن يسعد الله؟ ولكن تقول بدل هذه الكلمة : أسعدك الله! أو : أسأل الله أن يسعدك! فهذا كلام شرعي ، لأن الله هو الفاعل، أما كلمة "يسعد الله" فهذا يريد أن يعبر عن فرحه بكلمة ليست حسنة فهي ليست بمأثورة أولاً وفيها إشعار بأن المخلوق له قدرة على التصرف في شيء من خواص الخالق.
أما شتم الحرم فهو كبيرة فاللعن حرام، والمسلم إن لعن مسلماً ولم تأت هذه اللعنة في مكانها رجعت عليه ، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان} فالمؤمن لا يلعن، وصح أيضاً عنه أنه قال: {لا يكون اللعانون شفعاء يوم القيامة} والحرم الذي يلعنه ، ماذا يريد منه : مكة أم المدينة أم الأهل؟ هذه كلها لعنها كبيرة من الكبائر فهذه كلمة قبيحة ينبغي أن يقلع عنها كل مؤمن ، ولا يجوز لأحد أن يلعن أحداً إلا من ورد وجاز في حقه اللعن ، والله أعلم ....

السؤال 53: ما حكم من أفطر يوماً من رمضان عامداً متعمداً؟ وما كفارة ذلك؟
الجواب: الراجح أن الواجب عليه التوبة وأن يكثر من صيام النافلة ولا يوجد في حقه كفارة تكفر الذنب الذي فعله لعظمه وكبره فلا يوجد شيء إن فعله قد زال ذنبه فيبقي أمره إلى سيده ، إن شاء عفا وإن شاء عاقب، والله أعلم ...

السؤال 54: شخص يصلي في الجماعة ، فشعر بخروج شيء منه هل يسلم ويخرج أم يكمل صلاته؟
الجواب: إن كان تيقن على طهارته، وعلى صحتها، فلا يزول اليقين بالشك ، ويبقى على يقينه في وضوءه ولا يخرج منه حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ، كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما قال البغوي في شرح السنة: وهذا بشرط ألا يكون المصلي أطرش أو أنه لا يشم، فإن كان الرجل سوياً وطبيعياً وانقدح في نفسه، ولم يتثبت ولم يتيقن أن انتقض وضوءه فيستصحب الأصل ، ويبقى على اليقين وهو الوضوء حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً، والله أعلم .

السؤال 55: طفل مات ولم يبلغ سن البلوغ هل نجزم له بالجنة سواء كان والديه مسلمين أم كافرين ؟
الجواب: فرق بين الطفل الذي قد مات وأبوه مسلم وبين الطفل الذي قد مات وأبوه كافر.
أما أطفال المسلمين فإنا نجزم لهم بالجنة لأنه أخبر بذلك من أطلعه الله على شيء من الغيب {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {صغاركم دعاميص أهل الجنة} والدعاميص جمع دعموص والدعموص: ذويبة تبقى في الماء لا تنفك عنه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا أن صغارنا هم في الجنة يبقون فيها لا يخرجون منها كحال هذه الذويبة الصغيرة المعروفة عند العرب التي تبقى في الماء ولا تخرج منه، وثبت في صحيح حديثه صلى الله عليه وسلم عن ابن حبان وغيره أنه قال: {أولاد المسلمين في جبل في الجنة يكفلهم ابراهيم وسارة} فصغار المسلمين في الجنة لأنهم غير مؤاخذين فالقلم لا يجري عليهم إلا بعد البلوغ ، أما أولاد المشركين فقد وقع فيهم خلاف كبير، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم تردد في حالهم وقال: {الله أعلم بما كانوا عاملين} ووردت أحاديث أنهم في النار وآخر أنهم في الجنة وأحاديث من لون آخر تجمع بين ما ورد في الباب والذي يرتضيه المحققون من العلماء ما ثبت في أحاديث عديدة أن أولاد المشركين وأهل الفترة الذين لم يأتهم نبي والمجانين والمعتوهين ومن أدركوا الإسلام على كبر والأصم والأبكم هذه الأصناف من الناس يمتحنون في عرصات يوم القيامة وتشعل لهم النيران ويقال لهم : اقتحموها فإن استجابوا دخلوا الجنة وإن أبوا دخلوا النار.
وهذا الامتحان ثابت في أحاديث عديدة ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله في أواخر كتابه "طريق الهجرتين" وأحاديث الامتحان تجمع بين جميع ما ورد في الباب، لذا الراجح عن المحققين من العلماء؛ أن أولاد المشركين يمتحنون فإن فازوا ونجحوا نجوا وإلا هلكوا وصمام الأمان في هذا الأمر أن الله تعالى عادل حرم الظلم على نفسه وحرمه على عباده ، والله أعلم ...

السؤال 56: إذا دخل أحد المسجد ووجد من يدرس فيه فهل يجلس لاستماع درس العلم أم يصلي تحية المسجد أولاً؟
الجواب : لا بد من صلاة ركعتي تحية المسجد في كل حال من الأحوال فقبل الجلوس في المسجد يبتدأ فيه الصلاة تعظيماً للمكان وهاتان الركعتان واجبتان فمن دخل المسجد والإمام في صلاة الفجر يصلي معه وقد عظم المكان بهاتين الركعتين ولا داعي للقضاء ، فالمراد من هاتين الركعتين تعظيم المكان فمن دخل المسجد وهنالك درس وقد صلى الفريضة والراتبة لا يحل له أن يجلس في المسجد حتى يصلي ركعتين لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما في قوله: {إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس فيه حتى يركع ركعتين} ومن علامات الساعة ألا تعظم المساجد، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من علامات الساعة أن تجعل المساجد طرقات ، يدخل من باب ويخرج من آخر توفيراً للمسافات ، ومن علامات الساعة أيضاً أن يجلس في المساجد دون صلاة الركعتين .
والراجح عند العلماء وهذا مذهب جماهيرهم سلفاً وخلفاً أن من دخل المسجد والإمام على المنبر يخطب للجمعة فلا يحل للداخل أن يجلس حتى يركع ركعتين .
وأما ما يتناقله الناس من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إذا صعد الإمام المنبر فلا صلاة ولا كلام} فهذا كلام باطل ومنكر ، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، فيجوز للرجل والإمام على المنبر أن يصلي تحية المسجد ويجوز له أن يتكلم والإمام على المنبر في وقت جلوسه بين الخطبتين وقد ثبت ذلك عن الصحابة والتابعين أنهم كانوا يتكلمون والإمام على المنبر حال سكوته بين الخطبتين .
وقد ثبت في صحيح مسلم أن صحابياً دخل المسجد واسمه سليك الغطفاني فجلس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر {قم فصل ركعتين وتجوز بهما} فمن السنة للداخل إن كان الإمام يخطب للجمعة أو كان هناك درس علم من السنة أن يتجوز المصلي بالركعتين فيصليهما ويعطيهما حقهما على نوع عجلة .
وهناك خرافة سائدة بين الناس أن من دخل المسجد فجلس ولم يصل تحية المسجد فإنها تسقط من ذمته بجلوسه وهذا كلام ليس له نصيب من الصحة فسليك الغطفاني جلس ومع جلوسه قال له النبي صلى الله عليه وسلم {قم فصل ركعتين وتجوز بهما} والله أعلم ..

السؤال 57: دخل رجل في صلاة الجماعة مسبوقاً فهل يتابع الإمام في توركه في التشهد أم لا؟
الجواب: يقول النبي صلى الله عليه وسلم{ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا} هذه أصح الروايات وأشهرها وورد في بعض الروايات وهي في صحيح مسلم {وما فاتكم فاقضوا} فأصح الروايات وأشهرها من الناحية الحديثية كما قال مسلم في كتابه التمييز فيما نقل عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري رواية فأتموا فالذي يدركه المأموم مع الإمام يكون أول صلاته ولا يكون آخرها فمثلاً رجل دخل وقد أدرك الركعة الثالثة من المغرب فعلى رواية فأتموا تكون هذه الركعة الأولى له ، فيجلس مضطراً ولا يفترش فيقوم ليأتي بركعة أخرى فإن كان لا يشوش على من جنبه فيسن له أن يجهر في الركعة الثانية ثم يجلس للتشهد الوسط ثم يقوم ويأتي بثالثة وهذا مذهب الشافعي وأحمد .
واما على رواية فاقضوا وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك فيقوم ليقضي الأولى والثانية وما أدرك هي الثالثة فيقوم ويبدأ بدعاء الاستفتاح ويجهر بالركعتين ويقرأ بعد الفاتحة ما تيسر ولا يجلس للتشهد بعد أن يتم ركعة بعد تسليم الإمام لأنه يقضي الأولى ويجلس بعد الثانية ثم يسلم والأصوب والأصح حديثياً وفقهياً هو رواية فأتموا.
ومن المالكية من فرق بين الأقوال على رواية {فأتموا} وجعل الأفعال على رواية فاقضوا فدعاء الاستفتاح من الأقوال فلا يقضيه ، والتشهد من الأفعال فيكون على رواية فاقضوا والصواب ما حد منا، والله أعلم ..

السؤال 58 : ما حكم العادة السرية ؟
الجواب : ما يسمى اليوم بالعادة السرية وقديماً كان يسمى الإستمناء أي أن يخرج الرجل منيه بإرادته وهذا أمر ينافي الاستعفاف الواجب ، ولا يكون ذلك إلا من جراء النظر الحرام ففعل الإستمناء تلذذاً حرام ، لأن الله عز وجل أمر بحفظ الفرج إلا من الزوجة أو الأمة قال تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} أي من ابتغى الشهوة وراء الزوجة والأمة فأولئك هم العادون، ومن يتعد حدود ما أنزل الله فقد ظلم نفسه.
ففعل الإستمناء تلذذ حرام إلا مع الزوجة فقد ذكر غير واحد من الفقهاء أنه يجوز للرجل أن تستمني له زوجته ، كما يجوز أن يريق ماءه في غير الفرج، حال كونها معذورة أو مريضة أو ما شابه.
أما إن أحاطت الرجل المعصية من كل مكان وجرب الصيام ولم ينفع معه فاضطر لأن يفعل ذلك من باب ارتكاب أخف الضررين ، وأهون الشرين ، فيقول علماء الحنفية : نرجو أن يسلم رأساً برأس ؛ فخوفه من الوقوع بالزنا طاعة وارتكابه لهذا العمل من أجل أن الزنا دانٍ منه قريب يستطيع أن يتمكن منه ففعل هذا ليكسر حدة شهوته ؛ قالوا : نرجو أن يسلم رأساً برأس .
ومع هذا أقول: هذا عمل قبيح، وينبغي للإنسان أن يحافظ على بصره ليحفظ فرجه وفعله تلذذاً ليس كفعله حال هجوم الشهوة وإحاطة الخطيئة بالإنسان فالشر بعضه أهون من بعض.
وعلاج هذا الأمر : الصيام ، وكثرة الذكر ، وإنهاك البدن في الرياضات الشرعية والانشغال بالأمور السامية وعدم الخلوة مع النفس والاستشعار بمراقبة الله عز وجل وحفظ البصر، وعدم الاستماع إلى الغناء، وكثرة مصاحبة الصالحين، وخير علاج عملي لهذا : الزواج الشرعي ، وإني أرغب أولياء الأمور والشباب في الزواج الشرعي المبكر ، فإن له حسنات عظيمة ، سواء كان ذلك في حق الأزواج أو الزوجات ، فيا عبدالله : مجرد ما تبلغ ابنتك الحيض، إن جاءها من يطلبها وكان كفؤاً، فلا تقل : صغيرة ، وإن كنت ذا مال وترى مخايل الرجولة في ابنك ، واستطعت أن تزوجه فافعل ولا تتأخر ولا تقصر ، ونسأل الله عز وجل التوفيق للجميع ..

السؤال 59: هل زوج الأخت يعد محرماً؟ بحيث يسافر معها هو وزوجته وكذلك زوج الخالة بوجود الخالة ، أفتونا مأجورين .
الجواب : يحرم الجمع بين الأختين فإن ماتت الزوجة فيجوز للرجل أن يتزوج أختها وكذلك خالة الزوجة وعمة الزوجة فهذه حرمتها حرمة مؤقتة ، ولذا لا يكون الرجل محرماً إلا لمن تحرم عليه حرمة مؤبدة، فلا يجوز لأحد أن يسافر مع امرأة على أن يكون محرماً لها ، وقد تكون حلالاً له في يوم من الأيام .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيحن: {لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم} وهذا المحرم محرم عليها حرمة مؤبدة ، ولفظ امرأة الوارد في الحديث {لا يحل لامرأة} نكرة في سياق النهي وهذا من ألفاظ العموم عند علماء الأصول ، فسواء كانت هذه المرأة كبيرة ميئوس منها أم صغيرة ولو كن نساءاً مع بعضهن بعضاً أيضاً لا يحل ذلك ، فلا يحل للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم إلا لضرورات تقدر بقدرها، مثل أن تكون المرأة أسيرة ففرت من أسرها، فلا تنتظر المحرم حتى تنتقل من ديار الكفر إلى ديار الإسلام، فهذا سفر ضروري أو امرأة مات عنها زوجها في بلاد الغربة ولا محرم لها، ولم يتمكن أحد أن يأتي بها، فهي معذورة لأن هذه ضرورة .
وهكذا فالأصل الحرمة والجواز يكون للضرورة والضرورة تقدر بقدرها، والله أعلم ..

السؤال 60: ما صحة الحديث {تعلموا السحر، ولا تعملوا به}؟
الجواب: حديث لا أصل له ، لا يجوز أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث الذي لا أصل له عند علماء الحديث يطلق على إحدى معنيين : إما أنه يطلق على كلام لا إسناد له، بالكلية، كما فعل ابن السبكي في كتابه "طبقات الشافعية الكبرى" لما ترجم لأبي حامد ، محمد بن محمد بن محمد بن محمد الغزالي، المتوفى سنة 505هـ ، فذكر فصلاً بديعاً في الأحاديث التي لا أصل لها في كتاب إحياء علوم الدين ، وبلغ عددها قرابة الألف ، هذه أحاديث لا أسانيد لها أبداً، ووهم فيها أبو حامد ، وقال : قال صلى الله عليه وسلم.
والنوع الثاني من الذي يقال فيه: لا أصل له ، حديث مداره على كذاب ، اختلقه وصنعه، فيقال في هذا الحديث لا أصل له من كلامه ، صلى الله عليه وسلم.
فهذا الحديث {تعلموا السحر ....} لا أصل له من النوع الأول : أي لا إسناد له
ويقال إن هذا عجز بيت شعر ، يقول الشاعر:
العلم بالشيء خير من الجهل به وتعلموا السحر ولا تعملوا به
ولا يتعلم الساحر السحر ويكون ساحراً، إلا والعياذ بالله لما يؤمر بالكفر، ويستجيب للكفر، ولذا قال عمر بن الخطاب : حد الساحر ضربة بالسيف، والله أعلم ..

السؤال 61: هل فحص المرأة الدخلي يوجب الغسل ؟ وهذا الفحص يكون من أجل العلاج .
الجواب : إن نواقض الوضوء ونواقض الغسل ونواقض الصلاة ونواقض الصيام وما شابه توقيفية ، ففحص الطبيبة المرأة فحصاً داخلياً لا يوجب الغسل .
لكن لا يجوز للمرأة أن يفحصها رجل طبيب مع وجود الطبيبة والمرأة تطبب عند المسلمة أولاً، فإن لم تجد المسلمة تتحول إلى الكتابية، والكتابية مقدمة على الطبيب المسلم ، فإن لم تجد الكتابية فتتحول إلى الطبيب المسلم، فإن لم تجد المسلم تتحول إلى الكتابي ، فإن من المخالفات وتساهلات كثير من النساء هذه الأيام أنهن يتطببن بداية وأصالةً عند النصراني، ويتركن الطبيبات أو الأطباء المسلمين ، فإن حصل ضرورة فحص داخلي فهذا ليس بناقض للغسل .
وبعض الأطباء يستفتوننا يقولون : أيؤاخذنا ربنا بما نجد في أنفسنا من شهوة لما نعالج النساء؟ فالطبيب ليس آلة فهو بشر فيه إحساس وعلى المرأة أن تنتبه إلى هذا ، فلا يحل لها أن تتكشف على طبيب مع وجود الطبيبة فأين الحياء من النساء، وأين الغيرة من الرجال؟ فلا يجوز ذلك إلا لضرورة ، والله أعلم ...

السؤال 62: هل يجوز ضمان التكسي ؟
الجواب : اليوم شاع وذاع أن صاحب التكسي يعطيه لرجل، فيعمل عليه، ويطلب منه أن يعطيه ملبغاً معيناً كل يوم ، فهذه المسألة تحتاج إلى تخريج على أصل ، وعلى قاعدة ، وقد فكرت فيها طويلاً من سنوات مضت، وتباحثت فيها مع بعض من أظن أن عنده الفقه والعلم ، وبعضهم ممن يحمل أعلى الشهادات في تخصص البيوع خاصة، فسمعت أجوبة ومما سمعت قول بعضهم : إن قلنا أنه أجرة ، فيكون هذا الضمان جائز، ونظرت في الفرق بين الأجارة والشركة، فانشرح صدري إلى جواب بعد طول تأمل ، أرجو الله إن كان صواباً أن ينشره، وأن يذيع بين طلبة العلم وأن يقف عنده الناس، وإن كان خلاف ذلك، فمني ومن الشيطان ، واستغفر الله عنه..
فأقول المنفعة إن ملّكها صاحبها إلى غيره وكانت تحتمل وجوهاً عديدة، والذي يفصل في هذه الوجوه مستثمرها، فهذه أجارة. وإن كانت رقبة ذات عين ، أعطاها مالكها لرجل ، ولا تستثمر إلا على جهة واحدة، لا ثاني فيها، فهذه شركة وليست أجارة ..
فمثلاً أعطى المحل لرجل، وهو الذي يفصل طريقة الاستثمار، فله أن يجعل محمصاً، وله أن يجعله بقالة، وله أن يجعله صالوناً، فهو الذي يفصل ويتحمل التبعة، فأنا أعطيه منفعة وهو يفصل، ولا أسأله عن ربحه وخسارته وأنا آخذ مبلغاً مقابل هذه الأجارة كل شهر، ولا أنظر هل ربح أو خسر ، فهو يتحمل تبعة ذلك .
لكني لو سلمته رقبة أو عيناً وهذه العين لا يستثمر إلا على جهة واحدة لا ثاني لها، فالعقد الذي بيني وبينه ليس أجارة، وإنما العقد الذي بيني وبينه شركة ، وهذه نوع من أنواع الشركات وأنواع الشركات كثيرة في الفقه، وتسمى هذه الشركة عند أهل العلم "المضاربة" فالذي يملك الرقبة شخص والذي يستثمرها شخص آخر، وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز أن يجتمع على من يعمل ومن يستثمر خسران الجهد مع خسران المال فإن وقع ربح، فبينهما، وإن وقعت الخسارة فعلى صاحب المال خسارة المال، وعلى المستثمر خسارة الجهد والعمل ، فلا تجتمع الخسارتان على المستثمر .
فالتكسي يستثمر على جهة واحدة لا ثاني لها، فهذا العقد الذي بين مالك التكسي ومستثمر التكسي هو شركة إذن فمن يعمل سائقاً على التكسي بعد أن يجد ويجتهد ولا يقصر- والذي يحدد التقصير أهل المهنة على الأعراف المعروفة بينهم – فإن لم يقصر وجد واجتهد ولم يحصل مبلغ ضمان التكسي فيحرم على مالك التكسي أن يخسر مستثمر هذا التكسي جهده وماله .
ولكن اليوم ، وللأسف، يوجد أزمة ثقة بين الناس فالأصل أن تكون العلاقة بين السائق ومالك التكسي علاقة شركة ، يتفقون على نسبة، النصف، الثلث ، وماشابه، حتى لا يجمع على السائق خسارتين ، خسارة العمل وخسارة المال ، والله أعلم ...

السؤال 63: هل صحيح أن الحجر الأسود من حجارة الجنة نزل أبيضاً فسودته خطايا العباد؟
الجواب: نعم ؛ ثبت ذلك في جامع الإمام الترمذي: {نزل الحجر الأسود من الجنة أبيض من الثلج فسودته خطايا بني آدم} قال ابن العربي المالكي في شرحه الترمذي: " أنظروا إلى أثر الذنوب على القلوب فإن كان أثرها هكذا على الحجر فما بالكم بأثرها على قلب البشر؟"
فهذا حديث صحيح وثابت وللذنوب أثر عظيم على سائر الحياة ومن يتتبع النصوص يعلم ذلك حتى أن أثرها كان أثرها على الحجر فسودته ، والله أعلم ...


السؤال 64: إذا صلى رجلان جماعة فهل يتقدم الإمام عن المأموم قليلاً كما يفعل بعض الناس أم يقف بمحاذاة الإمام؟
الجواب : الصواب إن صلى اثنان معاً فهما جماعة فأقل الجماعة اثنان ، بل ذهب غير واحد من المحققين إلى أن الجمعة تقام باثنين ؛ وإن صلى الاثنان جماعة فريضة أو نافلة فلا يشرع للمأموم أن يتخلف عن الإمام أو أن يتأخر عنه بل يسن أن يقف حذاءه وبجنبه دون تأخر.
وترجم البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة على حديث ابن عباس رضي الله عنهما، لما صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم وقف على يمينه فقال البخاري: باب: يقوم عن يمين الإمام سواءً إذا كانا اثنين وقال : وأدار رسول الله صلى الله عليه وسلم جابراً إلى يمينه ووضعه بجانبه لما وقف عن يساره، وهذه القصة ثابتة في الصحيحن فالنبي وضعه بجانبه ولم يؤخره عنه وفي الموطأ بإسناد صحيح عن عبد الله بن عيين بن مسعود قال: دخلت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فوجدته يسبح فقمت وراءه فقربني حتى جعلني حذاءه عن يمينه؛ وروى عبد الرزاق في المصنف عن ابن جريج قال : قلت لعطاء: الرجل يصلي مع الرجل ، أين يكون منه؟ قال: إلى شقه الأيمن ، قلت: أيحاذي به حتى يصف معه لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم، قلت: أتحب أن يساويه حتى لا تكون بينهما فرجة ؟ قال : نعم.
فالسنة أن يقف المأموم عن يمين الإمام من غير فرجة بينهما ومن غير تأخر عنه هذا هو الصواب الذي جانبه كثير من الناس اليوم ، والله أعلم ...

السؤال 65: هل يسن الدعاء عند ختم القرآن ؟ وهل الأثر المروي عن أنس في ذلك صحيح؟
الجواب : نعم؛ ثبت في جملة آثار أن لخاتم القرآن دعوة مستجابة وكان أنس بن مالك كما ورد في سند سعيد بن منصور إن ختم القرآن جمع زوجه وأهل بيته ودعا، وكانت زوجته وأهل بيته يؤمنون فلا حرج في ذلك .
أما الدعاء الطويل الذي يقال في الصلوات فلا أصل له في السنة ولا من فعل سلف الأمة، وكذلك كتاب "دعاء ختم القرآن" المنسوب لابن تيمية فهو كذب وافتراء عليه .
وكذلك لا داعي للتلحين في الدعاء يدعى بدعاء كالمعتاد ، والله أعلم ...

السؤال 66: تصيبني أحياناً وساوس في حقيقة وجود الجنة والنار واليوم الآخر، فما نصيحتكم لنا للوقاية من هذه الوساوس؟
الجواب: أحمد الله ربك فأنت على خير، ولا حرج ولا ضير في الذي تجده في نفسك ، فإنه لا يشعر بوساوس الشيطان إلا من كان في قلبه نوع صفاء، فقد ثبت في صحيح الإمام مسلم في كتاب الإيمان في باب الوسوسة في الإيمان فأخرج مسلم بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم {أو قد وجدتموه؟} قالوا نعم ، فقال صلى الله عليه وسلم: {ذاك صريح} وفي رواية : محض الإيمان .
ولما سئل علي رضي الله عنه كيف هذا محض الإيمان ؟ فقال: أرأيتم إلى اللص ؟ فإنه لا يطمع إلا في البيت النفيس، فالإنسان يجد في نفسه الوساوس لما يكون في قلبه صفاء، أما من كان الشيطان قد عشعش وباض وفرخ في قلبه فلا يجد أثراً للوسوسة ، لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: {لا تقوم الساعة حتى يأتي الشيطان لأحدكم فيقول له : من خلق هذا ؟ فيقول الله ، فيقول له من خلق هذا ؟ فيقول الله ، فيقول له من خلق الله ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم من وجد ذلك في نفسه فليتعوذ بالله من الشيطان وليتفل عن يساره} وفي رواية { فليقرأ سورة الإخلاص} فهذه علامة خير وقد وجدها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن تُدرأ بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم .

السؤال 67: ما صحة الحديث الذي رواه الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { ثلاثة أقسم عليهن ، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه : ما نقص مال عبد من صدقة ، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها، إلا زاده الله بها عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر} ؟
الجواب: هذا الحديث أخرجه الترمذي وغيره عن أبي كبشة الأنماري، رضي الله تعالى عنه، وهو صحيح ، صححه غير واحد من الحفاظ ، وله معنى مليح ، ولا سيما أوله ، فقد انتشر وذاع على ألسنة الناس {ما نقص مال عبد من صدقة} وكان بعض السلف لما يأتيهم الذين يطلبون المال كانوا يقولون يا مرحباً بمن ينقل أموالنا من دار إلى دار، فالمال الذي تدفعه يزيد، فهو ينتقل من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية، ولا تخفى قصة الشاة وكتفها، من حديث عائشة رضي الله عنها لما ذبح الرسول صلى الله عليه وسلم الشاة وأمر بالتصدق بها جميعاً فلما سأل عائشة فقالت ذهب كلها إلا الكتف ، فقال صلى الله عليه وسلم{بقي كلها إلا الكتف}.
فالمال لا ينقص من صدقة ، وربنا تدرج معنا ، فبدأ بقوله {لله ملك السماوات والأرض} ثم ملكنا وقال{وأنفقوا مما رزقناكم } ثم قال {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} فجعله لنا ورغبنا في النفقة ثم يخلفه، ثم تدرج معنا فقال { من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} فالله الذي ملكك وأعطاك يستقرضك وهذا من كرمه سبحانه ولذا لما سمع بهذه الآية أبو الدحداح خرج من أحب ما يملك .
فنسأل الله أن يعيننا على شرور أنفسنا وأن يرزقنا الصدقة والتي هي سبب من أسباب الثبات على الدين ، فهذه الطاعة يغفل عنها كثير من الناس وثبت في صحيح ابن حبان {سبق درهم مئة ألف درهم} فرجل عنده دينار تصدق بنصف دينار خير من رجل عنده مليارات تصدق بمئة ألف .
فلا تبخل على نفسك بالصدقة للطاعة لا لثمرتها وقد أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {اتقوا النار ولو بشق تمرة } فلا تستقل الصدقة وانقذ نفسك بها ، فهذا سبب من أسباب الثبات .

السؤال 68: هل نتصدق على من يأتي المسجد ويسأل ؟
الجواب : من يأتي المسجد ويسأل لا يعطى،ومن شككت فيه لا تعطيه ولكن لا تنهره ولا تعطي إلا من تظن فيه الخير فإن ظننت به وأعطيته وبان لك على خلاف ما ظننت فإن الله يقبل صدقتك، كما في الصحيحين {قال رجل : لا تصدقن بصدقة ، فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، قال: اللهم لك الحمد على زانية لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني، قال : اللهم لك الحمد على غني، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق، قال : اللهم لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غني فأتي فقيل له : أما صدقتك فقد قبلت ، أما الزانية فلعلها تستعف عن زناها ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله عز وجل ولعل السارق يستعف بها عن سرقته فقبل الله منه وكان صادقاً مخلصاً}
وهذا بخلاف رجل آخر يؤتى به يوم القيامة فيسحب وأول ما تسعر به النار والعياذ بالله ، وكان قد تصدق على الفقراء ولكن لم تكن له نية صالحة, تصدق ليقال عنه كريم ، فيعرفه الله بنعمه فيعرفها، فيقول له ما فعلت ، فيقول يارب تصدقت وأنفقت في سبيلك فيقول الله له: كذبت ، بل تصدقت ليقال كريم وقد قيل فيؤخذ ويسحب على وجهه في النار.
وتأملوا حال هذا الرجل كيف أنه يستسيغ الكذب على الله وهو بين يديه ؟ وهذا لأنه أقام عمله على أصل معوج، فبقي يكذب ويكذب حتى وأنه بين يدي الله أصبح وهو يعلم أن الله يعلم السر وأخفى لكنه كذب من شدة كذبه واعوجاجه في الدنيا والموفق في هذه الحياة من يتهم نفسه ويحتقر نفسه .

السؤال 69: أيهما أفضل عند دخول المسجد : السلام على من في المسجد ؛ أم الانشغال بالصلاة أولاً؟
الجواب : بلا شك أن الأفضل عند دخول المسجد أن ينشغل الإنسان أولاً بتحية المسجد ثم بعد أن يصلي تحية المسجد يلقي السلام على من فيه.
وقد استنبط ابن القيم ذلك من حديث المسيء صلاته، فإنه ذهب فصلى ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له : السلام عليكم ، فقال ابن القيم : فيحسن بالمصلي أن يبدأ أولاً بتحية المسجد ثم بعد ذلك يقبل على الناس بالسلام .
لكن إن واجهك أخاك فابدأه بالسلام لكن لا تتقصد أن تبدأ الناس بالسلام قبل تحية المسجد، فإنه الأقرب للسنة ، والله أعلم .

السؤال 70: ما حكم من هجر أخاه فوق ثلاث ثم صالحه بعد ذلك هل يجب عليه توبة؟
الجواب : لا يجوز لمسلم أن يهجر أخاه لحظ نفسه فوق ثلاث ويجوز له أن يهجر لحظ النفس أخاه ثلاث فدون ذلك ، لما ثبت في الصحيح من حديث أنس { لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث} فجوز الشرع هجران الأخ ثلاثة أيام فدون ذلك .
وأما إن استمر الهجران بعد ثلاث من أجل حظ النفس فهذا أمر غير مشروع والأعمال لا ترفع لله عز وجل ويقول الله عز وجل: {أمهلوا هذين حتى يصطلحا} وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { وخيرهما الذي يبدأ بالسلام} وقال {السابق سابق إلى الجنة} .
وأما الهجران من أجل الدين فوق ثلاث فهو مشروع وهو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم العملية وسنة صحبه.
والهجران المشروع فوق ثلاث جائز في صورتين كليتين؛ الأولى : هجر إيجابي زاجر، ويكون في حق من أعطاه الله سلطة مادية أو معنوية كهجران الزوج لزوجته وهجران الأب لابنه وهجران الشيخ لتلاميذه وهكذا ، ويكون بشرط أن يغلب على ظن الهاجر أن المهجور بهذا الهجران يعود إلى حظيرة الحق والدين ويشعر بقصوره وبجرمه وبمخالفته الشرعية .
والنوع الثاني من الهجران المشروع فوق ثلاث: الهجران الوقائي المانع كهجران من يخالط أهل الفساد ، وأهل الفسق والبدع ، فتاب منهم فعليه أن يهجرهم حتى يتقوى ولا يتأثر بهم، حتى يشتد ويقوى دينه ثم يعود إليهم ناصحاً آمراً ناهياً.
والهجران كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله : إنما هو دواء يجب أن يستخدم في وقته وبمقداره فلا يجوز أن يستخدم في غير وقته وبغير مقداره.
فالمسائل المحتملة والتي وقع فيها خلاف بين العلماء المعتبرين لا يجوز أن يقع الهجران بين طلبة العلم بسببها فقد ناقش يونس بن عبد الأعلى الصدفي الإمام الشافعي في بضع وعشرين مسألة ولم يتفقا على مسألة فأخذ الشافعي بيد يونس وقال: ألا يسعنا أن نكون إخوة وإن لم نتفق في مسألة .
ويجب أن يكون الهجران من أجل الله ولا يجوز أن يغلف الهجران بالدين، وفي حقيقته إنما يكون من أجل الدنيا، والضابط في الهجران من أجل الدين ما وقع بين أبي بكر ومسطح رضي الله عنهما فمسطح ابتلي بحادثة الإفك وخاض مع الخائضين في عرض عائشة ، وكان أبو بكر ينفق على مسطح، ومع خوضه بقي ينفق عليه، وهي ابنته وأيضاً زوجة نبيه صلى الله عليه وسلم، فلما أنزل الله برائتها من السماء قطع أبو بكر النفقة قال ابن أبي جمرة: لو أن أبا بكر قطع النفقة بمجرد خوض مسطح في عرض عائشة لهجره من أجل حظ نفسه، ولكنه لما رأيناه كان يعطيه مع خوضه في عرض عائشة وضع النفقة عنه بعد أن برأها الله من السماء، كان هجران أبي بكر إياه من أجل الدين .
فعلى من يهجر أن يعلم : هل هذه المسائل يجوز الهجران من أجلها أم لا؟ ثم يبحث عن دافعه هل هذا الهجران من أجل الله أم أنه مغلف بالشرع؟ وفي حقيقته هوى، وهذه لا يقدر عليها إلا الموفقون ، جعلنا الله منهم .

السؤال 71: ما هو حد عورة المرأة على المرأة وعلى محارمها؟
الجواب: الشائع عند كثير من الناس أن عورة المرأة على المرأة وعلى المحارم هو ما بين السرة والركبة وهذا أمر خطأ .
والصواب ما ذكره الله في سورة النور فقال: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن.....} وذكر جل المحارم ، فيجوز للمرأة أن تبدي للمحارم وللنساء العضو الذي يقبل الزينة والعضو الذي لا يقبل الزينة ، لا يجوز لها أن تظهره إلا للزوج، لعموم الحديث الوارد {المرأة عورة}.
فالشعر يقبل الزينة مثلاً، فيجوز أن تظهره والرقبة وأعلى الصدر يقبل الزينة فلها أن تظهره واليدين تقبل الزينة فلها أن تظهر يديها وكذلك أسفل الساقين تقبل الزينة بالخلخال فلها أن تظهرهما.
أم أن تبدي فخذها أو ثديها أو ظهرها وما شابه على النساء أو المحارم فهذا حرام.
وكذلك لا يجوز أن تظهر أمام المحارم بما يصف العورة كالبنطال الضيق أو الشيء الشفاف فهذا كله حرام ولكن لها أن تظهر مبتذلة في لباسها المبتذل في عملها في البيت كالفستان تحت الركبة والبنطال فوقه قميص طويل يكاد يصل للركبتين وما شابه فلها أن تظهر أمام محارمها على هذا الحال.
وإذا أرادت أن ترضع ابنها فتلقم ابنها الثدي من تحت غطاء ولا تظهر ثديها أمام أبيها أو إخوانها وهذا من الحياء الذي يجب على النساء أن يفعلنه ويحططن له.

السؤال 72: ما هو حكم التقبيل؟
الجواب : التقبيل منه المشروع ومنه الممنوع والمشروع منه قبلة الرحمة التي تقع للابنة أو القبلة التي فيها احترام وتبجيل لأهل العلم مثبت في الصحيح أن أبا بكر عاد ابنته عائشة وهي تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقبلها من خدها وثبت أن ابن عباس لما كان طالب علم عند زيد بن ثابت كان يهيء له دابته ليركب عليها فوضع زيد يده على الدابة وأراد أن يصعد على الدابة فانحنى ابن عباس إلى يد شيخه وأستاذه زيد وقبل يده ، فقال زيد لابن عباس: لماذا فعلت هكذا؟ قال : هكذا أمرنا أن نفعل بعلماءنا، فاستغفله زيد وقبل يده فقال له ابن عباس: لماذا فعلت هكذا؟ قال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا .
ولكن هذا لا يكون شعاراً وإنما يقع فلتة أما أن يعود الشيخ التلاميذ بعد كل صلاة وبعد كل لقاء أن يعطيهم اليد ويقبلونها فهذا علامة كبر وعلامة ذل للتلاميذ وهذا شعار لا يجوز وما كان هذا الشعار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه ولا بين الأصحاب بين جاهلهم وعالمهم وبين صغيرهم وكبيرهم فهذا شعار أهل البدع الآن وشعار المسلمين عند اللقاء المصافحة، وعند القدوم من السفر أو بعد طول غياب تشرع المعانقة بين الرجال فيما بينهم، وبين النساء فيما بينهن أما التقبيل عند ذلك فهو مكروه إن كان بغير شهوة وأما بشهوة فهو حرام وتقبيل الفم لا يكون إلا للزوجة.
وأما وضع اليد على الجبين فسماه سفيان : السجدة الصغرى، فيقع التقبيل من غير وضع اليد على الجبين ، والله أعلم ..

السؤال 73: هل دعاء زيارة المقبرة خاص بالزيارة أم هو عام لكل من يمر بالمقبرة؟
الجواب: الذي أراه أن الدعاء عام، وليس فقط للزيارة فكل من مر بالمقبرة يسن له أن يدعو فالدعاء نافع ويتأكد ذلك بما أخرجه ابن ماجه عن سعد بن أبي وقاص قال صلى الله عليه وسلم: إذا مررتم بقبور المشركين فقولوا: أبشروا بالنار} فعلق النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء بالتبشير بالنار لكافرين بالمرور فكذلك أهل الإيمان يدعى لهم بالمغفرة إن حصل المرور، والله أعلم ...

السؤال 74: هل يجوز فتح حساب في البنك وهل يجوز التعامل بالشيكات لحاجة العمل ؟
الجواب: التعامل مع البنوك الأصل فيه الحرمة فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يلعن أكل الربا فقط وإنما لعن آكل الربا ومطعم الربا والناس يتفاوتون في حاجتهم إلى البنوك بتفاوت أعمالهم والأصل في التعامل مع البنك أن يكون بحذر وقدر، والقدر يكون على حسب الورع والتقوى .
واليوم يوجد بين المسلمين تساهل في التعامل مع البنوك ، فالبنك تعامل معه بحذر، فلا تجعل في حسابك إلا الشيء المضطر إليه، وإن استطعت أن تخلص من البنك، فهذا هو الواجب عليك، لأن الأصل في التعامل مع البنك في دائرة المحذور وليس في دائرة الجواز.
ويجوز التعامل عند الضرورة ، وكل منا أدرى بضرورته فليس التاجر الذي يحتاج إلى فتح الاعتمادات كالذي لا يحتاجها وليس من تأتيه الحوالة كمن لا تأتيه حوالة، فالتعامل يكون بقدر وعلى حذر ، والله الموفق..

السؤال 75: ما الفرق بين الحيض والاستحاضة؟
الجواب : الحيض لا يجوز للمرأة أن تصلي وأن تصوم به، وهو دم أسود يعرف، أي تنبعث منه رائحة كريهة وتصطحبه بعض الآلام ، وله عادة دورية تعرفه النساء من خلاله.
أما الاستحاضة فهي ركضة من ركضات الشيطان وهو ما يسمى اليوم بدم النزيف، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم دم عرق، وهو أحمر لا يوجد له وقت ولا تصطحبه آلام ، ولا تنبعث منه رائحة، فهو دم كسائر الدماء والمستحاضة تصلي وتتوضأ لكل صلاة ولا تلتفت لنزول الدم، وتصوم ، والله أعلم ....

السؤال 76: ما حكم صلاة رجل يبحث عن الإمام الذي يجمع بين الصلاتين فيحضر صلاة الجماعة لأجل الجمع ليس إلا، وماحكم صلاة الإمام الذي يجمع في أوقات قد لا يسمح فيها الجمع؟
الجواب: الأصل في الإمام أن يعمل بالاستصحاب ، أي إبقاء ما كان على ما كان عليه، فالأصل عند الإمام أن يصلي الصلاة لوقتها، حتى يتبرهن له بيقين، أو بالظن الغالب، أن الشرع قد أذن بنقل هذه الصلاة من وقتها إلى وقت آخر، فالأجواء القلقة والأجواء المحيرة لا جمع فيها، استصحاباً للأصل، لا سيما بين الظهر والعصر، لطول المسافة، وأما بين المغرب والعشاء لو تساهل الإمام قليلاً لا حرج، لكن بعد أن يغلب على ظنه المسوغ الذي يجوز من أجله الجمع.
أما المأموم فإن رأيت أن الإمام توسع في الجمع، لا أفارقه بل أجمع معه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، أخبرنا أنه سيأتي في آخر الزمان أمراء يصلون الصلاة على غير ميقاتها، قالوا : ماذا نصنع ، قال{صلوا معهم واجعلوها سبحة} فإن رأيت الإمام يجمع من غير مسوغ فلا تفارقه واجعلها نافلة، وإن كنت ممن يشار إليه بالبنان وسكوتك يحسب عليك ويغرر العوام فيجب شرعاً عليك البيان ، كمافعل ابن سعود مع عثمان لما أتم بمنى وإن كنت من العوام فصل واخرج وأعد الصلاة في وقتها.
أما بالنسبة للذي لا يأتي الجماعة إلا للجمع فما دام أن الجمع جائز لسائر المصلين فإن الجمع جائز له، ولكن يحرم عليه التخلف عن صلاة الجماعة..

السؤال 77: ما صحة هذا الحديث: {من جمع بين الصلاتين من غير عذر، فقد أتى باباً من أبوبا الكبائر}؟
الجواب: هذا حديث ضعيف جداً أخرجه الترمذي وغيره وفيه راوٍ اسمه : الحسين بن علي بن قيس، وهو متروك فهذا الحديث ضعيف جداً فلا يجوز الاعتماد عليه من أجل ترك الجمع.

السؤال 78: ما حكم الشرب قائماً؟
الجواب: وقع فيه خلاف بين أهل العلم، والتفصيل فيه يطول جداً ولكني أختصر على قدر الاستطاعة.
فقد روى بإسناده إلى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يشرب الرجل قائماً فقيل لأنس: والأكل؟ قال أنس: ذلك شرٌ، وفي رواية عند مسلم عن أنس قال: {زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشرب الرجل قائماً} وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من شرب قائماً أن يستقيء، وثبت في صحيح مسلم أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يشرب قائماً فقال له: {أتحب أن يشرب معك هر؟} قال :لا ، فقال له صلى الله عليه وسلم {كيف وقد شرب معك الشيطان} ولذا فالأصل في المسلم أن يشرب جالساً وأن يشرب على ثلاث دفعات بعد التسمية ، ثم يحمد الله وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يشرب هكذا: {إنه أهنأ وأمرأ وأبرأ}
وأما شرب النبي قائماً، فقد صح ذلك والراجح عند أهل العلم أن إعمال الأدلة كلها خير من إهمال بعضها، والأصل أن تنزه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحرام وعن المكروه، قال غير واحد من أهل العلم: أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم من الشرب قائماً هو ليصرف النهي من التحريم إلى الكراهية وهذا المسلك ليس بصواب.
والصواب ما اختاره بعض المحققين من العلماء وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وهو أن الأصل في الشرب قائماً حرام ويجوز الشرب قائماً للضرورة، فشرب النبي صلى الله عليه وسلم من شن وهو قائم ، فمثلاً إذا كان هناك ثلاجة ولم تستطع أن تشرب منها إلا قائم فلا حرج ، فلا تشرب قائماً إلا عند الحاجة.
فالأصل أن ننزه النبي صلى الله عليه وسلم عن فعل المكروه الذي يبتعد عنه أهل العلم ، فالنبي أولى بذلك ، فقاعدة أن النبي إذا فعل المنهى عنه ليصرفه من التحريم إلى الكراهة، ليست بصواب ، ناقشها الشاطبي في الموافقات مناقشة حسنة، وبين أن النبي صلى الله عليه وسلم إن نهى عن شيء وفعله فيكون النهي على حال، والفعل على حال آخر، والله أعلم..

السؤال 79: هل مداومة النبي صلى الله عليه وسلم على شيء دليل على وجوبه ؟
الجواب: فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يدلل على الوجوب، وأيضاً فعل النبي صلى الله عليه وسلم ليس خاصاً به، إنما هو عام للأمة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، إن فعل وترك فهذا مندوب، أما إن داوم على فعل فهذا سنة مؤكدة.
ومداومة الرسول صلى الله عليه وسلم على فعل لا يجعله واجباً إلا في صورة واحدة؛ إن كان فعله استجابة لأمر أمر الله به، فمثلاً قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} لم يرد أين القطع إلا من هذا المكان ، فكان هذا الفعل في القطع من هذا المكان واجباً ففعله صلى الله عليه وسلم امتثالاً لأمر ولم يفعله إلا على نحو واحد، فعلمنا أن هذا الفعل على هذا النحو هو امتثال الأمر، فنحكم للفعل بالوجوب للأمر وليس للفعل ، والله أعلم ..

السؤال 80: ما الحد المسموح فيه للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته؟
الجواب: استدل بعض الحنابلة بقصة غير صحيحة وهي أن علياً أرسل ابنته أم كلثوم إلى عمر فكشف عمر عن ساقها لينظر إليها لأنه كان خطيباً، فاستدلوا بهذه القصة على أنه يجوز للخطيب أن ينظر إلى مخطوبته، وأن يراها في لباسها المبتذل في بيتها فينظر إلى شعرها وساقها وساعديها، وهذه القصة غير صحيحة .
والصواب أنه لا يجوز للخطيب أن ينظر إلا للوجه والكفين، والوجه كما قال العلماء، هو مكمن الجمال واليدان منهما يعرف هل هي سمينة أم نحيلة فهذه ينظر إليها للضرورة وما عدا ذلك فالأصل الستر، والله أعلم .

السؤال 81: هل يجوز للمرأة أن تؤم النساء؟
الجواب : نعم يجوز للمرأة أن تؤم النساء وأن تجهر بصلاتها ما لم يسمعها الأجانب ، ويسن لها أن تقف بينهن ولا تتقدم عليهن ، فقد قالت تميمة بنت سلمة: {أمت عائشة نساءً في الفريضة في المغرب وقامت وسطهن وجهرت بالقراءة}
وقال يحيى بن سعيد: كانت عائشة تؤم النساء في التطوع وتقوم وسطهن، فهذا أثر في التطوع وذاك في الفريضة .
وقالت ابنة حصين : أمتنا أم سلمة في صلاة العصر ، فقامت بيننا.
فهذه الآثار تدلل على جواز أن تؤم المرأة النساء في الفريضة والنافلة وأن تجهر فيما يجهر به ، وأن تقف بينهن.
وأيضاً أن المرأة تؤذن وتقيم ، والحديث الذي فيه: {ليس على النساء آذان} لا أصل له، والقاعدة عند العلماء أن المرأة كالرجل في الخطاب ، فأي خطاب خوطب به الرجال فالنساء يدخلن فيه تبعاً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {النساء شقائق الرجال} وأما الخطاب الموجه للنساء فالرجال لا يدخلون فيه إلا بقرينة ، والله أعلم.

السؤال 82: الحديث الذي ورد فيه { أن من علامات الساعة أن المساجد تتخذ طرقات} ضعفه الشيخ ناصر في السلسة الضغيفة، فما ردكم ؟
الجواب: الشيخ ضعف الزيادة التي في آخره، أما الحديث الذي ذكرناه أن من علامات الساعة أن يجلس في المساجد دون الصلاة فيه وأن تتخذ المساجد طرقات فالشيخ يصححه ولا يضعفه ، فقد قال الشيخ رحمه الله في السلسلة الضعيفة برقم 1531، أخرج الحاكم في المستدرك عن خارجة بن الصلت قال : "دخلت مع عبد الله يوماً المسجد فإذا القوم ركوع فمر رجل فسلم عليه؛ فقال ابن مسعود : صدق الله ورسوله، فسألته عن ذلك، فقال: أنه لا تقوم الساعة حتى تتخذ المساجد طرقات وحتى يسلم الرجل على الرجل بالمعرفة، وحتى تتجر المرأة وزوجها، وحتى تغلو الخيل والنساء ثم ترخص إلى يوم القيامة} قال الشيخ بعد كلام على الحديث: وبالجملة الحديث علته الجهالة وإنما أوردته من أجل قوله: {وحتى تغلو الخيل والنساء ثم ترخص إلى يوم القيامة، فإني لم أجد له شاهداً يقويه ، وأما سائره فصحيح ثابت من طرق"، فذكر الشيخ للحديث في الضعيفة لا يعني أن ضعيف فالضعيف منه الزيادة في آخره .

السؤال 83: هل يجوز حج من عليه دين ؟
الجواب : من عليه دين له أن يحج ويستأذن صاحب الدين فإن أذن له يحج وإلا صاحب الدين أحق بماله من المال الذي سينفقه بالحج ، ولكن ذهابه للحج ليس بواجب فهو غير مستطيع، لكن إن أذن له وذهب فهذا حسن.
وقد كان بكر بن عبدالله المزني، التابعي الجليل ، كان يحج وعليه دين فلما كان يسأل عن ذلك كان يقول: قال صلى الله عليه وسلم: {تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر نفياً} فيا أيها الفقير : إن أردت الغنى تابع بين الحج والعمرة فهذا كنز لا يعرفه إلا المجرب، فكان بكر بن عبدالله المزني يقول: أرجو بحجي الغنى والسداد.

السؤال 84: ما رأيكم في كتاب "الأسطورة التي هوت" علاقة الجان بالإنسان؟
الجواب: هذا لا يصلح أن يكون كتاباً ، فهذا يصلح لأن يكون مسلسلاً أو فيلماً.
وأهل السنة يقولون تلبس الجني للإنسي شيء ثابت وصحيح ، بل ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {إذا تثاءب أحدكم فليغط فاه! فإن الشيطان يدخل} بل تفهم من قوله تعالى: { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } إن كل من أكل الربا في هذه الحياة الدنيا فهو ممسوس.
فدخول الجني بدن الإنسي أمر لا يمتنع لأن الجن أرواح لا أجساد فيها ونحن البشر أرواح وأجساد ، ويوجد في الجسد فضاء وفراغ وهذا الروح يحل في هذا الفراغ ، فما الذي يمنع والنصوص الصريحة تثبت ذلك ، وأن هذه عقيدة أهل السنة وذكر ذلك أحمد وغيره .
أما أن تكون مسألة اشبهت على كاتب فيجعلها الأسطورة التي هوت؛ فليس هكذا لغة أهل العلم ، وهذا العنوان بعيد بعد الأرض عن السماء عن لغة أهل العلم وما في جوهره خطأ محض يخالف ما عليه المحققون من العلماء فلا أنصح أحداً أن يقتنيه ولا أن يشتريه ولا أن ينظر فيه .

السؤال 85: هل قول المؤذن " ألا صلوا في الرحال" يكون بعد الأذان أو بعد الحيعلتين؟
الجواب: قول المؤذن: " ألا صلوا في رحالكم" هذه سنة كادت أن تهجر وتموت هذه الأيام ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وهذ تقال في اليوم المطير أو اليوم الذي يقع فيه المسوغ لترك صلاة الجماعة وتكون بعد الأذان كما في صحيح مسلم من حديث ابن عمر وهذا الذي رجحه النووي في شرحه على صحيح مسلم قال: لكي يبقى الأذان على نسقه ، وقد ثبت أيضاً في سنن النسائي الكبرى باباً ذكر فيه أوجهاً عديدة منها: أن تقال: " ألا صلوا في الرحال" بدل الحيعلتين ، ومنها أن تقال بعد الحيعلتين وكل هذه الأوجه صحيحة وترجيح النووي حسن وطيب ولا سيما أنه وقع التصريح فيه في حديث ابن عمر.
وهذه السنة الغائبة عن الناس هذه الأيام تعلم لهم بالقول والعمل ، والأصل أن يتطابق القول والفعل، وسنة عملية تفعل في المجتمع ، أسهل وأضبط وأحفظ من قبل العوام من السنة التي تبقى نظرية ، فمثلاً باب البيوع الآن من أصعب أبواب الفقه على الطلبة ، رغم أنه كان في العصر الأول من أسهل أبواب العلم ، لأن الأحكام الشرعية في تراها في المتجر عند العامي؛ لأنه يبيع ويشتري وفق الشريعة فلما كان عملياً كان سهلاً ولما انحرفت الحياة عما يحب الله ويرضى وأصبحت الحياة علمانية ومادية بحتة ، أصبحنا نستشكل ما يجري بين البائع والمشتري، فالقول والعمل يتعاضدان في بيان السنن والأحكام .

السؤال 86: هل يؤخذ بالأحاديث الضعيفة ؟ وهل الأحاديث الضعيفة مراتب ؟
الجواب: بلا شك أن الأحاديث الضعيفة مراتب فمنها الضعيف ضعفاً يسيراً ومنها الضعيف ضعفاً شديداً ومنها الموضوع وبالنسبة للعمل بالحديث الضعيف فأرجح الأقوال وهذا مذهب إمامي الدنيا في الحديث، الإمام البخاري والإمام مسلم ، مذهبهما أنه لا يعمل في الحديث الضعيف حتى في فضائل الأعمال .

السؤال 87: ما صحة هذا الأثر "الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له" ومن قائلها؟
الجواب: المقولة المذكورة منكرة ، ودخيلة على الإسلام وقد جمع للدنيا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستثمروا أموالهم وكانوا حريصين عليها كحرص والي بيت المال على بيت مال المسلمين ، فلم يجمعوها لأهوائهم ولا لشخوصهم ولا لملذاتهم .
وهذه المقولة نسبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أخرجها مرفوعة أحمد في مسنده في (6/71) من حديث عائشة وسأله عن هذا الحديث تلميذه الخلال فقال : هذا حديث باطل، كما نقله ابن قدامة في " المنتخب من الحلل " .
وهنا فائدة لا بد أن ينتبه لها طالب العلم وهي أن أحمد في مسنده ليس شرطه ألا يذكر فيه إلا الصحيح فقد ذكر مئات الأحاديث في مسنده وسئل عنها وأعلها ، وكان يتحاشى أن يذكر في كتابه الأحاديث الموضوعة أما الضعيف والضعيف جداً فكان يذكره في مسنده .
ورويت هذه المقولة عن ابن مسعود وأخرجها أحمد في كتاب الزهد ، ولكن إسنادها منقطع فلم تثبت مرفوعة ولا موقوفة وهي منكرة وقد قال عنها أحمد أنها حديث باطل أي فيه ما يخالف شرع الله عز وجل. والله أعلم ..

السؤال 88 : هل تجوز الصلاة بين السواري في المسجد عند ضيق المسجد بالمصلين؟ وأيهما أولى : الصلاة بين السواري أو الطوابق الأخرى للمسجد ؟ وهل يشترط أن يرى المأموم الإمام؟ وبناء عليه: هل يجب هدم مساحة من أعلى المسجد لكي يرى المأمومون الإمام ؟
الجواب: أما هدم شيء من أعلى المسجد فهذا لا دليل عليه وبالتالي فالصلاة تجوز كصلاة النساء في مصلاهن في طابق آخر لا يرين الرجال ولا الإمام ويصلين والصلاة صحيحة ، وكذلك إن لم ير المأموم الإمام وهو في طابق علوي مثلاً، فالصلاة صحيحة لكن لو وقع الهدم فهذا أمر حسن؛ لكي تقع المتابعة عند انقطاع التيار الكهربائي بالنظر ويرفع صوته الناظر، ويكون مبلغاً .
أما حكم الصلاة بين السواري، فالأصل في الصفوف أن تكون متراصة ومتقاربة ومتصلة ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : {من وصل صفاً وصله الله ، ومن قطع صفاً قطعه الله} أي وصله الله بثوابه ، وصله بجنته ووصله برضاه ، ومن قطع صفاً قطعه الله من ثوابه، ومن رضاه، وعن جنته، فنهى الشرع عن تقطيع الصفوف الحسية لكي لا تقع المقاطعة المعنوية، والشحناء والبغضاء ، فلذا يجب أن يصلي المسلمين بصفوف متراصة كالحب الذي في قلوبهم على بعضهم بعضاً، لذا كان الصحابة يتناهون عن الصلاة بين السواري التي تقطع صفوفهم، فقد أخرج ابن ماجه والطيالسي وابن خزيمة وغيرهم عن ضرة بن إياس المزني، رضي الله عنه ، قال:"كنا ننهى أن نصلي بين السواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونطرد عنها طرداً" وأخرج الترمذي وأبو داود والنسائي وغيرهم عن عبد الحميد بن محمود قال: "صلينا خلف أمير من الأمراء فاضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين ، فلما صلينا، قال أنس بن مالك: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وصححه ابن خزيمة والحاكم وابن حبان وغيرهم.
لكن إن اضطررنا إلى الصلاة بين السواري فنصلي بينها اضطراراً وإن تلاشينا الصلاة بين السواري فينبغي ألا نفر من هذا المحذور ، فنقع في محذور آخر وهو أن نباعد بين الصفوف، فالصفوف الأصل منها أن تكون متقاربة وأن يكون الصف خلف السرية مباشرة وكذلك الذي قبل السارية فقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن أنس رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {رصوا صفوفكم وقاربوا بينها}
وأما صلاة المنفرد بين السواري أو الإمام فلا حرج فيها، والصلاة بين الساريتين دون تتميم الصف عن اليمين والشمال أيضاً لا حرج فيها لأن التراص وعدم الانقطاع حاصل وإن ضاق المسجد فنصلي بين السواري ولا حرج والله أعلم .
وإذا حضر المصلي المسجد ووجد الصف بين السواري وهو غير منقطع فلا حرج وإن كان في المكان المكروه فالأحوط أن لا يقف خلف الصف منفرداً لأن صلاة المنفرد خلف الصف باطلة على أرجح الأقوال وينتظر.
وبالنسبة للمسجد الحرام والمسجد النبوي وكذلك المسجد الأقصى فالعلماء يستثنون هذه المساجد بأحكام خاصة للضرورة والحاجة ولكن المطلوب أن نتقي الله ما استطعنا والحرص على التبكير ، لأنه لا يقع في إشكال إلا المتأخر ، وهذين المسجدين معموران والحاجة ماسة لأن يصلي بين السواري خاصة في المواسم ، لكن مع الحرص على أصل القاعدة ما استطعنا وإلا لا حول ولا قوة إلا بالله .

السؤال 89: هل نحن مسيرون أم مخيرون ؟
الجواب: نحن مسيرون ومخيرون معاً ولم يسألنا ربنا عما نحن مسيرون فيه، فألوان بشرتنا، ومكان ووقت مولدنا، وأطوالنا، وماشابه فهذه لا نسأل عنها، وهذا أمر لم نخير ولا نحاسب عليه.
لكن نحن مخيرون في أعمالنا وأفعالنا ونسأل عنها بين يدي الله عز وجل ، والله أعلم .

السؤال 90: هل يجوز كشف وجه المرأة على أخي الزوج، خاصة عند وجودهم في بيت واحد ؟
الجواب: الذي أراه ولا سيما، في مثل هذه الصورة الجواز ، بشرط أن تنعدم الفتنة ، فإن ضاق البيت ولا تستطيع هذه المرأة أن تستقل ببيت، لفقر الزوج وعاشت في بيت عام، فيجب عليها أن تحفظ نفسها فلا يجوز لها أن تتكشف على أسلافها بأن تظهر شعرها أوشيئاً من مفاتنها، والواجب عليها أن تحفظ نفسها إلا وجهها وكفيها، فالوجه والكفان لها رخصة في الكشف والإبداء حتى من يوجب على المرأة أن تغطي وجهها وكفيها، في مثل هذه الصورة وعند هذه الحاجة يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين .
فلا حرج أن تبدي المرأة وجهها وكفيها بشرط انعدام الفتنة ومقدمات الفتنة وألا ينظر إليها بريبة فإن حصلت الفتنة ومقدماتها فيجب عليها أن تتسر ، والله أعلم .

السؤال 91: يقال إن "كتاب الروح" لابن القيم منسوب إليه، وليس له هل هذا صحيح ؟
الجواب : ويقال أيضاً أنه ألفه في أول تحصيله العلمي ، ويقال أنه ألف هذا الكتاب قبل أن يلتقي شيخ الإسلام ابن تيمية ويتتلمذ عليه .
لكن من يقرأ الكتاب قراءة تدبر وفحص وتمحيص يجد أن هذه الدعاوي سبيلها النقض، ونهايتها الرفض المحض، على الرغم من اشتهارها، فعند التحقيق لا تكون إلا طنين ذباب أو صرير باب.
ولقد قرأت الكتاب وعندي فيه نسخ خطية ونسبته ثابتة لابن القيم نسبة لا يجوز لأحد أن يتشكك فيها .
فقد ذكر ابن القيم كتابه "الروح" في كتابه "التبيان في أقسام القرآن" ونسبه إليه جمع من أهل العلم ، كابن حجر والسيوطي والشوكاني وغيرهم، واختصره الحافظ البقاعي ، تلميذ ابن حجر قديماً في كتاب سماه "سر الروح" وهو مطبوع والبقاعي نسب الكتب لابن القيم .
وأما القول بأن ابن القيم قد كتبه قبل أن يلتقي بان تيمية فهذا خطأ أيضاً فقد ذكر ابن القيم ابن تيمية في "الروح" عشر مرات.
والناظر في مسائل الكتاب وهي إحدى وعشرين مسألة يلمح فيها نفس ابن القيم وأسلوبه في النقاش والجدال والتقرير ومعارضة الخصم ، فكتاب الروح أصيل وليس دخيل على ابن القيم ومن شكك فيه فهو واهم .

السؤال 92: ما حكم الجوائز التشجيعية في محلات التسوق؟
الجواب: كثرت الجوائز في محلات البيع وهم يعملون بطاقات، ويعملون قرعة، ويعطون جوائز، وبعضها يكون ثميناً.
وهذه الجوائز أراها مشروعة بثلاثة شروط: شرط يعود إلى السلعة، وشرط يعود إلى المشتري، وشرط يعود إلى البائع.
أما الشرط الذي يعود للسلعة فهو : أن يكون سعر السلعة قبل الجائزة وبعد الجائزة، هو هو ، فإن زيد سعر السلعة بعد الجائزة، فهذه الزيادة تكون قماراً، فمن اشترى السلعة يريد الجائزة عند ذلك فهو يقامر بالثمن المزاد على السلعة ، على الجائزة .
أما الشرط الذي يخص المشتري فهو: أنه لايجوز للمشتري أن يشتري السلعة وهو ليس بحاجة إليها، وإنما يشتريها من أجل الجائزة، فإن اشتراها من أجل الجائزة فهو يقامر ، فإن كان له حاجة في هذه السلعة واختار هذا النوع من السلع ولم يختر النوع الآخر لعله يحصل له تبعاً الجائزة فهذا جائز.
والشرط الثالث الذي يعود لصاحب السلعة فهو: ألا يكون مقصد صاحب السلعة من هذه الجائزة الإضرار بغيره ، إنما يكون مقصده أصالة ترويج سلعته ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: { لا ضرر ولا ضرار} وقوله: {لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه} .
وبعد حصول الشروط الثلاثة يجوز الفصل بالقرعة ، فالقرعة مشروعة بكتاب الله ، وفي عدة أحاديث، فمن كتاب الله قوله تعالى: { } وقوله: { } أما الأحاديث فمنها أن سعد أعتق ستة عبيد وكانوا كل ما يملك ، فأمره صلى الله عليه وسلم أن يعتق اثنين وأمره أن يجعل بينهم قرعة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر أقرع بين نساءه، فالقرعة جائزة في تحديد الفائز بالجائزة.
ولكن نقول القرعة المشروعة تكون بعد أن يتثبت الشرع الحق، فلما تتساوى الحقوق تأتي القرعة ، فتفصل صاحب الحق ويكون جميع المقترع بينهم لهم حق في هذا الشيء، فالزوجات إن سافر الرجل فكلهن لهن حق في رفقته، فتزاحمت الحقوق، فتفصل القرعة بينهن وكذلك لو تزاحم اثنان على فرجة في الصف الأول وكل له حق فيها والأصل أن لا يدعها أحد فتفصل القرعة بينهما، وكذلك لو دعي رجل إلى أكثر من وليمة وكان كل منهم له حق في الإجابة، فتفصل القرعة في ذلك.
أما إن لم يثبت الشرع الحق وإنما القرعة هي التي تثبت الحق، فهذا أصبح قماراً فاليانصيب مثلاً، لا يوجد لأحد حق في الجائزة ، وإنما الذي يحدد القرعة فهذا هو القمار.
ومنه لعب الصغار بقطع النقد المعدنية ذات الوجهين ومنه النرد إلى غير ذلك من صور القمار المعروفة .

السؤال 93: هل هناك حد أدنى لعدد أيام النفاس ؟ وهل ينتهي بانقطاع الدم دون خروج القصة البيضاء؟
الجواب: النفساء هي المرأة التي تلد أو تسقط مولوداً مخلقاً حياً أو ميتاً فإن أسقطت مضغة لحم غير مخلقة أو دم فهذه مستحاضة وليست نفساء.
ووقت بدء النفاس خلاف بين الفقهاء فمنهم من قال مجرد نزول الدم سواء كان مع الولادة أو قبل الولادة بقليل يبدأ النفاس عند ذلك، ومنهم من قال : لو كان نزول الدم قبل الولادة بيومين ومنهم من قال ثلاثة أيام ومنهم من زاد، والذي أراه راجحاً في هذه المسألة مذهب الإمام الشافعي، رحمه الله وهو سهل ميسور ، وهو أن النفاس هو الدم الذي ينزل مع الولد وأما ما ينزل قبل الولد فهو ليس بنفاس فمهما رأت المرأة قبل الولادة فهذا ليس بنفاس وتبقى ذمتها مشغولة بالصلاة.
وأما أقل النفاس فلا يوجد له حد فقد يكون أقل النفاس يوم فمتى رأت المرأة مادة الطهر الأبيض بعد الولد وعلى إثر نزول الدم فهي طاهر .
وأما أقصى حد للنفاس فكما ثبت في سنن أبي داود من حديث أم سلمة رضي الله عنها، قال: {وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للنفساء أربعين يوماً} فإن لم تر الطهر بعد مضي أربعين تغتسل وتصلي ولا تزيد على الأربعين، والله أعلم ...

السؤال 94: شاب ملتزم هو قادر على العمل ولا يعمل، ما رأيكم فيه؟
الجواب: رأيي فيه ما أثر عن ابن مسعود وعن عمر قال: {أرى الشاب فيعجبني فأسأل عن عمله فيقولون لا يعمل فيسقط من عيني} والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {إن أطيب كسب الرجل من يده} ورأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يده خشنة فقال: {هذه يد يحبها الله ورسوله} وقال أيضاً: {إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها} وقال أيضاً: {كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول}، فأن يجلس الرجل بحجة الديانة وبحجة الدروس في المسجد والعبادة ويترك من يعول فهذا آثم، وهذا يخفى عليه أن العمل بنية أن يعف نفسه وزوجه وأولاده فلا يخفى عليه أن هذا عبادة، فقد ثبت في الصحيحن قوله صلى الله عليه وسلم {الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله } .
وأخرج البيهقي في الشعب عن عمر رضي الله عنه قال: {يا معشر القراء (أي العباد) ارفعوا رؤوسكم، ما أوضح الطريق، فاستبقوا الخيرات، ولا تكونوا كلاً على المسلمين} فلا تكن كلاً على غيرك، وقال محمد بن ثور: كان سفيان الثوري يمر بنا ونحن جلوس في المسجد الحرام فيقول: ما يجلسكم ، فنقول : ماذا نصنع؟ فكان يقول: اطلبوا من فضل الله ولا تكونوا عيالاً على المسلمين، وكان سفيان رحمه الله يعتني بماله, جاءه يوماً طالب علم يسأله عن مسألة وهو يبيع ويشتري، وألح في المسألة ، فقال له سفيان: يا هذا اسكت فإن قلبي عند دراهمي، وكان له ضيعة وكان يقول: لو هذه الضيعة لتمندل لي الملوك .
وكان أيوب السختياني يقول: الزم سوقك فإنك لا تزال كريماً مالم تحتج إلى أحد.
وليس الفقر من مقاصد ديننا ويؤثر عن علي أنه قال: {لو كان الفقر رجلاً لقتلته} وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول{اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر}.
فالواجب على الإنسان أن يعمل وأن يجد ويجتهد وألا يضيع من يعول، فإن قعد فهذا ليس بمتوكل وإنما هذا هو المتواكل وهذا صنيع الكسالى، فالرجل خلق في هذه الدنيا ليعمل ويكد ويجتهد، وكان الأنبياء أهل صنائع، وكان أبو بكر رضي الله عنه أتجر الناس ، فالجالس هذا إما أنه يفهم الدين خطأ، أو هو متواني متواكل ، ونقول له حسن نيتك واكسب الحلال واتق الله في عملك وأنت في طاعة واحرص على الجماعة وعلى دروس العلم ولكن لا تضيع من تعول ومن فتح على نفسه باب مسألة فتح الله عليه باب فقر ، ومن يعمل فهذا هو الغني ، فإن الغني ليس الثراء وإنما غنى النفس فلا تسأل أحداً ووفق الله الجميع لما يحب ويرضى..

السؤال 95: بعض المصلين يفتح رجليه أثناء استواء الصف أكثر من حاجته فيضيق على من بجواره، فهل هذا صواب؟
الجواب: البعض يريد أن يسد الفرج فيتتبع الفرجة ويتوسع في فتح رجليه وتنظر إليه فتشفق عليه من وقفته من شدة فتحه لقدميه، فنقول له: بارك الله فيك ينبغي لك أن تطبق هذه السنة بفقه وعلم.
فإن رأيت فرجة وأنت على يمين الإمام فاقرب وألصق بالذي على يسارك واجعل الفرجة عن يمينك والعكس إن كنت على يسار الإمام تجعل الفرجة عن يمينك وتفتح رجليك بمقدار كتفيك، فإن سد الفرج لا يكون بين الأقدام فقط وإنما من الأعلى أيضاً، بين المناكب فالأصل في المناكب أن تتراص كالأقدام فتكون الصفوف مستوية فتجعل الفرجة عن جانبك ومن يجانبك يقرب ومن بجانبه يقرب وهكذا يكون الصف متراص وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {رصوا صفوفكم وقاربوا بينها}.

السؤال 96: ما حكم من ينعت العلماء بأنهم علماء حيض ونفاس؟
الجواب: إن العلماء هم أولياء الله، وقال الشافعي في تفسير قوله تعالى: {ألا إن أولياء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قال: "إن لم يكن العلماء أولياء الله فلا أعرف من هم" وأن يعطي الله عز وجل علم دينه لبعض الناس فهذه علامة خير.
وعلماء هذه الأمة كأنبياء بني اسرائيل؛[وهذا لم يصح مرفوعاً لكن صح فهماً ودراية]، فالأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا العلم، والنبوة ليست مكتسبة وإنما هي هبة من الله وكذلك العلم، قال صلى الله عليه وسلم: {من يرد الله به خيراً يفقه في الدين}.
والطعن في العلماء والنبز علامة شر ، وقد قال ابن عساكر رحمه الله: "لحوم العلماء مسمومة وعادة الله فيمن انتهكها معلومة، ومن أطلق لسانه في العلماء في الثلب، ابتلاه الله بموت القلب} ، فمن اغتاب أخاه أكل لحمه، ومن اغتاب العلماء والصلحاء، يأكل لحماً مسموماً واللحم المسموم يقتل البدن ولكن لحوم العلماء والصلحاء تقتل القلب، فهذا القلب يصبح لا يعي عن الله عز وجل ولا عن رسوله مراده، فيكون مهاناً كما قال تعالى: {ومن يهن الله فما له من مكرم}.
وموقع علماء أمة محمد في أمة محمد يساوي موقع أمة محمد في سائر الأمم وهذه قاعدة قامت عندي أدلة كثيرة على صحتها فإن كان العلماء هم الذين يحكمون وهم المقدمون والناس معهم قلباً وقالباً فإن أمة محمد هي المقدمة بين الأمم وهي التي تحكم في الأمم والعكس بالعكس.
وهذا الفرق بيننا وبين سلفنا فإن العلماء كانوا ينكرون ويسمع لهم فهذا العز بن عبدالسلام، أنكر على المماليك لما صاروا حكاماً فأعلن على المنبر وقال: هؤلاء مماليك وبيعة المماليك باطلة فيجب أن يشتروا أنفسهم ويحرروا أنفسهم حتى تصلح بيعتهم فأوذي، فخرج من القاهرة فخرج جميع أهل القاهرة معه، فمروا على دير، فقال الراهب: ما بال الشيخ؟ فأخبروه الخبر، فقال: لو كان من ديننا لغسلنا رجليه وشربنا مرقة رجليه، فلما رأى المماليك حال الناس اضطروا أن يعلنوا وأن يشتروا أنفسهم وأن يعلنوا البيعة من جديد فسماه العلماء : بائع الملوك، سلطان العلماء، رحمه الله ، ولذا قال الشاعر:
إن الأكابر يحكمون على الورى وعلى الأكابر تحكم العلماء
ومن فاته العلم وقت شبابه فكبر عليه أربعاً لوفاته
وقال سفيان : صنفان إذا صلحا صلح سائر الناس وإذا فسدا فسد سائر الناس : العلماء والأمراء، وقال أبو بكر الوراق : الناس ثلاثة : أمراء وعلماء وفقراء، إذا فسدت الأمراء فسدت المعيشة وإذا فسد الفقراء فسدت الأخلاق وإذا فسد العلماء فسد الدين، ولو نتخيل أن بلدة فيها مرض معدي ولا يوجد بها طبيب فما هو حال الناس؟ الهلاك؛ وكذلك سبب قلة دين الناس عدم وجود العلماء ، فهم تعليم الناس هم لا يحمله إلا من هو أقل من الكبريت الأحمر، فالناس كلهم يريدون الوظيفة والمال، وأصبح الدين مهنة كبقية المهن فإن وصلنا إلى هذا الحال ، فلا حول ولا قوة إلا بالله ، فأمراض منتشرة ولا أطباء لها ، لذا لا تستغرب ما نرى من حال الناس اليوم وإنا لله وإنا إليه راجعون.

السؤال 97: ماذا نقول بين الخطبتين يوم الجمعة ، أنستغفر الله ، أم نقرأ الفاتحة ؟ وهل يجوز الكلام بين الخطبتين ؟
الجواب : نعم؛ يجوز الكلام بين الخطبتين فالشرع سكت عما بين الخطبتين فافعل ما شئت ، إن شئت أن تتكلم لك ذلك ، وإن شئت أن تذكر الله لك ذلك ، ولا نفعل شيء على وجه الدوام وعلى وجه التعبد والحديث الذي يقول: {إذا صعد الإمام المنبر فلا صلاة و لاكلام} حديث باطل وقد كان الناس في زمن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه يتكلمون وهو على المنبر بين الخطبتين .
لكن الخطورة والحرج أن تتكلم والإمام يخطب ففي حديث أبي هريرة في الصحيح : {إذا قلت لأخيك والإمام يخطب يوم الجمعة : أنصت، فقد لغوت} فالكلام ممنوع والإمام يخطب فإن جلس بين الخطبتين أبيح الكلام ، والله أعلم ..

السؤال 98 : ما حكم صلاة المرأة وعلى أظفارها طلاء؟
الجواب : الطلاء على الأظافر، أو ما يسمى (المناكير) مادة عازلة تحول بين الماء والظفر، فإن توضأت ثم وضعت الطلاء ثم انتقض وضوئها, فوضوئها الجديد لا يجزئ حتى تزيل الطلاء، ولا تجوز لها صلاة ولا يجوز لها وضوء حتى تزيل المناكير .

السؤال 99: ما هي نسبة الربح في التجارة ؟
الجواب : لم يثبت حد في الشرع لنسبة الربح في التجارة ولكن العلماء يقولون بجواز التسعير، فإن سعر أولياء الأمور سلعة ، فيجب على التجار أن يتقيدوا بالسعر ، ويحرم عليهم أن يزيدوا عليها، وهذا التسعير من المصالح المرسلة والغالب على هذه السلع أن تكون من السلع المهمة الضرورية والرئيسية.
والشيء الذي لم يسعر ينبغي أن يتقيد فيه بأعراف أهل التجارة فكل سلعة عند التجار سعران أعلى وأدنى، فلا يجوز لك استغفال الآخرين فتبيعه بسعر غير سعر السوق.
وهذا السعر الأعلى والأدنى يحدده حال الزبون والكمية التي يأخذها الزبون فالغني ليس كالفقير وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عروة البارقي دينار ووكله بأن يشتري له شاة، فاشترى عروة الشاة بدينار وباعها بدينارين فرجع إلى السوق واشترى شاة بدينار ، ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بالشاة والدينار وأقره على صنيعه ، فربح مائة بالمائة ، وكان الربح حلالاً ولكن قد يربح في رطل سكر خمس قروش ويكون حراماً، فالعبرة بأسعار السوق ، وألا يكون غرر ولا تدليس ولا استغلال وما شابه، والله أعلم ...

السؤال المئة : هل يجوز للمرأة أن تحرم بالحج أو العمرة وهي حائض؟ وما حكم أخذ الدواء لمنع ذلك؟
الجواب: المرأة لا يجوز لها أن تمر عن الميقات دون إحرام ولو كانت حائض فتبقى في بيتها حتى تطهر وتفعل أفعال الحج إلا الطواف إن كانت في حج وإن كانت في عمرة تبقى في بيتها حتى تطهر ثم تغتسل ولا داعي لأن تذهب إلى الميقات ولا إلى التنعيم لأنها تبقى على إحرامها، ثم تعتمر.
فإن جاءها الحيض بعد أن أكملت الطواف فجماهير أهل العلم يجوزون لها أن تسعى وهي حائض وتتحلل من عمرتها ولها أن تأخذ الدواء لمنع الحيض ولا سيما في الحج لأنه قد تأتيها العادة في اليوم التاسع أو العاشر ولا بد أن تطوف الإفاضة وهو من أركان الحج فإذا انتظرت ستأخر الركب الذي معها ، فأن تأخذ ما يمنع نزول الحيض لا حرج وإن كان فيه نوع ضرر لكن هذا الضرر محتمل وهذا الحج – كما يقال- رحلة العمر.
وفي مصنف عبد الرزاق أثرين (برقم 1219، 1220) فيهما جواز أخذ المرأة في زمن الصحابة والتابعين أشياء تمنع نزول دم الحيض، فسئل ابن عمر عن امرأة تطاول بها دم الحيض فأرادت أن تشرب دواءً يقطع الدم عنها، فلم ير ابن عمر بأساً ونعت ابن عمر لها ماء الأراك قال معمر: وسمعت ابن أبي نجيح يسأل عن ذلك فلم ير بذلك بأساً فأخذ هذا الدواء أيسر لها وللركب الذي معها، والله أعلم .
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.


To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 03-23-2012, 04:00 PM
خالد بن إبراهيم آل كاملة خالد بن إبراهيم آل كاملة غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 5,683
افتراضي

السؤال 101: إذا تضمن رجل من آخر سيارة (تكسي) وإذا المستثمر خولف مخالفة مرورية من قبل شرطي السير وسواء كان ذلك بحق أم بغير حق، فمن يتكلف دفع الغرامة ؟
الجواب : الأصل أن المسلمين عند شروطهم وعمر يقول – كما في البخاري تعليقاً- "الشروط مقاطع الحقوق" فإن وقع بينهما شرط فالشرط يفصل ، فإن لم يكن بينهما شرط ، فالعرف ، فننظر في أعراف السائقين المخالفة على من ، فنحمله المخالفة ، والأعراف العامة اليوم أن المخالفة على السائق.
واستطراداً نقول : إن العقوبة بالغرامة المالية مشروعة، على أرجح الأقوال ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم عن مانع الزكاة: {إنا آخذوها وشطر ماله ، عزمة من عزمات ربنا} فشطر المال هذا عقوبة بالغرامة المالية، وجوز هذا ابن القيم والشطاي.
أما مسألة تضمين (التكسي) فأجبنا عن ذلك في سؤال سابق فليراجع.

السؤال 102: طبيب وصف لي العلاج بالأساور ذات الذبذبات والموجات الكهرومغناطيسية ، أو الأساور النحاسية والمعدنية، فهل يجوز ذلك ؟
الجواب: أن يلبس الرجل الأساور لكي يتحلى بها أو السناسل فهذا لا يجوز، لأن فيه تشبه بالنساء، وخاتم الفضة لا حرج فيه، وخاتم الذهب حرام على الرجل ، وخاتم الحديد ثبت في مسند الإمام أحمد أنه حلية أهل النار، وكذا إسوارة الحديد.
أما لبس الأساور الطبية من باب التطبب والمعالجة ، فهذا أمر لا حرج فيه، وهذا من باب الضرورة فإن لم نجد علاجاً إلا هذا ، فلا حرج .

السؤال 103: هل يجوز لبس خاتم الدبلة ، وهل يجوز لبس خاتم الحديد؟
الجواب: الدبلة عادة كنسية ، أما الخاتم فسنة نبوية، وأما لبس خاتم الحديد فلا يجوز لأنه ثبت أنه حلية أهل النار.
أما قوله صلى الله عليه وسلم: {التمس ولو خاتماً من حديد} فنقول: أنه لايجوز للمفتي أن يفتي بناء على نص ويدع النصوص الأخرى ، فالعلماء يقولون : لبس خاتم الحديد مكروه أو حرام للحديث الوارد في مسند أحمد عن خاتم الحديد أنه حلية أهل النار، ولما ثبت عن ابن سعد في "الطبقات" أن عمراً ضرب يد رجل لأنه يلبس خاتم ذهب، فقال رجل بجانبه: يا أمير المؤمنين، أنظر أما أنا فخاتمي من حديد، فقال له عمر: ذلك شر ، إنه حلية أهل النار ، فخاتم الحديد عند عمر شر من الذهب، فحديث "التمس ولو خاتماً من حديد" يستفاد منه: أن المهر لا بد أن يكون ممولاً، وهذا مذهب جماهير أهل العلم، وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن هذا الرجل يحفظ الفاتحة وغيرها، فقوله{التمس ولو خاتماً من حديد} أي التمس شيئاً ذا قيمة ولو كانت قيمته يسيرة جداً ولو كان هذا الشيء خاتماً من حديد، واقتناء خاتم الحديد جائز ولا يلزم منه جواز اللبس فكما أنه يجوز للرجل أن يقتني الذهب ويقدمه مهراً ولا يجوز له أن يلبسه فكذلك خاتم الحديد.

السؤال 104: أيهما أفضل: العشر الأوائل من ذي الحجة أم رمضان؟
الجواب: أيام العشر من ذي الحجة أيام فاضلة فالله عز وجل خالق الزمان خلقها وفضلها على كثير من الأيام وأقسم عز وجل بلياليها فقال: {والفجر وليال عشر}، والليالي العشر هي ليالي العشر الأول من ذي الحجة، وقال تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات} وقال: {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} وعلق البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما، بصيغة الجزم، قال : {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} هي أيام العشر: والأيام المعدودات هي أيام التشريق.
وهذه العشر تنتهي بأفضل يوم خلقه الله على الإطلاق، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: {أفضل الأيام وأحبها إلى الله يوم النحر ثم يوم القر} ويوم النحر هو العاشر والقر الاستقرار بمنى، فيوم الأضحى أفضل أيام السنة، ولا يوم من أيام السنة يعدله، ولذا جعل الله بين يديه، حتى وصل إلى هذه الفضيلة التسع الأوائل من ذي الحجة، وفي البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه} قالوا: ولا الجهاد؟ قال: {ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء} وأخرجه أبو داود ولفظه: {ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام} قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: {ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء} .
وأما أيهما أفضل: العمل الصالح في رمضان، أم العشر من ذي الحجة؟ فقد ورد عن الترمذي من حديث ابن عباس قوله صلى الله عليه وسلم: {ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر} لكن هذا الحديث لا يصح في إسناده النهاس بن قهم، وهو ضعيف، فلو ثبت هذا الحديث لقلنا أن العمل الصالح في العشر من ذي الحجة أفضل من العمل الصالح في رمضان، وقد قال المحققون من العلماء إن العمل الصالح في نهار العشر من ذي الحجة أفضل وأحب إلى الله من العمل الصالح من نهار رمضان .
وأما العمل الصالح في ليال العشر الأخيرة من رمضان، هو أفضل وأحب إلى الله من العمل الصالح في ليال العشر من ذي الحجة مع مراعاة أن العمل الصالح في نهار رمضان له فضل وأن العمل الصالح في ليالي العشر من ذي الحجة له فضل، وكيف لا وقد أقسم الله عز وجل بالليالي العشر.
والله عز وجل خص هذه الأمة بليلة من العشر الأواخر من رمضان ألا وهي ليلة القدر ولحكمة شاءها الله عز وجل، رفعها الله لما أراد النبي أن يخبر أصحابه بها، وسمع جلبة في المسجد، والذي رفع منها هو التعيين والتحديد فحسب خلافاً للرافضة الذين زعموا أن ليلة القدر قد رفعت بالكلية .
وقد خص النبي صلى الله عليه وسلم العشر الأول من ذي الحجة بطاعات منها: قوله صلى الله عليه وسلم: {فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير} وثبت في سنن أبي داود بإسناد جيد عن بعض أزواجه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم التاسع من ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، والاثنين والخميس، فيسن الصيام في هذه الأيام لا سيما يوم عرفة الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: {أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده} بخلاف عاشوراء الذي يكفر سنة ماضية وقد سئل ابن الجوزي عن سبب ذلك، فقال: يوم عرفة يوم محمدي ويوم عاشوراء يوم موسوي، ولما كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من موسى ففضل عرفة على عاشوراء .
أما الحاج فالراجح عند أهل العلم أنه يحرم عليه أن يصوم عرفة، وقد وقع خلاف بين الفقهاء : هل صيام عرفة للحاج أنه مكروه أو حرام؟ والراجح أنه حرام، مع الإجماع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم عرفة في الحج، فقد ثبت عند البخاري من حديث أم الفضل بنت الحارث أن أناساً تماروا عندها يوم عرفة، هل كان النبي صائماً أم كان مفطراً؟ فقال قوم هو صائم، وقال آخرون هو مفطر، فكانت لبيبة فقيهة، فسكبت له لبناً قد شيب بماء في كوب، وأرسلته إليه، فشربه صلى الله عليه وسلم وفضت الخلاف، لذا يسن للحاج أن يفطر في عرفة امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام} فعيد الحاج يبدأ من عرفة ولا يجوز للإنسان أن يصوم يوم العيد .
وأفضل طاعة تؤدى إلى الله في هذه العشر : الحج لمن استطاع، ومن لم يستطع فأفضل طاعة في حقه أن يضحي.

السؤال 105: هل يجوز أخذ الشعر للمضحي؟ وهل هذا يشمل الزوجة والأولاد؟
الجواب: لا يجوز لمن أراد أن يضحي أن يأخذ شيئاً لا من ظفره ولا من شعر بدنه، في أي مكان كان، فليتجهز قبل دخول العشر، فيقلم أظفاره ويتخلص مما زاد من شعر بدنه، فقد ثبت عن مسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره، ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي}.
أما زوجه وأولاده فلهم أن يأخذوا، والحديث فيمن أراد أن يضحي فحسب، وكذلك غير المستطيع على الأضحية له أن يأخذ، فإن مرت أيام من ذي الحجة ثم استطاع فمتى نوى على الأضحية يمسك.
أما من أخذ من شعره وهو يريد أن يضحي فأضحيته صحيحة وليست مردودة وإنما وقع في مخالفة فلم يمتثل أمر النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم ...

السؤال 106: ما هو الضابط لقصر و طول الخطبة ، والصلاة يوم الجمعة، وكيف تكون الخطبة أقصر وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ {ق} في الخطبة والأعلى والغاشية في الصلاة؟
الجواب: خطبة يوم الجمعة الأصل فيها الموعظة، وأن يقرب الناس فيها إلى الله وأن يرقق قلوبهم لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة {ق} على المنبر أحياناً فهذا هو هديه صلى الله عليه وسلم ولا يوجد شيء يرقق قلوب المؤمنين المتربين على حقيقة الدين أكثر من القرآن ولو أن خطيباً اليوم قرأ {ق} على المنبر ونزل، لقامت الدنيا عليه ولم تقعد،ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن السنة أن تكون الخطبة قصيرة والصلاة طويلة، فقد ثبت عند مسلم عن وائل قال: {خطبنا عمار بن ياسر فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان، لقد أبلغت وأوجزت، فول كنت تنفست [أي طولت] فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه ، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة} وثبت عن مسلم أيضاً عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، أنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين، وفي الجمعة {سبح اسم ربك الأعلى} و {هل أتاك حديث الغاشية}". لكن مع هذا كانت صلاته صلى الله عليه وسلم أطول، لأنه كان يركع بمقدار قيامه وهكذا، فكان يطيل في أذكار الهيئات والأركان، لذا كانت صلاته أطول من خطبته، وإن كان الظاهر خلاف ذلك، فمن ظن ذلك فقد فطن لأمر ونسي آخر، والله أعلم..

السؤال 107: هل يجوز بيع جلد الأضحية؟
الجواب: لا يجوز للمضحي أن يبيع شيئاً من جلد أضحيته، وصحح شيخنا الألباني رحمه الله، حديث أبي هريرة في مستدرك الحاكم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من باع جلد أضحيته فلا أضحية له} فلا يجوز بيع شيئاً من الأضحية ولكن له أن يتصدق بها.

السؤال 108: ما هو صحة حديث{اقرأوا على موتاكم سورة يس} ؟
الجواب: هذا حديث ضعيف جداً، أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وأحمد وغيرهم من طريق ابن المبارك عن أبي عثمان عن أبيه عن معقل بن اليسار، وأبو عثمان وأبوه، كما قال الإمام الذهبي في الميزان، مجهولان، فهذا إسناد مظلم، ولا يعمل به، وقرائتها لم يثبت فيها شيء كما قال الإمام الدار قطني.
لكن من السنة أن نلقن الميت "لا إله إلا الله" وهو يحتضر فإن قالها نسكت عليه، فإن تكلم بكلام غيرها، رجعنا ولقناه أن يقول" لا إله إلا الله" فيكون حرصنا عليه أن نجعل آخر كلامه من الدنيا"لا إله إلا الله" .

السؤال 109: هل يجوز كتابة اسم الميت على قبره من أجل تمييزه؟
الجواب: يسن أن يعلم قبر الميت بعلامة، ولا حرج في ذلك، ولا حرج أن يتقصد الرجل في زيارة قبر أبيه أو أمه أو قريبه، فقد استأذن النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يزور قبر أمه فأذن الله له.
أما الكتابة على القبور فقد ثبت في سنن أبي داود والنسائي من حديث جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنه، قال: {نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه أو يكتب عليه} قال الإمام النووي في كتابه العظيم "المجموع" في المجلد الخامس ص298، قال: قال أصحابنا: وسواء كان المكتوب على القبر في لوح عند رأسه، كما جرت به عادة بعض الناس أم في غيره، فكله مكروه، لعموم الحديث ، كذا أطلق الكراهة، وظاهر النهي الذي في حديث جابر التحريم، وقد ذهب إلى تحريم الكتابة على القبور الإمام أحمد رحمه الله، وقد نازع في ذلك الحاكم في المستدرك فقال: ليس العمل عليه، فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم، وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف، وتعقبه الإمام الذهبي في كتابه التلخيص، فقال: ما قلت طائلاً، ولا نعلم صحابياً فعل ذلك، وإنما هو شيء أحدثه بعض التابعين ومن بعدهم فلم يبلغهم النهي.
وهاهي مقبرة البقيع ما زالت على حالها، الذي كانت عليه على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سيما قبور الأصحاب وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فلم نشاهد ولم نر شيئاً مكتوباً على القبور، ولم نر غرساً للأشجار، وهذه أعمال بدعية مخالفة لشريعة الله فلا يجوز لأحد أن يجصص على القبر، أو أن يكتب على القبر، ولا نغرس الأشجار، ولكن كما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع حجراً على قبر عثمان بن مظعون، ليعلمه ويميزه عن غيره من سائر القبور وهذا هو المشروع، والسعيد من وقف عند حد الشرع.

السؤال 110: هل يجوز للحاج الجمع بين الصلاتين في جميع أيام تأدية نسكه؟
الجواب: الحاج متى احتاج إلى الجمع يجمع، ويعمل الأرفق به تقديماً وتأخيراً وما لم يحتج إلى الجمع فإنه لا يجمع، والحاج يجمع بعرفة، ويجمع بمزدلفة فحسب، وغير ذلك يجمع إن احتاج وأما إن جلس في منى في أيام التشريق فهديه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقصر فيها من غير جمع.
فهناك انفكاك بين عزيمة القصر ورخصة الجمع، فقد يقع قصر من غير جمع وقد يقع جمع القصر ، وقد يقع جمع من غير قصر كما في الحضر والله أعلم ..

السؤال 111: ما حكم اصطحاب الأطفال إلى المسجد عند الصلاة وعند حضور الدروس؟
الجواب: توجيهي لأولياء الأمور ألا يصطحبوا الصغار إلا بعد أن يرشدوا بأن يحافظوا على الهدوء حتى تقع الإفادة في الدرس والخشوع في الصلاة، ولا يجوز إحضار الصغير للمسجد إن كان يشوش ويزعج إلا إن كان مميزاً، أو غلب على ظن من يحضره أنه لا يشوش ويعرف حرمة المسجد ولا يشوش على غيره لا في الصلاة ولا في طلب العلم .

السؤال 112: امرأة تخرج من بيتها متزينة متبرجة ، فما حكمها؟ وماذا يترتب عن المسؤول عنها؟ والحكم عليه ماذا؟
الجواب: لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المتبرجات من أهل النار فذكر صنفين لم يرهما ومنهما المتبرجات وأمر بلعنهن ممن رأى متبرجة فيسن أن يلعنها، وإن ترتب على إسماعه إياها اللعن، فليلعنها في نفسه ليحصن نفسه من شرها، فإنهن يشبهن الكافرات في أفعالهن، فإن عاملهن الله بعدله هلكن ودخلن النار والعياذ بالله .
وهذا الوعيد كما يشمل المتبرجات فإنه ضرورة وبلوازم النصوص يشمل أولياء أمورهن من الأزواج، والآباء والإخوة، فيجب على الرجل أن يتفقد امرأته وأخواته وبناته، وأن يأمرهن بلباس الحجاب والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته} والله يقول: {قوا أنفسكم وأهليكم النار} فكما أن الله أمرك بالصلاة فإن الله يأمرك أن تقي بناتك وزوجتك النار، والناس اليوم مقصرون، والكل يشكو من الفساد،والكل له نصيب من سبب هذا الفساد، فالنساء اللاتي نراهن في الطرقات، لنابهن صلة، فعلينا أن نعظ، وأن نأمر، وأن ننصح، ونبرئ ذمتنا، ويجب على من له ولاية ، يجب عليه أن يستخدم ولايته فيعظ ويهجر، ويضرب إن لزم الأمر، مع ملاحظة أن اجتثاث الشر من النفس مقدم على اجتثاثه بالقوة، لكن هذا أمر يجب علينا أن نبرئ ذمتنا منه بين يدي الله عز وجل.
ونرجو أن نجد حياً واحداً من أحياءنا، ألا نجد فيه متبرجة، وأن يضرب هذا الحي مثلاً لغير من الأحياء فنعمل جاهدين على محاربة هذا الأمر بالحسنى والإرشاد والتعليم، وكل إن فعل الواجب عليه، فبإذن الله يقل هذا الشر ، والشر يزداد بسكوت أهل الخير، فسكوت الصالحين وكلام الصالحين هو أكبر أعوان ظهور الفساد في المجتمعات ، فيا من رزقتم صلاحاً لا تسكتوا ، تكلموا، انصحوا، وأمروا، لعل الله عز وجل ينفع بكلامكم ، إن كنتم صادقين وتوجهتم إلى الله بالدعاء لهم، لعل الله ينفع ببركة دعائكم وطاعتكم وأمركم ونهيكم ، والله الموفق .

السؤال 113: رجل كان يرتكب بعض المعاصي ، وأراد أن يتوب ويرجع إلى الله ودخل في ماله مال حرام، رغم أن المال من اليانصيب والكومسيون ، ولا يملك الآن إلا منزله، ويعيل أولاده بما يرضي الله سبحانه وتعالى، ما حكمه ؟ وماذا يفعل؟
الجواب: بالنسبة لليانصيب ، وهو قمار، فالواجب عليه أن يتصدق بمقدار ما أخذ، وهذا لله في ذمته، يدفعه عندما يتيسر له، ولو أنه في كل فترة دفع شيئاً منه، حتى يبرئ هذه الذمة، فأرجو أن يزول الإثم عنه.
أما ما يخص بعض المخلوقين إن أخذ منهم مالاً بالطرق غير المشروعة، فيجب عليه أن يستسمح منهم، أو أن يجدول هذا الدين معهم حتى يقدر عل السداد.
وأما المخالفات بسبب تطفيف المكيال والأيمان والغش، فهذا أمر بينه وبين الله، ويجب عليه أن يكثر من الطاعات التي تغلق مداخل الشيطان، فيكثر من الصدقات ويخرج هذه الأموال في عموم سب الخير، حتى يبرئ الذمة، فإن كنت لا تستطيع الآن وصدقت الله وعلم الله منك صدقاً، وعزمت على ذلك، فأنت إن شاء الله على خير، وبإذن الله تسد ما أخذت وابدأ متى توسعت بالسداد .

السؤال 114: ما هي الأدلة على عدم جواز الجماعة الثانية في المسجد الواحد، ولماذا لم يجز هذا الأمر؟
الجواب: الأصل في المسجد الذي فيه إمام راتب أن يجتمع المسلمون فيه على إمام واحد في صلاة واحدة، فكما أنهم يتجهون إلى قبلة واحدة، ويتبعون نبياً واحداً ويعبدون رباً واحداً، فالمطلوب منهم أن يصلوا صلاة واحدة.
والمتخلف عن الجماعة، واحد من اثنين: إما أنه قد قصر، فلو صلى جماعة وراء جماعة، فلن يسد تقصيره، وإما أنه معذور، فإن رأى الجماعة قد انتهت فيصلي منفرداً [ويكون قد أخذ أجر الجماعة كما جاء في الحديث {من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً}]
وقد ثبت في صحيح ابن خزيمة وسنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله يحب أن تكون صلاة المؤمنين واحدة} وثبت في معجم الطبراني الأوسط أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع من ناحية من نواحي المدينة ومجموعة من أصحابه، ووجد الجماعة قد انتهت فقفلوا إلى بيوتهم وصلوا في بيوتهم فرادى، وما صلوا جماعة ثانية.
فماذا يوجد تصريح أشد من هذا التصريح؟ ترك صحبه الصلاة خلفه صلى الله عليه وسلم وتركوا الصلاة في مسجده والركعة بألف وصلوا في بيوتهم،.
وثبت عن عبد الله بن مسعود أنه دخل هو ومجموعة من أصحابه المسجد، ووجد الجماعة قد فرغت فصلوا فرادى، أخرج ذلك الطبراني في المعجم الكبير بإسناد جيد .
فالأصل الحرص على الجماعة بعد الأذان، فالنبي يقول عمن ترك صلاة الفجر وتخلف عنها مع الجماعة يقول: منافق معلوم النفاق، فلو أن رجلاً صلى الفجر الجماعة الثانية دوماً في المسجد فهل هذه الجماعة الثانية ترفع عنه صفة النفاق؟ لا ترفع عنه النفاق ، ولذا لم تعرف الجماعة بعد الجماعة أبداً إلا في القرن السابع وما بعد ، كما قال الزركشي في كتاب "إعلام الساجد في أحكام المساجد" وكما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وهذا مذهب جماهير أهل العلم، فهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله ،
وللمسألة نظائر ، فلو أن جماعة أتوا والإمام قد فرغ من الجمعة فلا يصلون الجمعة بعد الجمعة، وأيضاً لو أنهم دخلوا والإمام قد جمع بين الصلاتين فلا يجمعون بعد جمع الإمام، فنظائر المسألة تؤكد كراهية الجماعة الثانية.
ونصص الإمام مالك في (المدونة) على أن صلاة الناس فرادى أحب إلى الله من صلاتهم في الجماعة الثانية قال: لو أن الإمام أذن وتمهل الإمام في المدة المعتادة ، ولم يأت أحد يقيم ويصلي، فلو جاءت جماعة بعد صلاته أكره لهم أن يصلوا جماعة ، وصلاة الإمام وحده هي الجماعة ، ذلك أنه لا يوجد في الإسلام جماعات فيجتمعون على إمام واحد، ولا يعرفون الفرقة، فلا يتفرقون على الأئمة، هذا الشره وهذا الدين.
وعاب الله على أقوام باتخاذهم مسجداً ضراراً، وبين السبب فقال: {كفراً وتفريقاً بين المؤمنين} وفي تكرار الجماعة يحدث تفريق، وقد ذكر ابن العربي المالكي في "أحكام القرآن": وقد استنبط بعض فقهائنا من هذه الآية كراهية الجماعة الثانية؛ لأن الله علل منع اتخاذ مسجد الضرار بالتفريق والجماعة الثانية فيها تفريق.
وقال صلى الله عليه وسلم : {لقد هممت أن آمر بالصلاة ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار} فقوله {لا يشهدون الصلاة} الألف واللام فيها للعهد وليست للجنس، أي الصلاة المعهودة وهي التي أمر المنادي أن ينادي بها، ولو كانت جنس الصلاة لقالوا : نصلي في بيوتنا، فكان الواجب أن يشهدوا تلك الصلاة وغيرها لا يجزئ عنها، ولو كانت الجماعة الثانية مشروعة لما كان هنالك معنى للأذان ، فالمؤذن على من ينادي؟ ولقد أثر عن بعض السلف أنه كان الواحد منهم إذا رفع المطرقة وسمع الأذان لم يضعها وكان بعضهم يقول: ما فاتتني تكبيرة الإحرام منذ أربعين سنة وقال آخر ما أذن المؤذن إلا وأنا في المسجد .
فجمهور علماء المذاهب والأئمة الفقهاء لا يرون جواز الجماعة الثانية؛ فأبو حنيفة نقل كراهيتها عنه تلميذه محمد بن الحسن الشيباني، ومالك نقل عنه الكراهية تلميذه ابن القاسم، والشافعي نصص على عين المسألة في كتابه "الأم" بل أورد نقلاً لم أظفر به مسنداً، ولو وجدناه مسنداً لكان نقله هذا قاضياً على أصل المسألة فقد قال الشافعي في "الأم": {وقد ورد أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تخلفوا عن صلاة الجماعة فصلوا على مرأى منه ومسمع فرادى ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم}، وياليتنا نجد كتاب الإمام البيهقي"تخريج أحاديث الأم" حتى لا يبقى هذا الأثر مبهماً معمىً ، ونرجو الله أن نجده والأيام حبالى وما ندري ماذا ستلد.
ومن الناحية الأصولية فإن مسألة الجماعة الثانية يتوجب المنع على القاعدة [الأمر المحدود بين طرفين إن فات فلا يجب قضاؤه بالأمر الأول، وإنما قضاؤه يحتاج إلى أمر جديد] هذا على قول أهل التحقيق من علماء الأصول، وعلمنا هذا من استقراء النصوص، ولذا قال الله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} فلو كان عرف الشرع أن من فاته الأمر يجب عليه القضاء لكان هذا الأمر لغواً وحشواً ولا فائدة منه، فمن فاتته الجماعة وهي واجبة، ولها حدان، فقضائها لا يحتاج إلى الأمر الأول؛ أي مرغبات الجماعة ، كما احتج بذلك جمع من الحنابلة ممن يجوزون الجماعة الثانية وعلى رأسهم ابن قدامة في كتابه "المغني".
وأما ما يستدل به الذين يجوزون الجماعة الثانية من أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما رأى رجلاً دخل المسجد فوجد الجماعة قد انتهت فقال: {من يتجر [أو يتصدق] على هذا} ففيه دليل للمانعين وليس للمجوزين، فقد ورد في بعض رواياته: {فانصرف كي يصلي وحده} فقال بعض الشراح: (في هذا إشارة إلى أن المعهود عند الصحابة أن من فاتته الجماعة صلى وحده ، فلما دخل ذلك الرجل وانصرف كي يصلي وحده ونظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه ورأى الحزن في وجهه وعلم حرصه على الجماعة وأنه ما تعود ولا تعمد التخلف عن صلاة الجماعة قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن حضر الجماعة: {من يتجر على هذا} وفي رواية {من يتصدق}، ويتجر ويتصدق فعل مضعف العين ، بمعنى أنه فعل متعد ويحتاج إلى فاعل ومفعول به، فهذه الحادثة تحتاج إلى متصدق ومتصدق عليه، فلما تصدق عليه هذا الرجل تصدق عليه بأربع وعشرين أو ست وعشرين ركعة، [فالذي يتصدق ويتجر هو المليء] أما لما يدخل جماعة متأخرون، وقد تعودوا أو تعمدوا التخلف فوالله لو أنهم صلوا مرات ومرات جماعة بعد جماعة بعد جماعة ما نالوا الأجر الذي أدركه من صلى مع الإمام الرتب فهذه صورة خاصة لمن لم يتعمد ولم يتعود التخلف عن الجماعة ومن أدرك الصلاة مع رجل له صلة بالجماعة الأولى .
وأما من يصلي في هذه الصورة إماماً؟ أقرؤهم للقرآن وصلاة الجماعة مع من أدرك الصلاة مع الإمام الراتب أفضل من الرجوع إلى البيت والصلاة فرادى في المسجد أفضل من الصلاة فرادى في البيت؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: {أفضل الصلاة صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة} فصلاة المكتوبة في المسجد أفضل ولو كانت فرادى، لكن لو رجع إلى بيته وصلى مع أهله جماعة أو مع من تخلفوا مثله فالصلاة في البيت جماعة أفضل من الصلاة في المسجد فرادى، فهذه الصورة نقول بها ونقول بعمومها على الضوابط والقيود الواردة فيها من غير توسع ولا مدعاة لصلاة الكسالى.
أما أثر أنس الذي علقه البخاري، فقد وصله غيره، إذ قد ورد عند البيهقي في "المعرفة" و "الخلافيات" : ((أن أنس دخل وعشرين من أصحابه في مسجد بني رفاعة أو بني ثعلبة أن مسجد الساج، فصلوا ثم انطلقوا)) وفي رواية: ((أذن ثم أقام ثم صلى بهم ثم ركبوا وانطلقوا)) فهذا المسجد الذي فيه أنس بمن معه من أصحابه كان مسجداً على الطريق وكان على سفر ولذا أذن فيه، وعامل هذا المسجد معاملة من يصلي فيه أول مرة والمساجد التي على الطرقات وليس لها أئمة راتبون يجوز الصلاة فيه جماعة على إثر جماعة ولا حرج في ذلك، والله أعلم ..

السؤال 115: هل يجوز للمسلم أن يتبرع بأحد أعضاءه أثناء حياته ويحتسبه عند الله عز وجل ؟ وهل له أجر على ذلك؟ وهل يجوز للمسلم أن يوصي بالتبرع بأحد أعضاءه مثل الكلية أو العينين بعد موته، ويحتسبه عند الله ، وهل يؤجر على ذلك؟
الجواب: إن من العبارات الخاطئة والآثمة والمخالفة لما علم من الدين بالضرورة ، ما نسمعه: انتقل فلان إلى مثواه الأخير وهذا لازمه أن البعث غير موجود، فإن القبر ليس مثوى الإنسان الأخير، لأن الوفاة هي انتقال من دار إلى دار، والروح محبوسة في البدن ،وبالوفاة تنفك من هذا السجن .
والعلماء يقولون إن الإنسان يعيش في أربعة دور: الجنين في بطن أمه ، والدنيا، والبرزخ، والجنة أو النار، ويقولون: إن سعة حياة البرزخ بالنسبة إلى الحياة الدنيا، كسعة حياة الدنيا بالنسبة إلى سعة حياة الجنين في بطن أمه، فلو قدر لنا أن نخاطب الجنين في بطن أمه ونخبره أنه يوجد بعد هذه الدار التي أنت فيها دار واسعة وفيها كذا وكذا من الدور والبحار والجبال والسعة ، فلعله لا يصدق، ويقول أنا مرتاح هنا، ولا يوجد أوسع من هذا المكان! وكذلك أيضاً فإن الحياة الموجودة في البرزخ غير هذه الحياة ولذا ليس بمجرد وضع الإنسان في القبر نقول إنه يتحلل، وانتهى الأمر ، فالأمر ليس كذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {يبعث الميت على ما مات عليه} لذا فإن للإنسان كرامة في حياته وبعد الممات فلو أن الإنسان يهلك ويتحلل ولا يوجد هناك حياة فنقول: تبرع ، لكن بما أننا علمنا حياة أخرى العقل لا يدركها فلا يجوز لنا أن نفتي بأن يعبث بأي شيء من بدن الإنسان.
وأيضاً التبرع مقتضاه الملك، فلا يجوز لي أن أتبرع بشيء لا أملكه وبما أننا لا نملك أنفسنا فلا يجوز لنا أن نتبرع كما لايجوز للإنسان أن ينتحر لأنه لا يملك نفسه.
ثم نقول: لماذا نستبشع ونستقبح من تبرع إحدى عضوين ظاهرين له؟ فلو أن رجلاً تبرع بيده أو رجله لكان أمراً قبيحاً، فلماذا إذا كان العضو باطناً لا يستقبح التبرع به، أما إن كان ظاهراً يستقبح؟
ثم لا يمكن للطبيب أن يعطي للمتبرع بأحد عضويه ضماناً بأنه لا يحتاج إليه ، فكيف للإنسان أن يتبرع بكلية مثلاً قد يحتاج إليها.
والمرض قدر لله عز وجل، والمريض إن صبر فله الأجر العظيم يوم القيامة ويجعلهم في منازلهم التي ما استطاعوا أن يصلوا إليها بطاعة وعبادة، إلا المرض والابتلاء، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يود أهل العافية لو قرضت جلودهم بمقاريض يوم القيامة لما يرون من الأجور لأهل البلاء} لذا من ابتلي فليصبر، وأما أن ينتزع بأشياء لا نملكها في حياة لا نعرفها ولا نعرف أضرار التبرع عليها.
ومسألة التبرع نازلة من النوازل التي لا يوجد فيها نص شرعي ظاهر ولا يوجد فيها اجتهاد للأقدمين من العلماء فالمعاصرون منهم المبيح، ومنهم الحاظر، والذي يمل إليه قلبي وأحبه لنفسي وإخواني أن يغلق هذا الباب ولا يفتح، فهذا هو الأسلم وهذه فتوى المحققين من العلماء المعاصرين.
وقد يستشكل هذا بمسألة سحب الدم والتبرع به؛ فنقول: إن سحب الدم مختلف وله أصل شرعي وهو الفصد والحجامة والدم عضو متجدد بخلاف بقية الأعضاء فهي غير متجددة، فافترق الدم عن بقية الأعضاء من هذه النواحي والله أعلم.

السؤال 116: هل يجوز لمن يلثغ بحرف الراء وينطقه غيناً هل يجوز له الإمامة؟
الجواب: من كان ألثغاً فله أن يؤم الناس إن كان أحفظهم فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {يؤم القوم أقرؤهم} لكن إن كان يتساوى حفظه مع حفظ غيره ممن نطقه سليم، فنطق السليم مقدم على نطقه.
وهذا شيء ليس بمقدوره والواجب عليه أن يقرأ بما يقدر ويبقى عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم {يؤم القوم أقرؤهم على عمومه} فالنبي صلى الله عليه وسلم قدمه فنقدمه، هذا ما أراه راجحاً والمسألة فيها خلاف بين الفقهاء .

السؤال 117: ما صحة هذا الحديث الذي ينشر ويوزع على الناس مطبوعاً على الورق؟ وهو: {إذا اقترب الزمان، كثر لبس الطيالسة، وكثرت التجارة، وكثر المال، وعظم رب المال بماله، وكثرت الفاحشة، وكثر النساء، وكانت إمارة الصبيان، ويطفف بالمكيال والميزان، ويربي الرجل جرو كلب خيراً له من أن يربي ولداً، ولا يوقر كبير، ولا يرحم صغير، ويكثر الزنا حتى إن الرجل ليغشى المرأة على قارعة الطريق فيقول أمثلهم في ذلك الزمان : لو اعتزلتم الطريق ويلبسون جلد الضأن على قلوب الذئاب أمثلهم في ذلك الزمان المداهن} ؟
الجواب: هذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك (3/343) والطبراني في الأوسط برقم(4860) من طريق سيف بن مسكين ، قال حدثنا مبارك بن مضالة عن المنتصرين عمارة بن أبي ذر الغفاري عن أبيه عن جده رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال الحاكم: (تفرد به سيف بن مسكين) قال الذهبي : (قلت هو واهٍ) وفيه منتصر بن عمارة بن أبي ذر هو وأبوه مجهولان وضعفه إلا ما الهيثمي في مجمع الزوائد (7/325) وصح من هذا الحديث: كثرة النساء وكثرة المال، وصحيح منه آخره فقد صح عن أبي يعلى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {والذي نفسي بيده لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق، فيكون خيارهم يومئذ من يقول: لو واريتها وراء هذا الحائط} وصحح شيخنا الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة برقم (481) بمجموع طرقه، قوله صلى الله عليه وسلم: { لاتقوم الساعة حتى يتسافدوا في الطريق مثل تسافد الحمير}.
وبعض الناس ينشر أحاديث في الأمة ولا يسأل عن صحتها، فإن كانت كذباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يعمل على نشر الخرافة في الأمة فلا يحل لرجل أن ينشر شيئاً على أنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أن يقول حديثاً حتى يتيقن أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال هذا الحديث، وذلك بأن ينظر في كتب أهل صنعة الحديث أو أن يسألهم وإلا فيدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: {من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار} .

السؤال 118: ما هو حكم التسمية بالأسماء التالية: محيي الدين، إيمان ، عبد المنعم؟
الجواب: الأسماء في الشرع لها أهميتها واعتنى بها النبي صلى الله عليه وسلم عناية متميزة، فقد غير أسماء غير واحد من أصحابه، رضي الله عنهم، وبين أن أحب الأسماء إلى الله : عبدالله، عبدالرحمن، وأصدقها: الحارث وهمام .
والنظر بالجملة في الأسماء التي غيرها النبي صلى الله عليه وسلم يخلص إلى قواعد قد نصص عليها العلماء، وقد جمع الإمام الصاغاني كتاباً في الأسماء التي غيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فمن الأسماء الممقوتة في الشرع، ما يضاد العقيدة الصحيحة أي مافيه تعبيد لغير الله عز وجل، مثل: عبدالنبي، أو عبدالحسين، وكذلك إذا حمل الاسم معنىً قبيحاً الشريعة ستنفر منه، أو يحمل في طياته معنى لا يحمد، وإنما يذم، فمنها مثلاً: نهاد، وهذا الاسم معناه: المرأة التي برز ثدياها، ومنها وصال، ومعناها: الجماع، وغير ذلك من الأسماء التي تحمل معنى قبيحاً.
ومن القواعد أيضاً في الأسماء المنصوص عليها عند أهل العلم أن لا يكون فيه تشبه بأسماء الكفار فلا يجوز للرجل أن يسمي ابنه أو ابنته باسم فيه تشبه بالكفار، وتزداد الحسرة والأسف لما نجد أن الأمر تعدى أسماء الأشخاص إلى أسماء المحلات التجارية التي أصبحت تسمى بأسماء أعجمية، وسبب ذلك الشعور بالهزيمة، فمن سنة الله تعالى التي لا تتبدل ولا تتغير، أن الصغير يحاكي الكبير وأن الجاهل يحاكي العالم وأن المغلوب يحاكي الغالب، وكثير من أفراد هذه الأمة غلبوا في نفوسهم وهزموا، وأصبح الكفار هم القدوة وهم الأسوة لهم، فهم يجارونهم، ويحاولوا أن يتشبهوا بهم، لذا وقعت اللعنة من النبي صلى الله عليه وسلم على من تشبه بالكفار، والتشبه مما يشمله الأسماء .
ثم من القواعد الكلية في الأسماء أن لا يكون في الاسم تزكية أي أن لا يزكي الرجل في الاسم، فربنا يقول: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} فلا يجوز لإنسان أن يسمي ابنه (محيي الدين) ولا يجوز للمرأة أن تسمى (ساجدة) ولا (إيمان) وأيضاً (ناصر الدين) وما شابه من هذه المعاني والإمام النووي رحمه الله ، كان لقبه (محيي الدين) وكان يغضب وينزعج من هذا اللقب، وكان يقول: (من لقبني بمحيي الدين فإني لا أجعله في حل) .
وأيضاً من القواعد في الأسماء أن لا نسمي الرجل باسم وتضيفه لاسم لم يثبت لله عز وجل في كتاب أو سنة، فأسماء الله توقيفية، فربنا يقول: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمدلله رب العالمين} فبعد أن نزه الله نفسه بالتسبيح عن كل نقص مدح أنبياءه لأن أنبياءه لا يصفون الله إلا بما يستحق من أسماء الجلال والجمال والكمال، فلا يجوز أن نستنبط من عقولنا اسماً لربنا بغير اعتماد على نص، و[المنعم] لم يرد كاسم لله لا في كتاب ولا سنة، و[الإنعام] صفة من صفات الله، لكن لا يجوز أن نسمي باسم نضيفه إلى صفة، فالصفات في الشرع بابها أوسع من باب الأسماء والله لا يدعى ولا يسأل إلا بأسماءه ولا يجوز استنباط اسم من صفة، فمثلاً الله يقول: {قل الله يفتيكم في الكلالة} فلا يجوز أن تقول إن الله (مفتي) فيصبح هذا اسم، والاسم لا بد له من دليل خاص.
وينبغي علينا أن نعتني بأسماء الأبناء ، فالمسمى له نصيب من حقيقته، فقد استشار عمر رضي الله عنه، فيمن يتولى له بيت المال، فدل على رجل فقال له: ما اسمك؟ قال: كنيز، قال: ما اسم أبيك؟ قال خبيء، قال: والله لا نولي بيت المال من كان يكنز وأباه يخبي.
ومن الناس من يسمي ابنه بأسماء أو مفردات وردت في القرآن من غير أن ينظر إلى حقيقة المعنى، فليست العبرة بورود الاسم في القرآن، فمثلاً كلمة (حمار) وردت في القرآن، فهل يجوز لأحد أن يسمي ابنه حمار؟ وكذلك كلمة(سجى) وردت في القرآن، ومعناها الظلام ، وهو شرعاً مذموم، فليس اللجوء إلى القرآن مسوغاً لأن يكون الاسم حسناً ولنا في أسماء الصحابة والتابعين أسوة ولا بأس أن يسأل الإنسان عن معنى الاسم الذي يريد أن يسميه، والله الموفق.

السؤال 119: ما هو حكم الدعاء بـ((اللهم إني لا أسألك رد القضاء وكني أسألك اللطف فيه)) ؟
الجواب: هذ دعاء شائع بين الناس وهو دعاء خاطىء آثم، مخالف للشريعة، بل مخالف لأصول العقيدة، وهو يلتقي مع عقيدة فاسدة قالها رجل معتزلي اسمه النظام، وله شيء يسموه (طفرة النظام) وهي تقول: "إن الله قبل أن يوجد هذا الخلق أوجد لهم قوانين ولا يوجد صلة لله بخلقه" وكل أفعال المضارع في القرآن ترد عليه.
والرسول صلى الله عليه وسلم يخبرنا أن صلة الأرحام وحسن الجوار وحسن الأخلاق تزيد في الأعمار، والدعاء يرفع البلاء، فالمسلم يدعو: ((اللهم إني أسألك العفو والعافية)) فيرفع عنه من البلاء ما شاء، فالدعاء والقضاء يتعالجان، أيهما كان أقوى غلب.
ومن لوازم الدعاء بـ(اللهم إني لا أسألك رد القضاء.....) أن ما كتب لا يبدل ولا يغير، وأن الله لا صلة له بالناس ولا بالكون، على وفق طفرة النظام العقيدة الفاسدة.
ونحن نسأل الله في دعاءنا الشفاء، ونقول يا رب اشفني، فإذا كان هذا قد كتب ولا يغير، فلماذا الدعاء إذن، وقد ثبت عند الاسماعيلي في مستخرجه بإسناد جيد، كما قال ابن كثير في كتابه (مسند الفاروق) أن عمر كان يدعو ويقول: ((اللهم إن كنت كتبتني شقياً، فامحني واكتبني سعيداً)) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {اللهم إني أعوذ بك من درك الشقاء وجهد البلاء وسوء القضاء، وشماتة الأعداء} فتعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من سوء القضاء، والله يقول: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}، وليلة القدر يمحو الله ما يشاء ويثبت ما يشاء، وهذا شيء غيبي لا نعرفه، وللطاعة بركة، وللمعصية شؤم، وبركة الطاعة تكون في المال والأهل والذات والعمر، وشؤم المعصية كذلك، فلو أن رجلاً عمل طاعة ووضعها في صخرة في باطن الأرض، فإن بركتها وثمرتها لا بد أن تظهر في حياته، ولو أن رجلاً عمل سيئة، وأخفاها عن أعين الناس فإن حسرتها وشؤمها لا بد أن تظهر في حياته.
وبالنسبة لقوله صلى الله عليه وسلم {رفعت الأقلام وجفت الصحف} فهذا أمر يخص الجنين، ثم الملائكة في كل عام تأخذ ما يلزمها بشأن هذا الإنسان وتفعل ما يوكلها الله به، والتغيير الذي يطرأ هو بالنسبة إلى ما عند الملائكة، وليس إلى ما في علم الله عز وجل، والله أعلم ..

السؤال 120: هل هذا حديث{إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن}؟ وحديث{الجار قبل الدار}هل هو صحيح؟
الجواب: ليس هذا بحديث، لكن معناه صحيح ووجدته مسنداً عند ابن شبة في "تاريخ المدينة" من قول عثمان رضي الله عنه، فليس هو من قول الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما حديث {الجار قبل الدار} وجدت له طريقين عن علي رضي الله عنه، وأخرجه مرفوعاً الخطيب البغدادي في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وأداب السامع" وسنده ضعيف جداً فيه ابن وهو متروك، وله إسناد آخر عند العسكري في كتابه "الأمثال" عن علي أيضاً وفيه مجاهيل، وحديث هذا حاله عند علماء الصنعة يكون الضعف شديداً وقد نصص على ضعف الطريقين السخاوي في كتابه "المقاصد الحسنة" .

السؤال 121: ما هو حكم تشغيل المسجل في غرفة لطرد الجن وفك السحر ولا يستمع إليه أحد؟
الجواب: السحر حق، والعين بنص الوحيين، فقد قال تعالى: {ومن شر النفاثات في العقد}، وقال: {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر} وقال صلى الله عليه وسلم: {العين حق}، ولكن ما العلاج؟ فاللجوء إلى المشعوذين كفر بالله رب العالمين، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {من أتى عرافاً فصدقه بما قال، فقد كفر بما أنزل على محمد، وإن لم يصدقه لا ترفع له صلاة أربعين يوماً}.
والرقية والعلاج تكون من إنسان، ولا تكون من الجمادات والذوات، وقال الله في كتابه: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً} وقال بعض السلف: (ما جلس أحد مع القرآن وقام سالماً فإما له وإما عليه) وتلا هذه الآية.
وحتى تنفع الرقية ويقع بها الشفاء بإذن الله لا بد من اليقين والتسليم والإذعان إلى أن القرآن شفاء، لذا قال تعالى: {ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين}، فمن كان شاكاً لا ينتفع.
ولا بد للراقي أن يرقي بالشروط الشرعية، فيرقي بالآيات والأحاديث، وكما قال ابن القيم: (القرآن سلاح، قوته بقوة راميه) لذا بعض الناس يقرأ ولا ينتفع المريض، فكلما ازداد الإنسان تقوى وهدى وعلماً وخوفاً من الله فالمرجو أن يقع النفع، والأمر من قبل ومن بعد بيد الله عز وجل.
فلا يجوز أن نظن أن القرآن رقية للبيت، فالسحر يقع على الإنسان والمسحور يقرأ عليه، أما أن نقرأ على الحيطان والجدران، فهذه ليست رقية شرعية، ولم تؤثر عن أحد.
لكن البيت الذي فيه سحر يقرأ فيه، ويقرأ الإنسان فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان لا يدخل البيت الذي فيه سورة البقرة ثلاثة أيام بلياليها.
ويجب أن نعتني في بيوتنا ونقرأ بأنفسنا فيها ولسنا بحاجة إلى آلات التسجيل، ولا سيما أننا أمرنا إذا قرئ القرآن أن نستمع إليه، أما أن نشغل المسجل ونخرج من البيت ونظن أن هذا البيت لا تدخله الشياطين، فهذا قول فيه توسع ليس بمرضي.

السؤال 122: ما هو حكم المناقشات والمجادلات عن أمور فرضية ليست بواقعة؟
الجواب: المناقشة والمجادلة في أمور فرضية، غير واقعة، لا ثمرة تحتها ولا فائدة منها، فهذا أمر فيه كراهية شديدة، لا سيما إن كانت تخص الأحكام الشرعية.
وانشغال الإنسان بالأمر الذي لا يعنينه، وليس بواقعي، ويترك الشيء الذي يعنيه، وسيسأل عنه بين يدي الله، فهذا ترف وسفه.
وتؤثر أجوبة حكيمة عن العلماء الأقدمين في هذا الباب، قال سائل يوماً للشعبي- وكان فيه دعابة رحمه الله- قال له: ما اسم امرأة إبليس ؟ فقال الشعبي: "ذلك عرس لم أشهده"، وجاء رجل إلى عالم فقال له: ما اسم الذئب الذي أكل يوسف عليه السلام؟ فقال: إن الذئب لم يأكل يوسف، فقال: ما اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف؟ فبعض الناس أسئلته على هذا النحو، فهو يريد أن يسأل ليتكلم.
والمؤمن لسانه من وراء قلبه فهو لا يسأل ولا يتكلم إلا إن كان هناك ثمرة وفائدة، فإذا أردت أن تعرف هل الرجل على هدى أم غير غير ذلك، فانظر إلى حفظه للسانه، فقد قال عليه الصلاة والسلام: {إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً تهوي به في جهنم سبعين خريفاً}.
ومثل هذه الأسئلة من اللغو وكره السلف الخوض فيها، وسئل غير واحد عن مسائل فكانوا يقولون: هل وقعت؟ فيقول السائل: لا، فيقول الواحد منهم: دعها حتى تقع.
فنحن نتعلم لنعمل لا ليصبح لنا كلام كثير وفلسفة كثيرة وتصدر المجالس.

السؤال 123: هل هذه الألفاظ شرعية: فلان دينه ناقص أو لا دين عنده، فلان لا أرضى دينه، فلان لا ضمير عنده، فلان لا إنسانية عنده؟
الجواب: ليست هذه الألفاظ سواءً منها المشروع ومنها الممنوع، وأسوأها وأقبحها آخرها، وهو لا إنسانية له، ولا ضمير له، وهذه ألفاظ ماسونية هدفها تمييع الدين وتمييع الشرع أن يكون هو المقياس في المدح والذم، وهذا المعيار يستوي فيه المسلم والكافر، وربنا يقول: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون}.
والمعيار الشرعي أن نقول: فلان ليس على هدى، ليس على استقامة، لا يتقي الله ، وما شابه فهذه معايير شرعية فلفظ إنسانية لفظ عام ، الدين لا وجود له فيه .
أما أن نقول: فلان دينه ناقص ، لا أرضى دينه، فهذه عبارات شرعية، ليست ممنوعة ولا محظورة، والدليل على ذلك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن النساء: {ناقصات عقل ودين}، لأنهن لا يصلين في المحيض وهن معذورات، ولا يقضين ما فاتهن من صلاة في أثناء الحيض، فالمرأة يقال عنها ناقصة دين وهي معذورة ، أليس من باب أولى أن يقال من ترك صلاة وهو غير معذور ناقص دين.
وكذلك قولنا: فلان لا أرضى دينه، فهذا أيضاً لفظ مقبول شرعاً، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {إذا أتاكم من ترضون دينه فزوجوه} ، فقد يأتيني فلان ولا أرضى دينه.
وعدم رضى دينه أن يكون مقصراً في الواجبات والطاعت، أي لا أرضى التزامه وعمله في الدين، وليس المقصود الإسلام ، فمن قال لا أرضى الإسلام فقد كفر، فالمقصود برضى الدين عمله والتزامه هل هو ملتزم أم مقصر.

السؤال 124: ما هو حكم بيع الدخان؟
الجواب: الدخان حرام، وقد أفتى مئات من أهل العلم بحرمته وربنا يقول: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} فالدخان خبيث.
وهناك أدلة فطرية سهلة تدلل على خبث الدخان؛ فلو أن إنساناً صائماً في رمضان وأذن وهو في المسجد وهو مولع بالدخان هل يجرؤ أن يتناول الدخان في المسجد ؟ والجواب قولاً واحداً: لا، لكن هل يجرؤ على تناول الدخان في الحمام ؟ الجواب : نعم.
وهل توجد نعمة بعد أن يشربها الإنسان يدوس المتبقي فيها برجله؟ ومن الحقائق – وهذا من سنة الله الكونية- أنه لا يوجد دابة ولا بهيمة ولا حشرة تقرب شجرة الدخان قبل التصنيع فتأكله، ومن سنة الله أيضاً: أن الأرض التي يزرع فيها الدخان لا تقبل نبتة أخرى.
والدخان من المسلمات اليوم أنه ضار، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {لا ضرر ولا ضرار}، وضرر يتعدى للغير، فهو ضار، وبالاقتصاد، ويتعدى ضرره للولد، فمن الأدلة التي أصبحت شبه يقينية اليوم أن ولد غير المدخن أذكى بكثير من ولد المدخن وولد غير المدخن عنده مناعة للأمراض أكثر بكثير من ولد المدخن.
فالدخان حرام، أفتى بحرمته جمع من الأقدمين والمعاصرين لخبثه وضرره، وما حرم تناوله حرم بيعه وشراؤه وزراعته وصناعته، فهو حرام بيعاً تناولاًشراءً صناعة، زراعة، والمال المجني منه حرام، والذي يشتغل في تصنيعه ماله حرام.


السؤال 125: هل يجوز القيام للمعلم النصراني؟ وما صحة الاستدلال بهذا الأمر بقول الشاعر: قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولاً؟

الجواب: بيت الشعر المذكور ليس بحسن، فإن المعلم لن يكون رسولاً، والنبوة هبة من الله لا مكتسبة بالجد ولاجتهاد.
وأما القيام للمدرس لا سيما إن كان نصرانياً لا يجوز بل يحرم التعلم في مدارس النصارى، فهذا أمر خطير ويحرم على الرجل أن يعلم أبناءه في مدارس النصارى.
ووجدت كلاماً بديعاً لعالم من الاقدمين وهو ابن الحاج، في كتابه "المدخل" تعرض في كتابه في موطنين إلى خطورة الدراسة في مدارس النصارى.
فذكر في كتابه في (الجزء الأول ص 190-191) و(الجزء الثاني/330) كلاماً حسناً وسأنقل شيئاً من الموطن الثاني، قال بعد كلام: (وإذا كان ذلك كذلك، فيخاف على الولد الذي يدخل كتاب النصارى أن ينقش في قلبه ما هم عليه أو بعضه ولا أعدل بالسلامة شيئاً- نسأل الله السلامة بمنه- ومن أقبح ما فيه وأهجنه وأوحشه: أن الولد يتربى على تعظيم النصارى والقيام لهم الذي قد تقدم منعه في أهل الخير والصلاح، وعدم الاستيحاش من عوائدهم، وسماع اعتقاد أديانهم الباطلة، حتى لو خرج الصبي من مكتبهم لبقي على عاداتهم في التعظيم لهم، وعدم الاستيحاش منهم ومن أديانهم الباطلة وأنه إذا رأى معلمه الذي علمه الحساب والطب قام إليه وعظمه كتعظيم ما اصطلح عليه بعض المسلمين مع بعض من الغالب، وكذلك يفعل مع كل من صاحبه في مكتب معلمه النصراني من جماعة أهل دينه فيألف هذه العادات الذميمة المسخوطة شرعاً ولا يرضى بهذه الأموال من له غيرة إسلامية، أو التفات إلى الشرع الحنيف.
فأن يجعل الأب ابنه في مدارس النصارى بحجة أنهم متقدمون في العلم، أو تدريسهم أفضل، فهذا لا يقبله من عنده غيرة وحمية، فإنهم يشربون الأولاد الباطل فينشأ الولد على تعظيم الباطل ، وقد يدخل في قلبه – من حيث يدري أو لا يدري- شيء على دينه أو بنيه من الشبه، والشبهة أشد من الشهوة، فالشهوة نزوة ثم تزول، أما الشبهة تبقى مستقرة في العقل مسيطر ةعلى القلب.
وكان ابن تيمية يقول لتلميذه ابن القيم رحمهما الله: (يا بني اجعل قلبك كامرآة، ولا تجعله كالإسفنجة، فإن الشهوة أو الشبهة إذا سقطت على المرآة عكستها، وإذا سقطت على الاسفنجة مصتها، وإن أثرها ربما يظهر في يوم من الأيام ولو في سكرات الموت.
فالقلب في لحظات الموت والسكرات يفرز الشهوات والشبهات فكثير ممن يلقن لا إله إلا الله عند الموت فلا يحسن أن يقولها فليحرص الإنسان على قناعاته ويحرص على أبناءه.
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما عوده عليه أبوه
فإياك أن تسلم أبناءك إلى أعداء الدين ونسأل الله العفو والعافية.

السؤال 126: إذا أراد أحد الذهاب للمسجد ومنعته أمه من الخروج ولم يستطع الخروج هل يناله إثم أم أمه؟
الجواب: إن أمر الوالدان بأمر فيجب على الابن أن يطيع، في غير معصية الله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : {لا طاعة إلا بمعروف}.
وأمرنا ربنا أن نرفق بوالدينا وإن أمرانا بل إن جاهدانا على الكفر، فالله عز وجل، وصى بهما خير، فقال{وإن جاهداك على أن لا تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً}.
فالوالدان باب من أبواب الجنة والسعيد والهنيء من حفظ أبويه، فإن كانت لك أم أو أب فاحرص عليهما فإنهما أقرب إليك لدخول الجنة من الجهاد في سبيل الله فلما جاء شاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه أن يجاهد فقال: {أحية أمك؟} قال : نعم، قال: {الزمها ؛ فإن الجنة عند قدميها}.
لكن إن أمرت الأم أو الأب بعدم الصلاة في المسجد فلا طاعة لهما ، وذكر الإمام البخاري في صحيحه عن الحسن البصري قال: (إن منعته أمه عن العشاء في جماعة شفقة عليه لم يطعها) .لأن الجماعة في حق غير المعذور فرض، وقد بوب البخاري (باب وجوب الصلاة).
لكن في غير معصية تجب الطاعة لا سيما الأم ولنتأمل قوله تعالى: {وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً} فالجبار الشقي في الدنيا من لم يكن باراً بأمه، ومن كان باراً بأمه، فإنه رقيق هني، حياته سهلة ميسورة.
والبر ميدان فسيح لا حد له، فكل يفعل حسب همته وحسب قربه من ربه، فعن بعض السلف أنه كان لما يأكل يفتت لأمه الطعام لقمات، فيقال له لماذا لا تأكل فيقول: أخشى أن أضع في فمي لقمة تشتهيها أمي ، وكان قتادة بن دعامة البصري إن تكلم مع أمه لا يسمع له صوت فلما كان يسأل عن ذلك كان يقول: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة}.
فعند الوالدين الجناح يخفض، فإن كان الإنسان صاحب شهادة أو منصب اجتماعي ، صاحب مال وجاه، محلق في آفاق الناس، عند الوالدين هذا الجناح يطوى ويخفض ولا يبقى كبيراً كما هو عند سائر الناس كما هو عند أبويه.
ولا تخفى علينا قصة جريج العابد، فإمه تنادي عليه وهو في صلاته، فيقول: ربي؛ صلاتي أم أمي؟ ثم لم يستجب لها، وهو في صلاة نفل، فدعت عليه فقالت: (اللهم لا تمته حتى ينظر في وجوه المومسات)، فاتهمته بغي بأنها حملت منه فهدمت صومعته، وأخذ للملك، فسأل ما الخبر؟ فأخبر، فقال: ائتوني به، فتحققت دعوة أمه عليه، برؤية وجوه المومسات، فوضع أصبعه على الجنين وهو في بطنها وقال: من أبوك؟ فقال: فلان الراعي، والقصة معروفة والشاهد فيها دعوة أمه عليه، فرؤية وجوه المومسات معصية وحسرة، وما نراه في الطرقات من المتبرجات هو من الدعوات علينا ومن شؤم معاصينا نسأل الله السلامة، فإن أمرت الأم بترك السنة، تطاع وتترك السنة.

السؤال127: ما الفرق بين محمد وأحمد؟
الجواب: من المعلوم أن نبينا صلى الله عليه وسلم، خير الخلق وأحبهم إلى الحق ونبينا صلى الله عليه وسلم له أسماء عديدة ومن الأسماء التي ذكر في القرآن محمد وأحمد.
والفرق بين الاسمين، أن محمداً: جمع للفضائل وجميع الصفات الطيبة والحسنة المحمودة، وأما أحمد فمعناه: أنه بلغ الغاية في كل صفة من هذه الصفات، فبلغ الغاية في الكرم وبلغ الغاية في الشجاعة، وبلغ الغاية في كل خصلة من خصال الخير على وجه الإنفراد.
ولذا قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}، أي لكم جميعاً، لكم أيها الآباء، لكم أيها العمال، لكم أيها الأبناء، وهكذا، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم هو القدوة لجميع الناس، لأنه محمد وأحمد، فلا يلحقه أحد في وجوده، وطاعته وتقواه، وسائر الخصال الخيرة،نسأل الله رب العرش العظيم أن يرزقنا الاقتداء به ، صلى الله عليه وسلم.
وكلمة "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله" ينبغي لكل مسلم أن يقف طويلاً عندها، فمعنى قولنا "أشهد أن لا إله إلا الله" أي ؛ يا رب لا أعبد إلا أنت، والعبادة: كمال الحب مع كمال الخضوع، فأينما يجد الإنسان قلبه الطمأنينة والرضا مع كمال الخضوع فهو معبوده، لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: {تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتفش}، فهذا معنى قولنا: "أشهد أن لا إله إلا الله" أي لا معبود بحق إلا الله.
وأما قولنا "وأشهد أن محمداً رسول الله" أي لا متبوع بحق إلا رسول الله، فكما أنك توحد ربك بالعبادة، فإنك توحد نبيك وتفرده بالإتباع.
أما العلماء فلا يتبعون لذواتهم وإنما يتبع بيانهم وحججهم وأدلتهم، فالأئمة الأربعة رحمهم الله ،فكان الواحد منهم يقول: (إذا بلغكم قول عنا يخالف قول نبينا فارموا بقولي عرض الحائط)، وكان أبو حنيفة يقول: (يحرم على الرجل أن يقول بما قلنا حتى يعلم من أين أخذناه) .
وسئل الشافعي مرة: يقول الرسول كذا وكذا فما تقول أنت؟ قال: (سبحان الله! أتراني خارجاً من الكنيسة؟ أترى على وسطي زناراً؟ تقول لي قال رسول الله فما قولك أنت؟ ما قولي إلا قول رسول الله ).
فالعلماء أدلاء، هم الذين يدلون على الاتباع، ونحن نتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا معنى قولنا " أشهد أن محمداً رسول الله" .

السؤال 128: توفي شخص وله سبعة أولاد وأوصى لشخص بكامل الورثة، وهي دكان عليه دين، ماذا يفعل الأولاد ، هل يقيمون دعوى في المحكمة أم ماذا؟
الجواب: إن كان هذا الشخص الموصى له من ضمن الأولاد فهذا أمر حرام لا يجوز ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {لا وصية لوارث}. ومن أوصى لوارث بشيء زائد فوصيته هدر باطلة لا يعمل بها.
وأما إن أوصى بجميع ماله لشخص آخر، ليس من الورثة، فإن أقصى ما يمكن أن يوصي الرجل لغير الورثة: الثلث، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد لما أراد أن يخرج من ماله بسبب مرض لحقه، فقال له: {الثلث والثلث كثير}، ثم قال له موجهاً: {إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم فقراء يتكففوا الناس}، وفي هذا إشارة إلى أن الرجل إن كسب ماله من حلال وورثه منه أولاده وكان قد رباهم على تعظيم دين الله فإن الأجر لا حق به، وهذا الأجر أعظم من أجر الصدقة.
فهذه الوصية نعمل بالمشروع منها وهو الثلث، ونأخذ منه الثلثين ويردان إلى الورثة.
وينصح باللجوء إلى قاضي شرعي في المحكمة فيقوم بحصر الإرث وتوزيعه على الورثة بالطريقة الشرعية ، فإن لم يكن قاضي شرعي، فطالب علم يتقن الميراث.
وعلم الميراث أخبرنا أن من أوائل العلوم التي ترفع ، حتى أن الرجل يطوف الأرض ولا يجد من يقضي له بقضية ، فيا طلاب العلم احرصوا على علم الميراث، حتى لا يبقى هذا العلم مهجوراً وهو علم مانع سهل يحتاج إلى وقت يسير بعد حفظ القواعد ، وفقنا الله لما يحب ويرضى.

السؤال 129: هل يجوز الجمع بين الأضحية والنذر؟ وهل يعق عن الميت؟
الجواب: فكما أنه لا يجوز الجمع بين الصلاة والزكاة لأنهما طاعتان مستقلتان وكل طاعة لها سبب ، فكذلك النذر طاعة لها سبب والأضحية طاعة لها سبب.
والعجب من الناس أنهم في الطاعة والعبادة يحاولون الاقتصاد وفي الدنيا والشهوات والملذات يكرمون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فالنذر طاعة يوجبها الرجل على نفسه، والأضحية طاعة واجبة بسبب عيد الأضحى، فلا يوجد أي مجال للجمع بينهما، وكذلك لا يجمع بين العقيقة والأضحية، فكلها طاعات لها أسباب- فينبغي أن تقع كما أوجبها الشرع.
وأما العقيقة فلا يخص الميت بالعقيقة، فهذه طاعة تحتاج إلى دليل خاصن ولا يوجد، أما من لم يعق عنه فله أن يعق عن نفسه، لكن لا على وجه الوجوب ، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قد عق عن نفسه بعد النبوة، وفعله لا يدلل على الوجوب، وإنما على الندب.
أما الولد فيعق عنه في يومه السابع فإن مات قبل السابع فلا عقيقة عليه ،إما إن مات بعد السابع فتجب العقيقة على المستطيع.

السؤال 130: ما المقصود بالحديث الشريف: {لعن الله النامصة والمتنمصة}؟
الجواب : النمص: أخذ الشعر كما في "القاموس" والشعر الذي ينبت على الجسد لا يجوز الأخذ منه إلا بإذن من الله، وقد حدد لنا الشرع مواطن الأخذ رجالاً ونساءاً، فأوجب الشرع حلق العانة كل أربعين يوم، وكذلك نتف الإبط .
وأما الأخذ من سائر الجسد فلا يجوز، فلا يجوز مثلاً للرجل أن يحلق شعر صدره، وكذلك المرأة، فالشرع حدد مواطن الأخذ فلا نتعداها.
وأخطر ما يمكن أن يتصور في النمص الوجه، والنامصة ملعونة، والتي تنمص للنساء والتي تسمى كوافيرة، فهذه ملعونة، فكيف إذا كان يزيل شعر النساء رجل ، فهذا ملعون من باب أولى.
وجاءت امرأة إلى ابن مسعود تسأله عن النمص، فقال: (إن الله لعن النامصة في كتابه)، فرجعت وقرأت كتاب الله فلم تجد أية واحدة فيها ذكر للنمص، فرجعت إليه وقالت: يا أبا عبدالرحمن لقد قرأت كتاب الله بين دفتيه ولم أجد واحدة فيها ذكر للنمص، فقال ابن مسعود: (ألم تقرأي قول الله {وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فاتنهوا} قالت : بلى، قال : (فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلعن النامصة والمتنمصة، فقالت له: يا أبا عبدالرحمن، إن زوجتك تنمص، فقال لها: (يا أم يعقوب، والله لو كان الأمر كما تقولين ما جامعناهن في البيوت) أي لا أجتمع معها تحت سقف واحد.
فكيف ترجو بركة زوجتك وهي ملعونة، وكثير من الناس اليوم لا يجدون الطمأنينة والراحة في البيوت فيقضون أوقاتهم في المقاهي وخارج البيت.
والإنسان لن يكون إماماً إلا إن كانت زوجته وأولاده قرة عين له، فتأملوا قول الله: {ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين}، فبعد أن تكون زوجتك وذريتك قرة عين لك، حينئذ: {واجعلنا للمتقين إماماً} فمن لا يظهر خيره على غيره من أهل بيته فمن باب أولى ألا يفيض خيره على غيره من الأبعدين.
فالمرأة لماذا تنمص؟ إن النساء ينمصن لبعضهن بعضاً، فعلى الرجل أن يعتني بزوجته، وأن يأمرها إن كانت تنمص ، ويقول لها: اتق الله وكفي عن ذلك، فإن في هذا لعن، وهو كبيرة من الكبائر، والرجل لا ينال بركة الشيء الملعون ، نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى.

السؤال 131: ما حكم الاستماع للأناشيد الإسلامية، إن كانت مع الدف أو [الدرمز]؟
الجواب: أما [الدرمز] فهو آلة موسيقية وهي لا تجوز سواء كانت على الكمبيوتر أو غيره، والآن يدخلون أصوات الآلات الإيقاعية على الكمبيوتر، وهي تأخذ نفس الحكم.
وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي رواه البخاري من حديث أبي مالك الأشعري قال: {ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف}، فلا بد أن يأتي قوم يتكلمون باسم الإسلام ويتكلمون بالحلال والحرام، يقولون: إن المعازف حلال، وهذا واقع الآن، ومن يسمع للفضائيات ومن يؤتى بهم لهذه الشاشات ممن لا يتقون الله ويتساهلون في الأحكام ولا يعتمدون على ، قال الله وقال رسول الله ، وإنما يريدون أن يسهلوا على الناس فيقولون حلال حلال، حتى الربا حلال والآلات الموسيقية حلال.
والنشيد: نشد أي رفع صوته بالشعر، فهذا هو النشيد، والغناء حرام لذاته، فلو أخذنا أغنية وأبقينا على لحنها، وبدلنا كلماتها أتصبح نشيداً، أم تبقى غناءاً؟ تبقى غناءاً فلو قال رجل أريد أن أسمع نشيد أم كلثوم ، فهل هذا يصبح حلالاً؟ لا ، فالعبرة بالحقائق لا بالأسماء.
والناس اليوم يسمعون الغناء ويقولون عنه نشيد، والأشرطة الموجودة اليوم التي تحمل اسم (النشيد الإسلامي) هي في حقيقة أمرها غناء، والأحكام مبنية على الحقائق والمعاني ، وليست على الألفاظ والمباني فهي أغاني وليست أناشيد.
أما النشيد فهو حلال، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت رضي الله عنه: {أهجهم وروح القدس معك}.
والنشيد المرنم أيضاً حلال، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأنجشة لما يحدو: {يا أنجشة رويدك ، رفقاً بالقوارير} والحداد هو قول الشعر مرنماً، فكان أنجشة يحدو بالنساء في السفر، وكان البراء بن مالك بالرجال، فلما كان يحدو كانت الجمال تسير وتسرع في السير، وهذا يزعج النساء اللواتي يركبن الجمال ، فكان يقول له النبي صلى الله عليه وسلم : {رويدك}أي خفف الحداء لا تنزعج النساء بسبب سرعة سير الإبل.
فقول الشعر مرنماً لا حرج فيه، حتى في حق الرجال، أما الغناء فحرام، فإن صاحبه آلات موسيقية فهو حرام من وجهين، فإن كان الغناء يحمل في معانيه الخنا والفجور، والدعوة للفاحشة من ذكر العشق والحب، فهذا حرام من ثلاثة أوجه، وأما إن كان يحمل معانٍ كفرية، فهذا من أكبر الكبائر، وكثير من الأغاني منها ألفاظ كفرية، فمن سمعها واطمأنت لها نفسه، ولم ينكرها فهذا نخشى عليه، فسماع الغناء اليوم في غالبه حرام من أكثر من وجه، لأنه تجتمع فيه مجموعة محاذير نسأل الله أن يرزقنا أن نصون أسماعنا وأبصارنا عن الحرام.
ولما كان أهل الخرافة في زمن الشافعي وأحمد، أحدثوا قصائد زهدية يغنونها ويترنمون بها [مع استخدام بعض الآلات] فسئل الإمام أحمد والإمام الشافعي عن التغبير[وهو القصائد الزهدية المذكورة] فقالا: (هذا شيء أحدثته الزنادقة يريدون أن يشغلوا به الناس عن القرآن].
وقال الإمام ابن القيم في كتابه "مسألة السماع" : (كلام الله هو القرآن، والغناء قرآن الشيطان، وحب كلام القرآن وقرآن الشيطان نقيضان لا يجتمعان) وسئل الفضيل بن عياض عن الغناء فقال: (رقية الزنا) فالذي لا يستطيع الزنا يرقيه الغناء، فمن علامات أهل الإيمان أنهم ينزعجون من قرآن الشيطان ؛ لأن قلوبهم متعلقة بكلام الرحمن ،والفرق بين هذين كالفرق بين الخالق والمخلوق، والله أعلم ..

السؤا ل132: لماذا يختلف العلماء في الآراء، ومن أتبع عند الاختلاف، وكيف أحكم على الصحيح منهم؟
الجواب: أما أسباب الإختلاف الفقهاء والعلماء، فكثيرة وتحتاج إلى جملة محاضرات والكلام أصولي، ولكن على الإنسان أن يتبع الدليل إن وجد في المسألة .
وإن لم يوجد في الدليل ، ووجد أقوالاً متعددة لفقهاء متعددين ، فمن يتبع؟ منهم من قال: يتبع الأكثر، ومنهم من قال: يتبع الأعلم ، ومنهم من قال: يتبع الأورع ، ومنهم من قال : يتخير ؛ أي يختار أي واحد شاء.
والشرع طلب ممن لا يعلم أن يسأل من يعلم حتى يضيق عليه باب الهوى، ففي القول بالتخير فتح لباب الهوى، فهو أضعف هذه الأقوال.
وأصوب هذه الأقوال: على الإنسان أن يسأل العامل بالدليل، كما قال الله عز وجل: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، بالبينات والزبر} أي بالحجج والبراهين، فلا يقال عالم إلا بحجته.
فإن كانت المسألة نازلة، لا يوجد فيها دليل فالمطلوب من الإنسان أن يسأل أعلم من يظن، ويستأنس برأيه، ويعبد الله عز وجل، والتقليد لا بد منه، لكنه يكون عند الضرورة فهو كالميتة عند الضرورة والحاجة.
وخلاف العلماء فيما بينهم خلاف عقول والقلوب مستقيمة، وخلاف العوام فيما بينهم خلاف قلوب، فهذا يونس بن عبدالأعلى الصدفي التقى مع الإمام الشافعي، فتناظرا في بضع وعشرين مسألة فلم يتفقا على مسألة، فأخذ الشافعي بيد الصدفي وقال: (ألا يسعنا أن نكون أخوة، وإن لم نتفق بمسألة) لكن لو أن عاميين تناظرا في مسألة، فلعلهم بحاجة إلى من يحجز بينهم.
فالأصل في الخلاف المعتبر أن يكون الخلاف في العقل، ولا يكون بين المسلمين ضغينة في المسائل التي هي محتملة للخلاف والتفصيل يطول والمسألة مبسوطة في "الموافقات"، وانفصل البحث معه بالذي قلته ، ومن بركة العلم عزوه إلى قائله.

السؤال 133: ما حكم من تخفف الحاجب أو تزيل منطقة الشارب بقصد التزين لزوجها؟ وإذا كان يشبه الرجال في هذا المنظر للمرأة ، أليس هذا ينافي قول الرسول صلى الله عليه وسلم {بارك الله في المرأة الحلساء الملساء وبارك الله في الرجل الشعور}؟
الجواب: أما هذا الحديث المذكور، فكذب لا أصل له، فالسائلة اعتمدت وقبضت بيدها على ماء فلم تجد شيئاً تشد به.
أما المسألة: فالزوج رأى هذه الزوجة عند خطبتها ورآها على هذه الحال، وقبل بها، وهل أصل خلقة المرأة أن يكون لها شارب ثخين أوخشن، أو أن يوجد على ساقيها أو على بدنها شعر خشن؟ لا ، ولكن من كثرة الأخذ وشدته هي تقوي وتخشن هذا الشعر، ولو بقيت على خلقتها وعلى سجيتها ما كان هذا حالها، والشر لا يأتي إلا بشر، فما دام أن الزوج رآها على هذه الحال، فلتترك حالها هكذا، فالمرأة المطلوب منها ألا تأخذ شيئاً من بدنها إلا بإذن من ربها، وكذلك الرجل.
أما إن وجد حالات نادرة ليست هي الطبيعية بين الناس، فهذه صاحبتها تسأل عنه ، وهذه لها أحكامها الخاصة بها، أما بالجملة فالقاعدة ما ذكرنا، والله أعلم ...

السؤال 134: رجل تزوج امرأة، وبعد أن أنجب منها ولداً، تبين له أنها لا تسمع إلا قليلاً، وعلماً بأن أهل الزوجة لم يخبروا الزوج بذلك حتى أن الزوج وهو يتحدث معها لا تسمع بعض الكلام فماذا يفعل هنا الزوج؟ هل يطلق من أجل ذلك العيب الذي فيها، أم يصبر ويحستب الأجر عند الله ولا يطلقها؟
الجواب: نقول للسائل: هداك الله! أما علمت بعدم سماعها إلا بعد أن أنجبت؟ هذا عجب! وهو غير متصور أبداً ومن وجد عيباً ظاهراً في امرأة لم يخبر به قبل أن يدخل بها، له أن يردها كما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يدخل بامرأة وجد في بطنها كشحاً (داء) فقال لها: {الحقي بأهلك}، وفي هذا تشريع منه لسائر المسلمين ، وفي هذا بيان لأولياء الأمور لا سيما النساء فقد لا تظهر العيوب البدنية لولي أمر، وتكون معلومة للأم، فعلىالأم أن تخبر الزوج، ويجب على ولي الأمر بيان العيب .
أما وقد تم الدخول، وهذا العيب حاصل معها فسكوتك محسوب عليك، فأمسك زوجتك ، بارك الله لك فيها، وابق عليها.
وأما إن لم تقنع بها، فلك أن تتزوج غيرها، فامسكها وابقها على ولدها.

السؤال 135: ما هو حكم البيع بالتقسيط؟ وما الأدلة على ذلك؟ وهل هناك شروط وقيود في البيع بالتقسيط إذا كان جائزاً؟
الجواب: بيع التقسيط لا محذور منه، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي اليسر أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال{من أنظر معسراً أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله} لكن بشرط أن يكون السعر واحداً ولا يزاد عليه في السعر، فالمحتاج لا يزاد عليه لحاجته تماماً كالدائن، فإن جاء الرجل وطلب الدين نعطيه احتساباً، فمن أعطى غيره ديناً فله أجر نصف الصدقة كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فليس للدائن أن ينتفع بقرضه فيأخذ شيئاً زائداً عن القرض الذي قدمه.
وهذا الإنسان المحتاج الذي اشترى نسيئة، لا يجوز أن يكون هناك سعرين إن كان نقداً بكذا وإن كان نسيئة بكذا..
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا} فلا تجوز الزيادة من أجل تأخر الزمن وأما البيع بالتقسيط ويبقى السعر هو هو، فهذا من الإمهال، وصنع المعروف مع الناس وهذا فيه خير وفيه أجر، والله أعلم .

السؤا ل136: ما هي كيفية التيمم ، ومتى يصلح؟
الجواب: التيمم يكون عند عدم وجود الماء، وعند وجوده والتضرر باستخدامه لمرض أو لحرق أو لشج في رأسه أو بدنه، أو لشدة البرد ويغلب على ظنه الهلاك، وإن نصح الأطباء بعدم استخدام الماء.
والتيمم ضربة واحدة، على أرجح الأقوال، للوجه والكفين، وليس للمرفقين، والحديث الذي فيه{التيمم ضربتان، ضربة لليدين والمرفقين، وضربة للوجه} حديث ضعيف والصحيح أنه ضربة واحدة ، فهذا يجزئ.

السؤال 137: هل يجوز مسح القدمين من فوق الجوارب، ولو كانت مخرمة؟
الجواب: المسح رخصة ثابتة عن أكثر من سبعين صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أن علمائنا جعلوا المسح على الخفين من عقائدنا لأن المسح على الخفين أصبح وسطاً بين الخوارج الذين لا يرون المسح على النعال، وبين الروافض الذين يجوزون المسح على القدمين دون جوربين، وقال الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة ما نصه: (ونرى المسح على الخفين في الحضر والسفر لما ثبت فيه من الخبر والأثر) .
وأما المسح على الخفين أو الجوربين إن كانا مخرقين فلا حرج فيه، ورحم الله ابن حزم، فإنه قال: (وهل كانت خفاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مخرقة).
وبعض الناس يتحرجون من المسح على الجوربين في الصيف، وهذا التحرج ليس له أصل، إلا إن ترتب على المسح كراهية رائحة، ويقع الإيذاء للمصلين، فالأصل في الإنسان أن يتفقد رائحة رجليه، فإن ترتب على المداومة على المسح كراهية رائحة للقدمين ، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: {من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مصلانا} ورائحة الجوربين الكريهة أشد من رائحة الثوم والبصل، فهذا المحذور فقط ، وإلا فمن حيث المشروعية فمشروع ولا حرج فيه، وأما الجوارب الشفافة التي للنساء فما دام أنها جورب فيجوز المسح ،ومن وقع في قلبه شيء فليدع ((كنا ندع ما لا بأس به مخافة ما فيه بأس)) وأما النص جاء في المسح على الجوربين .

السؤال 138: هل يجوز لعب كرة القدم؟
الجواب: الرياضة مشروعة وحسنة، وقد مارسها وحث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالنبي صلى الله عليه وسلم مارس مجموعة رياضات منها: المصارعة، فكان أقوى الخلق، وكان هناك مصارع اسمه ركانة لا يغلب ، فأراد الله به خيراً فجاء للنبي صلى الله عليه وسلم فتراهن معه من يغلب يأخذ شاة، وكان لا يستطيع أحد أن يرميه الأرض، فتصارع مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فرماه الأرض ثم عاد فرماه الأرض ثم أشفق عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: {لا نغلبك ونغرمك}، فأرجع إليه شاتين فأسلم، لأنه كان يعتقد أنه لن يغلبه أحد من البشر، فعلم أن الذي غلبه غلبه لقوة غير قوة البشر، فأراد الله به الخير في غلبته فليس دائماً الذي ظاهره الشر هو الشر ، فهناك أشياء ظاهرها شر وهي خير، وهناك أشياء ظاهرها الخير هي شر، فكم من إنسان عصى الله معصية، فانكسر قلبه بين يدي الله، وكم إنسان عبدالله بطاعة فأصابه عجب وكبر وخيلاء ورياء، فهلك ودخل النار نسأل الله العفو والعافية.
وألف الإمام السيوطي رسالة حسنة سماها: "المسارعة إلى المصارعة" لذا أن يوقح الرجل من أهل السنة بدنه بأن يتصارع هو وأخوه لا حرج في هذا، وأن يمارس الإنسان الرياضة ويتقوى فيها لا حرج .
وقد مارس النبي صلى الله عليه وسلم المسابقة، فسابق بنفسه بين الخيول- وهذا في صحيح البخاري- ومارس بنفسه مسابقة الأقدام، وكان يقول: {عليكم بالنَسلان} [لما شكوا إليه الإعياء] والنسلان الركض [الإسراع في المشي] نهايه.
وتسابق هو وعائشة في سفرة من الأسفار فأمر أصحابه أن يتقدموهما، فتسابق معها فسبقها، وبعد مضي سنوات طلبت عائشة أن تسابق الرسول صلى الله عليه وسلم فأمر الصحابة أن يتقدموه فسابقته فسبقته، لما بدن صلى الله عليه وسلم، فقال لها : {هذه بتلك}، وفي هذا إشارة إلى حسن العلاقة والممازحة والتودد والتحبب بين الرجل وزوجه، فمن منا – بالله عليكم- يجرؤ أن يتسابق هو وزوجته الآن، هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام.
فالرياضة التي تقوي البدن، ولا سيما في حق الشاب الذي هو قوة وطاقة ويحتاج إلى ما يقوي بدنه، فلا حرج في ذلك.
لكن الذي ننكره اليوم أشياء بالذات في كرة القدم،منها: أولاً : هدر الأوقات، وإضاعة الأموال، فعلى جلدة يجتمع عشرات الألوف، وهذا هدر للطاقات وهدر للدخل العام وهدر لقوة المجتمع الاقتصادية، فبمباراة يحضرها خمسون ألفاً فكل منهم يضيع ساعتين فهذه مئة ألف ساعة، وأضعافها أيضاً على التلفزيون، فهذه مئات الآلاف من الساعات الضائعة، كم بها يتقدم المجتمع في عطاءه؟
فالذي ننكره تضييع أوقات الأمة في هذه الأشياء أما أن يمارس الرجل الرياضة وأن يتقوى بدنه لا حرج في ذلك، وهذا لا ننكره، وفي هذه المناسبة أهمس في أذن أخواني الخطباء والأئمة ، اتقوا الله واحرصوا على أوقات الناس فلا تصعد على المنبر وأنت لا تتقي الله في أوقات الناس يحضر لك مئتي رجل في يوم الجمعة، اعلم إن كنت تخطب نصف ساعة فاعلم أنك تأخذ من أوقات المسلمين مئة ساعة، فعليك أن تتقي الله في هذه المئة فحضر واتعب، فأنت تتكلم نصف ساعة لكن تخاطب مئتي رجل، مجموع ما يحضر ضرب الوقت يساوي الوقت المهدور في حياة الأمة.
وأمر آخر ننكره في الرياضة، قلب الموازين؛ فمن أبطال الأمة اليوم؟ ومن نجوم الأمة؟ فالأمة في ظلمات تحتاج إلى نجوم تضيء لها الطريق فهل يا ترى حال أمتنا بحاجة إلى نجوم من أمثال لاعبي الكرة، والمطربين والممثلين؟ هل الظلام الذي نحن فيه تضيئه هذه النجوم؟ أم أننا بحاجة إلى علماء وصلحاء وأتقياء يعملون على إضاءة طريق الأمة وإخراجها من الظلمات إلى النور، بإذن الله عز وجل؟ فهذا الأمر الثاني الذي ننكره، وهو قلب الموازين، وتسمية الأبطال والنجوم الذين هم ليسوا بنجوم ولا أبطال.
فأمة مغلوبة مقهورة، والدم المسلم من أرخص الدماء، التي تسيل على الأرض ، ودم الكلب في الغرب أغلى وأنفس من دم المسلم بل من دم الشعب المسلم بأكمله، فأمة كهذه بحاجة إلى أبطال حقيقيين ولسنا بحاجة إلى أمثال هؤلاء.
وأمر ثالث ننكره في كرة القدم والرياضة: التشرذم والعصبية الجاهلية، النبي صلى الله عليه وسلم سمع في المسجد رجلين يتلاحيان، واحد من الأنصار وآخر من المهاجرين، فقال رجل: يا للأنصار، وقال الآخر: يا للمهاجرين، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: {أجاهلية وأنا بين ظهرانيكم ؟} فعد ذلك جاهلية.
واليوم بسبب هذه الكرة تظهر الجاهلية العفنة وتظهر الإقليميات والعصبيات التي قتلها الشرع وعمل على محاربتها، ورفع الشرع شعاراً ذكره ربنا في القرآن فقال: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} فالكرم بالتقوى وليس بالجنس ولا بالعصبية.
ثم ننكر أن تكون الرياضة ملهاة للناس وأن تشغلهم عن الخير وأن تشغلهم عن الواجبات سواءً الدينية أو الدنيوية .
وأمر آخر ينكر فيها، إظهر الفخذ، قال صلى الله عليه وسلم: {يا جرهد غط فخذك، فإن الفخذ عورة}، وأقبح ما ينكر في هذا الرياضة النسائية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فهذا ما ننكره في كرة القدم والرايضة أما ممارستها وتقوية البدن فهذا لا حرج فيه، إن أعطيت حجمها وما قصر الإنسان في سائر الواجبات.

السؤال 139: ما هو حكم لعبة الملاكمة؟
الجواب: الملاكمة ممنوعة في الشرع لكن فرق بين أمرين في الملاكمة، ففرق بين المتدرب الذي يوقح بدنه ويقويه في اللعب فهذا أمر لا حرج فيه، وبين أن يحترف الرجل الملاكمة ويمارسها ويضرب الخصم على الوجه ويؤذيه ويطرحه أرضاً ، فهذا ممنوع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا يقبح الوجه} فلا يجوز للأب ولا للمدرس ولا لأحد أن يضرب آخر على وجهه.
والملاكمة هي كلها ضرب على الوجه، فضلاً عن الارتجاج في الخلايا الموجودة في الدماغ بسبب اللكمات على الرأس فهي ضارة .
فالاحتراف في الملاكمة وممارستها ممنوع وليس بمشروع والتدرب على حركاتها والتقوي فيها حلال لا حرج فيه.

السؤال 140: هل هذا حديث، وهل هو صحيح أم ضعيف: {من حلف بالأمانة فليس منا}؟
الجواب: أخرج هذا الحديث الإمام أحمد وابن حبان والحاكم بإسناد صحيح من حديث بريدة رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ليس منا من حلف بالأمانة، وليس منا من خبب امرأة على زوجها أو خبب مملوكاً على سيده} خبب : أفسد ،وليس منا أي : ليس من صنيعنا ، ليس من هدينا، فهو عمل حرام.

السؤال 141: رجل استدان من آخر قبل عشرات السنين مبلغاً، وكان قد غفل عنه، ثم اعترف بمبلغه الآن، وأوصى بسداده، فكيف يكون ذلك: أبالقيمة القديمة، أم بالقوة الشرائية؟
الجواب: الأصل في المال بقوته، ولا انفكاك بين قوته الشرائية وقيمته، أرأيتم لو أن رجلاً استدان من آخر مئة دينار، وأخذ منه ورقتين من فئة الخمسين ، وحفظ هاتين الورقتين، ثم بعد أيام قليلة ألغيت هذه العملة ، فرد عليه ورقتيه بعينيهما بأرقامهما ، فهل يكون برأ ذمته بهذا الرد؟ لا
والمال كل شيء له قيمة عرفاً، بشرط أن تكون محترمة، فالخمر والخنزير ليسا مالاً، والعبرة في الأموال بقوتها الشرائية.
لكن بمقدار غياب الإسلام عن واقع الناس، تقع عندهم اضطرابات اقتصادية وأمنية، ومن سنة الله جل في علاه، فيمن يقرأ الآيات والأحاديث، يعلم علم اليقين أن من شؤم الذنوب والمعاصي أول شؤم لها أن يذهب الرغد، وأن يدخل على الناس الضنك والشدة والسنين، قال صلى الله عليه وسلم: {ليس السنة ألا تمطروا ولكن السنة أن تمطروا ثم تمطروا ثم تمطروا ولا تنبت الأرض شيئاً}.
والإسلام مصلح للزمان والمكان وعبارة الإسلام صالح لكل زمان ومكان غير صحيحة، فنقول الإسلام هو المصلح للزمان والمكان، حتى ننفي الإصلاح عن غيره، فبمقدار البعد عن الإسلام تقع اضطرابات اقتصادية وأمنية .
وتخيلوا معي المجتمع الأول الذي كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كل رجل يقول " لا إله إلا الله" رجل أمن، سلاحه عنده في بيته كطعامه وشرابه، ولذا جاء أشد حكماً- على الإطلاق- في الشرع الحرابة، لأن الأسلحة متوفرة بين الناس، فوجد استقرار أمني لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم من أخطأ يسجنه في المسجد، فكان المسجد سجناً لأنه كان ينقصه أن يكون قريباً من الله جل في علاه.
ثم كان هناك استقرار اقتصادي، فأصل رأس المال للدولة الذهب، والناس في أصل رأسمالها في السوق، فالذهب هو الذي يباع به ويشترى، فقيمة القوة الشرائية للمال ليست بيد جهة معينة، تستطيع بين عشية وضحاها أن يكون الذي يملك مئة ألف يصبح فإذا هي عشرين ألف، أربع أخماس المال يضيع ، كيف ضاع؟ لا أحد يدري، وهذا لعدم الاستقرار .
والأموال الآن هي عبارة عن كوبونات للأشياء في المجتمع ، فلو فرضنا أن هناك قطراً من الأقطار مثلاً هذا المسجد ، فيه طاولة ومنبر وشبابيك وخزائن فهذه موجودات هذا القطر، الأموال كوبونات لهذه الأشياء، فإن بقيت الأمور الموجودة هي هي، والكوبونات كبرت وكثرت، فإن وجد مئة غرض في هذا المسجد ووجد مئة كوبون فيصبح قيمة كل غرض كوبون، فإن بقيت الأغراض هي هي، وأصبحت الكوبونات مئتين، يصبح لكل غرض كوبونان، فإن أصبحت ألف لكل غرض عشرة كوبونات، بمعنى أن قيمة كل كوبون تقل لأن الموجودات ثابتة.
وكما أننا نكفر بالنظام الشيوعي، الذي يمنع الفرد من التملك، فإننا أيضاً نكفر بالنظام الرأسمالي، الذي الربا هو عمود فقري له، فلا يوجد نظام رأسمالي إلا وفيه الربا، لأنه مع مضي الزمن، تقل قيمة القوة الشرائية للأشياء، وهذا ما يسمى في علم الاقتصاد بالتضخم .
وبعض من أعمى الله بصيرته وأشدد على هذا وأعيد بعض من أعمى الله بصيرته جوز الربا، قال: لأنني آخذ القوة الشرائية للأشياء، فالقوة الشرائية بالطريقة الاقتصادية المحسوبة كل سنة تقل سبعة في المئة، فأنا لما آخذ الربا فأنا أحافظ على القوة الشرائية، فهذا أسقط حكماً على غير موضعه، فكأن النظام الرأسمالي من ديننا، وأسقطت الحكم عليه، والمطلوب منا أن نعري هذا النظام، ونبين أننا لا نؤمن به لذا لا يجوز أن نلبس حكماً شرعياً لواقع هو أصلاً غير شرعي، وهذه هي عقدة جواب السؤال، وقد سألته من أحد إخواننا في هذا المسجد، قال: لي قريب ووصى وكان في وصيته أنا أسأل أنا، قال استدان من بعض أقاربه مالاً ثم مات، والآن يطالب أصحاب الدين بالقوة الشرائية للدين في ذاك الزمان، وأخذ منه أربعين ديناراً وقالوا : لن نقبلها بعشرة آلاف دينار؛ لأنها كانت مقابل أرض، والأرض الآن قيمتها ارتفعت.
فهذا التضخم هل الإسلام فيه نصيب، أم أنه موجود لأن الإسلام غائب؟ هو موجود لأن الإسلام غائب، فهو موجود بحكم أننا نعيش في نظام اقتصادي رأسمالي.
إذن الجواب أن العبرة بالقوة الشرائية لكن في مثل هذه المسائل القلقة، فيما أفتى به غير واحد من أهل العلم ، واستقر رأي غير مجمع من المجامع الفقهية التي تناقشت في مثل هذه المسألة، إلى أن هذه المسائل يحكم فيها كل على حدة، وقد سألني أخ عراقي، قال: اشتريت سيارة من رجل، وكان للدينار العراقي قيمة، وكان مضطرباً ، فعلقنا ثمن السيارة بالدولار، وبدأت أسد كل شهر مبلغاً ثم بدأ الاضطراب الشديد، للدينار العراقي مقابل الدولار ، قال: حتى أصبحت ذمتي مشغولة لصاحب السيارة بمبلغ لا أستطيع عليه ولا أحلم به أنا وعشيرتي جميعاً لو كانوا مجتمعين ، وأنا حريص على أن أبرئ ذمتي فذهبت إلى بائع السيارة وقلت له: أنا دفعت لك الثلث وبقي ثلثان ، وأنا أسامحك بما دفعت وخذ السيارة وبرئ ذمتي فأخشى الله عز وجل ، وأخشى الدين، فلم يقبل، فماذا علي؟ فالجواب في مثل هذه المسائل هو التحكيم ، يحكم بمثل هذه المسائل ذوا عدل من طرف البائع ومن طرف المشتري، ويسددان ويقاربان ويسهلان ويجعلان الطرفين متحابين، يسامح كل منهما الآخر.
وهذه المسائل وجدت لغياب الشرع ، فإعطاء قاعدة مطردة فيها ظلم، وهذه المسائل فيها تسديد ومقاربة، ولا يوجد فيها حكم قاطع واحد .
والمحكم يكون من أهل الديانة وممن يعرف بالتجارة ويعرف بالتقدير، يقدر ويتقي الله عز وجل، والمحكما يلزمان الطرفين بفض النزاع، ويكون الحكم على قدر الاستطاعة، يراعيان ثمن السلعة، ومقدار التغيير [وأموال الشخصين] فيسددان ويقاربان على حسب ما ييسر الله لهما.
ومن المجامع الفقهية الذين قرروا هذا الحكم ، المجمع الفقهي برئاسة الشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد نسأل الله عز وجل أن يعافيه ويشافيه.

السؤال 142: هل يكفي ذكر الاستعاذة في بداية القراءة من الركعة الأولى، أم هي مطلوبة في بداية القراءة من كل ركعة؟
الجواب: المسألة فيها خلاف بين الفقهاء، وأرجح الأقوال في هذه المسألة مذهب الشافعية وهو القراءة بالاستعاذة في أول كل ركعة؛ لعموم قول الله عز وجل: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} فالاستعاذة تكون عند قراءة القرآن .
بعض أهل العلم قال: التسبيح في الركوع والتحميد والدعاء والتسبيح في السجود، هذا يأخذ حكم قراءة القرآن وما فيه انشغال عن العبادة والطاعة، فلما تقوم للركعة الثانية فلا داعي للاستعاذة.
قلنا: النص {فإذا قرأت القرآن} وهل من ذكر في الركوع والسجود ودعا، هل هذا يقرأ القرآن؟ لا، وكيف ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود.
ولذا أرجح الأقوال أن المصلي كلما قرأ الفاتحة يبدأ بالاستعاذة، ثم البسملة ويقرأ الفاتحة.

السؤال 143: ما هو حكم الإماء اليوم؟ وهل يجوز التمتع بهن دون عقد شرعي؟
الجواب: هذه المسألة تشغل كثيراً من الناس ولا طائل تحتها ولا ثمرة منها، ولا سيما في هذا الزمان.
ويجوز للمسلم أن يتمتع بالأمة دون أن يعقد عليها، فربنا يقول: {والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ،فإنهم غير ملومين} والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {احفظ عورتك إلا من زوجتك أو أمتك}، فالرجل لا عورة له على زوجته ولا على أمته.
والأصل في الأمة ، العبدة، والأصل في العبيد أن يكونوا سبايا الحرب.
وحكم العبيد ليس منسوخ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد التحق بالرفيق الأعلى والإماء موجودة، ولا يجوز أن نقول إن هناك نسخ بعد وفاته، إذ الوحي لا ينزل بعد وفاته صلى الله عليه وسلم .
والأمة يتسرى بها، وسمي تسري لسببين؛ الأول: إدخال السرور على النفس، والثاني : لأن مجامعة الأمة تكون بالسر دون العلن فليس كالنكاح.
والإماء لها أحكام فقهية ولو أن رجلاً جمع أحكام الإماء لوجد عجباً.
ومن أحكامها التي تلزمنا أنه لا يجوز للرجل أن يطأ أمة قد وطأها غيره، فإن كانت هناك أمة عند رجل فباعها، فلا يجوز للآخر أن يطأها حتى يستبرئها بحيضة، حتى لا تختلط الأنساب، وإذا كانت حبلى لا يجوز التمتع بها حتى تضع.
ولا يجوز للرجل أن يهدي أمته إلى غيره فيتسرى بها، ثم ترجع إليه، فتكون مشاعاً بين الناس، هذا أمر غير مشروع.
والأمة إن حملت يحرم التفريق بينها وبين ولدها، ويحرم بيعها، وتسمى في الشرع (أم الولد) وأم الولد حرة، ولدها يعتقها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المعروف لما سأله عن أشراط الساعة، قال: {أن تلد الأمة ربتها}، أي أن يكثر السراري، فيتمتع الرجل بالسراري ،فتأتي منها الأولاد فالولد يعتق الأم ، فتصبح ام كأنها أمة للولد، فتصبح حرة من وجه، أمة وجه، حرة: تلحق بسائر الأحرار، وأمة من حيث العدد تبقى زائدة على الأربع.
والشرع حث الناس على العتق، وأوجب عتق الرقاب في كفارات معينة، ومن أعتق رقبة فإن الله عز وجل، يعتق منه العضو بالعضو، فرغب الشرع في عتق الرقاب.
فالإماء التمتع بهن جائز، والحكم غير منسوخ، لكن ضمن ضوابط وقواعد.
والشرع حث على المكاتبة، أن يكاتب السيد عبده على مبلغ فمتى أعطاه إياه أصبح حراً وأعتقه فيعتق نفسه بنفسه، وهذا يسمى العبد المكاتب، وكانت عائشة رضي الله عنها، تقول: ((المكاتب عبد ما بقي درهم)) فآخر درهم هو الذي يحرره.
ومن اللطائف أن يقال: إن الأمة كلما كانت بشعة، وكلما كانت شنيعة المنظر، كان سعرها أغلى، لأن الذي يشتري الإماء ويختارها الزوجة، فيؤتى بها على أنها خادم للبيت.
ومن العجائب أن غير واحد من علمائنا ألف كتباً في كيفية تقويم العبيد، وكيفية إعطاء السعر، وكيفية فحص وتقليب العبيد، وذكر الشيخ المحقق عبد السلام هارون- ابن خالة المحدث أحمد شاكر- رحم الله الجميع، ذكر رسالتين تراثيتين في هذا الباب في كتابه " نوارد المخطوطات" ، والله أعلم .

السؤال 144: رجل كان صائماً صيام تطوعي، فدعي إلى طعام فهل يجيب الدعوة أم لا؟
الجواب: نعم ؛ يجيب الدعوة، والدعوة التي يجب على كل مسلم أن يلبيها الدعوة العامة، فإن دعي دعوة عامة يجيب.
وله أن يأكل فإن لم يأكل يصلي، كما ورد في الحديث، أي يدعو لصاحب الطعام.
والمسألة فيها خلاف ، الحنفية والمالكية يوجبون عليه أن يتم وقالوا إن أفطر فعليه القضاء، والراجح ليس هذا، وهذا القول مرجوح، لما ثبت في مسند الإمام أحمد أنه قال: ((الصائم أمير نفسه ، إن شاء صام، وإن شاء أفطر)) فإن شاء أكل وإن كان صائماً يجب عليه التلبية، ولا يلزم من إجابة الدعوة أن يأكل الطعام، فقد أجيب الدعوة ولا أكل لأن الطعام هذا محمى عنه، فتلبية الدعوة أمر، وتناول الطعام أمر آخر.

السؤال 145: هل صحيح أن باب الاجتهاد قد أغلق؟
الجواب: هذه المقولة ليست بصحيحة، بل هذا التعبير ليس بتعبير علمي.
ومنهم من قال: أغلق في القرن الرابع، ومنهم من قال في الخامس، ومنهم من قال: آخر مجتهد ابن دقيق العيد، ومنهم من قال: بعد أبي حامد الغزالي لا يوجد مجتهد مطلق، وغير هذا والكلام كثير.
ونقول: يا ترى! أين باب الاجتهاد حتى نراه، فنكشف عنه، فنعلم هل هو مغلق أم مفتوح؟ هل يوجد شيء يسمى باب الاجتهاد؟ لا؛ هنالك شيء يسمى : شروط الاجتهاد، وفضل الله عز وجل ليس حكراً على أحد، فقد يفتح الله على المتأخر ما لم يفتح على المتقدم وإن كان المتقدمون بالجملة خير من المتأخرين بالجملة، وليس بالآحاد، فلماذا يحصر ويحد فضل الله.
والوقائع التي تنزل بالأمة لا حد لها، والنصوص من الكتاب والسنة محدودة، فلا جواب على هذه الوقائع التي لا حد لها إلا بالاجتهاد، ولا تزال طائفة من هذه الأمة قائمة على دين الله حتى قيام الساعة، وما من نازلة من النوازل إلا ولها حكم شرعي، وكما هو الراجح عند علماء الأصول ، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، لأن العصابة والفئة الظاهرة قائمة حتى قيام الساعة.
إذن القول بأن باب الاجتهاد مغلق، لازم ذلك فساد عريض، وأن هناك أحكاماً كثيرة ونوازل عديدة لا نعرف لها حكماً وكفى [بذلك] هذا القول شراً وفساداً.
فالاجتهاد ليس له باب، ومن قال: باب الاجتهاد مغلق أو مفتوح فهو يغالط نفسه، والاجتهاد له شروط، فيحرم على الرجل أن يجتهد حتى تتوفر فيه شروط الاجتهاد.
والراجح عند الأصوليين أن الاجتهاد يتجزأ، فقد يجتهد الإنسان في مسائل دون مسائل، فالاجتهاد أقسام وتجزؤه ممكن، وفيما يذكر، أن أعلم الناس بالحلال والحرام معاذ، وأعلم الناس بالفرائض زيد، وأعلم الناس بالقضاء علي، وهكذا، فهذا فيه إشارة إلى تجزؤ الاجتهاد، فقد يكون الإنسان مجتهداً في باب دون باب، لكن المسألة الواحدة لا يتصور أن يجتهد الإنسان فيها بمعزل عن نظائرها، في فنها وفي بابها، فالاجتهاد في الباب أدق وأحسن من الاجتهاد في المسألة.
وهذا القول بأن باب الاجتهاد قد أغلق يشبه مقولة رددها ابن الصلاح رحمه الله، فذكرها في كتابه " علوم الحديث" زعم فيها أن باب التصحيح والتضعيف لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرغ منها، فلا يوجد في زمن ابن الصلاح فيما بعد من يصحح ومن يضعف .
والعلماء لم يقبلوا مقولته هذه. ورد غير واحد عليه؛ منهم: ابن حجر في "النكت على ابن الصلاح" والزركشي في "النكت على ابن الصلاح" بل صنف السيوطي رحمه الله تعالى ، رسالة مفردة في الرد على ابن الصلاح، في دعواه هذه، وسماها"التنقيح في الرد على مسألة التصحيح" فإذن الاجتهاد له شروط، متى تحققت بغض النظر عن الزمان والمكان يجتهد المسلم، ومتى تعطلت أو تخلفت هذه الشروط فيحرم على الإنسان أن يجتهد، والله أعلم...

السؤال 146: هل يجزئ ذكر الأذكار وقراءة القرآن من غير تمتمة، أي من غير تحريك الشفتين، وهل هذا يعتبر من مقام التفكر ولا يحسب له أجر، وهل التفكر والأذكار وقراءة القرآن متساويان في الأجر؟
الجواب: بعض الناس يصلي، فيقول (الله أكبر) في نفسه، ويقرأ الفاتحة في نفسه، وهكذا، وهذه صلاة باطلة، بإجماع العلماء.
حتى أن الإمام النووي في كتابه "الأذكار" وقد حرم على الجنب أن يقرأ القرآن قال: (ويجوز للجنب أن يمرر القرآن على قلبه) ففرق بين حديث النفس وتمرير القرآن على القلب، وبين تحريك اللسان بقراءة القرآن.
وربنا يقول لنبيه: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} فالقراءة لا بد لها من تحريك لسان، بل المالكية زادوا على وجوب تحريك اللسان، أن يسمع المصلي نفسه، فيجب عليه أن يسمع نفسه دون تشويش على غيره، والجماهير قالوا تحريك اللسان يكفي، ولا يتصور تحريك اللسان إلا مع إسماع النفس.
فلا تجوز صلاة من مرر الفاتحة وغيرها على قلبه، فهذه صلاة باطلة بإجماع العلماء.

السؤال 147: ما صحة حديث {درهم ربا أشد من ست وثلاثين زينة}؟
الجواب: هذا الحديث يروى مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير مخرج، ويروى موقوفاً عن عبدالله بن سلام، رضي الله عنه.
ولي جزء مفرد في هذا الحديث وطرقه، لم يطبع بعد، انفصل معي البحث على أن أرجح الأقوال فيه ما قاله الإمام البيهقي في "الشعب" وغيره من المحدثين أنه موقوف، وأنه من كلام عبدالله بن سلام، وليس مرفوعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان شيخنا رحمه الله يصحح إسناد الإمام أحمد مرفوعاً ، والله أعلم ..

السؤال 148: ما رأيكم في قاموس "المنجد"؟
الجواب: للأسف أقول: إن هذا القاموس غزا؛ لا أقول المدارس والجامعات والمكتبات، بل للأسف غزا البيوت، وفي كثير من البيوت يعتمد على هذا القاموس لأنه سهل.
لكن هذا القاموس فيه سموم عظيمة ولا يجوز لأحد أن يقرأ فيه، إلا إن كان شبعان ريام من علوم الشريعة، يعرف من خلال ما وهبه الله إياه من علم الصحيح من السقيم، والجيد من الرديء، والأصيل من الدخيل.
هذا القاموس وضعه النصارى ،وأول ما طبع سنة 1908، وكتبه راهب نصراني هو الأب لويس معروف اليسوعي، ووضع قسم الأعلام منه، راهب نصراني آخر، هو الأب فرَانْديد توت ، يسوعي أيضاً، وطبع أول ما طبع في المطبعة الكاثوليكية.
هذا القاموس فيه بعض الآيات خطأ ولا يوجد فيه ((قال الله)) ويقولون أحياناً ((في القرآن)) ولا يوجد فيه صفة للقرآن بأنه مقدس أو عظيم، ويكثرون من ذكر الأسفار والتوراة والإنجيل خاصة، ولا يوجد فيه حديث نبوي واحد، ونحن نعرف لغة العرب من القرآن والحديث والشعر الجاهلي، وللآلوسي كتاب حول ما يستشهد به على كلام العرب.
وهذا القاموس فيه إرجاع إلى مجلات النصارى ،ولا يوجد فيه إرجاع إلى مجلة قام عليها المسلمون أبداً.
وهذا القاموس لا يوجد فيه ذكر للمصطلحات الإسلامية فمثلاً: كل أعياد النصارى كالشعانين والفصح وغيرها كلها موجودة فيه بالتفصيل، أما المصطلحات الإسلامية فغير موجودة فيه، حتى البسملة يقولون هي(بسم الأب والابن والروح القدس) فهذه البسملة الموجودة عندهم.
فهذا القاموس خطير جداً لا يجوز لأحد أن يقرأه وقد وجدت رسالة نافعة طيبة للدكتور إبراهيم عوض سماها: "النزعة النصرانية في قاموس المنجد" فمر بهذا القاموس ودرسه دراسة جيدة، وذكر في هذه الرسالة النزعة النصراينة بتأصيل وتمثيل، من قرأها يعلم علم اليقين أن هذا القاموس وضع للتبشير، ووضع لتروج بضاعة النصارى وعقائدهم على المسلمين.
فينبغي أن يقاطع هذا القاموس وهناك بديل عنه مثل "القاموس المحيط" و"المعجم الوسيط" وغيرها ، والله أعلم ..

السؤال 149: هل يجوز شراء ثمن الذهب بالشيكات البنكية؟
الجواب: من المجمع عليه ؛ بناءً على حديث أبي سعيد الخدري، وحديثه أخرجه الستة يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: {الذهب بالذهب يداً بيد، ومثلاً بمثل}، والشيك ليس مثلاً بمثل، إلا نوع واحد من الشيكات ، وهو الذي لا يعطى لصاحبه إلا وقد اقتطع عند البنك قيمته، وهو الشيك المصدق ، فالشيك المصدق مال، لأن البنك لا يعطيه لأحد إلا وقد حبس عنده قيمة هذا الشيك، فإذا اشتريت بشيك مصدق ذهباً تكون قد اشتريت ذهباً يداً بيد، فالشيك والمال واحد، هذه كوبون، وذاك كوبون.
أما الشيك غير المصدق، لا يجوز شراء الذهب به، لأنه لا يكون يداً بيد، وكم من إنسان يحمل الشيك ولا يوجد رصيد ولا يكون يداً بيد، إلا إذا كان الشيك مصدقاً.

السؤال 150: ما كيفية غسل الجنابة؟
الجواب: غسل الجنابة بإيجاز يبدأ بأن يزيل النجاسة عن العورة يغسل مكان العورة ثم يتوضأ وضوء للصلاة وإن كان عارياً، ومن فعل ذلك يكتب له الأجر لمتابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان يغتسل في مكان يجتمع فيه الماء يؤخر غسل رجليه، وإن كان يغتسل في مكان فيه بالوعة، ويتصرف فيه الماء يتوضأ ويغسل رجليه.
وتأخير غسل الرجلين إلى ما بعد الانتهاء من الغسل، أو غسل الرجلين بعد مسح الرأس في الوضوء، ثابت في الأحاديث الصحيحة، فهذا يحمل على وجود البالوعة وتصريف الماء، وذاك يحمل على اجتماع الماء كما قال الإمام البيهقي رحمه الله .
ثم بعد ذلك يغسل رأسه، ثم يغسل شقه الأيمن ثم يغسل شقه الأيسر ثم يعمم الماء ثم يغسل قدميه، إن أخر غسلهما ،ثم يكون جاهزاً للصلاة ولا حاجة للوضوء كما ثبت عن ابن عمر عند الدارقطني.
والغسل من غير جنابة أيضاً هذه طريقته لأنها هذه صفة غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن اغتسل على هذا النحو، كتب له أجر المتابعة.
والغسل وسيلة ويجوز أن يسقط الحدث الأصغر والأكبر وأكثر من سبب، فلو كانت المرأة جنباً وحائضاً وانقطع حيضها واغتسلت لإزالة الجنابة والحيض بغسل واحد، جاز، وإن نوى الرجل بغسله يوم الجمعة وكان جنباً، إن نوى به الجمعة مع الجنابة أجزأ ذلك، كما لو وجدت النجاسة على رجله، فغسل رجله في الوضوء، وأسقط النجاسة ، جاز ذلك.
وبوب الإمام البيهقي في سننه ما يجزئ، وأثر أبي قتادة مع ابنه لما أمره بإعادة الغسل، لم يكن ابنه استحضر غسل الجمعة،وتبويب البيهقي يؤذن بذلك، ونصص على ذلك ابن رجب في قواعده.
وأما الماء لا بد أن يكون مطلقاً؛ فإن وجد الصابون على البدن، ثم جاء الماء فأزال الصابون، أسقط الجنابة، أما إن وضع الصابون داخل الماء فلا يجزيء، فلا بد أن يكون الماء مطلقاً وأن لا يكون خرج عن وصف الماء.
وسبب البدء في غسل العورة، فالتخلية قبل التحلية، فهو يخلي نفسه من النجاسة قبل أن يتحلى بالنظافة، ومس الفرج أثناء الغسل لا ينقض الوضوء، إلا إن كان بشهوة، وإن وقع مس بين الرجل وزوجه، ممن التذ انتقض وضوء، ومن لم يتلذ لم ينتقض وضوءه، فالحكم يدور مع اللذة، جمعاً بين الأحاديث، والجمع بين الأحاديث مقدم على إهمال بعضها كما قال شيخ الإسلام.
أما أذكار الغسل فهي أذكار الوضوء، فنبدأ بالتسمية وننتهي بـ"أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" ولا داعي للوضوء بعد الغسل إلا من انتقض وضوءه أثناء الغسل.
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.


To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 03-23-2012, 04:02 PM
خالد بن إبراهيم آل كاملة خالد بن إبراهيم آل كاملة غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 5,683
افتراضي

السؤال151: هل يجوز دفع زكاة المال لمن أراد أن يتزوج أو يتطبب؟
الجواب: المال يعطى للفقير لقضاء حاجاته الأساسية والتطبب والزواج من الحاجات الأساسية، فلو أن شاباً احتاج إلى زوجة وتنازعه نفسه، ولا يوجد معه ما يتزوج به، فاستعان بمال الزكاة على الزواج فلا حرج، ويؤكد ذلك ما روي عن عمر بن عبد العزيز، لما كان يرسل مندوب بيت المال في الشارع ويقول : من ليس له زوجة نزوجه من مال الزكاة.
والأموال في أيدي الناس لقضاء الحاجات الأساسية، والحاجات الأساسية: المطعم، والمشرب، والملبس، والتطبب، والتزوج، وهكذا..
وكذلك المريض إن خاف أن يهلك، لكن ما يتطبب لشيء تكميلي، لعملية تجميلية مثلاً، فهذا لا يجوز له أن يأخذ، لكن إن كان مريض ويهلك أو لا يستطيع أن يقوم بالمهام التي تجب عليه من العمل وما شابه ولا يستطيع أن يتطبب إلا بمال الزكاة، فلا حرج في ذلك، فهذه من الحاجات الأساسية التي يجوز الاستعانة بمال الزكاة عليها.

السؤال 152: ما حكم التأمين على الحياة؟
الجواب: التأمين على الحياة ضرب من ضروب القمار، وهو حرام، والعبرة في القمار المبدأ، وليست الوسيلة ولا الطريقة، فقد يدفع الرجل إلى شركة عشرين سنة مبالغ طائلة ولا يستفيد شيئاً وقد يدفع آخر بيوم واحد عشرين دينار ويأخذ عشرة آلاف.
والغنم والغرم في التأمين يكون بمحض الصدفة، وليس قائماً على مهارة فهو حرام لا يجوز.
وتتأكد هذه الحرمة بأشياء منها: أن الشركات هذه التي تؤمن هي أيضاً تؤمن على الخمارات وعلى الملاهي الليلية وما شابه، فأنت تعقد اتفاقاً مع أناس يأخذون أموالهم أصلاً من جهة محرمة، ثم جميع شركات التأمين تؤمن على من أمن عندها، حتى تكون الأمور بأيدي شركات معدودة في العالم، فهي سلسلة قمار متزاحمة متراكبة.
والناس يؤمنون على حياتهم بسبب عدم وجود الاستقرار وبسبب وجود النظام الرأسمالي، وعدم وجود الشرع، ومن يقرأ كيف كان أطباؤنا يعالجون لا سيما في الأندلس يجد العجب العجاب، أم االتأمين المجبر عليه فلا حرج وافعله بأقل قدر.
أما العاقلة فليست فيها مقامرة، إنما هي ضريبة أن فلان قريبك فتدفع، أما التأمين على الحياة لا يوجد فيه هذا، فلا يوجد صلة بين المتقامرين، والعاقلة فقط في القتل فهي نوع من أنواع التكافل، والتأمين أوسع من ذلك، ففرق كبير بين الأمرين.

السؤال 153: رجل قارف اللواط ثم تاب، هل هناك كفارة لذلك؟
الجواب: أما الكفارة فلا، لا يوجد عمل إن عمله ذهب وزره، وأسقطه، إلا التوبة، فالتوبة تجب ما قبلها والاستغفار، ومن ستر الله عليه فليستر على نفسه .
أما عقوبة اللواط، فمنهم من قال: التحريق بالنار، وهذا مذهب أبي بكر، ومنهم من قال: سنة الله الشرعية في هذه المسألة كسنة الله الكونية، فجبريل أخذ أهل قرية سدوم وحملهم ثم قلبهم، فيرمى اللائط من أعلى مكان في المدينة، ومنهم من قال : نعامل اللائط كالزاني، لأن الله عز وجل، يقول: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً} وربنا قال عن قوم لوط: {أتأتون الفاحشة} فسمى الله الزنا فاحشة وسمى اللواط فاحشة، وحديث أبي هريرة عند مسلم: {كتب الزنا على ابن آدم ولا محالة} وذكر في آخره: {والفرج يصدق ذلك أو يكذبه} والفرج يشمل القبل والدبر، فقال بعض أهل العلم أن اللواط هو تصديق للفرج، فيشمل هذا الأمر، ويقال للرجل الذي يفعل هذا الفعل لِواطي، ولا يجوز أن يقال له لُوطي، فلوطي نسبة إلى لوط عليه السلام، ولِواطي نسبة إلى فعل اللواط وفرق بين الأمرين.

السؤال 154: ما حكم القرض الحسن من البنك الإسلامي؟
الجواب: القرض الحسن جائز من أي طرف، إن أخذت ورددت بمقدار ما أخذت جاز ذلك ولا حرج فيه، والأحكام الشرعية متعلقة بالأفعال لا بالذوات.
فإذا أخذت القرض الحسن من نصراني أو بنك ربوي أو بنك يسمى إسلامي جاز ذلك، فلك مثلاً أن تتصدق على نصراني أو تنقذه من الغرق لأن الأحكام الشرعية تتعلق بالأفعال لا بالذوات.
وأيضاً استلام الراتب من البنك، فإن كنت ملزماً فخذ راتبك من البنك مجرد نزوله ولا تبقيه.

السؤال 155: رجل دخل على زوجته ليلة عرسه ثم توفى قبل أن يدخل بها، فهل تعتد العدة الشرعية؟
الجواب: نعم؛ بإجماع العلماء لقول الله عز وجل: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً}. والأزواج أطلقوا وما قيدوا بالدخول، فسواء أعلن النكاح أم لم يعلن، وسواء دخل أم لم يدخل، فمجرد العقد عليها وتوفي زوجها عنها فعليها العدة، ويحرم على رجل أن يتقدم إليها أثناء عدة وفاة زوجها، ولكن يجوز التعريض بالخطبة، كأن يقول لها حماها، وقد أرادها لأخيه: يا بنية لن نتخلى عنك، وتبقين عندنا إن شاء الله، وما شابه من العبارات.
أم التي طلقت قبل الدخول فهذه لا عدة عليها لقوله تعالى في سورة الأحزاب: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً}، فهذه لو جاءها خاطب ثاني يوم فلا حرج من كتب كتابها.

السؤال 156: إذا سهى الإمام عن التشهد الأوسط، وعندما ذكر بذلك رجع من القيام إلى الجلوس، فهل تبطل صلاته؟
الجواب: الإمام إن قام من التشهد الأوسط لا يجوز له أن يرجع، وعند بعض أهل العلم كالماليكة يقولون: إن كان أقرب للقيام قام، وإن كان أقرب للجلوس جلس، وهذا الكلام مرجوح وليس براجح، والصواب أنه يجلس ما لم يستقم قائماً، لما ورد في ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: {فليجلس ما لم يستقم قائماً}.
أما إن قام واستوى قائماً فلا يجوز له الرجوع، لما ثبت في جامع الإمام الترمذي بإسناد جيد عن المغيرة بن شعبة، رضي الله تعالى عنه، أنه صلى بالناس ذات يوم فقام من الأوسط فسبحوا به، فسبح بهم، ثم سجد للسهو ثم وقف بالناس خطيباً وقال: ((هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع)) .
فالإمام أن قام من الأوسط نسبح له، وإن تيقنا أنه قام واقفاً حتى لا يظن أنها الأولى، فيخرب الصلاة كلها، فإن أصر من خلفه على التسبيح يريدون إجلاسه، يسبح بهم أي يقول لهم سبحان الله؛ أي أنا مخطئ وأعرف خطئي لكن لا يجوز لي الرجوع.

السؤال 157 : ما رأيكم في كتاب "كفاية الأخيار" ومؤلفه الحصني؟
الجواب: كتاب "كفاية الأخبار" من كتب الشافعية التي ذكرت القول المعتمد عند الشافعية بعبارة ليست طويلة مملة، ولا قصيرة مخلة، والكتاب استوعب كثيراً من المسائل، والجيد في الكتاب أنه مدلل؛ أي : إنه قائم على الدليل النقلي.
ولكن ليست كل أدلته صحيحة، إذ أن مؤلفه ليست له كبير عناية بالحديث النبوي، وإن عرفت له مشاركة فيه، فمن كتبه شرحه على صحيح الإمام مسلم، لكن عمله ومؤلفاته ونفسه ومكنته وملكته الفقهية أقعد وأضبط وأشهر لذا شرح "التنبيه" للشيرازي، وشرح غير متن من متون الشافعية.
وأنصح طالب العلم أن يبدأ بالكتب المدللة بحيث لو انقطعت به الطريق في الطلب، فيبقى في باله وفي ذاكرته، وحفظه المسألة مع دليلها، والطالب ينبغي أن يبدأ بالكتب السهلة، مثل:"فقه السنة" مع تعليقات شيخنا عليه في "تمام المنة" فقد جعل شيخنا "فقه السنة" منة على الأمة، لكن وقع بعض الثغرات في الكتاب فاستدركها بـ "تمام المنة" فاستدراكه تمام للمنة التي هي تأليف "فقه السنة" وهو كتاب جيد نافع.
وكذلك لو نظر الإنسان في أحاديث الأحكام وشروحها أما الكتب الفقيهة المذهبية، فتلزم طالب العلم بعد أن يعرف الأدلة، ويترسخ عنده ضرورة معرفة الدليل، فقد قال قتادة: ((من لم يعرف خلاف الفقهاء لم يشم أنفه رائحة الفقه)) فبعد هذه المرحلة لو نظر في كتب المذهبيين فحسن.
وكتاب كفاية الأخيار من الكتب المتوسطة، ليس متناً وليس مسهباً فهو من كتب الشافعية الجيدة في الجملة.
أما مؤلفه: فهو تقي الدين أبو محمد الحسني الشافعي الدمشقي المتوفى سنة 829؛ وله في كتاب "كفاية الأخيار" انتقادات للصوفية وهي جيدة ولو أنها جمعت في رسالة لكانت نافعة.
ولكن كان يحط على شيخ الإسلام ابن تيمية وكم عجبت لما قرأت الطبعات الأخيرة من الكتاب فقال المحققون إن الحصني كان يميل إلى آراء ابن تيمية فقد هاجم ابن تيمية والحصنى الصوفية، لكن هذا الكلام ليس بصحيح، فالحصني كان يكفر ابن تيمية ورد عليه ابن ناصر الدين في كتابه الرائع (الرد الوافر على من زعم أن ابن تيمية شيخ الإسلام كافر) .
ولما التقى بدمشق سبط ابن العجمي مع الحصني وكانا في مجلس واسع ضم كثيراً من العلماء وطلبة العلم.
فقال سبط ابن العجمي للحصني: (سم لي مشايخك؟) فأخذ الحصني بتسمية مشايخه ويفتخر بهم ويكثر من تعدادهم، فقال له سبط ابن العجمي وكان ذكياً، وكان له مأرب في السؤال فقال له: (وهل كل من سميت إلا عبيد، أو عبيد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية) قال المترجم: فحمل الحصني حذاءه ومشى.
رحم الله الأقدمين من علمائنا، ونسأل الله رب العرش العظيم ألا تكرر الزلات الواقعة، والعلماء بينهم أشياء، والسعيد من أمسك لسانه ولم يتكلم في العلماء، أثر عن ابن عباس كما أسند ابن عبد البر في كتاب"جامع بيان العلم" قال: ((إن تنافس العلماء فيما بينهم لأشد من تنافس التيوس في مزاربها))، لماذا؟ لأنه كلاً منهم يظن أنه هو المحق، فإن تكلم على آخر يتكلم بحرارة الإيمان، وقد قرر الجاحظ قديماً أن أولاد الأب والأم إن وقع بينهم شجار فإن شجارهم أشد من الشجار الذي يقع بين الرجل وبين الغريب، فكل يتكلم وهو يعتقد اعتقاداً جازماً أنه ينصر الدين.
لذا أمرنا أن لا نأخذ بكلام العلماء بعضهم في بعض، لا سيما إن كانت بينهم معاصرة، وقالوا: المعاصرة أصل المنافرة. فلا تسمع لطالب علم كلاماً في آخر، ابق نزيهاً واحفظ لسانك، بل أزيدك نصيحة، وأرجو الله أن تقبلها مني وأن تجعلها في قلبك، احفظ لسانك واحفظ أذنك وإن سمعت فتشاغل، إما بالانصراف وإما بعدم وضع ما تسمع في القلب، وفقنتي الله وإياكم لما يحب ويرضى.

السؤال 158: لو أقسم رجل على عدم زيارة قريب له، ثم زاره فهل عليه كفارة؟
الجواب: نعم؛ من أقسم على عدم زيارة قريب له، وعقد قلبه على عدم الزيارة، وزاره، فعليه كفارة اليمين، وهذا يشمله ما ثبت في صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه} وفي رواية {وليكفر عن يمينه وليأتي الذي هو خير} فيجوز أن يدفع الكفارة قبل أن يزور قريبه ويجوز أن يزور قريبه قبل أن يدفع الكفارة.
وليس من ضير إن حلف الرجل على شيء، فرأى غيره خيراً منه، أن يكفر ، فلا حرج في ذلك ولا كراهة.
والكفارة أن يطعم عشرة مساكين أو كسوتهن فإن لم يستطع فيصم ثلاثة أيام ولا يشترط فيها التتابع.
وما أجمل أن نجعل كفارتنا في حياتنا، فرجل جاءه إخوانه أو أصدقائه أو جيرانه يسهرون عنده فطال المجلس، وكان فيهم فقراء فعشاهم من طعامه ونوى كفارة اليمين لا حرج، أو جاءت مثلاً أخته وأولادها وهم فقراء وعنده كفارة يمين، فأمر الزوجة أن تعد طعاماً ليطعمهم كفارة يمين، فلا حرج، فما أجمل أن تكون واجباتنا تمضي في مسيرة حياتنا.
ولو أن المرأة مثلاً وهي تفصل ملابس الصيف والشتاء ،ووجدت ملابس لا تلزم، كأن يكون الأولاد كبروا ولا يحتاجونها، والملابس جديدة غير مهانة، والكسوة تكون في اللباس الظاهر كالثوب والقميص وما شابه، وأعطيت هذه الملابس كفارة اليمين فهذا حسن.
والموفق في كل عمل يتأنى ويتذكر الواجبات التي عليه وهو في حياته الطبيعية يؤدي الواجيات التي فرضها الله عليه، ولا يقدر على ذلك إلا الموفق.
وعتق الرقية، والإطعام والكسوة مخير فيها في الكفارة، فمن لم يستطع يمضي إلى الصيام، وينظر أيهما أفضل الإطعام أم الكسوة، فالذي يسد الحاجة هو الأفضل، والله أعلم ..

السؤال 159: يا شيخنا نريد منك أن تخصص لنا محاضرة، نتكلم فيها عن بدايتك، كيف اهتديت متى كانت أول مرة درست فيها طلاباً، وعن بدايتك في طلب العلم؟
الجواب: أما أنا لا أستحق أن يحاضر عني، ولا أن يذكر اسمي، وأقول هذا ديانة، والله لا أقول هذا تواضعاً وأعرف قدر نفسي.
وأما العلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {من يرد الله به خيراً يفقه في الدين} ونرجو الله عز وجل أن يرزقنا المزيد من فضله، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعل ما علمنا في صحيفة أعمالنا خالصاً لوجهه، وأن يجعلنا ممن يعيش بعلمه ويعيش الناس بعلمه، فالناس ثلاثة: رجل يعيش بعلمه، ورجل يعيش بعلمه ويعيش الناس بعلمه، ورجل يعيش الناس يعلمه وقد أهلك نفسه.
أقول، فقط من باب التحدث بنعمة الله أولاً، ثم فيه فائدة لكثير من طلبة العلم ثانياً، أقول: حقيقة وجدنا في وقت ونحن صغار، في أواخر السبعينات، لما كنا نطلب العلم، كنا نود لو نجد ولو طالباً يعلمنا أو يرشدنا، ما كنا نجد في المساجد من يجلس ويفقه ويعلم نجد ما تعلمون - ولا أريد أن أفصل- نجد القصاص والوعاظ الذين يخلطون الحابل بالنابل، والذين يصرخون على المنابر، والذين يشتمون ويلعنون، ولا يربون ويؤسسون ويعلمون.
فكان الواحد منا في الحقيقة، يتعب ولما يقرأ ولا يفهم لا يجد من يلجا إليه، وكم كانت الفرحة لما يسر الله عز وجل، وأن علمت أن الشيخ الإمام إمام هذا العصر في علم الحديث، أبو عبدالرحمن محمد ناصر الدين بن نوح الألباني، لما جاء الأردن في سنة 1978- 1979، وكان يتردد إلى الأردن، وأنا كنت في الثانوية، ومن الله علي فجلست في تلك الفترة في مجالسه ووجدت جنتي، وجدت رجلاً تعجب منه، له المهابة وعند بساطة؛ يعيش في حياة لا يعرف فيها إلا العلم، العلم يملأ وقته، وينشغل في ليله ونهاره، وفي حله وترحاله بالعلم.
ودخلت على مكتبة كان الشيخ ينزل فيها، وكم دعوت ربي أن أرزق مثلها، ولله الحمد مكتبتي الآن مثلها أو أحسن منها، وغبطت الشيخ غبطة عظيمة لما رأيت في المكتبة فرشة ووسادة، هذه غبطة عظيمة دخلت في نفسي، كان الشيخ رحمه الله يواصل الليل بالنهار، وكان لا يعرف الملل ولا التعب لما يعيش بين الكتب، حتى أنه لما كان يدخل في المكتبة الظاهرية كان ينسى نفسه، فكان يقول للقائمين على المكتبة: اخرجوا وأغلقوا علي الباب وارجعوا غداً، مما اضطرهم أن يبنوا له غرفة في المكتبة، فكان يسكن رحمه الله في السدة، وحدثني القائم على المكتبة العامة في حي الزاهر في مكة، قال: جاء الشيخ للعمرة، وكان بحاجة أن يراجع بعض المسائل، فدخل المكتبة العامة، وكانت زاخرة ومليئة بالكتب، قال: فدخل فانتهى الوقت، فقلت: يا شيخ نريد أن نغلق، قال: غلق علي وارجع غداً.
وهذا حقيقة أمر شاهدناه ولو لم يستفد من شيخنا شيئاً إلا حرصه على الوقت، وحبه للعلم، لكان في ذلك خير عظيم وفرق بين ما تسمع وبين ما ترى.
فحبب الله عز وجل إلي العلم من صغري وكنت أقرأ وأكثر من القراءة وقرأت أشياء لو أنها في عقلي وفي ذهني وذاكرتي وحفظي لم يكن هذا حالي، لكن كنت أقرأ وفي كثير من الأحايين لا أفهم، فكنت أجلس وأبكي وأقول: يا رب علمني، وكم سررت وفرحت لما قرأت في تفسير الألوسي، وكان قد نقل بعض الصفحات بتمامها، فيقول بعض أن نقل هذه الصفحات: (هل فهمت شيئاً؟ أما أنا فلم أفهم شيئاً) ففرحت لما قرأت مثل هذه العبارات .
فطلب العلم بحاجة إلى وقت وإلى صدق وإخلاص ويحتاج إلى تجرد ويحتاج إلى تفرغ، ويحتاج إلى وصل الليل بالنهار، ويحتاج إلى تعب، وإلى دعاء إلى الله عز وجل ،وإلخ.
وما كنت أشرب زمزم لفترة طويلة في حياتي إلا ليعلمني الله عز وجل وما زلت جاهلاً وأسأل الله عز وجل أن يعلمني فهذا شيء مما عندي في الجواب على هذا السؤال.

السؤال160 : لقد قرأت في الأرواء: {نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل طهور امرأته} وقد اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة وكان الصحابة يتوضأون بفضل وضوء نساءهم، فأجبني جزاك الله خيراً؟
الجواب: المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، والنصوص الواردة فيها كثيرة ومتداخلة ومتشابكة، وقد بحثت وحصرت النصوص والأقوال وسأسردها حتى نصل إلى الراجح في المسألة .
أخرج الطيالسي في مسنده ،ومن طريقه أصحاب السنن الأربعة وأحمد في المسند، من حديث الحكم بن عمرو الغفاري: {أن رسول الله نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة}، قال عبدالله بن سرجس رضي الله عنه: (توضأ أنت ها هنا، وهي ها هنا، فأما إذا خلت فلا تقربنه)، إذن لو توضأ الرجل مع المرأة لا حرج لكن إذا هي خلت وحدها، وزاد شيء من الماء الذي توضأت به، فيكره أن تتوضأ بفضل وضوءها، لذا استشكل السائل أن النبي كان يغتسل هو وعائشة معاً، فأين يقع الاغتسال معاً والوضوء معاً لا حرج، أما أن تتوضأ وحدها وأن يزيد شيء من فضل وضوئها، فيكره للرجل أن يتوضأ بفضل مائها.
أخرج البخاري في صحيحه بسنده إلى عائشة رضي الله عنها، قالت:{كنت أغتسل أنا والنبي من إناء واحد}، هذه الواو بمعنى مع وليست للعطف، كنت أغتسل أنا مع النبي في إناء واحد، وهذا يدلل على أنه لا عورة للزوج على الزوجة، ولا للزوجة على الزوج، ويجوز للرجل أن يغسل زوجته بعد الوفاة، وكذلك العكس، فتقول عائشة كما في صحيح مسلم: {لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنا وأزواجه} والذي يدلل على هذا ما أخرجه ابن حيان في صحيحه من طريق سليمان بن موسى أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته، فقال: سألت عطاءً ، فقال عطاء: سألت عائشة، فقالت: {كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد}، إذن مراد عائشة مع النبي لأنها أجابت سؤالاً عن أن ينظر الرجل إلى عورة زوجته، فقالت: {كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم}.
وأخرج البخاري في صحيحه بسنده إلى ابن عمر قال: (كان الرجال والنساء يتوضأون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً)، قال ابن التين، شارح صحيح بخاري: (أي كان الرجال يتوضأون ثم ينصرفون ثم يأتي النساء يتوضأون) وهذا التفسير ليس بصحيح، وإنما التفسير الصحيح أن الرجال والنساء من الأزواج والمحارم، كانوا يتوضأون من إناء واحد، وكل منهم يغرف من الإناء ، ودليل ذلك ما ثبت عند ابن خزيمة في الحديث نفسه ،عن ابن عمر:{أنه أبصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والنساء معهم يتطهرون من إناء واحد، كل يتطهر منه} وهذا محمول على المحارم والزوجات؛ لأن في الوضوء كشف عورات.
إذن أن يتوضأ الرجال والنساء من إناء واحد لا حرج، وأن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد لا حرج، أما فضل ماء المرأة وحدها، هذا فيه كراهة، وهذا مذهب أحمد واسحق.
وقد قال بعضهم، كابن عمر، والشافعي، والأوزاعي، قالوا: أن فضول المرأة مكروه إذا كانت حائضاً، فهذا ليس بصحيح، لأن الحائض لا تتوضأ.
ومنهم من قال، كالإمام النووي أن أحاديث كراهية الوضوء بفضل ماء المرأة ضعيفة باتفاق، وهذا ليس بصحيح، وتعقبه الحفاظ وعلى رأسهم الحافظ ابن حجر في الفتح.
ومنهم من قال كالخطابي: أحاديث النهي محمولة على ما تساقط من الأعضاء، يكره للرجل أن يتوضأ من فضول ماء المرأة الذي يتساقط من أعضائها، أما ما تبقى بعد وضوئها، فهذا ليس بمكروه الوضوء منه، ومنهم من قال أن الكراهة للتنزيه، لأن الفعل حاصل مع النهي فيصرفه من التحريم إلى التنزيه.
وأقوى هذه الأقوال عندي القول الأول، وهو قول أحمد واسحق وهو : أن الرجل والمرأة لهم أن يتوضأون من إناء واحد، ويغتسلون من إناء واحد، لكن إن فضل ماء المرأة وتوضأت وحدها، فيكره للرجل أن يتوضأ به، لكن ليس هو بنجس ويجوز الاستفادة منه، ولا حرج في ذلك.
وكذلك العكس، أي أن تغتسل المرأة أو تتوضأ بفضل وضوء الرجل، فقد أخرج الإمام أو داود، والنسائي، من طريق حميد بن عبدالرحمن الحميري، قال: {لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين، فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل أو يغتسل الرجل بفضل المرأة، وليغترفا جميعاً}. وقوله{وليغترفا جميعاً} يؤكد ما قلنا.
ومنهم من ضعف الحديث وقال: الحديث مرسل، لأن الصحابي مبهم، وهذا كلام غير صحيح، لأن الحديث الذي صاحبيه مبهم حديث مقبول لأن الصحابة عدول.
ومنهم قال بالجواز بإطلاق واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل بفضل ميمونة وقال: {إن الماء لا يجنب} فعلق النبي صلى الله عليه وسلم الجواب على حال الماء، فما دام الماء طاهراً يغتسل منه، وقال في الميموني في رواية عن أحمد حديث مضطرب ورجح حديث الحكم، والراجح أعمالاً لجميع ما ورد في الباب من أدلة ، مذهب أحمد واسحق ، والله أعلم ..

السؤال 161:

السؤال 162: ماالفرق بين "رواه الشيخان" و"متفق عليه"؟
الجواب: هذه اصطلاحات للمخرجين، ومتفق عليه: أي المتن والمخرج أي الصحابي متحد، فاللفظ والصحابي متحد، إما إذا كان المتن بمخرجين مختلفين، والمتن في الصحيحين ولكل متن مخرج مختلف، فهذا يقال فيه: رواه البخاري ومسلم ولا يقال متفق عليه.
ومنهم من له اصطلاح خاص، وهو المجد ابن تيمية-جد شيخ الإسلام أحمد بن تيمية- وذلك في كتابه"منتقى الأخبار في أحاديث سيد الأخبار" الذي شرحه الشوكاني في كتابه "نيل الأوطار" فالمجد إذا قال: متفق عليه، فيكون مراده : أخرجه أحمد والبخاري ومسلم، وهذه اصطلاحات خاصة للعلماء، والله أعلم .

السؤال 163: هل من مسح رأسه الربع، على المذهب الحنفي، وهو يعتقد المذهب الحنفي هل وضوءه باطل؟
الجواب: أولا ليس مذهب أبي حنيفة الربع، إنما مذهبه الشعرة والشعرتين، والثلاثة تجزئ، وأجزاء الربع هو مذهب الشافعية، والراجح لما قلنا أكثر من مرة، أن الواجب –استيعاب جميع الرأس، وهذا مذهب مالك وأحمد، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مسح على شيء من شعره إلا بالعمامة، ومن غير عمامة ما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم مسح على جزء من شعره.
لكن لو أن رجلاً اعتقد في مسألة مذهباً ما بناءً على الدليل، وأنا اعتقدت خلافه، فليس لي أن أفقه أو أبدعه، فلو مثلاً دعينا على طعام، وقدم على المائدة طعام فيه لحم إبل، وكان معنا إمام مسجد، وهو يعتقد أن أكل لحم الإبل ليس ناقضاً للوضوء فصلى بنا دون أن يتوضأ [فهل نترك الصلاة خلفه] ونقول هو فاسق تارك صلاة يصلي من غير وضوء، لا يجوز هذا ، فهو متأول مخطئ، فهذه المسائل ينبغي أن نعتني بها، وننتبه لها، فمراعاة خلاف العلماء من سمات الموفقين، فإن رأيت أخاً لك خالفك في رأي، وهذا الرأي محتمل ، فيكون الأمر بين صواب وخطأ، وراجح ومرجوح، ولا تضلله ولا تفسقه ولا تبدعه، فليس لك ذلك.
فلو أن امرأة معروف عنها التقوى والورع والعفاف والصيانة ، زوجت نفسها بنفسها، نؤثمها، لكن لا نقول عنها زانية، إن كانت تعتقد مذهب أبي حنيفة.
أما من يلف ويدور ويبحث عن مثل هذه الرخص والخلافات فهذا الذي يزجر، ويؤمر، وينهى.

السؤال 164: المؤخر للمرأة، هل تأخذه في حياته أم بعد مماته؟ ولو ماتت في حياته، ماذا يحصل للمؤخر؟
الجواب: من الأشياء التي ننكرها، والتي هي ظاهرة وموجودة في حياة المسلمين اليوم، أن الزواج لا بد له من مقدم ومؤخر، والزواج في دين الله يجوز أن يكون على مهر مقدم فقط، ويجوز أن يكون على مهر مؤخر فقط، وليس ضربة لازم، وليس من شروط الزواج أن يكون شيء مقدم وشيء متأخر.
فلماذا اليوم يضعون المتأخر؟ لأنهم يفرطون في أمر مهم من أمور الدين، يقول أنا أريد أن أحفظ حق ابنتي، ولا أعرف ماذا يجري على ابنتي بعد زواجها، نقول له: لا تزوج إلا من تثق بديانته، وأمان حياة ابنتك أن تبحث لها عن صاحب دين، فإن كنت في شك من ديانة الذي تقدم إليها، فلا تزوجه حتى تتيقن، فإن تيقنت فلا تسأل.
ولا يجوز أبداً أن تكون المهور هي سبب الخلاف بين الأزواج وأولياء الأمور، وتعجبون إن قلت لكم أن المهر في الشرع فلسفته: أن يقول الشاب : يا أبا فلان أنا أريد أن أتقدم لابنتك وهذا هو مهرها، وفي هذا دلالة على أني أتكسب حلالاً وأستطيع أن أطعم نفسي حلالاً، وأن أطعم ابنتك حلالاً، فليس المهر شراءً للبنت، فهو رمز للتكسب، لذا الذي كان يجري في أعراف المتقدمين، ، أن الذي يحدد المهر هو الزوج، وليس الزوجة، والمهر من حق الزوجة، ما لم يتفق على خلافه.
واليوم الموجود في عقد الزواج ، المتأخر تأخذه الزوجة بأقرب الأجلين ؛ الطلاق أو الوفاة، وهذا درج عليه الناس وتعارفوا عليه، فأصبح المتأخر أشبه ما يكون كأنه شرط جزائي ، وهذا موجود في العقد، ولا يدفعه الرجل إلا بأقرب الأجلين إما طلاقه وإما وفاته.
لذا يحسن بمن يتزوج أن يركز على هذه النقطة ، فيقول للولي أنت تقول لي : المتأخر ، وهذا ليس متأخر، وإنما هذا شرط جزائي، فإذا وافقت عليه، يكن هذا. أما إذا كان المهر متفق عليه، بمتقدم ومتأخر، بمقدار المهر الشرعي، فمن حق الزوجة أن تطالب بمهرها في أي وقت من الأوقات، ويبقى ديناً تشغل به ذمة الزوج.
فالقاعدة الآن شرط، فإذا أردنا أن نقلبه إلى مهر، فينبغي أن يكون فيه تعديل وبيان وتوضيح من قبل الزوج ومن قبل ولي الأمر ، والله أعلم ..

السؤال 165: ما هو الصواب في التشهد ، أن نقول ((السلام عليك أيها النبي)) أم نقول: ((السلام على النبي))؟
الجواب: الصواب أنه يقال بعد التحاق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، أن يقال في التشهد ((السلام على النبي)) وليس ((السلام عليك أيها النبي)) ثبت ذلك عن ابن مسعود في كتاب الدعوات في صحيح البخاري ، وثبت عن عائشة ، وقد قال تقي الدين السبكي في كتابه"الحلبيات" قال: وإن ثبت هذا الحديث فينبغي ألا يعدل عنه، فكيف والحديث في صحيح بخاري.
فالصحابة كانوا في حياته صلى الله عليه وسلم يقولون : ((السلام عليك أيها النبي)) وبعد أن التحق بالرفيق الأعلى، أصبحوا يقولون في صلاتهم : ((السلام على النبي)) والله أعلم .

السؤال 166: هناك بعض البنوك تعطي عملائها بعد وفاتهم مبلغاً من المال وهو مبلغ ثابت للجميع، مهما تفاوت المبلغ الذي في الرصيد، فهل يجوز للورثة الاستفادة من هذا المبلغ؟
الجواب: هذا المبلغ لا يعطى إلا لمن يضع ماله بالربا، أو في البنك على وجه حرام، والشيء المترتب على الحرام حرام، فسبب إعطاء البنك هذا المبلغ للورثة، هو وجود حساب ربوي في البنك، وما ترتب على الباطل باطل، والله أعلم .

السؤال 167: هل على المرأة التي صلت الجماعة أن تعود للبيت فتصلي الظهر؟
الجواب: لا، من صلت الجمعة في جماعة فليس عليها أن تعيد الظهر، كالمسافر الذي لا تجب في حقه الجمعة، فلا تجب في حقه الظهر، وكالذي لا تجب عليه الجماعة لمرض أو لمطر أو لبعد منزل، فتعنى وجاء بمرضه أو بالمرض أو لبعد منزله، فصلى جماعة، فلا تجب عليه الإعادة، ولا تجب الصلاتان الجمعة والظهر فلا تجتمعان، والله أعلم ...

السؤال 168: هل يجوز للمخطوبة التي عقد عليها أن تخرج مع خطيبها دون علم أبيها؟ وما حكم من دخل بها قبل أن تزف الزفاف الشرعي؟
الجواب: أولاً إن عقد عليها فهي ليست مخطوبة وإنما هي زوجة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: {إنكم استحللتم فروجهن بكلمة الله} أما المخطوبة التي لم يكتب كتابها والوالد أو ولي الأمر لا يعتبر هذا زوج وإنما يعتبره خاطب، فيحرم عليه أن ينظر إلى خطيبته إلا الوجه والكفين، ولا يجوز أن يخلو بها، ولا أن تظهر بزينتها عليه فضلاً عن أن تخرج معه.
أما لو كان قد عقد عليها أو أن ولي الأمر اعتبر فلاناً زوجاً لابنته، وحصل إيجاب وقبول على أنه زوج، فحينئذ له أن يخلو بها، وله أن يخرج معها ولها أن تظهر بزينتها عليه.
لكن المرأة تقدم أمر وليها المحبوسة عنده، فإن كانت المرأة في بيت أبيها، فأمر أبيها مقدم على أمر زوجها، حتى عندما تترك بيت زوجها مغاضبة وحردانة، وتذهب إلى بيت أبيها، تقدم طاعة أبيها، فالمرأة تقدم طاعة المحبوسة عنده، فعندما تكون في بيت زوجها طاعة الزوج مقدمة على طاعة الأب.
فإن علمت أن أباها يقبل ضمناً فليست بحاجة إلى إذن، وإن كانت تعلم أنه لا يقبل فلا بد من إذنه.
أما من دخل بمن كتب كتابه عليها ،قبل أن تزف إليه الزفاف العرفي، فهذا ليس بزنا قولاً واحداً، لكن دخوله بها يعد في أعراف الناس عاراً، ولا يجوز لمسلم أن يلحق عاراً بمسلمة، لا سيما ربما يموت، فماذا يحصل؟ قد تتهم بعرضها، وتقتل، وقد يقع الطلاق، فيحصل الحرج الشديد.

السؤال 169: الناس يوم القيامة ينادون بأسماء أمهاتهم، أم آبائهم؟
الجواب: السائد عند الناس، أن الناس ينادون يوم القيامة بأسمائهم وأسماء أمهاتهم، أي يا فلان ابن فلانة، ولذا أهل البدع يعملون على تلقين الأموات بعد دفنهم ، يقولون للميت: يا فلان ابن فلانة.
والتلقين على القبور بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، والحديث الوارد عند الطبراني حديث ضعيف جداً، والتلقين مشروع، التلقين عند النزع، لما ينازع الإنسان نقول له: قل لا إله إلا الله، فإن خرجت الروح يكون قد عرف حاله، فلا داعي للتلقين الذي يكون في القبر.
والصواب أن الإنسان يوم القيامة ينادى باسمه واسم أبيه وليس باسم أمه، وأصح ما ورد في هذا الباب، ما ثبت في صحيح مسلم، من قوله صلى الله عليه وسلم: {ينصب للغادر يوم القيامة لواء عند استه، ويقال: هذه غدرة فلان ابن فلان} فهذا أصح ما يحتج به.
وورد حديث صريح عند الطبراني، لكن في صحته نزاع، وفيه أنه ينادى يوم باسم الرجل واسم أبيه، لكن ذاك أقوى، والله أعلم..

السؤال 170: إذا صمت الإمام بعد الفاتحة أنقرؤها أم نصمت؟
الجواب: إذا سكت الإمام نقرأ ولا حرج.

السؤال 171: ما حكم الخادمات السيريلانكيات والفلبينيات الكتابيات في البيوت؟
الجواب: هن أجنبيات؛ ولعل البعض يتوهم أنهن من الإماء فيحرم على لرجل أن ينظر إلى ما سوى الوجه والكفين، فضلاً عن حرمة الخلوة واللمس والتمتع وما شابه ، والله أعلم .

السؤال 172: شخص سمعه ضعيف، وكثيراً لا يسمع الإمام ، فهل يصلي منفرداً، أم يقرأ خلف الإمام لوحده؟
الجواب: يصلي مع الإمام ويتابع الناس بالنظر، وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلحظ في صلاته أحياناً فإن اضطر المأموم أن يلحظ [ أي ينظر بطرف عينه] فلا حرج.

السؤال 173: رجل يحدث بريحٍ كثيرة أثناء الوضوء ويتكرر ذلك في كل وضوء تقريباً، فهل يعيد وضوءه أم يتابع الوضوء؟
الجواب: من كان مبتلىً بسلس ريح أو سلس بول، فلا يتحكم بخروجه فهذا يتوضأ لكل صلاة بعد دخول الوقت ،ويصلي ما شاء من الفرائض والنوافل، وبدخول وقت الصلاة الثانية ينتقض وضوءه.
ويجب على الإنسان أن يتطهر قدر استطاعته، لكن بعض الناس تصيبه الوسوسة، ويأخذ بالنحنحنة، ويمشي ويذهب ويجيء حتى يتيقن أنه قد استبرأ من البول، وهذه أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، ورحم الله الشافعي فإنه قال: (لا تكون الوسوسة إلا من خبل في العقل أو جهل في الشرع) فبعد أن يهرق الرجل البول، يغسل المحل ويكفيه، وليس بحاجة أن يتنطع، وكان ابن تيمية يقول: (ذكر الرجل كالضرع إن حلبه در وإن تركه استقر) لكن إن تيقن أنه ينزل منه، نقول له: اتق الله ما استطعت، كأن يضع عازل، ويزيله قبل الصلاة، إن انقطع البول، وفرق بين الاستطاعة في البيت والعمل وفي الحضر والسفر، فعلى الإنسان أن يتقي الله ما استطاع، والله أعلم .
وما يقال في سلس البول، يقال في الاستحاضة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للمستحاضة: {توضئي لكل صلاة وصل ولو قطر الدم على الحصير قطراً}.

السؤال 174: رجل يدعي الرقيا، ويقول إنه يحكم على مملكة من الجن، وذلك باستخدام الناظر، وهناك من طلبة العلم من يفتي له بذلك، محتجاً بكلام لابن تيمية، أرجو إيضاح المسألة وما هو حكم الاستعانة بالجن؟
الجواب: إن طالب العلم إن أخذ الجواب عن المسائل التي يكثر السؤال عنها، فينبغي أن تكون له ميزة وخصيصة، وهي لماذا وقع الخلاف، فتحرير سبب الخلاف في المسائل، والنظر إلى الأدلة، والوقوف على منشأ الخلاف إن وقع في المسألة من الأمور المهمة، وكذا على طالب العلم أن يراعي اختلاف العلماء والفقهاء، ولذا قال بعض السلف، كقتادة: ((من لم يعرف اختلاف الفقهاء لم يشم أنفه رائحة الفقه)) .
وليس الفقه – كما قال بعض السلف- أن تقول: حرام، حرام، فهذا يحسنه كل أحد، ولكن الفقه أن تدل الناس كيف يخرجون من الحرام ،وطالب العلم ينبغي أن يكون له نصيب من الفقه، وينبغي أن يكون حاضراً عارفاً بما يجري بين الناس وعلى ألسنتهم والمسائل التي هم منشغلون بها، ويزنها بميزان الشرع، ويعطيها من اهتماماته بحيث يجيب بحق وعدل.
ومسألة الجن مسألة تشبه تحضير الأرواح، مسألة موسمية، تأتي على الأمة هبات هبات، وموجات موجات، ينشغل بها أفراد ثم تموت ثم تحيا ثم تموت وهكذا، وهي كغيرها من المسائل ، الناس فيها بين متساهل وغالٍ، والحق وسط بين الجافي عنه، والغالي فيه، فمنهم من ينكر التلبس، وينكر العلاج وأن يكون له أثر، وهذا خطأ، ومنهم من يغالي في التلبس والعلاج، حتى أنه يكاد يعزو الأمراض العضوية التي لها تشخيص طبي معروف إلى الجن، والصنفان موجودان على مستوى العامة ،وعلى مسنوى العلماء، ويبقى الحق وسط بين الجافي عنه والغالي فيه.
وبعض الناس ممن يعالج هداهم الله، في الحقيقة هو ثلاثة أرباع مشعوذ، وإن كان ظاهره من أهل السنة، يقول: أنا أمشي ومعي ستين ألف حرس، فهذا دجل، ودخلت عليه هذه الأشياء دون أن يعلم.
والجن الأصل فيهم أنهم غائبون وأن لهم عالماً غير العالم الذي نحن فيه، وفعل جنّ معناه: ستر وغاب، والعرب تقول جنة إذا غابت أرضها بالخضرة، ومجنون إذا غاب العقل ، وجنين إذا غاب الولد في بطن أمه، ورجحن : إذا غاب صدر حامله، فالجن عالم موجود لا تدركه العقول، وإنما دور العقل أن يتلقى من المصدر الذي فيه عصمة، وهو الكتاب والسنة، فلا يقبل القياس، ولا يقبل التجربة.
فربنا أخبرنا عن الجن، والنبي أخبرنا عن الجن، فأصبح الإيمان بالجن من عقائدنا بالجملة، ومنكره يخشى عليه من الكفر.
وأما التفصيل، فيعرض على الكتاب والسنة، فواحد يقول لك: أنا أتحكم بالجن، تقول له: أنت كذاب ، لماذا؟ ما الميزة التي أعطيتها؟
والنبي صلى الله عليه وسلم جاءه شيطان، كما ثبت في الصحيح وكاد أن يقطع عليه صلاته، فربطه باسطوانة المسجد، وتذكر دعاء سليمان عليه السلام، {رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي} فتركه.
والجن ملل ونحل، كما أخبر القرآن عنهم: {كنا طرائق قدداً} ففيهم اليهودي والنصراني والمسلم، وفيهم المسلم السني، وفيهم المسلم المعتزلي، وهكذا.
والجني في شرع الله وسنته الكونية، أنه غائب عنا، وإن كانت له صلة بنا، فنعامله معاملة الشرع، فلو جاء الجن، وألقى علينا السلام الآن نرد عليه، فلو سأل أجبناه بشرع الله، وزعم بعض علماء القرن الماضي، وهو من غلاة الصوفية واسمه الشعراني، أن الجن كانوا يأتوه ويسألوه، وألف كتاباً طبع في مصر، سماه "كشف الران عن أسئلة الجان".
والجن إن جاء الإنسي فتلبسه فهو ظالم له ، معتد عليه فلا يصدق، فهذا الذي يزعم أنه يعالج عن طريق الرائي، ويدخل الجني جسم الإنسان ، هذا فيه ظلم للإنسي، وفيه معتد من قبل الجني للإنسي ، والجني يدخل بدن الإنسان ، ويوجد فضاء في جسم الإنسان وأنا أفهم من ظاهر قول الله – وأنا ظاهري والحمد لله على النصوص الشرعية ولا أحيد عنها ومأخذي على ابن حزم وغيره – أنهم قالوا بظاهر النص وتركوا ظواهر أقوى منها، فلو كانوا ظاهرين فيها لما أخطأوا ، فربنا يقول: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس}، فالذي يأكل الربا ممسوس، هكذا ربنا يقول، وثبت في حديث جابر في صحيح مسلم: {إذا تثاءب أحدكم فليغطي فاه، فإن الشيطان يدخل}، فماذا بقي بعد هذا؟ فدخول الجني داخل الإنسي حاصل، وربنا يقول: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض شيطان فهو له قرين}.
ونحن نتعامل مع الجني وفق الشريعة والشريعة عامة للجن والإنس، وهذا الذي جوزه شيخ الإسلام، لكن أن أتقصد وأعزم وأتمتم وأستدعي وأستحضر الجن، فهذا غير مشروع، فنتعامل معه وفق الشرع، فإن جائنا ودلنا على خير قبلناه بعض عرضه على الشريعة، أما الذين يعالجون يجعلون أخبار الجن كأخبار القرآن ويتلقونها ويتلقفونها، كأنها بديهيات ومسلمات، وأسند ابن عبدالبر عند سعيد بن المسيب قال: ( ما لا يعرفه أهل بدر فليس من دين الله)، والنبي صلى الله عليه وسلم رقى ورقي وأمر أصحابه بالرقيا، فاجتمع فعله وأمره وإقراره على جواز الرقيا، فلو كانت الاستعانة بالجن المسلم كما يدعي هؤلاء مشروعة لأخبر الله تعالى لنبيه يوم سحرته يهود.
ولما رأينا أنه لم يؤثر ذلك، لا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا عن صحبه والمقتضى قائم وموجود، علمنا أن هذا ليس من الشرع.
فالناس اليوم، والراقون يعالجون بالقرآن ويقرأون القرآن، يعلقون قلوبهم بهم، فكيف لو علم الناس أن مع هؤلاء جن؟ فلو جاز التعامل مع الجن ينبغي حسم هذا الأمر حتى تبقى القلوب معلقة بالله عز وجل، لأن في هذا فتح باب خرافة، وسيلج هذا الموحد وغير الموحد.
والجن ما أدرانا وهو عنا غائب ولا يجوز أن نوثقه ولا أن نعتد بخبره، والجن فيما يظهر من جملة أخبار أنهم معمرون، أرأيت لو أن جنياً قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا، هل نقبل حديثه؟ لا، إلا إن كنا أصحاب خرافة، كما فعل بعض الخرافيين هذه الأيام، فألف كتاباً سماه "مسند الجن" يروي فيه عن مشايخ الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخباراً، وهذه خرافة، فتحت باباً فيه خطورة وظهرت له بعض الآثار عند بعض المنشغلين بالعلم، لكن لا يعرف ذلك إلا من نظر في بطون الكتب ، ففتحت باب: التصحيح والتضعيف الكشفي، بل زعم بعضهم أن النبي يأتيه، وفي خرافة عالجها شيخ الإسلام وهي خرافة أن مع كل ولي خضراً، ويقول ابن تيمية رحمه الله، أن هذا في حقيقة أمره جني يكذب عليهم ويدجل ويفتري على أتباعه.
لذا بما أن المقتضى قائم لاستخدام الجن في العلاج، وكانت العين والسحر في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورقى رسول الله ورقي، وأقر الرقيا، ولم يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والدين كامل، فالأصل أن لا نستخدم الجن في شيء، لأن هذا الذي سيستخدم ما أدرانا أنه صالح، فما أدرانا أنه لم يظهر هذا الصلاح من باب الاستدراج ،حتى يوقع هؤلاء الناس بالشرك، ولو افترضنا أنه ليس كذلك فما أدرانا أنه سيبقى على صلاحه؟ وما المانع أن يتحول ويصبح فيما بعد من المرتدين الضالين ،فمن أين علمنا صلاحه وأنه مؤمن تقي، وهو في أصله متعد على الإنسي، ظالم له.
فالرقيا الشرعية تكون دون الاستعانة بالجن المسلم وكلام شيخ الإسلام رحمه الله إنما هو محصور في الجني الذي يأتي للإنسي ويعرض عليه خدمة أو يعرض عليه خبراً، فيمتحن فإن كان كذلك فالحمد لله ، فبيننا وبينه دين الله.

السؤال 175: هل يجوزللمرأة أن تصلي بثوب قصير فوق الكعبين وتلبس في قدميها جوربين سميكين؟
الجواب: الناظر في الآثار وقبلها بالأخبار والمرفوعات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلص إلى ما قاله بعض المالكية، قال ما نصه: (زي السلف لم يكن محدداً للعورة بذاته لرقته، أو بغيره أو بضيقه أو بإحاطته) وهذا كلام صحيح، دلت عليه الآثار السلفية، والأحاديث النبوية، فأخرج ابن سعد بإسناد صحيح في طبقاته، (8/184) إلى هشام بن عروة (أن المنذر بن الزبير قدم من العراق فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، بكسوة من ثياب مروية وقهوية [نسبة إلى مو وإلى قهوستان بخراسان] وهذه الثياب كانت رقاقاً عتاقاً، وكان ذلك بعد أن كف بصرها، قال المنذر: فلمستها أسماء بيدها ،ثم قالت: أفٍ ، ردوا عليه كسوته، قال: فشق ذلك
علي، وقال: يا أماه إنه لا يشف، فقالت رضي الله تعالى عنها: إنه إن لم يكن يشف فإنه يصف.
ولبس الجورب تحت الثوب إن كان لا يشف، فإنه يصف، ويحجم العورة، وهذا أمر غير مشروع، لذا قال الشوكاني رحمه الله تعالى، في نيل الأوطار، (2/115) قال: (يجب على المرأة أن تستر بدنها بثوب لا يصفه وهذا شرط ساتر العورة) .
وعلق البخاري في صحيحه في (1/413) عن عكرمة رحمه الله تعالى، قال: (لو وارت جسدها في ثوب لأجَزْتُهُ) فالمطلوب من المرأة أن تواري بدنها ولو بثوب واحد، والأحسن أن يكون أكثر من ثوب، لكن لو وقعت مواراة العورة بثوب واحد لأجزأ هذا.
لكن مع هذا ،أخرج مالك في الموطأ في (1/142) والبيهقي في (1/132) عن أم سلمة رضي الله عنها موقوفاً عليها، على أرجح الأقوال عند أهل الصنعة الحديثة ،وهذا الذي رجحه عبد الحق الإشبيلي، وابن عبدالبر، ومنهم من رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والموقوف أصح، قالت أم سلمة وقد سئلت بماذا تصلي المرأة من الثياب، فقالت: (في الخمار والدرع السابغ الذي يغيب ظهور قدميها).
وقد ذهب جماهير أهل العلم إلى أن القدمين عورة في الصلاة ومن صلت مكشوفة القدمين فصلاتها باطلة، وهذا مذهب الجماهير عدا الحنفية، واعترض الحنفية على الجمهور بقولهم: لو كان ذلك كذلك لعرفت الجرابات وستر الأقدام، ولما وجدنا ذلك ليس كذلك، تجوزنا في أن تكشف المرأة قدميها في الصلاة، فالقدمان عند الحنفية عورة خارج الصلاة، وليستا بعورة داخل الصلاة، وكلامهم مردود، لماذا؟ فنقول لهم: بم أوجبتم أن تغطي المرأة قدميها خارج الصلاة، قالوا: بالثوب السابغ، قلنا: وبهذا نوجب عليها أن تغطيه في داخل الصلاة.
فلا يجوز للمرأة أن تظهر قدميها، فإن لبست جورباً ثخيناً لا يشف للبشرة، فإنه يصف الساق، وهذه عورة ويجب عليها أن تسترها، فبهذا الفعل لم يقع الستر، ولذا قالت أم سلمة {الدرع السابغ الذي يغيب ظهور قدميها}.
وهنالك قول مهجور يذكره متأخروا المالكية من أن الواجب على المرأة أن تستر بشرتها، حتى أن بعضهم قال: لو أنها أخذت طين، وغطت بشرتها به وصلت جاز لها ذلك، وهذا كلام مهجور، ما أنزل الله به من سلطان، يخالف الأحاديث، ويخالف ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما أخرجه أحمد في المسند (6/150) وأبو داود في سننه (641) والترمذي في جامعه (377)، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار}، والمراد بالحائض المرأة البالغ، لأن الحائض لا تصلي، ويفهم هذا مع ما ثبت عن أم سلمة، فحينئذ يظهر الجواب.
وبعض من يتتبع الأقوال الشاذة لهوى وشهوة عنده، قال بما قال به بعض المالكية المتأخرين كأمثال عبدالله الحبشي هداه الله، يرى أن المرأة لو صلت ببنطال الجينز أو الفيزون، وغطت شعرها بمنديل وصلت، فما دام أن البشرة غير ظاهرة، فإن صلاتها صحيحة، وهذا كلام باطل وليس بصحيح ،وفي هذا تتبع لرفض العلماء.
وعلمائنا الأقدمين أضبط من فقهائنا المتأخرين، وقد ثبت عن الأوزاعي فيما أسند الحاكم في معرفة علوم الحديث (ص65)، قال: (من فعل خمسة من قول أهل الحجاز، وخمسة من قول أهل العراق، فهذا اجتمع فيه الشر كله) وذكر عشرة أشياء كانت شاذة، أما اليوم فالأمور الشاذة ما أكثرها، كما قال المذكور سابقاً: المال لا زكاة فيه، وأيضاً بعض الناس يقول : إتيان المرأة من الدبر حلال، والدخان حلال، والموسيقى حلال، بل بعضهم كتب كتاباً وترجم للأسف، لأكثر لغات الدنيا، وبث عبر الفضائيات، سماه "الحلال والحلال في الإسلام" فلم يحرم فيه شيئاً، كل شيء عنده حلال ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والقول الذي ذكرناه في المسألة هو القول الذي عليه أساطين أئمة الفتوى، وعلى هذا القول الأئمة المتبوعين، فذكر ابراهيم بن هانئ في مسائله (رقم 286) عن الإمام أحمد أنه سئل: المرأة كم ثوب تصلي فيه؟ فقال: أقله درع وخمار، وتغطي رجليها، ويكون درعاً سابغاً، وقال الشافعي في الأم (1/77) وعلى المرأة أن تغطي في الصلاة كل شيء ما عدا كفيها ووجهها، وقال : كل المرأة عورة إلا كفيها ووجهها، وقال: ظهر قدميها عورة.
وهذه الجوارب لا سيما إن كانت لحمية، تزيد المرأة فتنة ويجب على المرأة أن تغطي ساقيها ولا سيما وهي بين يدي ربها، قال تعالى: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن}، فالنساء يجب عليهن أن يسترن أرجلهن أولاً وإلا لاستطاعت إحداهن أن تبدي ما تخفي من الزينة، وهي الخلاخيل، ولاستغنت بذلك عن الضرب بالرجل ولكنها لما كانت لا تستطيع ذلك، لأنها مخالفة للشرع مكشوفة، ومثل هذه المخالفة لم تكن في العهد الأول، لذا كانت قليلات الدين منهن يحتلن على ذلك بالضرب بالخلخال، لعلم الرجال ما تخفي من الزينة، ولازم هذا أن يكون الساق واجب عليها أن تستره ولا تبديه، وقال ابن حزم في كتابه المحلي: (هذا نص على أن الرجلين والساقين مما يخفى ولا يحل إبداءه) .
وفي حديث عبدالله ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة} البخاري 5791، وزاد الترمذي وغيره بإسناد صحيح، فقالت أم سلمة :{فكيف تصنع النساء بذيولهن} فقال صلى الله عليه وسلم: {يرخين شبراً} قال أم سلمة: {إذن تنكشف أقدامهن} فقال صلى الله عليه وسلم {يرخينه ذراعاً لا يزدن عليه} وفي رواية: {رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمهات المؤمنين شبراً ثم استزدنه فزادهن شبراً فكن يرسلن إلينا فنذرع لهن ذراعاً} أي أمهات المؤمنين كن يفسحن لغيرهن من النساء المقدار الذي أذن لهن به، وفي هذا رد على من جعل هذا خاصاً بنساء النبي صلى الله عليه وسلم وأفادت هذه الرواية المقدار المأذون به في الإرخاء، وأنه شبران بشبر اليد المعتدلة، قال الترمذي عقب هذا الحديث: (وفي هذا الحديث رخصة للنساء في جر الإزار لأنه يكون أستر لهن) وقال البيهقي عقبه: (وفي هذا دليل على وجوب ستر المرأة قدميها)، فهذا ظاهر جلي، وفي كتاب "القول المبين في أخطاء المصلين" تفصيل، والله الموفق.

السؤال 176: هل تتزاور أرواح أهل الإيمان؟ وهل تعذب الروح في القبر ،أم أن العذاب يشمل الروح والجسد؟
الجواب: ذكر ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية أن عذاب القبر من عقيدة أهل السنة والجماعة وأن عذاب القبر شيء لا يدرك بالعقل، وإنما يعرف بالنقل والخبر.
وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذاب القبر، فمنكر عذاب القبر ضال، ومن صنف من علمائنا في الأحاديث المتواترة ذكر أحاديث عذاب القبر من ضمن الأحاديث المتواترة، كما صنع الكتاني في كتابه "النظم المتناثر في الحديث المتواتر" وكما صنع السيوطي في كتابه "الأزهار المواترة في الأحاديث المتواترة" ونصص على تواتر الأحاديث غير واحد ،وجمع الأحاديث الإمام البيهقي في جزءٍ طبع أكثر من مرة سماه: "إثبات عذاب القبر"
وعذاب القبر يخص البرزخ، وكما قال ابن أبي العز: في الدنيا النعيم والعذاب أصالة على البدن، وعلى الروح تبعاً، وفي البرزخ العكس ،أصالة على الروح وتبعاً على البدن ،وفي الجنة والنار يكون التمام والكمال على البدن وعلى الروح، ولذا لا نعرف عذاباً أشد من عذاب جهنم ولا نعرف نعيماً أفضل وأحسن وأمتع وأطيب من نعيم الجنة، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها وأن يجيرنا من النار إذن فالعذاب في البرزخ يكون على الروح أصالة، وعلى البدن تبعاً.
أما العلاقة بين الأموات- فهي من أمور الغيب- وأمور الغيب لا تثبت هكذا؛ فالتجربة غير متوقعة منها، فما أحد مات ورجع حتى يخبرنا، والمنامات لا تنهض لاعتقاد عقيدة بشأن العلاقة بين الأموات، وابن القيم في كتابه "الروح" توسع،وأورد عن ابن منده في كتاب "الروح والنفس" آثاراً كثيرة ،عن التبعين ومن بعدهم من الصالحين، المشهود لهم بالخير، أورد منامات، قال فيها ابن القيم: (استفاضت وكادت أن تتواتر أن الأموات يتزاورون ويعرف بعضهم بعضاً، وما شابه، وهذه في الحقيقة السلامة أن نسكت عنها.
والمنامات وإن تواترت واستفاضت، فإنه يستأنس بها، ولا يعتمد عليها في العقيدة.

السؤال 177: هل يعتمد على أحاديث الآحاد في العقيدة؟
الجواب: أحاديث الآحاد يعتمد عليها في العقيدة قولاً واحداً، وهذه مسألة أحب لإخواني أن يعرفوها، وأحب أن ينتبهوا إلى الأمور الآتية فيها:
الأمر الأول: عصر الرواية انقطع، وعصر الإسناد انقطع، فيا من تقولون إن العقيدة لا تؤخذ إلا بالمتواتر، هاتوا لنا حديثاً متواتراُ فمثلاً لو قلنا حديث {من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار}.
فأيكم بلغه هذا الحديث المتواتر بطرق التواتر؟ لا أحد؛ وقال الحافظ ابن حجر: هذا حديث متواتر قلنا سمعنا وأطعنا أنت أمير المؤمنين في الحديث، وأنت من أهل الاختصاص ومن أهل الذكر، قبلنا قولك، فالأحاديث المتواترة تبلغنا بآحاد ، إذن عاد الأمر للآحاد، فما قولكم يا من تقولون إن العقيدة لا تؤخذ إلا بالمتواتر، في الحديث المتواتر الذي لم يصلنا إلا بآحاد؟ فينبغي أن تردوه ولا تقبلوه.
الأمر الثاني : قولكم: إن العقيدة لا تؤخذ إلا بالمتواتر، أليس هذا القول من العقيدة؟ فهل قام عليه دليل قطعي من الكتاب أو من الحديث المتواتر حتى نأخذه منكم؟ فنريد أن نعامل قولكم هذا بقاعدتكم، فما لم تأتوا به فدعواكم ساقطة، مدفونة مقبورة في مهدها، فإن أصل هذه القاعدة ظني مأخوذ من الاستقراء والاستنباط، فأنتم أثبتم شيئاً في العقيدة بأصل ظني.
الأمر الثالث: لو قلنا تنزلاً قولكم صواب، فدلونا على كتاب واحد فيه فصل في العقائد بين الشيء الثابت بالتواتر، وبين الشيء الوارد في الآحاد، فأن أريد أن أوافقكم، لكن دلوني على كتاب واحد وعلموني عقيدتي، دلوني على كتاب كتبه إمام معتبر من أئمة الإسلام من أول ما بدأ التصنيف إلى هذا الزمان، حتى أعرف عقيدتي، ولا نعرف في هذا كتاباً، فلو كان قولهم صواباً لكان لازمه أن تكون عقيدة الأمة مشوشة مضطربة، ولما علمنا أنه لا تزال طائفة ظاهرة على الدين إلى يوم القيامة (وهذا حديث متواتر) إذن يوجد من هو قائم لله بحجة في هذه الأرض، وعقائدهم صحيحة سليمة، إذن قولكم ساقط بلازمه وثمرته، فأن نخطئكم أحب إلينا من أن نتهم الأمة في عقيدتها وأحب إلينا من أن نضلل علمائنا رحمهم الله تعالى.
ثم لا نعرف عقيدة لنا فيها حديث واحد آحاد، فهم يقولون العقيدة لا تؤخذ بالآحاد، ومرادهم بالآحاد (غير المتواتر) وليس مرادهم المشهور والمستفيض، ويرددون كلاماً لا يفهمونه ولا يعرفونه.
جائني مجموعة من الشباب يريدون أن يناقشوني في حديث الآحاد، وأنا أفهم أنهم يرددون كلاماً لايفهمونه، وكلمة الفصل في هذا الأمر عند أهل الحديث، فهم يعرفون من خلال التخريج والطريق ماذا يفيد.
فقلت لهم إما أن تتكلموا بحجة وأنا أرد عليها، أو أنا أبدأ وأنتم تردون، فقالوا أبدأ، قلت حديث الآحاد قسم من أقسام السنة، ووردت الأدلة من الكتاب والسنة على حجية السنة، فمن أراد أن يخرج قسماً من هذه الأقسام، فعلى تخصيصه لإخراج هذا القسم الدليل، قالوا حديث الآحاد واحد عن واحد، ويفيد الظن.
قلت : حديث الآحاد واحد عن واحد ألهذا ما قبلتموه؟ قالوا : نعم، قلت : النبي صلى الله عليه وسلم يمشي هو وأبو هريرة معاً، لا ثالث بينهما، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أبا هريرة بحديث، أيقبله أبو هريرة أم لا يقبله؟ فهذا واحد عن واحد، فهو ديننا واحد عن واحد عن واحد، النبي عن جبريل عن ربنا عز وجل، سكت ثم قال: لا أقبله، قلت له هذه زندقة، وأنت زنديق، أتريد من أبي هريرة حتى يسمع لمحمد أن يأتيه سبعون محمداً؟ هكذا يصبح متواتر؟ فهم لا يفهمون ما يقولون، ولذا الفيصل في هذه المسألة عند أهل الحديث، وهذا أمر مهم ينبغي الاهتمام به، وفقنا الله لما يحب ويرضى.

السؤال 178: ما حكم الاستعانة بالجن لفك الرصد على الذهب المدفون، وهل هناك طريقة شرعية لفعل ذلك؟
الجواب: الرصد هو تصور غيبي عقدي لم يقم عليه دليل، وقد لعب المغاربة، قديماً وحديثاً في عقول الناس ولا سيما في عقول أهل مصر، ومن قرأ مقدمة ابن خلدون – وقد فصل كيف كان المغاربة يلعبون بعقول أهل مصر، ويقولون لهم سنفك الرصد ويرسمون لهم أشياءً ويذكرون أشعاراً- يعلم مدى الخرافة التي كان عليها الناس آنذاك.
وذكر أبو حيان- وياليتكم ترجعون إلى كلامه- في تفسيره "البحر المحيط" في تفسير سورة الزخرف ، كيف أن أهل مصر كان الواحد منهم يترك العمل، وينشغل في البحث عن الذهب، حتى أنه يضيع من يعول، وقد نقلت كلام ابن خلدون وأبي حيان في كتابي "المروءة وخوارمها" .
فالاعتقاد أنه يوجد ذهب، والذهب عليه رصد، والجن يؤذي فلا نعرف على هذا دليل، لكن لا يبعد أن يكون موجوداً في الأماكن البعيدة، كالفيافي والقفار والأماكن المهجورة والخالية والكهوف، فهذا يكون فيه جن، فلا يبعد أن يدخل أحد فيها ليأخذ شيئاً فيؤذي لكن تصور أنه لا شيء مدفون من الذهب إلا وعليه جن، فهذا تصور خاطئ و آثم ما أنزل الله به من سلطان.
ومن وجد ذهباً، وتيقن عليه ورآه باستطاعته أن يخرجه، وفي الشرع له أحكام: هل هو من مال الجاهلية؟ أو هو من مال الإسلام فلكل حكم، وانقطاع الناس عن أعمالهم وانشغالهم بالبحث عن الذهب، هذا من خوارم المروءات وفيه إثم إن ترتب عليه أن يضيع الرجل من يعول، والله أعلم..

السؤال 179: هل يجوز أن تقام صلاة الجماعة في ساحة المسجد بدلاً من صحنه بحجة الحر الشديد؟
الجواب: المسجد هو المكان الذي أوقف وقفاً مؤبداً لله عز وجل، ولذا يمنع البيع والشراء، وقبر المسلم في هذا المكان سواء كان في جهة القبلة أم في الصحن أم في أطراف المسجد.
وما دام هذا هو المسجد واتخذ للصلاة فتجوز الصلاة فيه، فلو رأى الإمام أن نصلي في مكان أمرأ وأهنا للمأمومين فلا حرج في ذلك، لكن ليحرص على السترة، والله أعلم ..

السؤال 180: هل يصح هذا القول : (لا يصلح العطار ما أفسد الدهر)؟
الجواب: أما الدهر فلا يفسد والذين يفسدون هم أهل الدهر، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الدهر فقال: {لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر}، والمقصود أن الله عز وجل هو الذي ينفع ويضر والذي يسب الدهر يعترض على قضاء الله وقدره، فهذا المثل الشائع لو يؤول بأهل الدهر،يصح، والله أعلم..

السؤال 181: إمام صوفي يستغيث بشيخه، هل تجوز الصلاة خلفه وهل يجوز التشهير به والتحذير منه؟
الجواب: نحذر من قوله، ونشهر بقوله ولا نكفره على التعيين حتى تنتفي الموانع، وإن فعل كفراً وينبغي للحاذق الفطن ألا يصلي إلا خلف من يظن فيه التقوى والخير، ومن أسقط الصلاة عن نفسه فإنه يسقطها عمن خلفه.
وليس من يقول هذا متأولاً، ويعتمد على الأدلة يكفر، وإنما يضل ويخطئ ، والصلاة خلفه صحيحة، لكن العاقل يبحث عن إمام من أهل السنة يصلي خلفه، والله أعلم ...

السؤال 182: هل نزول الدم من اللثة، سواء بقصد أو بغير قصد يفسد الوضوء؟
الجواب: العلماء مختلفون في حكم نزول الدم، هل يبطل الوضوء أم لا، وأرجح الأقوال وأصوبها، أن نزول الدم لا يبطل الوضوء، وهذا مذهب الجماهير، عدا الحنفية، والله أعلم ...

السؤال 183: هل يجوز قضاء صلاة الوتر؟ ومتى يكون؟ هل بعد صلاة الفجر أم بعد طلوع الشمس؟
الجواب: المسألة الخلاف فيها كثير، واختيار شيخ الإسلام وابن القيم أن الوتر لا يقضى، وهنالك حديث ورد بأكثر من لفظ: {من نام عن وتره فليصله} وفي رواية: {فليصل اثنتي عشرة ركعة} والبخاري قال : (أن لفظة {فليصله} ليست ثابتة وإنما الثابت لفظة {فليصل اثنتي عشرة ركعة} وهذا الذي أراه راجحاً، والناظر في كتب العلل يترجم له هذا.
أما على قول من يجوز القضاء فالذي أراه التفصيل: إن كان هديه المكث في مصلاه حتى تطلع الشمس، فحينئذ يقضيه بعد طلوع الشمس وإن لم يكن له هدي راتب في المكث في مصلاه، وإنما يرجع إلى بيته فليصله في هذا الوقت، فالصلاة التي لها سبب يجوز أدائها في وقت الكراهة على أرجح قولي العلماء، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة.
وهذا لقوله صلى الله عليه وسلم {إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين} وهذا حديث خاص، وأحاديث النهي عامة والخاص مقدم على العام.

السؤال 184: أنا عندي تأمين علاجي، ولا أدفع شيئاً مقابل الدواء، ثم جائني شخص بحاجة إلى الدواء، فذهبت وأخذته على حساب التأمين [وهذا الدواء ثمنه مرتفع]، فهل علي شيء في ذلك؟
الجواب: هذا فيه كذب وغش، وقال صلى الله عليه وسلم{من غش فليس منا} و{من غشنا فليس منا}، والروايتان في صحيح مسلم.
وإن جاز هذا فإنما يجوز من باب أخف الضررين، فإن كان يهلك أو يفعل هذا، ولا يوجد له علاج إلا هذا، نقول له افعل أخف الضررين.
أما ابتداءً ففيه كذب لأنه زعم أن هذا اسمه وهو ليس كذلك، وفيه غش وتزوير لأنه امتثل شخصية غيره.

السؤال 185: رجل صاحب بدعة، يلقي درساً قبل صلاة الجمعة، ومعلوم أن هذا الدرس بدعة، فما حكم هذا الدرس وإذا كان هناك أحد من أهل السنة، هل يجب أن يقوم فيلغي الدرس بدلاً منه؟
الجواب: أما التحلق قبل الجمعة، فقد نهى عنه صلى الله عليه وسلم كما ثبت في سنن أبي داود وأما ما ثبت عن أبي هريرة، في مسند أحمد، أنه كان يأخذ برمانة منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الجمعة ويعظ، فهذا محمول على الندرة، ويقع على سبيل الفلتة، عند الحاجة والضرورة، وليس على سبيل المداومة.
وكان أبو بكر رضي الله عنه، يقول: ((إذا وعظت فأوجز، فإن كثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً)).
وكان هدي السلف العملي أنهم يبكرون وينشغلون بالصلاة متى يصعد الإمام المنبر، فالمطلوب من الناس أن ينشغلوا بتزكية أنفسهم وليست العبرة بكثرة الكلام، فهذا الأمر منقسم بين اثنين: المتكلم والمستمع، فكما أن على الإمام أن يحسن الأداء فعلى المأموم أن يحسن السماع، وعليه أن يزكي نفسه ويهيئها حتى تستمع وتنتفع، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر [ق] فلمن كان يقرأها؟ لنفوس طيبة ولا تعدل بكلام الله كلام أحد.
ولو أن الأمة زكت أنفسها وجاءت مبكرة يوم الجمعة.
وكان أبو شامة المقدسي (شيخ الإمام النووي) يقول (أول بدعة أحدثت في الإسلام: ترك التبكير إلى صلاة الجمعة).
والعبرة ليست بكثرة الكلام والصراخ، والكلام مهم، لكن الأهم منه أن ينزل هذا الكلام على نفس رضية، مطمئنة، وعلى نفس أخذت نصيبها في ذاك اليوم من التزكية، لذا كان يقول بعض السلف (من سلمت له الجمعة من بين سائر الأيام ، ورمضان من بين سائر الأشهر فهو بخير).
والجمعة اليوم من باب إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأننا سنتبع سنن من قبلنا، حالنا اليوم فيه هو حال اليهود والنصارى في السبت والأحد، ضعنا عن الجمعة وتهنا عنه، أريناه بالصورة وليس بالجوهر والحقيقة، فلا يوجد تبكير يوم الجمعة أبداً وكان ابن عمر يدخل فيصلي اثنتي عشرة ركعة ويطيل في الصلاة، فكان يأتي من أول ساعة، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من جاء في الساعة الأولى فكأنما قدم بدنة، ومن جاء في الساعة الثانية فكأنما قدم بقرة، ومن جاء في الساعة الثالثة فكأنما قدم كبشاً، ومن جاء في الساعة الرابعة فكأنما قدم دجاجة، ومن جاء في الساعة الخامسة فكأنما قدم بيضة}، والعلماء يقولون: من طلوع الشمس إلى صعود الإمام على المنبر تقسم خمس ساعات، وحال الناس اليوم كلهم يأتي في الساعة الخامسة إلا من رحم الله ، والبعض يأتي والإمام على المنبر.
وثبت في سنن أبي داود من حديث أوس بن شراحبيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:{من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام ولم يلغ، كان له بكل خطوة يخطوها صيام سنة وقيامها} أين الأمة عن هذا اليوم، فكيف نحن الذين نعيش الستين والسبعين نلحق بمن قبلنا ممن كان يعيش الألف والألفين؟ بالمواسم ، ليلة القدر، يوم الجمعة، مجالس العلم، وما شابه.
ولنحرص على تعليم الأمة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث للأمة معلماً ومزكياً، فنحن نحب السنة، لكن لا نخاطب قوماً لا يوجد عندهم تزكية بحيث يحرصوا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن تزكيهم وترفع مستوى التزكية عندهم، فالمطلوب أن تزكي وتعلم، فتتسع دائرة العلم مع دائرة التزكية، فيحصل توائم بين العلم والعمل، ويكون العلم نافعاً وله ثمرة وبركة، أما أن تخاطب أناساً أجلاف ولا يعظمون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاهدون فيها، وتقول: هذه سنة، هذه سنة... ولو أنك صرخت وأعليت صوتك لا يقع لك نفع، [فهذا أمر لا يحصل له بركة ولا ثمرة]، فاحرصوا على التزكية مع العلم ،وفقنا الله لما يحب ويرضى.

السؤال 186: ما حكم قبول موظف ما لهدية في خدمة يقوم بها خارج نطاق عمله، وهي ليست من واجبات عمله؟
الجواب: إذا كان في نفس الدائرة أو المؤسسة فلا يجوز له ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم{هدايا العمال غلول} .
أما أن يفرغ من وقته ليقوم بخدمة أخ له، ويتفق معه على شيء مقابل هذا التفرغ والتعب، فلا حرج،بشرط أن لا أكون موظفاً في تلك الدائرة، وهذه جعالة، كما قال يوسف عليه السلام {ولمن جاء به حمل بعير}، فمثلاً يقول له: أنا مشغول وهذا جواز سفري اعمله لي، ومقابل تعبك وتفرغك سأعطيك كذا، هذا لا حرج فيه، بشرط أن لا يكون موظفاً في دائرة الجوازات.
أما من كان يعمل في العمل، الذي يطلب منه أخوه فيه خدمة ،فيجب عليه أن يشفع احتساباً وامتثالاً، قال تعالى: {ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} فمن كان له جاه فليتصدق بجاهه على الناس وليتفانى في خدمة الناس.

السؤال 187: جاء في حديث صحيح أن رجلاً أمرته أمه أن يتزوج امرأة فلما تزوجها أمرته أن يفارقها، فارتحل إلى أبي الدرداء فسأله عن ذلك، فقال: ما أنا الذي آمرك أن تطلق وما أنا الذي آمرك أن تمسك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الوالد أوسط أبواب الجنة، فاحفظ ذلك الباب أو ضيعه}، وجاء في حديث آخر، أن ابن عمر قال: ((كانت تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها، فقال لي أبي: طلقها، فأبيت فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: {أطع أباك وطلقها}، وهناك حديث ابراهيم مع ولده اسماعيل حين أمره أن يغير عتبة بيته، فطلق زوجته، وفي حديث لمعاذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: {لا تشرك بالله عز وجل، وأن مزقت وعذبت، وأطع والديك وإن أخرجاك من أهلك ومالك ومن كل شيء هو لك}، وأنا عندي زوجة عابدة وصالحة وأحبها، ولكن والدي يأمراني بتطليقها، وإلا أخرجوني من البيت وغضبوا علي، وذلك بسبب أهلها، فما مدى طاعة الوالدين بالنسبة للزوجة وطلاقها، وبالنسبة لأمرهم لي أن لا أدخل أهل زوجتي على بيتي، مع العلم أن أهل زوجتي طيبون، وهل يجوز أن أرفع صوتي عليهما بسبب ذلك أو لأي سبب آخر، وإذا غضبا علي فماذا علي أن أفعل؟
الجواب: البر؛ والبر والإحسان إلى الوالدين والصلة، ميدان واسع فسيح لم يضع له الشرع حداً، وإنما تركه على حسب الورع والتقوى، فكلما ازداد الورع، ازداد البر، وما حديث الثلاثة الذين هم في الغار عنكم ببعيد، كيف كان بره لأبيه، وما قدم الشراب لأبنائه وهم يتصايحون حواليه، حتى استيقظ أبواه فغبق لهما من اللبن ثم بعد ذلك أعطى أولاده.
وقال تعالى: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة}، وأثر عن مسروق وبعض السلف أنه لما يتكلم عند أبويه لا يكاد يسمع له صوت ذلاً ورحمة، فمهما حلقت وارتفعت وأصبحت غنياً، أو ذا منصب اجتماعي، فعند الوالدين اخفض الجناحين، وكن لهما ذليلاً ورحيماً، {ولا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهام قولاً كريماً}، فلا يجوز لك أن ترفع صوتك على صوتيهما، فليس البر الطعام والشراب، وإن كان الطعام والشراب من البر، فالبر أيضاً الجانب النفسي، فليس من البر أن تعيش في النعيم، وأن تتنعم في الخيرات وما لذ وطاب، ووالداك يعيشان في نوع عوز وفقر، فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم {أنت ومالك لأبيك}، وهذا يفسره الحديث الآخر، وإن كان فيه نوع ضعف، {يد الوالد مبسوطة ليد ابنه} والمطلوب من الابن أن يجعل الوالد يعيش في مستواه، ولو كان {أنت ومالك لأبيك}، على الإطلاق، لما كان معنى لقول الله تعالى: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس}، أي يكون معنى الحديث: {أنت ومالك لأبيك} يد أبيك مبسوطة في مالك يأخذ عند الحاجة، ويعيش في مستوى الابن.
وسئل عمر بن ذر : كيف برك أبيك؟ فقال (بري لأبي: أن لا أمشي بنهار بين يديه، وألا أمشي بليل خلفه، وأن لا أصعد ظهر بيت وهو تحته}، فالبر أمر فوقي؛ يحدد مداه الورع والتقوى، وقيل عن والد عمر بن ذر أنه كان يتأذى من الماء البارد، فسجن يوماً وابنه، فمكث عمر على ضوء القنديل يحمل الإناء طوال الليل حتى لا يؤذى أبوه من استخدام الماء البارد، فهذه صور من صور البر، لا يقدر عليها إلا الورع والتقي، فالأصل في الأب إن أمر أن يطاع، وأن ترفع صوتك على صوت أبيك وأمك هذا من العقوق، وأن تقدم رأيك وأن تفرضه على أبيك وأمك، من العقوق ، لكن تبدي رأيك.
لكن هذا في دائرة المعروف، فربنا يقول: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً} فمهما يجاهداك على أن تكون مشركاً، وربنا يقول: {وصاحبهما في الدنيا معروفاً}.
فينظر إن كان الأمر في البر فكما النبي صلى الله عليه وسلم: {لا طاعة إلا بالمعروف} وقال: {لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق}، فقد يكون بعض الوالدين ظلمة، فالابن يتزوج امرأة تلبس جلباباً لكن الوالدين لا يريدانه، لأنها تستر بدنها وشعرها أمام إخوانه وأعمامه، فالوالدين في هذه الحالة لا يطاعان.
لكن إن كان الابن يعلم من أبيه عدلاً، وإنصافاً وديانةً، وأمره بالطلاق، فيجب عليه أن يستجيب، ولا يجب على الأب أن يخبر ابنه بالسبب، فلعل الأب رأى سبباً يوجب عليه شرعاً أن يأمر ابنه بالطلاق، ويرى من المصلحة أن يكتم هذا السبب على الابن، فعلى الابن أن يستجيب ما دام يعرف أن أباه ذا عدل وديانة ولا يعرف عنه ظلم ولا هوى، ولم يأمر ابنه هكذا، فعليه أن يطلق، والله أعلم..

السؤال 188: ما حكم البيع عن طريق الهاتف؟ مثل يأتي شخص يشتري بضاعة معينة من تاجر ما، فيقوم هذا التاجر بالحال بالاتصال مع تاجر آخر بينهما تبادل تجاري فيشتري البضاعة منه على الهاتف، من غير قبض ولا تسليم، وإنما عرف تجاري ثم يقول هذا التاجر (الأول) للمشتري بأن يتوجه لأخذ هذه البضاعة من التاجر الثاني بسعر أعلى من السعر الذي اشتراها به منه ويقبض الثاني الثمن مباشرة ويضمن له السلعة (أي التاجر الأول) فما حكم هذه المعاملة؟
الجواب: أما بالنسبة لخبر الهاتف والتلغراف والانترنت في البيع والشراء فهذا شرعي، وتعرض له العلماء قديماً وأقدم من رأيته وتعرض له عالم اسمه محمد السنوسي له كتاب جميل نافع اسمه"الرحلة التجارية" مطبوع في ثلاثة أجزاء فقد انتقل من الحجاز إلى فرنسا عند أول الثورة العلمية في فرنسا فرأى تغيير الدم والتلغراف وبدأ يبحث ويسأل في طريقه للحجاز، كلما رأى علماء يشرح لهم ما رأى ويتخاطب وإياهم، وهذا الكتاب فيه أوائل المسائل والتي تبحث اليوم في المجامع-فبحثها بشكل لطيف معه، وذكر التلغراف مطولاً وظفرت برسالة لعالم من علمائنا وهو حقيقة إمام من الأئمة- لكننا لا نعرف أئمتنا ولا حول ولا قوة إلا بالله- وهو صاحب تفسير جليل اسمه"محاسن التأويل" فوجدت له كتاب مطبوع سنة 1928، اسمه "إرشاد الخلق إلى العمل بخبر البرق" يعالج المسألة .
وخلاصة أن البيعان بالخيار ما لم يفترقا ، والبيع والشراء على الهاتف والانترنت اليوم ، المجلس الذي يعقد الايجاب والقبول يكون غير متوفر فمجرد الإغلاق انتهى الأمر وهذا أمر مذكور في كتب الفقهاء، في الجملة وأنهم يرخصون فلا حرج في ذلك.
ولكن المشكلة أن البائع لا يملك البضاعة فهذه الحالة لا بد أن يبين أنه لا يملكها فإما أن يضمنها ويملكها ثم يبيعها وإما أن يشعر من طلبها منه أنه وكيل بالبيع أي يقول له: أنا أحضرها وهي ليست عندي، ولي كذا، أربح منك، فهذا أمر مشروع إن شاء الله والله أعلم ...

السؤال 189: هل يجوز أخذ الأجرة على تحفيظ القرآن بمراكز التحفيظ للأطفال؟
الجواب: أما مقابل التفرغ فلا حرج، فالمتأخرون من الفقهاء يجوزون للأئمة والمؤذنين أن يأخذوا رواتب على إمامتهم وأذانهم، ولمعلمي القرآن والشريعة، مقابل التفرغ ، لا مقابل الصلاة والآذان، والتعليم فالإمام لا يقول: إذا لم أعطى مالاً لا أصلي، فهذا والعياذ بالله يكون من أسوأ خلق الله وآخر يقول : لولا المال ما أدرس القرآن ، وهذا يحرمه الأجر والثواب، و النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {خيركم من تعلم القرآن وعلمه}، فمقابل حبس الوقت والتفرغ لا حرج ، والتورع حسن، لا سيما فيما وجد عنده غنى، والله أعلم..

السؤال 190: ما هي صحة هذا الحديث: {نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا فلا نشبع}؟
الجواب: هذا حديث لا أعرف له إسناداً ثابتاً وإن أورده حديثاً صاحب السيرة الحلبية.

السؤال 191: ما حكم عمل المحامي؟
الجواب: المحاماة مهنة دخلت على الأمة الإسلامية من خلال (الاستدمار) ولا أقول الاستعمار، فهذه كلمة يجب أن تحذف من جميع القواميس ومعاجم اللغة العربية، ومن آثار الاستدمار فينا، أنه سمى نفسه استعماراً، ومن قلة عقولنا أننا نسميه استعمار، فكأنما كنا في خراب فعمرنا، فلما جاء أعداء الله إلى بلادنا وعملوا على تخريب أخلاقنا وقوانيننا واستبدلوا شرعة ربنا بقوانين وضعية بدأ ما يسمى اليوم بالمحامين.
والمحاماة تكييفها الفقهي هو : وكالة في خصومة، فمن لا يحسن أن يخاصم فيقدم غيره ليخاصم عنه، وقد حصل بين بعض الأصحاب خلاف عند عثمان وحامى عنه ابن عباس وجاءه بحقه، فكان عثمان قد قضى عليه، ثم بعد أن حامى عنه ابن عباس قضى له، وثبت في الكتب الستة من حديث أم سلمة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنما أنا بشر مثلكم أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من أخيه شيئاً، فإنما أقضي له بقطعة من نار، فإن شاء فليأخذها وإن شاء فليدعها}، فالنبي يقضي على حسب ما يسمع والقاضي يقضي على حسب ما يسمع، فالمحامي ينمق ويعرض ويظهر.
والمحاماة عند الأقدمين مهنة خسيسة، فكان المحامي يتحاشاه الناس، والمحاماة تأكل باللسان وثبت في حديث سعد بن وقاص رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تقوم الساعة حتى يأكل الناس بألسنتهم}، وهذا مثل المحامين والمغنيين والصحفيين.
فالمحاماة مهنة مشروعة، لكنها غير محمودة عند الناس، لأن الإنسان يؤمن سره لغيره مضطراً؛ فإن أخذ حاجته فإنه سيمقت من عرف سره، وإن لم يأخذ حاجته وأخفق، أيضاً فسيشعر أنه أفشى سره، فلذا هذه الطبقة غير محمودة ، وما زالوا يراوغون إلا من رحم الله منهم.
فهي كمهنة في أصولها كالصحافة مهنة جيدة ولها دخل جيد، لكن في التطبيق العملي من أردأ المهن.
وهي جائزة بشروط ومن أهم شروطها أن يتمثل المحامي قول الله عز وجل، {ولا تكن للخائنين خصيماً}، فإن جاءه رجل وقال له: أنا قتلت وأريد أن تبرئني، أو أنا سرقت وأريد أن تبرئني، فيجب على المحامي أن يتقي الله، فمثل هذا لا يجوز أن يحامي عنه، لأن الله يقول: {ولا تكن للخائنين خصيماً}. وهذا خائن، لكن هل يجوز أن يحامي المسلم عن المبطل والخائن، إن أوقعت عليه القوانين عقوبة فوق العقوبة الشرعية، فيرد بمحاماته العقوبة إلى الحد الشرعي؟ هذا جائز له، لكن هذه المسألة صورية نظرية وليست عملية.
فالمحاماة جائزة بشروط وتطبيقها من حيث الواقع نظري ،وليس بعملي، إلا عند الكمل من أهل الورع والتقوى ولعلهم اليوم معدومون أو عزيزون، والله أعلم..

السؤال 192: هناك من يقول بأن للمسلم الحق بأن يختار الطريقة التي يريد بها القيام بها ببعض العبادات كالدعوة إلى الله فيقول: لي الحق بالدعوة إلى الله بالطريقة التي أريد، كما آتي إلى المسجد من الطريق التي أشاء، فيدعي أن ذلك يخضع للاجتهاد فيستدل على ذلك بالخروج، (أي خروج جماعة التبليغ)؟
الجواب: أما عن خروج إخواننا التبليغيين فلنا في الحقيقة كلام، والكلام في هذا الموضوع كثير لكن أوجزه بالآتي:
ياليت إخواننا التبليغيين يعاملون الخروج كمعاملتهم في المشي إلى المسجد وأن الأمر يجوز، ياليت اقتصر عند هذا الحد، لكان الأمر سهلاً، ولكان الخطب يسيراً، لكن عند إخواننا الخروج طاعة بذاتها، ويخرجون ليخرجوا، ما يخرجون من أجل الصلاة ، فيخرجون لدعوة الناس إلى الخروج ويدعون الذين يخرجون أن يخرجوا حتى يخرجوا، ثم ماذا ؟ لا ندري.
والخروج وسيلة من وسائل للدعوة إلى الله عز وجل، فلو أنا رأيت قرية من القرى، تحتاج إلى التعليم ، فمشيت إلى هذه القرية (وحصل ولله الحمد) فبت ليلتين أو ثلاثة أو أكثر في المسجد، فدرست وعلمت، فلا حرج، ومن يمنع هذا؟ لكن أن أعتقد أن من لم يقم بالخروج هذا فهو ليس داعية إلى الله فهذا خطر شديد، فهم يعتقدون أن الخروج طاعة تراد لذاتها، وهذا بدليل أنهم عند خروجهم يقولون: إننا خرجنا حتى نخرِّج، وهذا خطأ كبير ، فالخروج وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله ، هذا أولاً.
وثانياً : هذه الوسيلة ينبغي أن نعرف حجمها في الشرع، فلو أن واحداً مثلاً نادى بأعلى صوته: يا أيها الناس لا تذهبوا إلى المسجد إلا مشياً، ولا تركبوا السيارات ، فهذا الحصر، نقول له: أنت مخطئ فيه ،لماذا ضيقت واسعاً، وبعض المفسرين يفسرون قوله تعالى: { ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله}، بالمؤذن، فالمؤذن داعية إلى الله، وهذا الدرس دعوة إلى الله، وخطيب الجمعة داعي إلى الله، والذي يقرأ أو يتعلم ويحصل داعي إلى الله، والذي يزور المسلمين ويرد الشارد منهم ويذكرهم بالصلاة داعي إلى الله، فالدعوة إلى الله، ليست بأنها لا تتحصل إلا من خلال المشي إلى مسجد معين، والخروج أياماً معينة، وجولة محلية، وجولة مقامية، فأن تحصر الدعوة إلى الله وأن يقوم في ذهنك تصور أنه ما يوجد داعية مقبول يأتي بثمار إلا إن حصل كذا وكذا، فهذا حاله كمن يقول للناس لا تذهبوا إلى المسجد مشياً لا بالسيارة.
والأمر الثالث: وجدنا في هذا الخروج إسقاط لآيات وأحاديث واعتقاد أجور وفضائل لم ترد، فقالوا الخطوة التي تمشيها أحسن من عبادة سبعين سنة، والدرهم الذي تنفقه أحسن من سبعين ألف درهم، فمن أين هذا؟ وبعضهم يقول: الصحابة خرجوا، نعم الصحابة خرجوا، فاخرج كما خرج الصحابة، فالصحابة علمهم النبي وخرجوا يعلمون فخرج معاذ قاضياً، وخرجوا مفتين، وخرجوا ولاة، وخرجوا مجاهدين، أما الخروج بالطريقة الموجودة، فهو رؤية منامية، رآها شيخ فجعلها سنة متبعة، فهذا الإسقاط إسقاط عملهم على تصور الأجور، والفضائل للأعمال، وإسقاطه على أفعال الصحابة ، فيه مؤاخذة شديدة.
وهذا الخروج فيه محاذير لأن لهم شروط ما أنزل الله بها من سلطان ، فالخارج على أصولهم ممنوع أن يزور بيته، فلو احتاج الخارج أن يزور أباه المريض يمنع، ولو احتجت شيئاً من الدنيا كأن أغير الثياب، فهذا ممنوع، فمن أين هذه الشروط (وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) فهذا الخروج لا يجوز أن يجعل المباح حرام، فالمباح يبقى مباح والمسنون مسنون، والفرض فرض، فالنبي صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام استيقظ من الليل وقرع باب علي رضي الله عنه، فقال له: {قم الليل}، فقال علي- وهو يفهم أن النبي خاطبه من باب الحرص لا باب أنه نبي- فقال: {إن أرواحنا بيد الله إن شاء أمسكها وإن شاء أرسلها} فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ قول الله {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً}، وعلق الحافظ ابن حجر في فتح الباري على هذا الحديث فقال: (أمر الأمير بالطاعة المسنونة لا يجعلها واجبة)، فالأمير إن قال لك صم الإثنين، يظل الصيام سنة ولا يصير فرض ، وأميرٌ يكلف بسنة أو يفرض لا يحق له، فمن أين هذه الشروط؟
وهم يعتقدون أن الذي لا يخرج كل سنة أربعين يوماً وكل شهر ثلاثة أيام وهكذا ، يعتقدون أنه قصر.
ومن أسوأ ثمار الخروج على الإطلاق الحب والبغض والولاء والبراء، من خلال الخروج فلا يحب الإنسان ولا يوالي إلا على الخروج، والحب والبغض والولاء والبراء في ديننا لا يكون على الوسائل وإنما على الحقائق، فربما إنسان أخطأ ورأى أن الذي يعيد للأمة عزها التنظيم، [فيجعل الولاء والبراء من خلال التنظيم فمن دخل التنظيم فله الحب والولاء، ومن لم يدخل التنظيم فلا حب ولا ولاء].
وأقول- والله ، و أباهل من شاء- لو كان عز الأمة يعود بتنظيم أو بخروج لذكر صريحاً في كتاب ربنا أو سنة نبينا، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما ترك شيئاً حتى الخراءة، إلا وعلمنا إياه.
والذي يعيد الأمة عزها المنشود، أن تقع التزكية والتربية في الأمة، فالنبي بعثه الله ليزكي ويعلم، وقال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}، {أئمة}، أي أئمة دين، {ولما صبروا} أي : زكوا أنفسهم. و {كانوا بآياتنا يوقنون} أي: تعلموا ؛ فعلم وعمل وصلاح، وكما قال الإمام مالك والفضيل ابن عياض : (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها) فعقيدتنا أن الذي يصلح الأمة أن يجثوا الناس على الركب بين الصادقين من أهل العلم، يتعلمون ويعملون.
فهذا أسهل الإصلاح لكنه يكاد يكون عسراً هذه الأيام ، لأن الناس قد هجروا العلم وحلقات العلم، وما وجد الأطباء فيهم، وأيضاً قالوا: الذي كان يخرج وترك الخروج، ميتة لفظه البحر، فهم يحبون ويوالون على الخروج فإن كان خروج فيوجد حب، وولاء، وإلا فلا، وكذلك غيرهم في التنظيم، فيبشر الوجه ويشد على اليد ويزار إن دخل التنظيم، وإلا فلا، ونقول لمن هذا حاله: كن بيننا ربانياً وافتح قلبك، ووسع أفقك، فهذه وسائل، فالحب والبغض يكون على دين الله، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله}، ويقول: {من أحب لله ومن أبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فذلك أوثق عرى الإيمان } فالخروج فيه هذه المحاذير وياليتهم يجعلونه كالمشي إلى الصلاة لكنهم يعتبرونه من أجل الطاعات وأهمها.
وقد دعاني يوماً أخ فاضل، إلى طعام الغداء، فذهبت إليه ووجدت عنده أناس كثير، وكان من الموجودين أمراء التبليغ، وأنا لا أعرفهم إلا بأسمائهم، فتكلم واحد منهم – وحالهم أنهم يظهرون أنهم أوصياء على الدين- تكلم عن الخروج، وأشعر الجالسين أن الخروج هو لب التوحيد وأصل الدين، وهذا هو التوحيد عندهم، بدليل أن الذين يخرجون في بلاد الحجاز يعرفون التوحيد، وأن الذين يخرجون في الهند والباكستان أصحاب خرافة، ولا يعرفون التوحيد، فعقائدهم مختلفة، لكنهم مجتمعون على وسيلة ، فبعد أن تكلم على الخروج قلت: أتأذن لي بسؤال؟ قال : تفضل، قلت: ما حكم الخروج هذا الذي تدعو إليه؟ فغضب، وبدأ يتكلم تارة جالس، وتارة بين القائم والجالس، ويقول: ينبغي أن نسأل ؛ ما هو حكم القعود هذه الأيام؟ فقلت له بعد كلام: أنت ما سألتني عن حكم القعود حتى أجيبك، سلني عن أي قعود تريد أجيبك فهنالك قعود مع الرحم واجب، وقعود في الصلاة واجب، وقعود عن الدعوة حرام، لكن لا تكون الدعوة إلى الله بالخروج فقط، فيوجد دعوة من غير خروج، وأنتم مشكلتكم أنكم لا تجعلون داعية إلى الله إلا من خرج، فما لم يخرج لا يكون داعية، فجعلنا الوسائل كأنها مقاصد وغايات.
وهذا الأمر له آثار تربوية خطيرة على النفس فواحد ينشأ ويربي على الخروج، فيتصور أن الدين كله خروج، فإن ضعف وما خرج، فيظن نفسه أنه ارتد، وكذلك من يعتقد التنظيم، ويسمع دائماً منهم ((من فارق الجماعة قيد شبر......) (من مات وليس في عنقه بيعة فقد خلع الإسلام من عنقه) ثم يضعف عن التنظيم ويتركه، يبدأ يشك بدينه، لكن لما يفهم أن هذه وسيلة [وتحتمل الخطأ والصواب]، وأن المسلم وجماعة المسلمين من يقول "لا إله إلا الله" ما لم ينقضها سواء خرج أم لم يخرج وسواء كان في تنظيم أم لم يكن، تتحقق الأخوة الإيمانية بين الناس، وإن ضعف لا تظهر هذه الآثار التربوية على النفس بهذه الطريقة الموجودة عند الناس.
وجماعة المسلمين جماعة فهم، وليست جماعة بدن، فلو قلنا لهؤلاء؛ أبعدوا الحزبية عنكم، وأبعدوا الخروج وهذه الوسائل عنكم، وتناقشوا في دين الله، وفي تصوركم عن هذا الدين، لكفر بعضهم بعضاً، لأن أفهامهم متناقضة جداً، فالذين يخرجون في الهند ليسوا – كما قلنا- كالذين يخرجون في الجزيرة العربية، فهؤلاء عرفوا التوحيد وأولئك تربوا على العقائد الخرافية، فجماعة المسلمين كما قال الشافعي ، جماعة فهم وليست جماعة بدن ،ولذا قال يوسف بن أسباط: (إن كنت في المشرق وأخ لك في المغرب فابعث له بسلام فما أعز أهل السنة هذه الأيام)، فأهل السنة في المشرق وفي المغرب دينهم هو هو، ما عندهم تغيير ، فدين الله كتاب وسنة، مع احترام العلماء والنظر إلى أقوالهم واستنباطاتهم بتفصيل وتمعن.
لذا نقول : إن الخروج في سبيل الله،على النحو المذكرو فيه محاذير كثيرة جداً، وإسقاط هذا الخروج على النصوص الشرعية إسقاط غير موفق، والله أعلم .

السؤال 193: ما هي نصيحتكم لطالب العلم؟
الجواب: نصيحتي لطاب العلم؛ أولاً: الإخلاص، وأنه يعلم أنه يقوم في الأمة بمهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يفلح ولا ينجح أبداً، ما لم يكن صادقاً مخلصاً، ما لم يكن باطنه طاهراً.
ونصيحتي له إن كان في الابتداء أن يزداد في التقرب كلما ازداد علماً، فالله عز وجل، يزيد العبد علماً ببركة صدقه وإخلاصه، وإن الرجل ليحرم الرزق والعلم ، وتوضع العوائق في طريقه بسبب ذنوبه، ولذا قالوا: من ازداد علماً، ولم يزدد تقىً، فليتهم علمه .
وأنصح طالب العلم، أن يطلب العلم للعمل، فلا يطلبه ليشار إليه بالبنان، ولا ليتصدر المجالس، وقديماً قال سفيان: (من طلب العلم للعمل كسره العلم ،ومن طلب العلم ليجادل، فليضع له قرنين وليناطح الناس). فبعض الطلبة أمله المناطحة، يتكلم مع الناس بأسلوب فيه علو ورفعة، وفيه كبر وتيه، والعياذ بالله. ينبغي لطالب العلم والعالم كما قال أيوب السختياني رحمه الله: (ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لله عز وجل).
وينبغي لطالب العلم في البدايات ألا ينشغل بالتخصص، فقبيح بطالب العلم أن يكون شبعان ريان بفن دون فن، أو أن يكون مليئاً بفن، وعامياً بآخر، فأنصح طالب العلم، أن يتجول في جنات معروشات وغير معروشات، في سائر الفنون والعلوم، ثم وهو يتجول سيسمع صوتاً ينادي عليه من داخله؛ وجدتها وجدتها، حط رحلك هنا، هذه جنتك، فما أهنأنا لما نجد قسماً من إخواننا قد تفرغ بعضهم للتفسير، وبعضهم للأصول، وآخر في اللغة، وآخر في الفقه، وهكذا، حتى نسقط الإثم عن الأمة ، فالأمة اليوم كل فرد منها آثم بسبب عدم وجود فرض الكفاية من وجود الفقهاء والمحدثين والأصوليين واللغويين والمؤرخين فيها.
والناس كأسراب القطا يتابع بعضها بعضاً، فالناس اليوم لما رأوا إمام هذا العصر قد انشغل بعلم الحديث ترك أصحاب القرآن وأصحاب التفسير والقراءات تركوا ما هم فيه من خير وانشغلوا بالحديث، وبودنا ومن أغلى أمانينا، أن يظهر في الأمة أئمة في كل علم، فيجددوه ويشغلوا الأمة فيه، ولا تبقى الكتب على الرفوف، أو محبوسة بين الجدران، وفي المكتبات ، فببركة انشغال إمام هذا العصر بعلم الحديث كادت جميع مخطوطات هذا العلم وأهمها أن تظهر، وبقيت مخطوطات كثير من العلوم محبوسة رهينة، بسبب عدم وجود أئمة ، فلو نبغ بعض الأئمة وأشغلوا الطلبة في هذا العلم والله لظهرت ،وكم من إنسان يحب الطلب لكن لا يتيسر له سبل الطلب.
لذا على طالب العلم أن يقرأ جميع العلوم، ينشغل بأصولها وكلياتها، ومبادئها، فاقرأ في الفقه كتاباً من أوله لآخره، لا تقرأ قراءة تحقيق في كل مسألة فلو فعلت ذلك كما يفعل البعض، فيغرق في الماء ولا يخرج منه،ويترك الطلب ولا يتقدم، فخذ متناً من المتون، أو أحاديث الأحكام واقرأها كاملاً، وكذلك اقرأ سائر العلوم، ثم بعد ذلك تخصص، فالتخصص مرحلة متأخرة، فإن وصلت مرحلة التخصص، فعليك أن تعرف هذا العلم، فترجع إلى مبادئه وكلياته، ثم تبدأ تفصل، وأن تعرف أهم مصادره، وكتبه، وأن تعرف أعلامه الأقدمين والموجودين وأن تكون لك صلة بهم ، بالمهاتفة ، بالمراسلة، بالجثو على الركب بين أيديهم، وأن تعرف المسائل المشكلة في هذا الفن، التي ينشغل بها أهل هذا التخصص ، وهكذا..
ونصيحتي لطالب العلم أن يعلم أن الطريق طويل، وأن العلم ميراث النبي صلى الله عليه وسلم وأن الذي يسير في هذا الطريق، لا بد أن يؤذى، ومن فاق أقرانه لا بد من حساد، فلا تنشغل بحسادك وامض قدماً، ولا تلتفت إلى هنا وهناك، فقد أسند ابن قتيبة في "عيون الأخبار": (أن الحاسد لن يهدأ باله حتى تزال نعمة الله عن المحسود)، فنصح المحسود بقوله: (امض قدماً ولا تلتفت)
وأنصح طلبة العلم أن يحفظوا ألسنتهم وألا ينشغلوا إلا بالمسائل، التي ينبغي أن يشتغلوا بها، فهنالك مسائل تسمى"الطبوليات" تقرع في المجالس ، والتي يقع فيها الخلاف بين الكبراء من العلماء، وهؤلاء الطلبة المبتدئون يضعون أنوفهم فيها ويريدون أن يكونوا حكماً ،فلا يتكلمون على أنهم طلبة ويتكلمون على أنهم بمثابة الحكم بين العلماء، فابتعدوا عن الطبوليات، وهذه من العوائق، فكل عصر تخرج علينا مسألة فيها شنشنة تقطع الطالب عن التقدم، فكثير من المسائل لو أن الجهود التي بذلها فيها بعض الطلبة بذلوها في التأسيس لتقدموا، لكنهم يتكلمون ويتكلمون، وما يدرون أنهم يخضون ماءً.
والأمة بحاجة إلى طلبة العلم وهم بانتظارهم، حتى يصححوا عقائدهم وعباداتهم، والواجب المناط بهم كبير، فالمناط بهم إقامة الدين، فترفعوا عن السفاسف، واملأوا أوقاتكم بما يعود عليكم بنفع وتقدم.
ثم طالب العلم لا بأس أن يدرس، وإن جلس في مجلس وجب عليه لله مقال فلا يسكت، لكن لا يتصدر قبل أن يتأهل لكن إن يسر الله له أن يأمر وينهى ويبين بشيء هو فيه على يقين، فليقل.
فهذه نصائح أنصحها لطالب العلم وأسأل الله أن ينفعنا بما قلنا وهذا ما عندي ، والله أعلم.

السؤال 194: إذا كان في قص حلم لم أحلمه ولم أره، إصلاح أو عبرة فهل يجوز أن أقصه على الناس؟
الجواب: هذا لا يجوز فالغاية لا تبرر الوسيلة، وهذا كذب ، والكذب حرام، وكبيرة من الكبائر، وكما أن الكذب يكون في الحديث فإنه يكون أيضاً، في المنام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إن من أفرى الفرى أن يري الرجل عينيه ما لم يريا}، فمن أكذب الكذب، أن يكذب في المنام.
وذكر الرجل لأن الرجال هم المخاطبون، وكل خطاب للرجال فإن النساء يدخلن فيه، ولا يخرجن منه إلا بقرينة، وكل خطاب للنساء خاص بهن، ولا يدخل الرجال معهن إلا بقرينة.
وكذلك لا يجوز للرجل أن يكذب على زوجته في المنام، والكذب على الزوجة يكون فيما لا يضيع حقاً فيكون في المشاعر وما شابه.

السؤال 195: ماذا تقولون في "النصيحة الذهبية" أو "الرسالة الذهبية" التي تعزى للإمام الذهبي، ووجهها لشيخ الإسلام ابن تيمية وجزء منها في تصدير كتاب "سير أعلام النبلاء" وأشار إلى مصدرها، في كتاب "بيان زغل العلم" للإمام الذهبي؟
الجواب: إن الإمام الذهبي من المعظمين لشيخ الإسلام ابن تيمية ، ومن المؤرخين المنصفين، فكتابه "سير أعلام النبلاء" من نفائس الكتب، ترجم فيه لأعلام النبلاء، من هذه الأمة ، وذكر سيرهم وهو كتاب نافع مليح غايةً، أسلوبه رائق، ومر على أعلام الأمة وقسمهم على طبقات وترجم لهم.
وقد ترجم في أواخر الطبقات لشيخ الإسلام، لكن ترجمه شيخ الإسلام من القسم الضائع من السير، ومن حسن حظنا أن ناسخ مخطوطة "العواصم والقواصم" لابن الوزير كتب في هامشها لما ذكر ابن الوزير ابن تيمية، ذكر في الهامش فقال: (وقد ظفرت بترجمة ابن تيمية للإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء وهذا نصها) وساقها من أولها إلى آخرها، وقد ترجم الإمام الذهبي لمن هو قبل ابن تيمية وهو الإمام النووي، وقد نقل السخاوي في "المنهل العذب الروي" كثيراً عن ترجمة النووي من "سير أعلام النبلاء" وترجمة النووي غير موجودة الآن في القسم المطبوع من سير أعلام النبلاء، فكتاب السير ناقص من آخره طبقتان ، طبقة النووي وطبقة ابن تيمية.
والذهبي رحمه الله، معظم لابن تيمية في جل كتبه، ولا يثني عليه إلا ثناءً عطراً، والذهبي عند القاصي والداني، منصف حتى أن ابن حجر العسقلاني، رحمه الله، قال: (شربت زمزم أكثر من مرة ونويت أكثر من نية) ومن بين النوايا التي نواها؛ شرب زمزم مرة ليصبح مثل ابن تيمية على أن يصبح مثل ابن تيمية في معرفته للفرق والأديان، وشرب زمزم مرة على أن يصبح مثل الذهبي في الرجال.
وظهرت فرقة عادت ابن تيمية وبعضهم لم يفهم كلامه، وبعضهم أسقط كلامه على أصول غيره، فلم يصنع عدلاً ، وإن قال حقاً، فمثلاً النووي في المجموع يقول: (من زعم أن الله جسم فهو كافر باتفاق المسلمين) وابن تيمية لما سئل: هل يطلق على الله أنه جسم؟ قال: (هذا كلام بدعي، لكن لا أكفر من يقول بأن الله جسم. فقالوا: إن ابن تيمية يقول أن الله جسم، وابن تيمية يقول: هذا كلام بدعي ،وفي مواطن أخرى من كتبه مثل"شرح حديث النزول" يقول: (نقول لمن يقول إن الله بجسم ما مرادكم بهذا؟ إن كان مرادكم أن الله يتبعض ويتجزأ ، فهذا مقولة كفرية، قائلها أشد كفراً من اليهود والنصارى، وإن كان مراد قائلها إن الله حق منفصل عن العالم يشار إليه، فهذه مقولة بدعية، وليس صاحبها بكافر)، فلما أجمل في موضع، وقال: (لا نكفر من قال إن الله جسم أسقطوا كلاماً مجملاً له على قاعدة قالهاغيره بغير أصوله، وهكذا في مسائل كثيرة.
وظهرت مدرسة في هذا العصر وقديماً تزعمها الحصني صاحب كتاب "كفاية الأخبار" تكفر ابن تيمية، بعبارات قلقة لشيخ الإسلام، جلها أخذت عليه في معرض مناقشة الخصوم، وليس في معرض تقرير العقيدة، ويجوز الإنسان في مناقشته لخصمه أن يفترض الباطل ويقوله، قال الله تعالى: {قل إن كان للرحمن ولد فإنا أول العابدين}، فضرب الباطل لإفحام الخصم وإظهار باطله وعوار كلامه، هذا مسلك معتبر معتد به.
وابن تيمية القاصي والداني يعترف بذكائه، ويعترف بمعرفته بالفرق والأديان معرفة فائقة، ويوجد فرقة أخذت على نفسها النيل من ابن تيمية، والوصول بأي طريقة من الطرق لتكفير ابن تيمية، ووصفوه بصفات سيئة أخجل أن أقولها.
ومن المعروفين بعدائه لابن تيمية عالم تركي، وهو محمد زاهد الكوثري، عدائه مشهور لابن تيمية وهو الذي أظهر رسالة "النصيحة الذهبية" وألصقها بالذهبي، وزعم الكوثري في مقدمة طبعته الأولى، لهذه الرسالة، زعم أنه وجد هذه الرسالة بخط ابن قاضي شهبا، وصور خطه، وقد طبع في الهند قبل عشر سنين كتاب "طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبا، وهذا الكتاب لابن قاضي شهبا باتفاق ومن غير خلاف، والمحقق وقف على عدة نسخ، من بينها نسخة بخط ابن قاضي شهبا ، وأثبت خط ابن قاضي شهبا في مقدمة "طبقات الشافعية" والذي يقارن بين خط ابن قاضي شهبا المزعوم في رسالة الكوثري، وبين خطه في كتاب "طبقات الشافعية" يجد فرقاً بين الأرض والسماء.
فإذن هذه الرسالة باطلة النسبة للذهبي في محتواها، لأن الذي فيها يخالف ما في كتب الذهبي الأخرى، وهي باطلة أيضاً من أصل نسبتها، وقد ألف أخونا الشيخ محمد إبراهيم الشيباني كتاباً كبيراً فيه إبطال نسبة هذه الرسالة للإمام الذهبي ولم يعتني بالنقد الخارجي وإنما اعتنى بالنقد الداخلي، أي بمناقشة محتوى الرسالة وقارنها بما في كتب الذهبي الأخرى، وأظهر من خلال هذه المقارنات وهاء وتزييف ما في هذه الرسالة واستحالة أن تكون على لسان الإمام الذهبي فمن رام التفصيل فلينظر في كتاب أخينا الشيخ محمد الشيباني.

السؤال 196: ما حكم من أكل لحوم العلماء بالباطل؟
الجواب: الإمام ابن عساكر رحمه الله تعالى، يقول: (لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله فيمن انتهكها معلومة، ومن أطلق لسانه في العلماء في الثلب ابتلاه الله بموت القلب) فمن اغتاب أخاه يكون قد أكل لحمه ميتاً، فإن أكله حياً بشع فكيف وهو ميت؟ فإن الصورة أبشع ، فكيف إذا كان مسموماً؟ فلحوم العلماء مسمومة وتؤثر على القلب.
وأنا أنصح إخواني أن يحفظوا ألسنتهم عن أهل الصلاح وأهل الدين والتقوى، وأنصحهم أن يثبتوا وألا يكونوا إمعات وألا يتأثروا بما يسمعوا.
ولا يوجد أحد معصوم لكم سل نفسك قبل أن تدخل في أي مسألة : ما هي الثمرة التي تترتب على هذا الأمر؟ فإن رأيت لك ثمرة معتبرة فابحث، وتثبت، وإياك أن تعجل، أما التكلم من وراء وراء، وأن يشتم ويلعن، وأن يتهم النوايا فهذا أمر خطير، وهذا أمره عند الله عز وجل.
ووجدت نقلاً للسعدي عن شيخ الإسلام، ابن تيمية – ويا ليتني أظفر به من كتب شيخ الإسلام وأنا حريص عليها- يقول: (بعض الناس كالذباب لا يقع إلا على الجروح) فبعض الناس لا هم له إلا أن ينقل؛ قال فلان؛ وعمل فلان؛ وهكذا، ولو أنه تجرد واتقى الله، وسأل نفسه في خلوته: ما هي الثمرة من هذا العمل، ولماذا السؤال عن هؤلاء الناس؟ ولا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، فانشغل بالإعداد للإجابة عن هذه الأسئلة وانشغل بما ينجيك عند الله عز وجل.
وكم استغربت وكم ذهلت، وأنا معتكف في رمضان الماضي في بيت الله الحرام؛ يأتيني أخ جزائري معه أسماء سبعة عشر شيخاً، ويسأل الموجودين عنهم، وإن لم يطابق الجواب جوابه يبدأ بذكر معايب كل واحد من هؤلاء، ولا أدري ما الفائدة من وراء هذا، وأن لا ينشغل في مثل هذا المكان وفي مثل هذا الوقت، إلا بهذا ويفر على القاصي والداني، والعالم والجاهل، يريد أن يظهر لهم بأدلة قطعية، قامت عنده على أن هؤلاء السبعة عشر معيبون، فلما نظرت قلت: اللهم يا مقلب العقول ثبت عقلي على دينك، فهذا رجل عامي ، وذاك عامي، وجئت عندي تسألني ولا تعرفني ولا أعرفك، قال: علامة أن يكون الإنسان على خير، أن يقدح بهؤلاء، فلا حول ولا قوة إلا بالله، إيش هذا، قد نوافق أن البعض عنده إشكالات ، لكن أن لا يكون لك هم ولا شغل إلا هذا! هذا عقله ناقص.
وبالتالي أيها الأخوة علينا أن ننشغل بالبناء وأن تكون العلاقة بين طلبة العلم التكامل لا التآكل، والنصيحة لا الفضيحة، والمؤمن يستر وينصح، والمنافق ينشر ويفضح، فما من أحد معصوم والقلوب مفتوحة، والبيوت مفتوحة، والمجالس مفتوحة، فمن عنده نصيحة يجب عليه أن يقدمها، أما أن لا ننشغل إلا بأن يطعن بعضنا بعضاً، فهذا ينطبق علينا المثل الذي يقول: ((جاعت وأكلت أولادها)).
فنسأل الله عز وجل، أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ونسأله عز وجل، أن يحفظ علينا السنتنا وأن يرزقنا الورع والتقوى، وأن يجنبنا الهوى وركوب ما لا يطلب.

السؤال 197: إن كان علي دين لناس، ولم أستطع أن أدفعه لهم هل لي أن أتصدق بمالهم هذا باسمهم؟
الجواب: يُنظر، فإن كانت معرفته ممكنة فلا يجوز له أن يتصدق عنه، ويجب عليه أن يبرئ ذمته منه فإن يئس بالكلية عن معرفته وقد انقطعت أخباره ،وقامت قرائن قوية عنده أن معرفة فلان ميئوس منها، فقد أفتى ابن عمرو ومعاوية رضي الله عنهما، أنه يتصدق بهذا المبلغ عنهما.
فإن رآه بعد ذلك، يخبره، فإن أمض الصدقة فالحمد لله، فإن لم يمض الصدقة، يعطيه دينه، وتكون الصدقة قد حسبت له، وهذه حقوق ، وحقوق العباد عظيمة، ولا تقبل التوبة فيها إلا أن تصل إلى أصحابها، والله أعلم ...

السؤال 198: صليت العصر قبل أن يؤذن ولا أعلم في أي وقت يؤذن بالضبط، وأنا في التشهد الأوسط سمعت صوت الأذان، فغيرت نيتي إلى ركعتين، عقب الوضوء، ثم سلمت ثم قمت وصليت العصر، فهل علي شيء في ذلك؟
الجواب: لا شيء عليك فأنت صليت قبل دخول الوقت، فصلاتك بلا شك ليست صحيحة، فكيف وقد علمت الوقت، وأنت تصلي، فالصلاة تنقلب إلى صلاة نافلة، والصلاة التي صليتها نافلة، وعليك الإعادة فقط، لتخلف شرط من شروط الصلاة.

السؤال 199: هنالك من الناس من يأخذ بتبرك الصحابة برسول الله صلى الله عليه وسلم دليلاً على جواز التبرك بالعلماء، أو بما يسمى المشايخ، هل هذا حق أم باطل؟
الجواب: أما التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم فهذا ثابت في حوادث كثيرة، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم، يتبركون بكل ما انفصل عنه صلى الله عليه وسلم، وثبت في الصحيحين أنهم كانوا يتبركون بفضل وضوءه، وكانوا يتبركون بتفله، وصح عن الزبير رضي الله عنه، أنه شرب دم الحجامة منه، وكانوا يتبركون بشعره، فأم سليم ثبت عنها أنها كانت تأخذ من عرقه وتضعه في قارورة، فيها طيب وفيها شيء من شعره، ولما حلق الحجام شعره صلى الله عليه وسلم أخذت أم سليم خصلة منه، وأخذ أنس شيئاً منها، وأنس وزع على بعض طلبته شيئاً من شعره ، صلى الله عليه وسلم وأخذ ابن سيرين شعرة منه وأوصى أن تدفن معه، فالتبرك بذاته وما انفصل عنه في حياته مشروع ثابت عن أصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حوادث كثيرة.
لكن هذا التبرك خاص به صلى الله عليه وسلم فلم يؤثر أبداً أن صحابياً صغيراً تبرك بأبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي. ولم يؤثر عن التبعين أنهم تبركوا بالصحابة، والمسلم له بركة، وبركته على قدر أعماله الصالحة، لكن لا يتبرك بذات غير ذات النبي صلى الله عليه وسلم وقد بين هذ بما لا مزيد عليه الإمام الشاطبي في كتابه النافع "الاعتصام"
وهذه المسألة الآن نظرية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم غير موجود معنا بذاته ولا نعرف شيئاً بيقين انفصل عنه، فلا نستطيع أن نقول هذه الشعرة مثلاً، من شعره، ولا يجوز قياس غير النبي صلى الله عليه وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فهذا قياس مع الفارق الكبير، والتبرك الذي يفعلوه المريدون مع شيوخ الطرق اليوم فيتبركون بفضل وضوئهم ويتمسحون بهم، هذا تبرك بدعي ما أنزل الله به من سلطان.
وكتب سلمان إلى أبي الدرداء (هلم إلى الأرض المقدسة) فرد عليه بقوله: (إن الأرض لا تقدس أحداً، إنما يقدس الرجل عمله) فالعمل هو الذي يقدس ويبرك الإنسان أما ذات مقدسة مباركة يتبرك بها فهذه ليست إلا ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط وما عداه لا يتبرك به .

السؤال 200: هل يجوز اقتناء الطيور واتخاذها كزينة، وهل يجوز صيدها والاتجار بها؟
الجواب: حبس الطيور جائز، شرط أن تطعم وبشرط ألا يكون هذا الطير إن حبس يموت، فهنالك طيور قليلة يعرفها أهل الاختصاص إن حبست ماتت، فهذه لا يجوز حبسها، أما غيره إن حبس وأطعم فهذا أمر مشروع لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، في المرأة التي دخلت النار في هرة ،فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {فلا هي حبستها فأطعمتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض}، فقال غير واحد من أهل العلم، في قول النبي عنها: {فلا هي حبستها فأطعمتها}، فيه جواز حبس الحيوان إن أطعم، فلو أن رجلاً حبس شاة، أو هرة أو طيراً، فأطعمه، وانتبه إليه فهذا جائز.
وكذلك في حديث أنس في الصحيحين لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بصبي كان يلعب بعصفور في قفص، ثم رجع إليه النبي صلى الله عليه وسلم فوجده يبكي وقد طار العصفور فقال النبي له{يا أبا عمير؛ ما فعل النفير؟}فالنبي أقره، ولم يأمره ولم يأمر أهله أن يطلقوا العصفور، وهذا الحديث فيه فوائد جمة ، ألف ابن القاص الشافعي جزءاً مفرداً في فوائده، أوصلها إلى نحو الثلاثين ، وزاد عليها ابن حجر في "الفتح" أكثر من عشر فوائد، فأوصلها إلى ما يزيد على أربعين فائدة، ومن أهمها، جواز حبس العصفور، فإن جاز حبس العصفور فهو شيء محترم، فيباع ويشترى، ولا سيما أنه يؤكل، فلا حرج في المتاجرة فيه.
لكن متابعة الحمام وسرقته، وإيذاء الجيران ، والصعود على السطح، وكشف العورات، فهذه محاذير، وقد حسن ابن القيم حديثاً في كتابه "المنار المنيف" أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يتبع حمامة فقال: {شيطان يتبع شيطان}، فتربية الحمام وسرقته وكشف عورات الناس والانشغال بهذا عن الواجبات والطاعات، فهذا أمر مذموم، أما مجرد حبس العصفور وإطعامه وإعطاءه حقه من غير محاذير فلا حرج..
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.


To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 03-23-2012, 04:13 PM
خالد بن إبراهيم آل كاملة خالد بن إبراهيم آل كاملة غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: بلاد الشام
المشاركات: 5,683
افتراضي

السؤال 201: هل رفع الأيدي للمأموم في صلاة الجنازة مع كل تكبيرة سنة أم بدعة، وكذلك صلاة العيد ؟
الجواب : ثبت رفع الأيدي عن ابن عمر رضي الله عنهما، فمن غلب على ظنه أن ابن عمر ما فعل ذلك إلا اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم فحينئذ له أن يرفع، ومن سبر فقه ابن عمر ونظر فيه يجد أن له انفرادات كثيرة، فقد ثبت عنه أنه كان يغسل بياض عينيه، وثبت عنه أنه كان يزاحم على الحجر الأسود، وثبت عنه أنه كان يوجب المسح على الجبيرة، وثبت عنه انفرادات كثيرة، لذا يذكر أن أبا جعفر المنصور، لما طلب من الإمام مالك أن يكتب الموطأ، فكتب له: ((أن اكتب لي كتاباً، ووطئه توطئة وإياك وشواذ ابن مسعود وتشديدات ابن عمر، ورخص ابن عباس)).
فالمقصود أن ابن عمر له بعض التشديدات وله مسائل انفراد بها، فلما علمنا انفراده من جهة، ولم يؤثر عن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه في التكبيرات في صلاة الجنازة ولم يؤثر ذلك عن غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قامت القرائن على أن هذا من فعله هو – أي ابن عمر- والذي أراه قريباً للسنة عدم رفع اليدين في تكبيرات الجنازة، والعيدين ، والله أعلم ...

السؤال 202: ما صحة هذا الحديث: عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياءً عثمان وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ وأفرضهم زيد، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة}؟
الجواب: آخر هذا الحديث ثابت في الصحيحين وهو: {لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة}، وهذا هو القسم الصحيح منه مرفوعاً، وأما ما عداه فهو من كلام بعض الرواة وحصل فيه إدراج، والإدراج الذي وقع فيه إنما هو من حديث أنس، وقد فصل بعض الرواة أن أبا قِلابه رواه من قوله هو: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياءً عثمان وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ وأفرضهم زيد) ثم قال: (عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة}).
فبعض الرواة عن أنس أدرج، فجعل الحديث في مساق واحد مرفوعاً، وبعضهم فصل ، فجعل آخره مرفوعاً، وما قبله من أقوال بعض الرواة كأبي قلابه وقتادة وهذا هو الصحيح في السنة، وقد نصص على ذلك أكثر من عشرة من الحفاظ، وعلى رأسهم الحاكم في "معرفة علوم الحديث" وابن عبد البر في "التمهيد"، وابن تيمية في أكثر من موطن من الفتاوى بل برهن على ذلك بكلام عجيب تلميذ ابن تيمية الإمام الحافظ- ابن عبد الهدي، ألف جزءاً خاصاً في إثبات هذا الأمر، وابن عبد الهادي مات صغيراً، وقالوا لو أن الله رزقه عمراً طويلاً، لكان الدرقطني في العلل، وكان ابن تيمية في مجالسه لما يشكل عليه حديث كان يسأله.
وقد ذكر هذا الحديث بتمامه على أنه صحيح مرفوعاً، شيخنا أبو عبدالرحمن الألباني في كتابه "سلسلة الأحاديث الصحيحة" ولما وقفت على جزء محمد بن عبدالهادي مخطوطاً وقرأته وتابعت النظر وكتبت ورقات، فاتصلت بالشيخ ذات يوم وأخبرته أني أحب أطلعه على ما عندي فزرته وقرأت عليه ما كتبت، وكان الشيخ رحمه الله يسمع ويصغي ويدون بعض الأشياء عنده ، ولما أتممت النقولات التي ذكرتها عن كثير من العلماء، أخذ الشيخ نسخته من السلسلة الصحيحة المجلد الثالث وكتب عليها: (يحول إلى الضعيفة) .
ولم أر أحداً ممن كتب في تراجعات الشيخ اليوم، وهم جماعة، ذكر هذا الحديث، ولذا بودي لو أن طالب علم ييسر له الله عز وجل أن ينظر في حواشي الشيخ التي قد كتبها على كتبه.
ونرى اليوم ظاهرة ليست حسنة ولا مليحة ولا نحبها، وهي أن نطبع كتب باسم الشيخ ويكون الشيخ قد كتب عليها بعض التعليقات لنفسه، فسيطبع قريباً "سبل السلام" ويقال أخرجه الألباني، وهذا خطأ؛ ففرق بين من يريد أن يخدم كتاباً فيدرسه دراسة جيدة ويخرج أحاديثه، وبين من يكتب تعليقات على حديث أو مسألة يفيض منها، والذي قبل هذا الحديث والذي بعده، والذي قبل هذه المسألة والذي بعدها لا يوجد فيه عناية لهذا المحقق أفلمثل هذه الهوامش المبثوثة هنا وهناك يقال: حققه فلان ، هذه ليست لغة العلم.
وكم أعجبني صنيع الإمام السخاوي مع شيخه ابن حجر (وابن حجر كان قيماً على كتب الوقف في العالم الإسلامي، كما تعلمون) لذا فقد أبدع في تخريجاته في "الفتح" فكم أعجبني السخاوي في كتابه العظيم "الجواهر والدر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" لما عقد فصلاً خاصاً بهوامش ابن حجر على كتبه، فنقل الهوامش التي على الكتب، فلو أن طالب علم نظر في كتب الشيخ ودون هوامشة التي على الكتب، هذا يغنينا عن عشرات المجلدات في المستقبل ويكون مجلداً واحداً، وحينئذ نكون هذه لغة علمية، وما عداها ليست كذلك، والله أعلم ..

السؤال 203: هل يجهر الإمام بالبسملة في الصلاة الجهرية؟
الجواب: وقع في هذه المسألة خلاف، وكذلك وقع الخلاف هل هي آية من سورة الفاتحة أم لا، والراجح أنها آية من الفاتحة، ويجب على الإمام والمأموم أن يقرأ البسملة، وأخرج الحاكم في مستدركه حديثاً بإسناد ظاهرة الصحة، من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص، رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب وبسم الله الرحمن الرحيم آية منها}، فهي على الأرجح الأقوال أنها آية من الفاتحة.
أما بالنسبة للجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية، فالأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم كانوا يسرون، فقد ثبت في الصحيحين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يستفتحون بـ {الحمد لله رب العالمين}، ومذهب الجماهير الإسرار، ومذهب الشافعي الجهر بها، فالشافعي رحمه الله وجه حديث أنس وقال: معنى قوله: كانوا يستفتحون بـ {الحمد لله رب العالمين}، أي إن أنساً رضي الله عنه، أراد أن يقول إن النبي وصاحبيه كانوا يقرأون الفاتحة قبل ما تيسر من القرآن فلو أنه قال كانوا يستفتحون بـ{بسم الله الرحمن الرحيم}، فان هناك بسمله في غير الفاتحه فلا يلزم من قوله ذاك انهم كانوا لا يقولون "بسم الله الرحمن الرحيم" لأن المراد أنهم كانوا يقرأون الفاتحة قبل ما تيسر من القرآن، فحتى يعبر عن هذه الحقيقة فكان يقول: (يستفتحون بـ{الحمد لله} ...) فليس في هذا دلالة على عدم الجهر بالبسملة أو إسقاطها.
ورد عليه جماهير العلماء براويات أخر بعضها ثابت في صحيح الإمام مسلم وفي بعض الروايات عن أنس قال: (كانوا يستفتحون بـ{الحمد لله رب العالمين}) وفي رواية (كانوا يسرون {بسم الله الرحمن الرحيم}) إذن ليس الكلام كما وجهه الشافعي رحمه الله، فمذهب الجماهير أبي حنيفة ومالك ورواية عن أحمد أنه لا يستحب للامام أن يجهر بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" حتى أن الإمام مالكاً رحمه الله لما قيل له إن فلاناً ينكر على من لم يجهر بالبسملة غضب، وقال : سبحان أيريد أن يذبح؟
وإن رأى الإمام أن بإسراره بالبسملة، ودوامه على ذلك، يترتب عليه أن بعض العوام قد يظن أن البسملة ليست من الفاتحة، فيستحب له أن يجهر بها أحياناً، فقط من باب الإعلام أنها من الفاتحة، واختيار ابن تيمية وابن القيم : إن غالب هديه صلى الله عليه وسلم الإسرار وكان يجهر أحياناً، والأحاديث التي فيها ذلك معلومة، والله أعلم....

السؤال 204: هل يجوز للرجل في البيت أن يؤم أهله إن لم يكن له أولاد ذكور؟
الجواب: يجوز للرجل أن يصلي مع زوجته جماعة، فإذا كان الرجل قد تأخر عن الجماعة بعذر، أو أن الجماعة ليست واجبة في حقه، لمرض أو عذر المطر، وأراد أن يصلي مع زوجه فلا حرج، فالصلاة جماعة في البيت أكثر ثواباً وأحب إلى الله من الصلاة فرادى.
وإن صلى الرجل مع زوجه، فالزوجة تكون خلفه، ولا تكون بجانبه، وإن كان له ولد ذكر وزوجة، فالولد يقف بجانبه والزوجة تقف خلفهما، وإن كان له زوجة وبنات فيقفن في صف خلفه، وإن كان له ولدان وزوجة فالولدان يقفان في صف خلفه، والزوجة تقف في صف وحدها خلف الولدين وهكذا، والله أعلم...

السؤال 205: هل قلب اليدين في الدعاء، عند الدعاء على الظالمين وإنزال البلاء عليهم، من السنة أم هو بدعة؟
الجواب: بعض الناس يفعل هذا، وهذا القلب لليدين لم يثبت فيه حديث، وليس بمشروع، والله أعلم

السؤال 206: هل نأخذ بالحديث الضعيف أم لا؟
الجواب: نحن نعتقد اعتقادً جازماً لا شك فيه، أن دين الله كامل، وفي الصحيح غنية تماماً عن الضعيف، ومذهب إمامي الدنيا في الحديث، الإمام محمد بن اسماعيل البخاري والإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري، فمذهبهما أن الحديث الضعيف لا يؤخذ به على الإطلاق، وقد نصص على ذلك الإمام مسلم في مقدمه صحيحه، فلا يجوز للرجل أن يحتج بالضعيف.
ومن أراد أن يحتج بالضعيف فإنما يحتج به بشروط ذكرها ابن حجر في "تبيين العجب في فضل رجب" ومدارها على الاعتماد على أحاديث صحيحة وردت في الباب فعاد الأمر للصحيح، ورحم الله الذهبي القائل: (وأي خير في حديث اختلط صحيحه بواهيه وأنت لا تفليه ولا تبحث عن ناقليه) فالمطلوب أن نتثبت ويحرم على الواعظ وعلى الخطيب وعلى طالب العلم، وعلى المفتي أن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يتقين أن النبي قاله، بتصحيح أهل العلم المختصين في ذلك الحديث، فلا يكون الإنسان كحاطب ليل.
وأخبرني بعض الشاميين من العلماء، قال: بلوت الناس فوق المنابر، إن أراد الواحد منهم أن يوثق القصة أو الحديث الذي يقوله، وقد يكون صفحات طويلة فيقول: أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ، حتى يتثبت أن هذا الحديث مسند، وابن الجوزي قد قال عنه : موضوع.
وإن لم يكن ، في الحقيقة شيء من مناقب الشيخ الألباني رحمه الله، إلا التدقيق على التصحيح والتضعيف، والاستدلال على الصحيح، وتوجيه أنظار الأمة بكاملها لذلك، كفاه فخراً، فهو مجدد بإجماع عقلاء الأمة في هذا الباب، ما أحد سبقه إلى بلوغ هذا الأمر حتى الرسائل العلمية والجامعية ما كانت تنتبه لهذه الأشياء، فتجد الواحد منهم، كبعض المفكرين والفقهاء يقيم بحثاً طويلاً ويؤلف كتاباً، كما فعل مالك بن نبي، أقامه على أحاديث ضعيفة وموضوعة، كتاباً طويلاً عريضاً والحديث الذي اعتمد عليه موضوع وكذب.
أما الشروط التي ذكرها ابن حجر للعمل في الحديث الضعيف كما نقلها عنه السخاوي في "القول البديع" فذكر شروطاً لو فحصنا هذه الشروط لوجدناها نظرية، ولا قيمة لها من العملية، فقال: يشترط للعمل في الحديث الضعيف في فضائل الأعمال شروط؛ الأول: ألا يكون ضعفه شديداً، فأغلب الأحاديث التي يذكرها الناس هذه الأيام سقطت، والثاني : أن يبين من يحتج بالحديث أنه ضعيف، والثالث: أن يقوم مقام هذا الحديث الضعيف أصل صحيح في الدين، فماذا بقي؟ فالنتيجة أن الحديث الضعيف لا يعمل به في فضائل الأعمال ومثال ذلك: صلاة الضحى قام في الشرع ما يأذن بمشروعيتها ، فيأتينا حديث فيه ضعف أنها لها من الأجور والفضائل كذا وكذا، فأنا أصلي الضحى من أجل الأصل الموجود في الشرع، لا من أجل الحديث، فالحديث الضعيف أصبح لا فائدة منه.
فالصواب أن الحديث لا يعمل به، وفي الصحيح غنية عن الضعيف، ولا يوجد في ديننا حديث ضعفه يسير على الشروط المذكورة، إلا وقد قام أصل في الشرع من أجله نعمل بالطاعة.
ومن اللطائف التي تذكر في هذه المناسبة عن الشافعي، رحمه الله، أنه في كتابه "الأم" وغيره علق الفتوى على صحة أحاديث كثيرة، فيقول: إن ثبتت صحته فأقول به، وكان الشافعي لما يلتقي بأحمد يتثبت منه من صحة بعض الأحاديث، وكان أحمد يتثبت منه من صحة فهم ،لأن الشافعي يمتاز بذكاء ومعرفة قوية في العربية، وعد بعضهم كلامه حجة في العربية لأنه لم يعرف عنه لحن في كلامه أبداً، وكلامه قوي جزل وهو صاحب حجة وبيان، فكان – رحمه الله – يعلق القول في مسائل عديدة على فرض صحة الحديث، ومن بديع مصنفات ابن حجر، أن جمع هذه المسائل ودرس أسانيدها وبين صحتها من ضعفها في كتاب مستقل له، لكنه مفقود، والله أعلم...

السؤال 207: هل يجوز الأضحية عن الميت؟
الجواب: الثابت من فعله صلى الله عليه وسلم أنه لما ضحى قال: {من محمد وآل محمد وأمة محمد} صلى الله عليه وسلم, وذلك فيما أخرج مسلم في صحيحه بإسناده، إلى عائشة رضي الله عنها قالت: {أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبش أقرن يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فأتي به ليضحي به، فقال لها: {يا عائشة هلمي المدية}، ثم قال: {اشحذيها بحجر}، ففعلت، ثم أخذها، وأخذ الكبش، فأضجعه ثم ذبحه، ثم قال: {باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد} ثم ضحى به}، ففي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا تجوز الأضحية عن الميت استقلالاً، وإنما تجوز تبعاً، ولهذا قال الفقهاء: الواجب على كل بيت أضحيه واحدة وهذه الأضحية تجزئ عن الأحياء منهم والأموات.
والعجب من الناس! فإنهم يقصرون في الأضحية في الحياة، ثم يتقصدون ويشعرون بالقصور إن تركت عن الأموات، وقد ذكر من جواز الأضحية عن الأموات استقلالاً لا تبعاً، قالوا: ومع ذلك فهذا عمل مرجوح لأنه لا إيثار في القربات فالأصل في الإنسان أن لا يؤثر غيره في القربات وإن كانا أبويه سواء كانا أحياءاً أو أمواتاً.
ويؤكد ذلك هديه العملي صلى الله عليه وسلم، وصحبه، فالنبي صلى الله عليه وسلم مات عمه في حياته وماتت زوجتان له، وهما خديجة وزينب بنت خزيمة رضي الله تعالى عنهما، ومات قبله أيضاً ولده ابراهيم وثلاث من بناته، ولم يؤثر عنه قط أنه ضحى عن واحد من الأموات، فالأضحية تكون على أهل البيت الواحد أضحية واحدة على الوجوب، ويجوز الزيادة عليها، وهذه تجزئ عن الأحياء والأموات، ولا يشرع أن يخص الأموات بالأضحية دون الأحياء، والله الهادي الموفق.

السؤال 208: ما هي المواصفات المستحبة في الشاة التي يضحى بها؟ وهل تجوز الأضحية بأكثر من شاة؟ وهل تجوز الأضحية بالشاة الحامل؟
الجواب: ثبت في صحيح الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين، فأن يكون الكبش تاماً أقرناً وأن يكون مليئاً غير ناقص، هذا هو الأفضل، وإن كان القرن لا يؤكل، فمن الأفضل أن يضحى به، وكما ثبت في الحديث السابق أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبش يطأ في سواد أي قدماه سود، ويبرك في سواد، أي ركبتيه سوداوان، وينظر في سواد، أي عيناه سوداوتان، فمن السنة أن يبحث الإنسان عن كبش أملح أسفل قدميه سواد وركبتاه وعيناه كذلك..
وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين ، فمن وفق لكبشين فحسن ،وإلا فالواحد يجزئ، وثبت في سنن أبي داود عن جابر رضي الله أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين موجوئين، أي خصيين، والكبش الخصي لحمه مليء، وثبت أيضاً في سنن أبي داود من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين فحيلين، والكبش الفحيل هو القوي في الخلقة، وفحيل كل شيء: جيده وقويه، وليس المراد به الخصي، حتى لا يتعارض مع السابق.
فهذه مواصفات الكبش الذي ضحى به صلى الله عليه وسلم: مليء، أقرن، يمشي في سواد، يبرك في سواد، ينظر في سواد، موجوء، فحيل تام الخلقة.
ويجوز التضحية بأكثر من شاة، لكن يكره التباهي بالأضاحي، فهي عبادة كالصلاة، كما قال تعالى: {فصل لربك وانحر}، فينبغي أن تكون لله، وأن لا يقع فيها المباهاة، ولما أكثر الناس من المباهاة زمن التابعين، أمسك بعض الصحابة عن الإكثار من الأضحية.
أما الشاة الحامل فتجوز الأضحية بها، كما تجوز بالشاة الحائل(التي لا حمل بها) والشرع أطلق ذلك ولم يقيد، فما أطلقه الشرع نطلقه، وما قيده نقيده، فلو جاء التقييد بأن تكون حائلاً، لقلنا به، والله أعلم ...

السؤال 209: رجل له أولاد يأكلون ويشربون معاً، فهل تجزئ الأضحية عنهم؟ وعمن تجزئ الأضحية؟
الجواب: الواجب في الأضحية على أهل البيت الواحد أضحية واحدة، فلو أن رجلاً له أولاد ومطعمهم ومشربهم ومدخلهم ومخرجهم واحد، فالأضحية الواحدة تجزئهم، وهم بمثابة الرفقاء في السفر.
لكن لو وجدت عمارة فيها أب وأولاد وكل له شقة ،وكل له مطعم، وعائلة وأسرة، فتجب على كل أسرة منهم أضحية، وقد ثبت فيما أخرج الترمذي وابن ماجه ومالك بأسانيدهم أن عبدالله بن عمارة قال: (سمعت عطاء بن يسار يقول: سألت أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه، كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته) وهذا هو الشاهد، وقال: (فيأكلون ويطعمون حتى تباهي الناس فصارت كما ترى) أي يكثرون من الذبح، أما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يذبحون الشاة الواحدة عن الرجل وعن أهل بيته.
والأضحية تجزئ عن ثلاثة أنواع من الناس: فالنوع الأول: القرابة، مثل الزوجة والأولاد،والنوع الثاني: تجزئ عمن دخل في النفقة الواجبة، فرجل له أخ صغير قاصر، نفقته عليه، فإن الأضحية تجزئ عنه أيضاً، والنوع الثالث: من عايشك في مسكنك كمن كفل يتيماًن ورباه وعاش معه في بيته، فالأضحية تجزئ عنه، فهؤلاء هم أهل البيت الواحد.

السؤال 210: هل يجوز الاشتراك في الأضحية؟
الجواب: نعم يجوز، لكل سبعة من المكلفين، الواجب في حقهم الأضحية أن يشتركوا في بدنة أو في بقرة، كما يجوز ذلك في هذي الحج.
فقد ثبت في الصحيحين من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه، قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك والبقر، كل سبعة في بدنة) وفي رواية: (اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج كل سبعة منا في بدنة) فقال رجل لجابر: أيشرك في البقر ما يشترك في الجزور؟ فقال: (ما هي إلا من البدن).
لكن وقع خلاف شديد هل هذا السبع يجزئ عن الرجل فقط أم أنه يجزئ عنه وعن أهل بيته؟ فمنهم من قال: لا يجزئ إلا عنه، لأنه ليس دماً كاملاً، وإنما هو جزء من دم، ولا يوجد دليل خاص عن الإجزاء لأهل البيت، والنسك عبادة توقيفية، فالمراد أن البدنة تجزئ عن سبعة، أي تجزئ عن سبعة أشخاص لا أنها تجزئ عن سبعة شياه وسبعة دماء، فالشاب إن كان غنياً، وليس له زوجة وأولاد، وأراد أن يضحي عن نفسه فاشترك مع غيره، فلا حرج، لكن إن كان له أهل تحت إمرته، فالأصل أن يخصهم بدم، ولا يضحي بجزء من دم، وهذا أفضل وفيه خروج من الخلاف، والله أعلم...

السؤال 211: ما هي العيوب التي يجب تجنبها في الأضحية؟
الجواب: الأضاحي لها شروط، فهي طاعة من الطاعات، وهي تكون من الإبل أو البقر أو الغنم، سواء كان ضاناً أم معزاً، ولا بد في هذه الأنعام أن تكن خالية وسليمة من عيوب، والعيوب ثلاثة أقسام، قسم ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها لا تجزئ، وقسم منها فيها كراهة مع الإجزاء، وقسم ثالث عيب معفو عنه، فألا يوجد في الأضحية من باب الأفضلية فقط، ومن باب التمام والكمال.
فأما العيوب التي لا تجزئ، فقد ذكرها صلى الله عليه وسلم في قوله: {أربع لا تجزئ من الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها والكسيرة التي لا تنقي}.
أما العوراء التي ليس عورها ببين تجزئ، أما البين عورها فهي التي انخسفت عينها، فعينها إما طافية أو طافئة، أي: إما غير موجودة بالكلية أو بارزة، ومعنى العور: العيب، لذا ثبت في الصحيح أن الدجال أعور العين اليمنى وأعور العين اليسرى ، وهذا لا تعارض فيه، فالأعور الشيء المعيب، فإذا كانت عوراء لا ينصر، وعورها غير بين إلا بعد التدقيق والفحص، هذه عوراء ليس عورها ببين، فالأضحية بها جائزة، وإنما هي خلاف الأولى، ويلحق بالعوراء التي ليس عورها ببين العشواء، وهي التي ترى بالنهار ولا ترى بالليل فهذه عوراء ليس بين عورها، لأنها تحتاج إلى فحص.
وأيضاً إذا كانت لا تجوز الأضحية بالعوراء فمن باب أولى لا تجوز بالعمياء، لأن العور عيب معقول المعنى.
وأما المريضة البين مرضها، هي الشاة المجدورة ، أو التي أصابها الطاعون، والجرباء، والمرض الذي يؤثر على اللحم، بحيث أن هذا اللحم لا يؤكل، فإنها لا تجزئ، وإلا أجزأت مع النقصان، أما الشاة التي في الطلق فهذا ليس مرض بين، أما الشاة التي صدم رأسها بشيء، أو تردت عن علو، فأغمي عليها، فهذا مرض بين.
وأما العرجاء البين ظلعها، فإن كان العرج يسيراً، فهذا معفو عنه، كالشاة التي في مشيتها غمز، لكنها تمشي، والضابط في ذلك كما قال العلماء، أنها إن أطاقت المشي مع شاة صحيحة وتابعت الأكل والرعي والشرب، فهذه عرجاء غير بين، وإن كان في رجلها علة، أما التي إن أقعدت لا تستطيع القيام فمن باب أولى وإن كانت لا تستطيع اللحاق بالسليمات فهذا مآلها أن تكون ضعيفة، فلا تجزئ، ويلحق بها الشاة الزمنة التي يغلب عليها الجلوس.
وهذا العيب وهو القعود ينظر فيه إلى المعنى، وهو عدم القدرة على الأكل، وأن تكون سمينة لا مجرد القعود، فقال المالكية: لو وجدت شاة وكانت سمينة جداً، ولا تستطيع المشي من شدة سمنها فهذه الراجح أنه يجوز التضحية بها.
أما الكسيرة أو العجفاء التي لا تنقي، هي الشاة الهزيلة التي لا مخ في عظمها المجوف، مثل عظم الساق والعضد والفخذ، فإن الشاة إذا أكلت وقويت فإنه يتولد في عظمها المجوف نخاع، فالتي لا تنقي هي التي من شدة ضعفها ونحافتها فإنه لا يوجد مخ في عظمها المجوف، فهذه لا تجزئ، وهذا يعرفه أهل الخبرة، علامة ذلك بأن الشاة لا يوجد عندها رغبة في الأكل.
أما العيوب التي يكره أن تكون في الأضحية لكنها تجزئ إن وقعت، فقد قال علي رضي الله عنه: {أمرنا أن نستشرف العين والأذن}، أي: أن ننظر وأن ندقق في العين والأذن وأن نختار السالمة من العيوب وورد في الحديث نفسه: {وألا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء} والمقابلة: هي التي شقت أذنها من الأمام عرضاً، والشرقاء التي شقت أذنها من الأمام طولاً، والخرقاء التي خرقت أذنها، فالأضحية بهذه الأنواع، أي التي ليست أذنها تامة، فالأضحية بها تجزئ، لكن مع الكراهة.
وهذا مذهب جماهير أهل العلم والأضحية الجماء، أي التي لا قرن لها جائزة، لكن السنة أن يكون أقرن والأضحية العضباء، التي ذهب أكثر قرنها جائزة أيضاً، وعدم الإجزاء، ورد في حديث ضعيف عن علي، والشاة الصمعاء الصغيرة الأذن تجوز الأضحية بها، والبتراء التي لا إلية لها، أيضاً تجزئ، وكذلك التي جف لبنها وكاد يموت ضرعها، على أرجح الأقوال تجزئ، لأن اللبن غير مقصود في الأضحية، والهتماء، التي سقط أسنانها فالراجح أنها تجزئ، فكل هذه العيوب لا تمنع الإجزاء ،لكن أن تكون سالمة أفضل وأحسن، والله أعلم ....
أما إذا طرأ العيب على الأضحية بعدما عينها صاحبها، فينظر في العيب فإن كان قصور، فهذه الأضحية مثل الأمانة عند الإنسان،إن قصر فيها تحملها، وإن لم يقصر فيها لا يتحملها، فإذا تعيبت بعدما تعينت، ولم يكن قصور من صاحبها، فإنها تجزئ على أرجح الأقوال، أما إن قصر صاحبها، كأن حملها مالم تحتمل، أو وضعها في برد، أو غير ذلك، فطرأ عليها عيب، أو أنها تغيبت قبل أن تتعين، فلا بد أن يشتري أضحية ثانية، والله أعلم..
أما إن فرت أو ماتت بعد ما عينها ،فله أن يشتري غيرها، ما لم يفرط، بناءً على القاعدة السابقة، فإن وجدها بعدما فرت وكان قد ذبح غيرها فلا شيء عليه..
ويجوز للرجل بعد ما عين أضحيته أن يتحول إلى أخرى أحسن منها، ودليل ذلك ما أخرجه أبو داود وأحمد والدارمي عن جابر رضي الله عنه، أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة، أن أصلي في بيت المقدس، فقال له صلى الله عليه وسلم: {صل ها هنا}، فأعاد عليه، فقال: {صل ها هنا}، فأعاد عليه ثالثة، فقال له صلى الله عليه وسلم: {شأنك إذن}، فالنبي صلى الله عليه وسلم أرشده إلى صلاة أفضل من الصلاة في بيت المقدس، وهي الصلاة في مسجده، لذا جوز العلماء أن ينتقل الإنسان من طاعة إلى طاعة أفضل منها، مثل أن ينتقل من شاة، وإن تعينت إلى شاة أفضل، وفي هذا نفع زائد للفقراء، فإذا جاز الانتقال من الأفضلية فمن باب أولى إن ضاعت جاز البدل عنها، والله أعلم ..

السؤال 212: هل يجزى توزيع المال بدل الأضحية؟
الجواب: البعض يقول المراد بالأضحية التوسعة على الفقراء، لذا الفقراء ليسوا بحاجة إلى لحم فلا بأس لو أعطيناهم مال، وهذا الأمر ليس بصحيح، فإن المراد بالأضحية هو نهر الدم، فنهر الدم شيء مراد مطلوب في الأضحية، لذا فقد فسر غير واحد قوله تعالى: {فصل لربك وانحر}، أن المراد الأضحية.
والأضحية شعيرة من شعائر الإسلام، كصدقة الفطر، فعلى أرجح الأقوال أنه لا يجزى فيها القيمة، ولا بد من الإطعام، فكذلك الأضحية، فلو أننا أدينا صدقة الفطر مالاً، فإنها مع الزمن تتلاشى وتزول، وكذلك الأضحية، وربنا يقول عن الأضحية: {لن ينال الله لحومها ولا دمائها ولكن يناله التقوى منكم}، فهذه علامة تقوى، وأيضاً يقول تعالى: {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}.

السؤال 213: ما هو السن الواجب توفره في الأضاحي؟
الجواب: كل أنواع الأنعام لا بد أن تكون ثنية، أي لها حبتان، والإبل ينبغي أن تبلغ خمس سنوات، والبقر ينبغي أن تبلغ السنتان، والضأن أن تكون قد عاشت أغلب أشهر السنة، يعني سبعة أشهر فأكثر، لكن أبو حنيفة قال: إن بلغت ستة أشهر وكانت سمينة، جاز ذلك، خلافاً لجماهير أهل العلم الذين قالوا أن تعيش أغلب أشهر السنة، أما المعز ينبغي أن يكون قد عاش السنة، وأتمها ودخل في الثانية، ففي صحيح مسلم قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن}، وقال أبو بردة: يا رسول الله إن عندي عناقاً هي أحب إلي من شاتين فتجزئ عني؟ ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {نعم ولن تجزئ عن أحد بعدك}، والعناق هي المعز الصغيرة التي بلغت أربعة أشهر.
وعلامة معرفة بلوغ السن للأضحية تكون من الأسنان من الحبة الثانية من الفم، ولذا يقال عنها الثنية، وقال بعض الفقهاء: من علامات الضأن أن ينام الشعر الذي على ظهره لأن الخروف الصغير يكون شعره واقفاً، فإذا صار جذعاً فإن شعره لا يبقى واقفاً.
وإن كنت لا تستطيع أن تفحص بنفسك، فانظر إلى من يبيعك، فإن رأيته صاحب ديانة وتثق فيه، فتعتمد على خبرته، وإن لم تره كذلك فلا تعتمد على خبره ،واستأنس بأصحاب الديانة ممن يعرفون.

السؤال 214: ماذا يقال عند الذبح؟ وما هو أفضل مكان للذبح؟
الجواب: يقال عند الذبح: ((بسم الله)) وجوباً، و((الله أكبر، هذا منك وإليك)) استحباباً، فالتسمية واجبة، وأن تزيد: الله أكبر هذا منك وإليك مستحب.
أما أفضل مكان لذبح الأضحية، فأحب مكان إلى الله لذبحها هو مصلى العيد، وهذه سنة مهجورة، وقد جاء في صحيح بخاري عن عبدالله بن عمر، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذبح وينحر بالمصلى)) فهذه السنة، وفيها إظهار لهذه الشعيرة ،وفيها تعميم للنفع فيعطى منها الفقراء ويشهد هذه الشعيرة في المصلى النساء والأولاد لأن الواجب إخراجهم إلى صلاة العيد حتى الحيض من النساء وذوات الخدور يخرجن إلى مصلى العيد، ليشهدوا خطبة الإمام، وفي هذا حكمة، ليخرج الجميع إلى مصلى العيد، حيث تقع الأضحية.

السؤا ل215: لو أن رجلاً وكلني بأن أضحي عنه، هل أمسك عن أخذ شيء من ظفري وشعري؟ وورد في بعض الكتب: ((لا يأخذ من بشرته)) كيف يكون ذلك؟ والمرأة إذا أرادت أن تضحي من مالها هل تمسك عن الأخذ؟
الجواب: الذي أراد أن يضحي هو الذي يمسك عن شعره وأظفاره لا المتوكل، والمرأة التي تضحي من مالها هي التي تمسك عن شعرها وأظفارها وليس زوجها.
أما معنى ((لا يأخذ من بشرته)) جلده، ويكون ذلك في صورتين، الصورة الأولى: رجل أسلم، ولم يكن مختوناً، وكان إسلامه في العشر الأوائل من ذي الحجة، وأراد أن يضحي فلا يختتن قبل أن يضحي، والصورة الثانية: أحياناً يكون جلد زائد في العقب، فهذا أيضاً ممنوع الأخذ منه لمن أراد أن يضحي.

السؤال 216: ثبت عن أبي بكر وعمر أنهما كانا أحياناً لا يضحيان، لئلا يظن الناس أنها واجبة، وقال صلى الله عليه وسلم: {من وجد سعة ولم يضحي فلا يقربن مصلانا}، فما الراجح من حيث وجوبها على المستطيع؟
الجواب: الراجح أن الأضحية واجبة على المستطيع، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر من ضحى قبل الوقت أن يعيد أضحيته، وربنا يقول: {فصل لربك وانحر}، ويقول النبي أيضاً: {من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا} وهذا مذهب أبي حنيفة والأوزاعي والليث بن سعد، وابن تيمية، وجمع من المحققين.
وأما فعل أبي بكر وعمر فإنهما لما رأيا الناس يتباهون في الأضاحي كانا يكتمان ولا يظهران، فليس المقصود بالترك الترك بالكلية ،إنما كانا يتركان الإظهار، وأبو بكر وعمر، وغيرهم ممن ذكر عنهم ذلك، هم أقرب الناس للسنة، وأحرص الناس عليها، فهم ما كانوا يظهرون الأضحية فحسب.

السؤال 217: هل زراعة النطفة في رحم امرأة غير الزوجة جائز أم لا؟ وذلك بوضع البويضة المخصبة من الزوجين في رحم امرأة أخرى، ودفع الأجرة لها على حضانة الجنين، فهل يجوز ذلك؟
الجواب: لقد نزلت في حياة المسلمين في سائر ضروب الحياة، نوازل عديدة، في عامل الطب والاقتصاد والسياسة والاجتماع وغير ذلك، وهذه النوازل التي تخص الأمة بالجملة ولا تخص الأفراد، يحسن ويجدر أن يكون فيها اجتهاد جماعي فرأي الجماعة خير من رأي الفرد، وهنالك مجامع فقهية عديدة يجتمع فيها أعلام الفقهاء ويبحثون هذه النوازل.
ومن بين المسائل الطبية التي نزلت في حياة المسلمين اليوم ما يخص الجنين وما يمسى بالتلقيح الاصطناعي، وللتلقيح صور منها الصورة التي يسأل عنها الأخ السائل، هذه الصورة تكون البويضة صالحة ويمكن أن تلقح لكن يكون الرحم إما أن يكون لا يقدر على حمل الجنين وإما أن تكون المرأة لسبب أو لآخر لا ينصح بأن تحمل ووجود هذه البويضة الملقحة قد يودي بحياتها ، وفي بعض الأحايين يكون الرحم قد نزع من المرأة، ففي مثل هذه الصورة يلجأ الأطباء إلى أن تؤخذ البويضة من المرأة وتلقح، ثم تزرع، ويعود زرعها في رحم امرأة أخرى.
والطب اليوم قد تقدم، والطب اليوم قد أصبح تجارة إلا عند من رحم الله، وحصل انفكاك بعيد بين الطب والدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وسمعنا ورأينا أشياء يندى لها الجبين تخص الأطباء من مزاولات غير شريفة لمهنتهم، وفي بعض الأحايين تكون مناقضة للخلق والدين.
وهذه المسألة يسمونها (إجارة الرحم) أو (إجارة الظئر) أو (شتل الجنين) فهذه التسميات لمسألة واحدة، والظئر في اللغة هو أن تحن الناقة على ولد غيرها، فهذه تسمى الظئر، فلذلك سميت إجارة الظئر، لأنه وضع في رحمها بويضة من غيرها.
والعلماء المعاصرون وجل المجامع الفقهية يحرمون هذه الصورة، لاحتمال وجود إفراز بويضة أخرى وتلقيحها واختلاط الأولاد، فلا نعرف صاحب البويضة الحقيقية أو صاحب البويضة المزروعة، والشرع قد حرص كل الحرص على عدم اختلاط الأنساب،والنسب يترتب عليه أحكام كثيرة، من الميراث وغيره، فالمرأة التي تزرع فيها هذه البويضة بالوطء يمكن أن تلقي بويضة أخرى لها وتلد توأم.
وإن لم يقع حمل مع هذا الولد – الناتج من الزراعة- فقد وقع خلاف شديد من أم هذا الولد، هل هي صاحبة البويضة أم التي ولدت؟ فربنا يقول: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم}، ويقول: {إن أمهاتكم إلا اللائي ولدنهم}، ويقول: {وحملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً} فهذه هي التي حملت ووضعت وهي التي ولدت وخرج الولد منها، فالمسألة منعها جل الباحثين، لوجود عسر في العلاقة ولاحتمال وجود الحمل مع النطفة المزروعة.
وقد جوز بعض صور هذه المسألة بعض مشايخنا في هذا العصر وهما الشيخان الجليلان الشيخ ابن عثيمين والشيخ مصطفى الزرقاء، رحمهما الله،فقد جوزا صورة واحدة في هذه المسألة وهي أن تزرع النطفة بعد تلقيحها في رحم الضرة، فرجل عنده زوجتان [إحداهما لا تقدر على الحمل]، فتؤخذ بويضة منها وتزرع في رحم ضرتها، فقالوا : هنا لا يوجد اختلاط أنساب، لأن الولد في الحالتين يبقى لأبيه، لكن في الحقيقة إن حصل حمل في هذه الضرة، فهناك منازعة في الولد لمن يكون؟
والمجمع الفقهي في مكة في سنة 1404هـ، بحث هذه المسألة وقرر اعتماد رأي الشيخين مصطفى الزرقاء وابن عثيمين، ثم في العام الذي يليه 1405هـ، بحث المسألة نفسها وتراجع عن إقراره الأول، وبقي يقول بالحرمة، حتى زرع هذه النطفة في رحم الضرة، وهذا الذي تميل إليه النفس.
والولد ليس هو كل شيء في الحياة بلا شك، والمطلوب من الإنسان أن يصبر، وأن يجأر إلى الله بالدعاء، وبالذكر والاستغفار، والله عز وجل يقول: {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل عليكم السماء مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً}، وجاء رجل إلى الحسن بن علي رضي الله عنه، فقال له: إني فقير، فادعو الله أن يرزقني، فقال: عليك بالاستغفار، وجاءه آخر وقال له: إني عقيم، فادعو الله أن يأتيني الولد، فقال: عليك بالاستغفار، فلما انصرف السائلان سأله التلاميذ: لماذا أجبت الاثنين بهذا؟ فتلى قول الله: {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين}.
وكم من إنسان نبيه عالم له ذكر الآن، وذكره ليس من أبناءه الذين من صلبه، وإنما ذكره من أبناءه الذين من فكره، وابن الفكر عند العقلاء لا يقل عن ابن الصلب، كالإمام الطبري وشيخ الإسلام ابن تيمية، والنووي فهؤلاء لم يتزوجوا، والإمام مسلم لم يولد له ذكر، وهؤلاء كان لهم ذكر، ومن جعل الله له ذكراً بين عباده المؤمنين والصالحين فكفاه ذكراً.
ومن كانت هذه حالها، فليس لها إلا الصبر، وللزوج أن يعدد الزوجات، فهذا من الحلول الشرعية، أما الزرع واستئجار الرحم، فهذا يتنافى مع كرامة الإنسان فكما أن الإنسان لا يجوز أن يبيع شيئاً من أعضاءه، ولا يبيع شيئاً من دمه فكذلك الرحم لا يستأجر وهذا ينافي عموم قول الله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم}، فابن آدم مكرم وهناك شيء مقلق ومزعج في مثل هذه المسائل فكم من امرأة قيل لها هذا ابنك، ويثبت فيما بعد أن الأب لا يوجد ماء حياة في حيوانه المنوي، فلهذا أرى الصبر وبهذا تفتى المجامع الفقهية، والله أعلم..

السؤال 218: إذا أخرج رجل مالاً صدقة للفقراء، وأعطاه لأحد الإخوة ليوزعه على الفقراء، ولكن هذا الأخ أخذه ليتزوج به دون علم صاحب المال الأصلي، فما حكم الذي تزوج بالمال؟
الجواب: الذي أراه صواباً إن كان يعلم الآخذ أن المعطي أعطاه لفقره ،وقامت القرائن على أنه فقير وأراد ألا يحرجه وأراد أن يعطيه، فقال له: هذه للفقراء تصرف فيها كما شئت، وقامت القرائن على علم المعطي بفقره، وأن المبلغ المعطى ليس فيه وكالة فأخذه فلا أرى حرجاً في هذا.
أما رجل أعطى آخر، والمعطي لا يعلم أن هذا فقير، والآخذ يعلم فقره، فلا يجوز له أن يأخذ إلا بإذن المعطي، لأن الوكيل يتصرف تصرف الأصيل، ولا يجوز له أن يخرج عن تصرف الأصيل، إلا بإذن منه، لا سيما إن قامت القرائن على أن هذا المال ليس له كمن يعطي آخر مبلغ خمسة آلاف دينار، ويقول له: هذه زكاة مالي، تصرف فيها، فهذا قطعاً لا يعطيه الخمسة آلاف دينار، لأن هذا الغني إذا أراد أن يعطي هذا الفقير بعينه فهو لا يعطيه هذا المبلغ ويعطيه شيء قليل، فإن كان يعلم في مثل هذه الصورة أنه فقير، وأنه أعطاه لديانته، فله أن يأخذ له بمقدار ما يعطي غيره.
ويجوز دفع الزكاة من أجل الزواج لأن المال في أيدي الناس من أجل قضاء الحوائج الأصلية، ومنها الزواج، لكن مثل هذا السائل إن كان أعطي هذا المال وهو يعلم أن المعطي لا يعلم فقره فعليه أن يستأذنه لأنه وكيل ولا يتصرف إلا على مراد الموكل الأصيل، والله أعلم.

السؤال 219: ما حكم تعليق الملصقات والبراويز التي تتضمن آيات قرآنية؟
الجواب: كثير من الناس يهجر القرآن وللهجر أشكال وضروب فمن لم يقرأ القرآن هجره بعينه ومن لم يسمعه هجره بأذنه، ومن قرأه أو سمعه ولم يتدبره، فقد هجره بقلبه، ومن سمعه وقرأه وتدبره ولم يعمل به، فقد هجره بأركانه.
وإذا رأيتم الإنسان اعتنى بالظاهر عناية زائدة، فإن في هذا دلالة ظاهرة على خراب الباطن، فكثير من الناس القرآن عنده يعلقه في السيارة يظن أن هذا المصحف يحميه، وهو لا يقرأه ولا يعمل به، وكثير من الناس يهجر القرآن، ويجعل القرآن زينة في بيته يزين به جدران البيت، والقرآن أنزل لنزين به جدران قلوبنا، ولكي تظهر ثمرته وبركته على جوارحنا، وما أنزل الله القرآن ليتخذ مناظر على الجدران فهذا نوع من الإهانة للقرآن الكريم، ورضي الله عن أبي الدرداء فإنه كان يقول: (إذا حليتم مصاحيفكم وزخرفتم مساجيدكم فالدمار عليكم) ومعنى المساجد أن تزخرف يعني أنها تعطلت مهمتها ، فمن وصايا السلف أن الإنسان المهموم يدخل المسجد لأنه لما يدخل المسجد ليجد بيتاً متواضعاً فيقول: لماذا أنا مهموم وهذه الدنيا ماذا تساوي إن كان بيت الله هكذا؟ فهذا يزيل عنه الغم، أما اليوم فزخرفة المساجد أصبح فيها مضاهاة للنصارى، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أننا سنحمرها ونصفرها ونزخرفها، وهذا شرط من أشراط الساعة.
فالأصل في المصاحف ألا تزين ، والأصل في البيوت أن تبقى على ما هي عليه، وما أنزل الله القرآن لتزيين الجدران بالآيات ، فاعتن بالقرآن العناية الشرعية واقبل عليه واقرأه قراءة صحيحة، بأحكام التلاوة، والتدبر، ثم إياك أن تهجر جوارحك القرآن وأحكامه فاعمل به، هذا هو المطلوب..

السؤال 220: ما حكم القنوت في صلاة الفجر ؟ وما معنى {وقوموا لله قانتين}؟
الجواب: معنى {قوموا لله قانتين}، أي أطيلوا القيام بين يديه وليس معناه أقنتوا في الصلاة، ومصداق ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {أحب الصلاة إلى الله طول القنوت}، أي طول القيام، ولم يقل أحد المفسرين لا السابقين ولا اللاحقين ولن يقول بهذا أحد إلى يوم الدين بأن القنوت الوارد في الآية معناه أقنتوا في صلاتكم.
أما حكم القنوت في صلاة الفجر فمسألة وقع فيها خلاف بين الفقهاء، ومذهب الجماهير سلفاً وخلفاً، عدم مشروعية تخصيص القنوت في صلاة الفجر، فهذا مذهب الإمام أبي حنيفة ومالك وأحمد، وأما مذهب الشافعية فإنهم يقولون بالقنوت في صلاة الفجر، ويعتمدون على حديث أنس أخرجه بعض أصحاب السنن وفيه: {ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الفجر حتى فارق الحياة}، والحمد لله أن هذا الحديث عن أنس وقد ثبت في الصحيحين، البخاري ومسلم، أصحا كتابين بعد القرآن الكريم، ففيهما من حديث أنس أيضاً: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم ترك}، وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الفجر والمغرب وثبت في مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء.
فالقنوت هو للنازلة، فمتى نزلت بالأمة نازلة، يقنت في الصلوات الخمس وليس في الفجر فقط، ويقنت كما قنت النبي صلى الله عليه وسلم، كان يدعو لأقوام ويدعو على أقوام، دون قوله: {اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت.......إلخ}، فهذا خاص بالوتر.
فالحديث الذي اعتمد عليه الشافعية عن أنس يناقض حديث أنس الذي في الصحيحين فالحديث الذي استدل به الشافعية عن أنس: {ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الحياة}، فيه راوٍ اسمه أبو جعفر الرازي غمز فيه ابن معين فالحديث ضعيف.
قد يقول قائل الآن: الأمة ما أكثر النوازل فيها، نقول: نقنت لكن لا نخص الفجر بالقنوت ولا نخص القنوت بصيغة {اللهم اهدني فيمن هديت.....} الخاصة بالوتر.
أما بالنسبة لقنوت الوتر ، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت ويترك، وخير الهدي هديه، وكان في قنوت الوتر يقنت قبل الركوع لا بعده، وكان يقول : {اللهم اهدني فيمن هديت...تباركت ربنا وتعاليت}، دون الزيادة عليه، أما في النصف الثاني من رمضان فكان يداوم صلى الله عليه وسلم في الوتر على القنوت، وكان الناس في زمن عمر كما في صحيح ابن خزيمة، كانوا يلعنون الكفرة، في النصف الثاني من رمضان ،فلو زيد على دعاء القنوت في النصف الثاني من رمضان مع الدوام عليه فلا حرج، ولو نقل أيضاً من النصف الثاني من رمضان من قبل الركوع إلى بعد الركوع فلا حرج، إن شاء الله ....

السؤال 221: هل يجوز تخفيف الشارب بالماكنة كثيراً؟
الجواب: ورد في الشارب أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: {جزوا الشارب}، ومنها: {قصوا الشارب}، ومنها: {أنهكوا الشارب}، وأشدها الإنهاك وحلق الشارب لا يجوز، وحلقه في الشرع أشد من حلق اللحية، لذا قال الإمام مالك: (حلق الشارب مُثْلَة يعزر فاعله)، أي يضرب ويهان، وفيه تشبه بالنساء.
أما تخفيف الشارب كثيراً فجائز، بل هو السنة، لقوله صلى الله عليه وسلم: {أنهكوا الشارب}، ومعناه: خذوه أخذاً شديداً، حتى لو أن البشرة ظهرت منه بعد الأخذ، لكان حسناً، فأخذه بالماكنة لا حرج؛ لأن فيه امتثال لأمره صلى الله عليه وسلم.

السؤال 222: اشتريت سيارة من رجل اشتراها من البنك وسأسد أنا المتبقي من ثمنها، وعندي مال بحيث لا أتأخر عن موعد القسط، فهل هذا مشروع أم لا؟
الجواب: هذا الأخ يقول: أنا اتفقت مع البائع وما اشتريت من البنك، وأسد البنك، وسأدفع كل شهر مبلغاً، وأنا أملك هذا المبلغ، وأضعه على جنب، حتى لا أقع في الربا، فاحتمال أن يترتب علي ربا غير وارد أبداً، لأني أدفع على رأس كل شهر المبلغ المطلوب، فأين الحرمة؟ نقول له: المعاملة حرام ونلفت النظر إلى أمرين مهمين:
الأمر الأول: أرأيتم لو أن رجلاً أراد أن يأخذ قرضاً ربوياً، لكن امتنع من أجل الربا، فقال له رجل آخر أنا آخذ القرض لك وأتحمل الربا عنك، هل يصبح هذا القرض حلالاً؟ لا، فإن تحمل البائع الأول للربا لا يجعله حلالاً.
والأمر الثاني الهام في العقد: أن الرضا بالربا حرام، وإن لم يقع الربا، فهذا الرجل لما يتفق مع البنك سيتفق مع البنك بتوقيع عقد ربوي، فيرضى بالربا وإن لم يقع الربا، أما الحلال في هذه الصورة هو أن نخرج البنك من هذه العملية، فنسد البنك ونخرجه، ويسد البائع المشتري البائع على وفق القاعدة الشرعية لا الربوية، وهي قوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة}، وما عدا ذلك، ما دام البنك موجوداً فلا بد أن يقع الإثم، وإن لم يقع الربا وذلك بالرضى بالربا، والله أعلم...

السؤال 223: هل يجوز استعارة الكتب، التي هي وقف، من المسجد وإخراجها لمدة طويلة؟
الجواب: كتب الوقف التي في المسجد فلا تخرج من المسجد إلا بإذن الواقف، فإن كان الواقف قد أذن لم أراد أن ينظر فيها أن يخرجها، بشرط أن تعود للمسجد، ويحرم على الرجل أن يبقيها عنده.
ولا يلزم من عدم قيام الحد في مثل هذه الأشياء أنها حلال فمن سرق من المسجد فلا يقام عليه الحد لكنه آثم وفعله حرام، والله أعلم....

السؤال 224: هل في قوله تعالى: {اصطفى البنات على البنين} دليل على أن الشرع أكرم الذكور زيادة على الإناث؟
الجواب: لا يوجد دليل على أن الرجل بجنسه مكرم على المرأة بجنسها، وإنما كما قال الله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، أما الآية {اصطفى البنات على البنين}، فيها إشارة على أن العرب كانوا يفضلون بطباعهم الذكر على الأنثى، ومع هذا التفضيل فإنهم نسبوا الملائكة إلى الله، وجعلوا الملائكة بنات الله، فالله عز وجل عاتبهم، فأنتم تنسبون إلى ربكم الشيء المفضول على حد زعمكم، وهذا فيه إنكار وليس فيه إقرار، وإلا فقد ثبت في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنما النساء شقائق الرجال}، فالمرأة الصالحة أفضل من الرجل الصالح.
وقال بعض السلف في تفسير قوله تعالى: {يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً}، قال غير واحد من السلف: (من يمن المرأة وبركتها أن تبدأ بما بدأ به الله، وهذا كلام صحيح، فمن اليسر على الرجل أن يرزق البنت قبل الولد، لأسباب: أولاً تعين وتساعد الأم في وقت قصير، ثم إن رزق الرجل البنت قبل الولد، فإن طاعة البنت لوالديها أكثر، ومشاكستها وشراستها أقل من مشكاسة وشراسة الولد، فلما يرى الولد من قبله خاضع لوالديه فإنه يمتثل ويسير بسيرهما، أما البنت لما ترى مشاكسة الأولاد قبلها فإنها تشاكس مثلهم، لذا من يمن المرأة وبركتها أن تبدأ بالأنثى قبل الذكر كما قال الله تعالى.

السؤال 225: نرجو أن تذكر لنا بعض الكتب النافعة والمفيدة في الفقه وأصول الفقه؟
الجواب: كتب الفقه وأصول الفقه كثيرة، وأنا أحب من كتب الفقه الكتب المدللة، التي فيها الدليل وأنصح بكتب مجموعة من الأئمة من الأقدمين، منهم البيهقي وأرى أنه عرض الفقه في كتابه "السنن الصغير" عرضاً يوافق الدليل وعرضاً قوياً جداً والبيهقي مؤلفاته متكاملة، واقتصر في كتابه "السنن الصغير" على الراجح مع الدليل، وأسلوبه ناعم، بعيد عن المشاكسات والكلمات التي فيها ردود قوية.
وأنصح بقراءة كتب ابن المنذر وأرى أن ابن المنذر جميع الأمة عالة عليه ممن جاء بعده، على كتابه الأوسط، فالخلاف الطويل الذي يذكر في كتاب الفقه المقارن، مثل "المجموع" للنووي و"المغني" لابن قدامة، و"المحلى" لابن حزم، وماشابه فهذا كله أصله من ابن المنذر وابن عبدالبر، ولو أن كتاب"الأوسط" لابن المنذر، نجا وسلم لنا لكان عندي هو كتاب الإسلام بعد الكتاب والسنة، قال الإمام العز بن عبدالسلام: (لم تطب نفسي بالفتوى حتى اقتنيت "المغني" و"المحلى") وقال الذهبي في ترجمة ابن عبدالبر في "السير" بعد أن ذكر قول العز بن عبدالسلام، قال: (قلت: من اقتنى "المغني" و"المحلى" و"السنن الكبير"للبيهقي، و"التمهيد" لابن عبدالبر، وأدمن النظر فيها فهو العالم حقاً) وهذه شهادة الذهبي وهو أعلم الناس بالرجال، فأنا أرى قراءة كتب البيهقي، وابن المنذر وابن عبد البر، لا سيما "التمهيد"، فهو من الكتب العالية والغالية، وهو من الكتب الرائعة، وأنصح بقراءة كتب ابن تيمية، وابن القيم، فهؤلاء الخمسة أنصح بقراءة كتبهم قراءة جيدة، وكتب الإمام النووي أيضاً جيدة لا سيما الشروح الحديثية، فشرح صحيح مسلم فيه فوائد فقهية جيدة، قريبة من الدليل، وهذه الكتب تنفع المتقدمين من الطلبة.
أما المبتدئ فيبدأ بقراءة فقه السنة مع تمام المنة، فهذا جيد، فإن حصل في غير الفقه شيئاً وأراد أن يحصل شيئاً في الفقه، فليقرأ "سبل السلام" أو "نيل الأوطار" أو "شرح عمدة الأحكام" وما شابه، ويبقى مع فقه الدليل، فإن أراد أن يتوسع فلا بد من أن يقرأ "المغني" و"المحلى" و"المجموع".
أما كتب الأصول فهي مليئة بعلم الكلام والفلسفة، وفيها شيء كثير من غير الأصول؛ فقد ألف بعض أصحابنا المكيين رسالة نال بها العالمية [الدكتوراة] سماها: "ما ليس من الأصول في كتب الأصول" وكتب الأصول القديمة صعبة، كـ"المحصول" و"المستصفى"، وكتب الأصول المهمة التي ينبغي لطالب العلم أن ينظر فيها "إعلام الموقعين" لابن القيم، وهو كتاب عجيب غريب وحدثني الشيخ بكر أبو زيد قال: سمعت الشيخ عبدالعزيز بن باز يقول: (كتاب الإسلام "إعلام الموقعين" ومن قرأه يعجب من ذهن وعقلية صاحبه، وكتاب "الإحكام" من الكتب المهمة، ومن الكتب المهمة"الاعتصام" فيه ذكر لما يخص السنة والبدعة، وكتاب "الموافقات" الذي فيه ما يغطي مسألة المقاصد وهذه ينبغي أن ينظر فيها الطالب في الختام لذا قال الشافعي في مقدمة كتابه "الموافقات": (لا آذن لأحد أن ينظر في كتابي هذا إلا أن يكون شبعان ريان من علم الشريعة).
ومن المعاصرين أرى كتاب "المذكرة" له وجهان: وجه يطل على الأقدمين، والآخر يطل على المحدثين، وقد أبدع وأحسن وحرر ويسر صاحبه مباحث أصول الفقه، والله الموفق للصواب.

السؤال 226: هل ما يتوارد على ألسنة الناس أن رجلان قدما من الشام، فأخبر أحدهما عن الصلاح الموجود فيها، والآخر عن الفساد، دلالة عن رغبة كل رجل، هل هذا الأثر صحيح وله أصل أم لا؟
الجواب:تعبت في البحث عنه، فلم أجد له أصلاً، رغم أن كثير من العوام يتناقلوه، ولا أظنه إلا أنه مكذوب ويحرم على الرجل أن يقوله حتى يتيقن من أن النبي قد قاله،وهو جزماً، ليس موجوداً في الكتب المشهورة، كالكتب التسعة وغير موجود أيضاً، في المعاجم المشهورة، ولا المسانيد المشهورة، وقد مر بالأحاديث الغريبة في بطون كتب الأدب والتاريخ فلم أظفر به، مع أن هذه الكتب هي فطنة الأحاديث الغريبة، ولا أظنه إلا مكذوباً، والله أعلم...

السؤال 227: أي الكتب التي تنصحون بقرائتها في السيرة النبوية؟
الجواب: السيرة النبوية مهمة، وللآن الكتابة فيها ضعيفة، ولا سيما الدراسة التحليلية، فضلاً عن الدراسة النصية، التي تبين الصحيح من غيره.
ومن أجود الكتب التي أنصح بقرائتها في السيرة النبوية كتاب "السيرة النبوية" للإمام الذهبي، وهو عبارة عن مقدمة لتاريخ الإسلام، وقد طبع في الستينات من هذا القرن، والذهبي إمام حاذق محدث يعتني بالصحيح، كيف لا وهو القائل: (وأي خير في حديث اختلط صحيحه بواهيه وأنت لا تفليه ولا تبحث عن ناقليه).
ومن كتب السيرة النبوية الجيدة كتاب "السيرة النبوية" لابن كثير، فهو محرر وهو بالجملة جيد، ويغلب عليه الصحة، ولقد اشتغل به شيخنا قبل وفاته ويا ليته أتمه، فقد مات قبل أن يتمه.
أما المعاصرون فأنصح بكتابين أيضاً؛ كتاب "صحيح السيرة النبوية" لمحمد بن رزق الطرهوني المقيم في المدينة النبوية، وقد طبع منه للآن مجلدين، ووصل فيه إلى الهجرة، ولم يتمه بعد، والكتاب الثاني "السيرة النبوية الصحيحة" للشيخ الدكتور أكرم ضياء العمري، وهو كتاب جيد اعتنى عناية جيدة بالآيات فأخذ من القرآن ما يخص السيرة، وذكر أشياء من السنة والكتاب عليه بعض الملحوظات لكنه بالجملة من أجود ما كتب في الباب، والله الموفق.

السؤال 228: ما صحة الأحاديث التالية: {من تتبع عورات الناس تتبع الله عورته}، و{حق الأخ الأكبر على الأخ الأصغر كحق الوالد على ولده}، و{كن مع الله ولا تبالي}؟
الجواب: أما {كن مع الله ولا تبالي}، فهذه حكمة دارجة على ألسنة الناس وليست بحديث مرفوع و لا يجوز نسبتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أما {من تتبع عورات الناس تتبع الله عورته}، فهذا صحيح لغيره وفي هذا الحديث تهديد ووعيد، لمن تتبع ونقصد أن يعلم عورات الناس، فإياك أخي الحبيب أن تنشغل بهذا، اجعل الناس على العافية، واجعل الناس على ستر الله لهم، واترك تتبع عوراتهم، فإن فعلت فإن الله سيعاملك جزاءاً وفاقاً لما قمت به، فإن الله قد تكفل بأن يظهر عوراتك، وكم من إنسان ذكي، وطالب علم بدت عليه في البدايات علامات وأمارات البلوغ لكنه انقطع في الطريق لما بدأ ينشغل بعورات العلماء وطلبة العلم، ففضحه الله عز وجل على رؤوس الأشهاد، وأصبح إن ذكر لا يذكر إلا بسوء وشر.
وأما قوله: {حق الأخ الأكبر على الأخ الأصغر كحق الوالد على ولده}، فهذا حديث ضعيف رواه أبو نعيم في "أخبار أصبهان 1\ 122" عن أبي هريرة رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناده مظلم فيه محمد بن مشكان والساءب النكري وهما لا يعرفان ثم وجدته في مراسيل أبي داود، عن سعيد بن عمرو رفعه ولم تثبت له صحبة، فالحديث له طريقان: طريق إسناده مظلم وطريق آخر مرسل، ولا يحسن الحديث بمثل هذين الطريقين، فهو ضعيف، ويغني عنه قوله صلى الله عليه وسلم: {ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه}، فالأخ الكبير ينبغي أن يحترم من باب التوقير.

السؤال 229: سمعنا أن ابن القيم يقول: (إن لم يخطر على بال المسلم شيء مهم، أن يصلي لله ركعتين فإن الشيطان يذكره به لانشغاله عن الصلاة) فما رأيكم؟
الجواب: لا أعرف هذه الصلاة، وهذا السبب لهذه الصلاة، وأنا في شك من نقل هذا الكلام عن ابن القيم.
وهنالك قصة ذكرها الكردلي وغيره في مناقب أبي حنيفة: أن رجلاً دفن مالاً وضيعه فلما سأل الناس قالوا له جوابك عند أبي حنيفة فإنه رجل عاقل وذكي وصالح، اسأله فعنده الجواب، فجاء إلى أبي حنيفة، وقال له: يا إمام لقد دفنت مالاً وضيعت مكانه فما هو علاج ذلك؟ فقال له أبو حنيفة رحمه الله: استيقظ في آخر الليل قم وتوضأ وصل ركعتين، فخرج ولم يعجبه الجواب، وقال: سبحان الله تقولون إن أبا حنيفة من أعلم الناس وأقول له إني ضيعت مالاً ويقول لي قم وصل ركعتين، فاستحقر جوابه ولم يعتبره.
فلما جن الليل وأخذه الأرق ولأن المال عزيز، فقام وقال: ما ندري لعل أبا حنيفة يريد شيئاً، فقام وتوضأ وصلى، وهو في صلاته جاءه الخاطر في المكان الذي دفن المال فيه، فما تركه الشيطان فذكره بمكان ماله.
أما من نسي شيئاً أن يصلي فما نستطيع أن نقول هذا حكم شرعي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أهمه أمر فزع إلى الصلاة سأل الله عز وجل.
لكن هناك نصيحة غالية يعرفها من تعددت عليه شرائع الخير، يقول فيها الإمام ابن القيم: (إن كان لك ورد وعادة في الخير، فجاءك خاطر ليصرفك عن ورودك هذا، فاحفظ هذا الخاطر وابق في وردك ولا تتزحزح عنه، وبعد أن تفرغ من وردك افعل ذلك الخاطر، فإنك إن فعلت هذا مرات قليلة فإن هذا الخاطر لا يعود إليك لأنه من الشيطان) فالشيطان في بعض الأحايين مطمعه في بعض الناس لا سيما طالب العلم ألا يصده بداية، ولكن يشوش عليه، فإن أراد أن يقرأ القرآن يقول له: عندك دروس أو تحصيل فإن قرأ في العلم يقول له: القرآن، فإن جلس يقرأ يقول له: صلة الرحم، حقوق الوالدين، ويريد أن يظل يشوش عليه ويشغله عما هو فيه من خير، لذا إخواني هذه نصيحة غالية قررها الإمام الشاطبي في كتابه "الاعتصام" وما أروعها، وينبغي أن تكون قاعدة ودستوراً لكل طالب خير، وعلى هذا جرى السلف الصالح، فما عرف عن أحد السلف الصالح إن أخذ خصلة خير أن يتركها حتى الممات، فإن فتحت على نفسك باب خير فالزمه، وإياك أن تتركه، فقد ذم السلف كثرة التنقل والتحول، فقد كان أحد السلف إن فعل خصلة خير يبقى عليها، وبعد حين يفعل خصلة خير أخرى، وبعد حين أخرى، وهكذا، حتى أن علماء التراجم قالوا في ترجمة غير واحد من السلف: لو قيل له إنك ستموت غداً، ما استطاع أن يزيد شيئاً في الخير الذي كان يفعله، وما عرف نقيض هذا إلا عن ابن عمر، فإنه كان على حماس في قيام ثم ترك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {نعم ابن عمر، إلا أنه كان يقوم الليل وتركه}، فلما سمع هذا الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان ينام إلا أخذات يسيرة في الليل وبقي حريصاً على ما هو عليه.
واليوم كثير من طلبة العلم يكثرون التحول والتنقل، وليس هذا من هدي السلف الصالح، فمن هدي الموفق إن بدأ بخير يبقى عليه، من قيام ليل أو صيام أو حضور درس، أو تدريس أو صلة رحم، أو إحسان لفقير أو عطف على كبير فيبقى عليها حتى الممات، وهذه خبيئة للإنسان وقد صح عن عبدالله بن الزبير أنه كان يقول: ((ليكن لأحدكم خبيئة، بينه وبين ربه، فإن ألم به شيء سأل الله بخبيئته هذه)).
وكان للسلف الصالح يكون لأحدهم خبيئة لا يعرفها أحد، حتى أقرب الناس إليه، والفرق بيننا وبين سلفنا أن أفعالهم أبلغ من أقوالهم، وأقوالنا أبلغ من أفعالنا، وأن بواطنهم خير من ظواهرهم، وأما نحن فظواهرنا خير من بواطننا، نسأل الله أن يستر علينا، وأن يرحمنا، وأن يجعل أفعالنا أبلغ وأحسن من أقوالنا، وأن يجعل بواطننا أطهر من ظواهرنا.

السؤال 230: ما حكم زواج المتعة؟
الجواب: زواج المتعة لا نظير له في الشرع، وليس بمشروع وهو زنا، والحمدلله الذي صح عند البخاري، ثم الحمد لله، ثم الحمد لله، ثم الحمد لله أن صحابي الحديث علي: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم نكاح المتعة)).
وقد ركب الله الشهوة في الإنسان من أجل الولد، فإذا وقع التواطؤ مسبقاً بين الرجل والمرأة على مصادرة هذا الولد فهذا نكاح غير شرعي، فنكاح المتعة فيه موطئة على مصادرة الولد، فالزواج مقصد أصلي ومقاصد تبعية، فالمقصد الأصلي الولد، والمقاصد التبعية كثيرة أجملها الله بقوله: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}، فاللباس يقي والزوجة تقي واللباس يجمل والزوجة تجمل، والحكم الشرعي يتعلق بالمقصد الأصلي وليس المقاصد التبعية، فمتى حصل تواطؤ على مصادرة الولد فهذا الاتصال واللقاء بين الرجل والمرأة غير شرعي، وكما قرر الإمام الشاطبي في "الموافقات" لو لم يرد نص على حرمة المتعة فعلى المقاصد الشرعية وعلى نظائر المسألة يكون هذا النكاح غير شرعي.
والرافضة يجوزون نكاح المتعة وبعضهم يقول: هو جائز بين الشيعي والسنية أما بينهم فيحرمه. وقد ألف غير واحد من علمائنا الأقدمين وكتبت غير دراسة وهي دراسات جيدة في تقرير حرمة نكاح المتعة.

السؤال 231: ما حكم شراء البضائع من الجمعيات والنقابات وذلك بأخذ بطاقة في الشيء الذي يراد شرائه، واستلامه من محلات معينة، والدفع لهذه الجمعيات والنقابات بالتقسيط؟
الجواب: هذه الجمعيات أو النقابات تقوم بإعطاء ورقة بالشيء الذي يريد الشخص شرائه، فيستلمها هو من التاجر ويخصم عليه مبلغ كل شهر، وبلا شك أن الجهة التي رتبت هذا الأمر تزيد على السعر الذي يكون لو أنه اشتراها من التاجر مباشرة بالنقد.
ولا فرق عندي بين أن تأخذ مئتي دينار من هذه الجمعية أو النقابة، ثم تسدها إليهم مئتين وخمسون ديناراً وبين أن تأخذ الثلاجة من التاجر التي قيمتها مئتي دينار، ويقتطع منك مبلغ مئتين وخمسون ديناراً بل إن أخذك مئتي دينار وردها مئتين وخمسين ربا على الأرض، وأخذك للثلاجة بقيمة مئتين وخمسين ديناراً وثمنها مئتي دينار ربا على السلالم، والربا على الأرض أحسن من الربا على السلالم.
والسلعة في هذه المسألة كالتيس المستعار في الزواج فهو يطأ ويوجد عقد ورضا ولي أمر، لكن الأحكام الفقهية الشرعية لا تعلق بالشكل، وإنما تعلق بالحقيقة والمضمون.
وهذه الصورة ربا، والبائع لا يملك السلعة التي باعك إياها، ولا يغرمها، ولا يتعرض لأن يخسرها، فأنت تلجأ إليه ليس لأنه صانع أو بائع، إنما تلجأ إليه لأن عنده مال، ويملك ثمن السلعة الموجودة في المعرض، فهذا تحايل جلي غير خفي على الربا، وهذه معاملة غير جائزة، وحتى تكون جائزة، الجمعية أو النقابة تشتري هذه السلع وتقتنيها ثم أنت تشتري منها، والله أعلم.

السؤال 233: هل يجوز الفحص الطبي قبل الزواج؟
الجواب: كانت الحياة يسيرة وكان الصدق في العصر الأول الأنور هو الأصل، ولم يكن عندهم كتمان وإخفاء في العيوب، فلذا لما طلب النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة، فقالت أم سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا رسول الله إني امرأة غيرة، وذات عيال، وكبيرة لا ألد))، فبينت عيوبها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: {أما أنا فأكبر منك، وأما الغيرة فأدعو الله عز وجل أن يذهبها، وأما العيال فلله ورسوله}، فالشاهد من القصة أن أم سلمة ذكرت عيوبها وكان العصر آنذاك عصر صدق ولم يكن الطب قد تقدم.
وأن يتزوج الرجل المرأة لدينها وإلا يدقق هذه التدقيقات، بناءاً على حسن المتوكل، وحسن الظن بالله، واقتداءاً بما كان عليه الأولون فهذا حسن، لكن لو أراد يعمل الفحص لا سيما عند وجود أمارات وإشارات وقرائن على أمراض وراثية فلو فعل فلا أرى في هذا حرج لكن الحرج الذي أراه أن يجعل هذا الفحص لازماً كما قد سن في بعض القوانين.
ومع وجود الحرج لو ظهر عيب فهذا لا يمنع إن أراد الزوج أن يتغاضى عنه ،ويقبل الزوجة، هذا لا يمنع من الزواج إذا عرفه الرجل وتحمله، أو عرفته المرأة وتحملته.
وإن وقع هذا الفحص فينبغي أن يكون من جهة أمينة، تحفظ أسرار الناس ولا تبوح بها، ويقع هذا عند وجود أمراض وراثية عند عوامل معينة، تظهر بكثرة، فلو أراد الإنسان أن يحتاط فلا حرج في هذا، لا سيما أن الشرع قد حث على أن يكون الولد قوياً سليماً معافى صحيحاً، والولد من مقاصد الزواج، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {تناكحوا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة}.
فإن قيل إن في هذا الحديث اعتراض على قدر الله قلنا: لا؛ فهذا كما قال عمر: ((نفر من قدر الله إلى قدر الله)) وليس في هذا اعتراض لكن المهم أن لا يكون هذا على وجه الإلزام، ويكون عند وجود الأمارات وتعليق القلب بالرب والتوكل عليه خير، والله أعلم...

السؤال 234: كيف نعرف الكتب المطبوعة؟
الجواب: هذا يحتاج إلى معرفة الفهارس، كثرة الترداد إلى المكتبات والصلة بالعلماء والمحققين، والنظر في الكتب التي اختصت في هذا الباب، مثل: "ذخائر التراث العربي" لعبدالجبار عبد الرحمن، ذكر فيه الكتب المطبوعة، وتبنت جماعة الدول العربية من قبل أكثر من عشر سنوات أن تجمع جميع الكتب التي في العالم باللغة العربية، وأوكلت في كل بلد هذه المهمة لرجل أن يجمع الكتب التي طبعت في بلده، لكن لا أدري هل هذا مشروع ينجح أم لا؟ ونرجو الله أن يظهر، فحصر المطبوع من الأمور المهمة، و لكولكيس عواد النصراني العراقي كتاب جيد في معجم المطبوعات العربية، وله كتاب آخر في الكتب التي طبعت في الغرب.
ومعرفة الكتب المطبوعة تحتاج إلى خبرة وصلة قوية بالكتب، وتحتاج إلى حب الكتاب، فبعض الناس يضربون أمثلة عجيبة في حبهم للكتب، فيوجد بعض الناس عندهم من مكتبات طوابق عديدة، وحدثوني عن رجل في إيران أن جل "كشف الظنون" عنده، ويقولون إن له بيت طوابق متعددة كلها كتب، حتى المطبخ فيه رفوف للكتب.
فحب الكتب داء نسأل الله عز وجل أن يصيب طلبة العلم، فحب الكتب ومتابعتها ومعرفة المطبوع منها هذا من علامات الفلاح، لذا أحسن من قال:

ألا يا مستعير الكتب دعني فإن إعارة للكتب عار


فمحبوبي بذي الدنيا كتابي وهل يا صاح محبوب يعار


السؤال 235: كيف يتحرر العبد من حق أخيه المسلم ولو كان بعرضه؟
الجواب: يطلب المسامحة، لا سيما إن علم أن الذي آذاه حليم وصاحب خلق، ويعامل الناس بالفضل لا بالعدل، فإن علم منه خلاف ذلك، يكثر من الدعاء له، فقد أخرج أبو الشيخ في "التوبيخ والتنبيه" عن غير واحد من السلف: (كفارة من اغتبته أن تدعو له)، فمن اغتبته وتكلمت فيه وأخذت من عرضه فادع له، وأن تطلب المسامحة أمر حسن، والله أعلم....

السؤال 236: ما هو حكم استخدام موانع الحمل، كاللولب وحبوب منع الحمل، وهل هذا مشروع في حالة الضرورة؟
الجواب: الأصل، كما قلنا أكثر من مرة، من الزواج الولد، فالعجب من الناس يشبعون من الأولاد ولا يشبعون من الأموال، وربنا يقول: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا}، وللألوسي في تفسيره لطيفة عند هذه الآية يقول: ((الشيء الذي يزين الذي إن عرف على حقيقته لا ينفق))، فالدنيا لو علمها الناس على حقيقتها لما نفقت ولما أقبل عليها أحد،فزينها الله بالمال والبنون، فزينة هذه الحياة المال والبنون.
والعبرة بتنظيم النسل بالوسيلة، أما تحديد النسل فحرام، فأن تتخذ الدولة قراراً ألا يكون للرجل إلا ولداً أو ولدين مثلاً، كما هو حاصل في الصين، فهذا التحديد غير مشروع.
أما التنظيم فينظر فيه، فكلما اشتدت الحاجة والضوروة بالمرأة توسعنا بالوسيلة، واليوم؛ للأسف، فقد النساء الحياء، وفقد الرجال الغيرة، لذا نرى التبرج وقلة الحياء في المجتمعات، ولا حول ولا قوة إلا بالله، واليوم من السهولة بمكان أن يأخذ الرجل زوجته للطبيب وقد يكون نصرانياً، ويرى العورة ويفحصها من أجل أمور تافهة، ويوجد أشياء في البيت لو أخذتها المرأة لزال ما تشكو منه، لذا أنصح من يعرف بالطب الشعبي، والطب النبوي خصوصاً، أن يكتب كتاباً في البدائل الشرعية اليسيرة للمرأة في بيتها حتى لا تحتك بالرجال، فيوجد في المطبخ في كثير من الأحايين صيدلية، تستطيع المرأة في كثير من الحالات أن تقتصر عليها، وألا تخرج من بيتها.
فأقول: لقد أصبح لأتفه الأسباب أن تكشف المرأة عورتها الغليظة على الرجال، أو على النساء، وهذا أمر لا يجوز، فامرأة لا تشكو من شيء لا يجوز لها أن تكشف عورتها على امرأة مثلها لتركيب اللولب، ويجب على الرجل والمرأة أن يحفظ كل منهما عورته، ولا يجوز أن تذهب للطبيب من غير ضرورة.
والتنظيم كان قديماً بالعزل، ومع هذا العزل فيه كراهة، فقد ثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أنه قال: ((كنا نعزل والقرآن ينزل)) والعزل لا يكون عن الحرة إلا بإذنها؛ لأن لها حقاً بالتمتع بالزوج كما للزوج حق كذلك، أما الأمة فلا تستأذن، فيعزل عنها بغير إذنها، وقد ثبت في مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العزل، فقال: {تلك الموؤدة الصغرى}، وهذا يدلل على أن العزل مكروه، إعمالاً للأدلة كلها.
والموانع الموجودة اليوم مثل الحبوب فيها مضار، ومن مضارها تشنجات عصبية، وبعضاً منها يسبب العقم، فلا أنصح بأخذها إلا عند الضرورة، وكلما اشتدت الضرورة توسعنا، حتى لو قرر الطبيب المسلم الذي يتقي الله، لو قرر أن المرأة إن حملت فإن هذا قد يودي بحياتها، فلها أن تعمل ما يسمى اليوم بـ [تسكير المواسير]، فكلما اشتد الحاجة توسعنا في الوسيلة، أما من غير حاجة فلا يجوز للمرأة أن تكشف عورتها على امرأة مثلها، فضلاً عن طبيب مسلم، أو من باب أولى الطبيب الكافر، والله أعلم...

السؤال 237: نريد أن نخرج مع شباب المسجد في رحلة، فماذا تنصحون وكيف نغتنم الأوقات فيها، وما الآداب الواجب مراعاتها في مثل هذه الرحل، كالتي كانت برفقة الشيخ الألباني رحمه الله؟
الجواب: أقول والله المستعان، إن شيخنا إمام هذا العصر في الحديث الشيخ أبو عبدالرحمن محمد ناصر الدين بن نوح الألباني، رحمه الله، وطيب ثراه، ورفع درجته في عليين، لو لم يكن من حسنات اللقاء به إلا معرفة أهمية الوقت لكفى ذلك، ونقرأ عن أهمية الوقت عند العلماء، لكن الفرق بين الخبر والمعاينة، فكان الشيخ إذا سئل في مكتبته عن شيء، فعين عند السائل والأخرى في الكتاب، وما رأيت أحداً أشح بوقته منه، وهذا من علامة نبوغه ومن توفيق الله له، ومن أسباب تقدمه، ولو أن الشيخ فتح بابه لكل طارق، وجرس هاتفه لكل طالب لما نبغ النبوغ الذي كان عليه، ولذا لا بد للطالب أن يفوته شيء من خير، ولكن ينبغي أن يكون فقيهاً، وأن يعرف الأولويات.
وكانت رحلات الشيخ تكون بعد مضي جهد وتعب، وحبس للنفس في المكتبة، التي كان يقضي فيها قبل مرض موته، كان يقضي فيها بعض الأحايين، أكثر من ثماني عشرة ساعة، لا يخرج إلا لطعام يسير أو صلاة، فما كان يخرج لذات الرحلة، وإنما كان يخرج ليتقوى ويرتاح من ضغط ما هو فيه، وليستفيد من الوقت، وكان خروجه غالباً يكون مع طلبة علم فيخرج ليفيد، وما يعرف إلا الجلوس للسؤال والجواب، وإذا كان خروجه في النهار لا ينسى القيلولة، ويقيل في السيارة فيستعين بهذه المدة اليسيرة من النوم ،وكان الشيخ كالجواد كلما ركض جد واجتهد، فكان يجلس المجالس الطويلة، التي تمتد أكثر من ثماني ساعات والشباب الجالسون يتعبون من السماع والشيخ يقول: أنا معكم إلى حيث شئتم. فالمسائل العلمية كانت هي مبحثه وحادثه في جلوسه، وكما قالوا قديماً: كل شيء إن أنفقت منه فإنه ينقص إلا العلم فإنك إن أنفقته زاد.
وكنت في أول تعرفي على الشيخ لا أستغرب من معلوماته لكن كنت أستغرب من شيء ظهر لي فيما بعد سره، فكان الشيخ إن استشكل عليه الجواب ما رأيته تلكأ مرة في رد الشبهة التي تطرأ عليه، وكثيراً ما يكون الجالسون طلبة علم، وأناس معروفون ومرموقون ومحققون ممن يشار إليه بالبنان، بل بعض كبار العلماء وهو من هيئة كبار العلماء لما تباحثنا وإياه في بعض المسائل، لما كان عندنا هنا في الأردن، وكان يقول: الشيخ يقول كذا، ويستشكل علي كذا قلنا له الشيخ قريب فما المانع أن تجلس معه؟ فكان يقول: نتكلم من وراء الشيخ، أما أمام الشيخ فللشيخ مهابة لا تأذن لنا أن ننطق بكلمة، فكان رحمه الله له هيبة.
وكان حريصاً على وقته يخرج ليرتاح ويستعين فيما بعد على مواصلة الطلب من جهة وفي الجلوس تكون فائدة المباحثة وإيراد الاستشكالات من الطلبة فكان لا يتلكأ في استشكال إلا ويرده، وظهر لي السر فيما بعد، وكان السر في أشياء:
الأول: أن الشيخ متفنن ومتقن لأكثر من فن، فليس كمن لا يعرفه يقول إن الشيخ حديثي، فالشيخ بدأ فقيهاً، وتعلم الفقه الحنفي على أبيه، وكان أبوه فقيهاً حنفياً مرموقاً، وله تلاميذ كثر معروفون درسوا عليه الفقه، وكان للشيخ أيضاً نصيب جيد من علم أصول الفقه، ولا زلت أذكر أن الشيخ اتصل بي مرة وقال لي: دون عندك، أنا أحفظ في كتاب "التحرير" لابن همام أنه يقول كذا وكذا، وأملى علي فقرة وقال: أريد أن توثقها من كتاب "التحرير" وأن تتصل بي وتقرأ علي عبارة التحرير، فكادت العبارة التي في ذهنه تتطابق تماماً مع العبارة الموجودة في كتاب التحرير، ويقول الشيخ: حفظتها من أكثر من خمسين سنة، فكان رحمه الله يعرف علم الأصول معرفة جيدة
والثاني: كانت مجالس الشيخ فيها المستفيدون فرأيت مع مضي الزمن أن جل الشبه التي كانت تطرج عليه ما كانت تلقى عليه لأول مرة، ويكون له فيها سالف ذكر، فكانت هذه المسائل عنده الجواب عليها تحصيل حاصل، لأنه كان لا يعرف إلا البحث والعلم.
لذا نصيحتي إلى طلبة العلم أن لا ينشغلوا عن العلم بغيره، فإن العلم من أنفس ما تصرف فيه الأعمار، وهو من أقرب الطرق إلى تحصيل رضى الله، وإلى دخول الجنان، نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا..

السؤال 238: ما معنى التلبينة؟
الجواب: التلبينة دواء نبوي حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم وياليت يكون في حياتنا نصيب من إرشادات النبي صلى الله عليه وسلم الصحية والبدنية، فكثير منا يفتخر بالسنة ويحبها، لكن في معالجته ورياضته لا يوجد للسنة نصيب لها في حياته، فيمكن أن يستعاض مثلاً عن كرة القدم بالمسابقة أو المصارعة وهذه سنة نبوية، ففعل ذلك وإشهاره حسن، وكذلك الأدوية النبوية.
والتلبينة حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم فأخرج البخاري في صحيحه بثلاثة مواطن (5417، 5689، 5690) ومسلم (2216) بإسناديهما عن عائشة رضي الله عنها ((أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع النساء لذلك ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت ثم صنع تريد فصبت التلبينة عليها ثم قالت: كلن منها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {التلبينة حجمة لفؤاد المريض، تذهب بعض الحزن})) وفي هذا إشارة إلى أن الطعام والطباع والأخلاق بينهما صلة فهذه التلبينة تذهب بعض الحزن.
والتلبينة هي حساء من دقيق أو نخالة الدقيق ربما جعل معها عسل، وبعض العلماء يقولون يلحق بالدقيق الشعير، ومغلي الشعير لا حرج فيه، ما لم يكن فيه كحول، وفيه فائدة، والأطباء ينصحون بتحميصه قليلاً حتى تتطاير بعض زيوته، لأنها تسبب السمنة، فعائشة كانت تتقصد أن يصنع مثل هذا الطعام عند الميت لأنه يذهب الحزن، ويدخل على النفس الفرح.

السؤال 239: قصة الرجل الكافر الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: هنالك أربع كلمات غير عربية في القرآن هي: أتهزأ، قسوة، كباراً، عجاب. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: {احتكم لمن أردت}، فاحتكم الكافر إلى رجل عجوز عربي أصيل، فلما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، استهزأ به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال العجوز" أتهزأ بي يا قسوة العرب، وأنا رجل كباراً، إن هذا لشيء عجاب. هل هذه القصة صحيحة؟
الجواب: هذه القصة ليست بصحيحة، ولم تثبت في دواوين السنة المشهورة، ويتناقلها أهل الأدب وأهل المُلح وكتب السمر، وفرق بين هذا وبين الثابت الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والكلام المحرر والمحقق عند العلماء أن القرآن الكريم كله عربي، ولا يوجد فيه شيء أعجمي وقد خص الإمام الشاطبي في "الموافقات" بكلام جميل، وذكر ذلك الشافعي في الرسالة، وهذا هو الكلام المعتبر عند العلماء وهذه القصة لم تثبت عن رسول الله.

السؤال 240: هل ألفت كتب منفردة في ضبط أسماء الرواة؟
الجواب: أسماء رواة الحديث اعتنى بها العلماء عناية عجيبة، وجزى الله خيراً الخطيب البغدادي، فإنه اعتنى عناية عجيبة بالمؤتلف والمختلف والمتفق والمفترق، وألف كتباً في كل باب من الأبواب التي ذكرها ابن الصلاح في "علوم الحديث". وكاد "علوم الحديث" أن يكون اختصارات لمؤلفات مفردة في كل باب طرقه الخطيب بالتصنيف.
ورواة الحديث ينبغي أن تضبط أسمائهم حتى لا يقع بينهم تداخل فهذا حبان وهذا حيان وهذا جيان ومثل ذلك، فهذه ألفاظ رسمها واحد، وهذه موجودة في كتب قديمة غير منقوطة، وهذا العلم يسمى "المؤتلف والمختلف" وقد صنف فيه الخطيب البغدادي وغيره، وأهم من أولى هذا الباب من عناية الإمام الذهبي في كتابه "المشتبه" وأصبح هذا الكتاب موضع اهتمام من قبل العلماء، وأخطأ في ضبط بعض الأسماء فكتب عليه الحافظ ابن حجر "تبصير المنتبه لتحرير المشتبه" وهذا من أوسع كتب الضبط وأحسنها، وكنا نسمع من شيخنا الألباني مدحاً عجيباً لهذا الكتاب حتى أنه من المفارقات الحسنة أن اليوم الذي قرر فيه تسفير الشيخ من هذا البلد، لملابسات كثيرة، ففي اليوم الذي أخبر فيه بالتسفير أخبر فيه بأن هذا الكتاب قد طبع، فما انتظر حتى أتى بالكتاب ونظر فيه في حال كان الله بها عليم.
و"توضيح المشتبه" كتاب عجيب وهو مطبوع في عشر مجلدات، استدرك على الذهبي وفصل وبين أشياء فاتتة وزاد عليه، وخطأه في أشياء، وهو أوعب الكتب وأحسن الكتب وأضبط الكتب في ضبط أسماء رواة الأحاديث، وهو يغني عن "المشتبه" ويغني عن "تبصير المنتبه" والله أعلم..

السؤال 241: ما هي أنواع الشهادة في سبيل الله؟
الجواب: الشهادة في سبيل الله أقسام: شهيد في الدنيا والآخرة وشهيد في الدنيا وليس شهيداً في الآخرة وشهيد في الآخرة وليس شهيداً في الدنيا.
وشهيد الدنيا والآخرة فله ثواب وأجر الشهادة، وأحكام الشهيد في الدنيا والآخرة، وهو من مات في المعركة مقبلاً غير مدبر لإعلاء كلمة الله، ولم يأكل ويشرب على إثر إصابته ويسقط في المعركة بجروحه ولم يتطبب، فبعض العلماء يقول أن من أكل وشرب وتطبب بعد إصابته لا يعامل معاملة الشهيد، إلا الشيء اليسير من الطعام والشراب ثم يموت على إثر ذلك.
وشهيد الدنيا هو من مات في المعركة مقبلاً وغير مدبر، ولم تكن نيته إعلاء كلمة الله فيعامل معاملة الشهيد في الدنيا على ظاهره وفي الآخرة عند الله ليس له أجر الشهيد.
وأما شهيد الآخرة وليس بشهيد الدنيا فيعمال في الآخرة معاملة الشهيد وله ثواب الشهيد، أما في الدنيا فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويعامل معاملة سائر الأموات، وهذا مثل: المبطون، الذي يموت بداء البطن، والغريق، والحريق، ومن مات بذات الجنب، والمرأة تموت بجمع، أي بنفاس، والغريب، من مات في غير بلاده غريباً، فمثل هؤلاء يكون شهيد الآخرة، وليس بشهيد في الدنيا، وهذه أنواع الشهادة عند العلماء، والله أعلم...

السؤال 242: ما هي نصيحتكم لمن يتصل عبر الهاتف بالعلماء وطلبة العلم؟
الجواب: جزى الله السئل خيراً، فإن في النفس كلاماً في هذا الموضوع أحب أن أذكر إخواني به، فيا أخي؛ بارك الله فيك وزادك حرصاً إن رفعت السماعة وسألت فشكر الله لك وبارك فيك، ولا يفعل ذلك إلا حريص يريد أن يعرف حكم الله عز وجل في مسألة.
لكن ينبغي لمن يفعل ذلك أن يتأدب بآداب، وينبغي أن يراعي أشياء؛ فأولاً: عليه أن يعلم أنه ليس الوحيد الذي يتصل، فإنه قد يتصل مئة غيره، والأمر الثاني: ينبغي أن يسأل عن الشيء الذي لا يقبل التأجيل وأن يعلم أن الهاتف هو لقضاء غرض على أسرع وجه.
فليس الهاتف موطن الجواب المفصل والمدلل، وما ينبغي للعالم و طالب العلم أن يذكر على الهاتف الشبه وكيف ترد وكيف تناقش، فعلى الهاتف يطلب الجواب فقط، من أجل أن يقضي حاجة وغرضاً عجلاً، وفيما بعد يستفصل، أما أن تصبح طالب علم على الهاتف فلا يجوز لك ذلك إلا أن تطلب موعداً مسبقاً وأن يحول أمر دونك ودون العالم أو طالب العلم، كمن يكون خارج البلاد، لكن أن تطلب محاضرة وأنت تعلم أن هناك مئة غيرك يتصلون فمسكين طالب العلم هذا، على من يجيب ومع من يتكلم؟ فلا يستطيع أن يتكلم، فالهاتف من أجل قضاء الغرض الذي لا يقبل التأجيل.
والأمر الثالث: ينبي للسائل أن يعلم أن وقت المسؤول ثمين فالوقت نفيس، فوالذي نفسي بيده لو أن الوقت يباع لبعت بيتي واشتريت وقتاً وكما قال الحسن: ((يا بن آدم، إنما أنت أيام فإذا مضي يوم مات بعضك))، فبعض الأخوة يسألون ويكونون أمام عوام فتجيبهم، فيقول لك: لو سمحت؛ قنع فلان، ثم قنع فلان، فما هذا؟ فالمسؤول ليس مسجل يبقى يعيد، فأنت يا طالب العلم تسأل ولا تطلب أن تخاطب العامة، وبعد أن تضع الهاتف اشرح لهم أنت واحلم عليهم.
والأمر الرابع: ينبغي للسائل أن يعلم أن الهاتف ليس للإجابة على مسائل الأمة العامة، فالمسائل القلقة، لا يسأل عنها على الهاتف.
والأمر الخامس: ما ينبغي أن تقضى مسابقات الناس على الهاتف فبعض الناس يسأل عن المسابقات لينال الجوائز، وطلبة العلم أوقاتهم أنفس من هذا.
والأمر السادس: ينبغي لطالب إن سأل أن يبدأ بـ : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بارك الله فيكم يا شيخنا سؤالي كذا وكذا، فيسأل السؤال بأقصر عبارة ومن غير أن يقص قصة، فقد يقص الإنسان قصة عشر دقائق ثم يسأل السؤال، فأقول دعك من القصص، وقل سؤالك مباشرة، من غير ذكر التفصيل، ودعك من الأسئلة التي لا معنى لها، والأسئلة التي فيها إثارة وضجة، ولا ينبني عليها عمل، وإن حقك أن تأخذ الحكم الشرعي فيها لكن بتأصيل وتفصيل ليس عبر الهاتف.
والأمر السابع: إن كان عند البعض أسئلة كثيرة، ويصعب عليه إلا أن يسألها على الهاتف فينبغي أن يشرح للمسؤول ذلك، ويقول له: يا فلان عندي مجموعة من الأسئلة أريد منك وقتاً تحدده لي حتى ألقي عليك هذه الأسئلة.
والأمر الثامن: يقبح بالسائل أن يضارب بين قول المسؤول وغيره، كأن يقول: يا شيخ سألنا فلان وفلان وقالوا كذا وأنت ماذا تقول؟ فهذا امتحان ليس بحسن لكن إن استشكل عليه شيء فاسأل عنه من غير أن تقول : فلان قال كذا.
والأمر التاسع: من أسوأ الأشياء أن يسجل لطالب العلم فتوى دون أن يستأذن، فهذه خيانة فينبغي إن أردت أن تسجل أن تستأذن، فالكلام الذي يسجل ليس كالكلام الذي يلقى عبر الخاطر.
والأمر العاشر: ينبغي أن نراعي وقت السؤال فإن طرأت عليك مسألة في منتصف الليل مثلاً وتريد أن تسأل عنها فهذا ليس بحسن، ثم إن اتصلت مرة ومرتين وما أجابك فلا تلح كثيراً، فلعله مشغول، فلطالب العلم لبدنه حق، ولزوجه حق، ولأبناءه حق، ولعلمه وأبحاثه حق، وللناس حق، نعم أن طالب العلم ليس ملكاً لنفسه ولا لأهله، وأولاده، وإنما كل صادق وطالب علم له فيه نصيب، ويجب عليه أن يعطى هذا النصيب له، لكن بترتيب وبعدم تشويش وتداخل الحقوق، وإنما يعطي كل ذي حق حقه في الوقت الذي لا يقع فيه تضارب.
ثم مسائل الطلاق والقضاء وفصل الحقوق والميراث لا تصلح على الهاتف، ومخطئ من أفتى الناس بالطلاق على الهاتف كائن من كان، فأئمة الدنيا: ابن باز، الألباني، ابن عيثمين، ما كانوا أبداً يفتون على الهاتف في الطلاق، وأنت لا تعرف السائل فلعله يلعب والطلاق قضاء، ومسائلة يحتاط فيها ولا يجوز لها الهاتف والعوام لا يضبطون ألفاظهم، والمفتي حتى يفتي فلاناً يحتاج إلى أن يتحايل عليه وأن يسأله أسئلة كثيرة، بصيغ مختلفة حتى يكيف ماذا قال، وهذا يصعب أن يقع على الهاتف ويحتاج إلى قرائن، فربما يحتاج أن يسمع من حاضر ماذا نطق والناس الآن في عصر الآلة، جفت مشاعرهم، وأصبحوا يريدون كل شيء على وجه السرعة، وهذا لا يصلح به الشرع.
فالهاتف له آداب يستخدم عند الحاجة، بمقدار الحاجة من غير تفصيل ومن غير إزعاج وفي وقت معين، وينبغي أن نراعي هذه الآداب، ووفق الله الجميع ....

السؤال 243: هل يجوز التبرع بالدم؟
الجواب: التبرع بالدم لا حرج فيه، ذلك أن الدم ليس بنجس، والدم يسحب وسحبه جائز، وله أصل في الشرع وهو الفصد والحجامة، حتى من يقول بنجاسة الدم، فإن طريقة السحب الآن لا تعرضه للهواء ولا يفسد، فيبقى حكمه بعد سحبه بالطريقة الطبية الحديثة كحكمه وهو في الجسم، ولا ينبغي لمن يقول بنجاسة الدم أن يقول بنجاسته حال سحبه، لا سيما أنه ينبني عليه التطبب ولا أرى حرجاً أبداً في جواز التبرع بالدم، بل أقول: من تبرع بدمه لمريض له الأجر والثواب إن شاء الله .
أما أن يبيع الرجل دمه فهذا حرام، وهذا ينافي كرامة الإنسان، قال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم}، فالإنسان مكرم ولا يجوز أن يبيع شيئاًَ من أعضاءه أما إذا اضطر الرجل لشراء الدم فالإثم على البائع وليس على المشتري، وأيضاً التبرع لغير المسلم جائز.
ومن باب الاستطراد يذكرون في كرامات الشيخ الإمام محمد أمين الشنقيطي رحمه الله وهو من أئمة هذا العصر، توفي من قبل نيف وعشرين سنة، فأشار الطبيب يوماً أن يوضع له دم فقالوا له ذلك، فقال الشيخ: لا أريد دماً، لأني لا أعرف هذا الدم كيف غذي، وهل صاحبه أكل من حلال أم من حرام، وأنا أصبر على قضاء الله. ولما اشتد المرض بالشيخ فأصر الطبيب وهمس في أذن ابنه أن والدك بحاجة إلى الدم، وأنه ليس ملك نفسه، والأمة بحاجة إليه، فأذن ولده دون إذن الأب حرصاً على حياته، فوضع له الدم، فقال بعض من سمع ولده يحدث أنه لما نزعت الإبرة خرج الدم من مكانه على غير العادة، فما قبل بدنه دم غيره.

السؤال 244: ما هي علة الربا؟
الجواب: علة الربا مسألة فيها خلاف طويل، وللعلماء، فيها كلام كثير، وعندي فيما نظرت وقرأت أجود من حرر علة الربا ابن رشد في كتابه الجيد "بداية المجتهد" والذي أراه أن الأصناف الأربعة غير الذهب والفضة العلية فيها أنها طعام يدخر ويقتات، فيشمل الربا كل الطعام يدخر ويقتات.
وأما الذهب والفضة فالعلة فيها الثمنية فهو أصل ثمن الأشياء، لذا يجري في المال الربا، وهذا الذي أراه راجحاً، والله أعلم...

السؤال 245: ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: {عليكم بالسنا والسنوت}؟
الجواب: أخرج أحمد وابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجه والحاكم وأبو نعيم في الطب النبوي بإسنادهم إلى أسماء بنت عميس رضي الله تعالى عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألها: {بم تستمشين؟} [أي بم ينطلق بطنك وماذا تأخذين حتى يمشي البطن] قالت: {بالشبرم} [وهو نوع قوي من أنواع الشيح]، فقال صلى الله عليه وسلم: {حار جار}، وفي رواية: {حاريار}[على لغة بني تميم الذين يقلبون الجيم ياء}، قالت: {ثم استمشيت بالسنا}، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: {لو أن شيئاً كان فيه شفاء من الموت لكان في السنا}، وهذا حديث حسن لغيره، وفي رواية للطبراني في "الكبير" الجزء الثالث والعشرون، وفي "الطب النبوي" لأبي نعيم (ورقة35) عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ((دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: {مالي أراك مرتثة؟}[أي ضعيفة ساقطة الهمة]، فقلت: شربت دواءاً أستمشي به، فقال: {مالك وللشبرم فإنه حار يار، [وأثبته محقق الطبراني بالنون والصواب بالياء]، عليك بالسنا والسَّنوت فإن فيهما دواء من كل شيء إلا السام})).
وأخرج الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه وابن السني وأبو نعيم في "الطب النبوي" عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" {إن خير ما تداويتم به السعوط والحجامة، والمشي}، أي: تمشية البطن، فحديث: {عليكم بالسنا والسنوت}، حديث حسن ورد عن عدة صحابة.
والسنا معروف عند العطارين بهذا الاسم ويقولون عنه السنا مكي، وهو خير ما يمشي به البطن، وفيه نفع وفائدة، وأما السنوت فقد اختلف فيه العلماء على أقوال كثيرة، وعلى قول جماهير الشراح نوع من أنواع الكمون، حب كبير، وقيل هو العسل في زقاق السمن، وقيل عكة السمن تعصر فيخرج خطوط سود من السمن، وقيل الشمر، ويسميه أهل الموصل (ززنيج)، وفي دمشق يقولون عنه (لانسون) وهو شبيه باليانسون، وقيل: هو رب التمر، وهذه كلها ملينة تمشي البطن.
وحقيقة إن كثيراً من الأدواء التي تمر بالناس اليوم سببها أن جدار المعدة يغلق من كثرة فضلات الطعام، فلو أن الرجل امتنع عن الطعام أياماً عديدة، فإنه سيبقى بين الحين والحين يجد فضلات، وهذا يمنع وصول فوائد الطعام إلى البدن، لذا الأطباء يوصون في الأمراض المستعصية بشيء يسمى الصوم الطبي، وهو ترك الطعام وتناول السوائل فقط.
وقد سمعت من شيخنا رحمه الله، في بيتي قال: كنت ذات يوم في رحلة دعوية إلى الشمال وكنت أشعر بشكوى فذهبت للطبيب، فقال لي: عندك شريان مغلق، قال: فما عبئت وبقيت في رحلتي، وقرأت في هذه الرحلة كتاباً لعالم روسي، فيه فوائد الصوم الطبي، قال: فمكثت أربعين يوماً لا آكل شيئاً، وبعد أن أنهيت رحلتي العلمية، رجعت ففحصت فلم أجد شيئاً أشكو منه، قال: فحدثت بهذه القصة الشيخ كفتارو(مفتي سوريا الذي ما زال على قيد الحياة الآن) وكانت له أم مقعدة، قال: فقسا عليها وكان يحبسها في الغرفة ولا يضع لها إلا الماء، فمكثت بضعاً وعشرين يوماً، فقامت تمشي على رجليها، هذا ما سمعته بأذني في بيتي من شيخنا رحمه الله تعالى.
فعلى العاقل بين الحين والحين أن يمتثل أمر النبي صلى الله عليه وسلم: {عليكم بالسنا والسنوت}، ويتقصد هذه المعاطاة متبعاً إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم، ففي هذا نفع في الدين والدنيا، والله الموفق...

السؤال 246: ما هو حكم لعب الشدة؟
الجواب: لعبة الشدة لعبة حادثة، عرفت في زمن الأتراك ،وذكرت عائشة أوغلوي في كتاب لها مطبوع اسمه "مذكرات الأميرة عائشة" ذكرت أن لعب الشدة كان محرماً عند علماء العثمانيين، وعلمائنا المعاصرون الذين نثق بعلمهم يحرمون لعب الشدة.
وإذا كان لعب الشدة يدفع فيه المغلوب مالاً، فهذا قمار، وإن كان لا يدفع شيئاً فهذا حرام، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبدالله ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من لعب بالنرد شير فقد غمس يده في لحم الخنزير ودمه}، وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو داوود وغيرهم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله}، ولعب النرد والشدة والضاما والسيجا كلها على قاعدة واحدة.
وذكر العلماء فائدة نفيسة من قوله صلى الله عليه وسلم: {من لعب بالنرد شير فقد غمس يده بلحم الخنزير ودمه}، فقالوا: الإنسان لا يأكل حتى يغمس، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم من لعب النرد دون قمار كالغامس لأن الغمس مقدمة للأكل، فالإنسان لا يأكل القمار حتى يلعب، فاللعب غمس والقمار أكل، فمنع الشرع لعب النرد وما يلحق به من الشدة، وغيرها حسماً لتعلق القلب بالقمار ولعبها، فالخمر الكأس يدعو إلى كأس، وكذلك القمار الدست يدعو إلى دست، فإن تعلق القلب بالخمر فلا يرتوي من كأس وإن تعلق بالقمار فلا يرتوي من لعبة، وهذا حال الذين يلعبون الشدة.
ومن تعلق قلبه بلعب الشدة والمقاهي فإنه لا ينال إلا شراً، ولا ينال إلا رفاق السوء، ومن يصرف طاقته الذهنية وفكره وعقله في مثل هذه الألعاب، فإنه أكثر الناس تضييعاً لمن يعول من الأولاد، إن ذهب للبيت فلا يستطيع أن يتابع أولاده، لأن كل طاقته العقلية وضعها في المقهى، ويريد الآن أن يستروح.
لذا فإن لعب الشدة حرام وإن لم يكن على شيء، فإن كان مقابل شيء فهو حرام من وجهين.

السؤال 247: بما نجيب من يقول: بما أن الله ينزل من الثلث الأخير من الليل، وثلث الليل الآخر يكون في كل لحظة من اللحظات؟
الجواب: نحن نؤمن بإله قادر، محكم للقوانين، والمخلوقات تحكم بهذه القوانين، والله جل في علاه لا يحكمه قانون، فهذا الإله الذي نؤمن به، لذا فإنا نؤمن أن الله جل في علاه يدنو من المصلى وهو على عرشه، فهو دان في علوه عال في دنوه، كما قال ابن تيمية رحمه الله.
بعض الناس يقولون مشوشين: الله ينزل في الثلث الأخير من الليل، وكل لحظة يوجد ثلث أخير من الليل، ومعنى ذلك أن الله عز وجل ينزل في كل لحظة، هذا كلام باطل وساقط، لأن هؤلاء جعلوا الله محكوماً بقانون هو وضعه، والله لا يحكم بهذه القوانين، فهي محكمة لنا، فنبينا أخبرنا أن ربنا ينزل في الثلث الأخير من الليل، ويقول: هل من داع فأستجيب له نوهل من مستغفر فأستغفر له، فنقول: سمعنا وأطعنا، فالله جل في علاه لا يخضع لهذه القوانين وإنما هو الذي وضعها فالسؤال خطأ، والله أعلم....

السؤال 248: ستعطى فوائد أموال المتضررين للعائدين من الكويت، فما هو حكم أخذ هذه الأموال، وهل يجوز التصدق بها؟
الجواب: أما قول السائل عنها فوائد، فهذا خطأ، فهي مضار، وهي ربا، وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تقوم الساعة حتى تسمى الأسماء بغير مسمياتها، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم قوله: {ليشربن قوم من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها}، فاليوم ،ولا حول ولا قوة إلا بالله، تسمى الخمور مشروبات روحية، ويسمى الربا فوائد، وتمسى الخلاعة خنا، وهكذا..
أما الربا فلا يجوز لأحد أن يأخذه أما من أجبر عليه، أو كان له مساب ربوي فتاب، فنقول له: هذا المال ليس لك، ولا يجوز أن تأخذه لأن العبرة في اقتناء المال طريقة الكسب، والربا ليس طريقاً شرعياً للكسب، ولا يجوز لأحد حتى رفع المظلمة عن نفسه بالربا كمن يحتج لأخذه بوجود الضرائب وما شابه، فنقول له: لا.

السؤال 249: ما الفرق بين الغيبة والنميمة؟
الجواب: الغيبة والنميمة كلاهما حرام، وكبيرة من الكبائر، والراجح عند أهل العلم أن هناك فرقاً دقيقاً بين الغيبة والنميمة، وبينهما عموم وخصوص، وذلك أن النميمة هي نقل حال الشخص إلى غيره على جهة الإفساده بغير رضاه، سواء كان بعلمه أم بغير علمه.
وأما الغيبة فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {ذكرك أخاك بما يكره}، فامتازت النميمة عن الغيبة بقصد السوء، وامتازت الغيبة عن النميمة، بكونها في الغيبة، واشتركا فيما عدا ذلك، ومن العلماء من اشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه غائبأً، فالغيبة تكون فيما لا يرضيه، وإن لم يكن على وجه الإفساد.
لذا، فأن تذكر أخاك بما فيه بغمز أو قدح ولو بوصف، ولو بدعاء ويكون فيه تنقص فهذه غيبة، كما قال النووي في "الأذكار" عن غيبة العباد، فيذكر رجل على لسان آخر فيقول: اللهم اهده، فيشعر السامع أنه ضال، لذا قد تكون الغيبة بالدعاء، والله أعلم...

السؤال 250: ما حكم الشرب واقفاً؟
الجواب: الذي أراه صواباً، والله أعلم، أن الشرب واقفاً حرام إلا لحاجة أو ضرورة، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه، {أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب واقفاً}، فسئل أنس عن الأكل، فقال: ((ذلك شر))، وثبت في صحيح مسلم أيضاً من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن شرب واقفاً: {أتحب أن يشرب معك هر}، قال: لا، فقال صلى الله عليه وسلم: {كيف وقد شرب معك الشيطان!}، وثبت في صحيح مسلم أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: {من شرب واقفاً فليستقيء}، فلظاهر هذه الأحاديث أن الشرب واقفاً حرام.
لكن لضرورة جائز، كأن لا تجد إناء تشرب منه جالساً، فشربت من الحنفية واقفاً يجوز، فقد ثبت في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم، شرب واقفاً من شنٍ معلق، وقد شرب واقفاً في عرفة، لكي يعلم الناس أنه مفطر وليس بصائم، فالشرب لحاجة وضرورة واقفاً جائز، وإلا شرب جالساً، والله أعلم..
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.


To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:21 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.